أفراح الروح: كيف نستقبل شهر القرآن؟

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أفراح الروح: كيف نستقبل شهر القرآن؟

بقلم: الاستاذمحمد مهدي عاكف

مقدمة

رسائل.gif

رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد..

فقد مضت الشهور، وتوالت الأيام، وحلَّ علينا شهر رمضان الذي قال الحق سبحانه وتعالى فيه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيْ أُنْزِلَ فِيْهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185).

وإنني أهنِّئ المسلمين بحلولِ هذا الشهر العظيم، وأسأل الله أن يتقبل منهم صيامَهم وقيامَهم وسائرَ أعمالهم، وأسأله سبحانه أن يجمعهم على كلمةِ الحق، وأن يردَّهم إلى منهجه ودستوره الذي أنزله على قلبِ سيدِ الأنبياء والمرسلين.

جميع الشعوب الإسلامية والعربية في مشارقِ الأرض ومغاربها يعشقون قدومَ شهر رمضان والقيام، ويحبون القرب من نفحاته ويفرحون بمقدمِهِ، ويسعدون بلقائِهِ، ويعتبرونه واحةً ظليلةً في بيداء هذه الحياة، ومعينًا صافيًا عذبًا للروح، وكمال العبودية لله، ورمزًا للإنسانية الرفيعة السامية، والتربية الجهادية الغالية، فيه تشفُّ أرواحُهم، وتسمو نفوسهم، ويزكو الإيمانُ في قلوبهم، وتعلو أخلاقُهم، وترتفع معنوياتُهم، وتعود الآمال إلى الأيام الخوالي.. إلى الآباءِ الذين أعزَّ الله بهم الإسلام.. وإلى الفتوحاتِ والنصر؛ لتكون كلمة الله هي العليا.

ولرمضان أفضالٌ كثيرةٌ، وثوابٌ عظيمٌ، وآثارٌ في حياةِ الفرد والجماعة والأمة لا حصرَ لها، فهو يضبط حياة المسلمين، ويعلِّمهم النظام والالتزام ويعوِّدهم الصبرَ والحلمَ والأناة.

فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال الله عز وجل:"كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" (رواه البخاري ومسلم).

وعن سهل بن سعد- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إن للجنة بابًا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق، فلم يدخل منه أحدٌ" (رواه البخاري ومسلم والنسائي).

وعن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربِّ، منعتُه الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال فيشفعان" (رواه أحمد والطبراني).

وعن حذيفة بن اليمان قال: أسندت النبي- صلى الله عليه وسلم- على صدري، فقال: "من قال لا إله إلا الله خُتم له بها دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله خُتِم له به دخل الجنة، ومَن تصدق بصدقةٍ ابتغاء وجه الله خُتِم له بها دخل الجنة" (رواه أحمد).

وعن أبي سعيد- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله تعالى إلا باعد الله بذلك اليوم وجهَه عن النار سبعين خريفًا" (رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي).

وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "ثلاثةٌ لا تُرد دعوتُهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين" (رواه أحمد).

نظرة إلى الواقع

وفي رمضان لا نستطيع أبدًا أن ننسى الأهوال والمآسي المفزعة التي يعيشها المسلمون في كل مكانٍ وجميع العالم للأسف، وكل الهيئات والمؤسسات وقفت موقف المتفرج، وقوات الاحتلال الأمريكي والأوروبي وعصابات اليهود تواصل حرب الإبادة للمسلمين، لقد سلَّم أصحاب القوة المادية في العالم الشعوبَ العربيةَ والإسلاميةَ للجزَّارين والخَوَنة وسفاكي الدماء ليعملوا على إبادتهم، ولم يشعر أحدٌ بأي تأنيبٍ للضمير، أو حتى صيحة استنكارٍ لهذه المذابح البشعة.. الابن يبكي على أبيه، والصبي يصرخ من أجل أمه، والزوجة تندب حظَّها، وزوجها يتشحَّط في دمه، وأعراض المسلمات انتُهكت وحياتُهم دمِّرت من أولها لآخرها.. إنَّ المظلومين الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقٍّ يلعنون صباحَ مساءَ الذين يَقتلون والذين ينظرون إلى القتلة صامتين.. إنها لعنةٌ موجَّهةٌ إلى المنظماتِ وإلى الأمم المتحدة التي وُضع بين أيديها ميثاقُ الأمم أمانةً لترعاه، لكنها أصبحت ذيلاً بل ذنَبًا وألعوبةً في يد الولايات المتحدة.

وهذه الأمم للأسفِ تتشدَّق بالحضارة، وأيديها ملطَّخة بدماء الأبرياء، ونحن نؤمن بأن الحضارة الحقيقية حماية للإنسان؛ لأنها تضع حاجزًا بين الإنسان وبين الهمجية.. لكننا اليوم لا نرى فاصلاً بين الإنسان والوحش في السياسة اليهودية والأمريكية.. ذكر التاريخ أن "نيرون" كان يُعذب أعداءَه فيدفع عليهم أُسْدًا ضاريةً تمزقهم تحت أنظار جماهير ترتاح لهذه المناظر البشعة، ثم بغى وطغى وجنَّ جنونه فأمر بحرق قاعدة مملكة روما، وهكذا الطواغيت في كل عصر، يُسقطون الحدود بين الإنسان والوحش، ثم يدمرون ويخربون بأيديهم ما عمروه.

واليوم يتفنن خليفة نيرون فيرسل على شعب العراق جيشًا يريق الدماء ويستبيح الحرمات، وستكون عاقبته إن شاء الله أن يشعل النار في دياره وخليفة "نيرون" الحقير "المسمى بشارون" سيأتي عليه يوم- وهو قريب إن شاء الله- يشعل نارًا في الأرض المقدسة، وأول مَن يحترق بها هم أفاعي اليهود المجرمون.

إنَّ الواجب علينا- خاصةً في رمضان- أن نعيش بقلوبنا وعقولنا مع هؤلاء الذين نزل بهم ما نزل من بلاء، فالغني يتبرع لهم، والعالم يتحدث عنهم، والبعض من الكتَّاب والصحفيين يترك الهراء الذي يردده صباح مساء ويكتب عن أخص قضايا المسلمين، ويصور ما ينزل بهم من بلاءٍ ويدافع عن المظلومين.. جميع أجهزة الإعلام في العالم العربي والإسلامي يجب عليها أن تقول كلمة الحق قويةً صريحةً تهزُّ عروش الظالمين وتوقظ الذين طال نومهم.

أمل ورجاء

وحين يتطلع المسلم إلى مسيرة التاريخ الإسلامي يجد شهر رمضان اقترن بألوانٍ من البطولاتِ والمفاخر والانتصارات، ففيه نزل القرآن على رسول الله ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185)، وفيه غزوة بدر الكبرى، التي تحددت فيها موازين النصر والهزيمة، وفيه الفتح الأعظم فتح مكة، الذي وضع حدًّا للشرك والأصنام والمشركين، وفيه فتح الأندلس، والانتصارات في معركة عين جالوت، التي انتصر فيها المسلمون على التتار، وسيضاف قريبًا إلى هذه الأمجاد- بإذن الله- تحرير بيت المقدس، و القدس و فلسطين قلب العالم الإسلامي، وستعود جميعُ مقدسات المسلمين إلى أصحابها، وسيوضَع الحدُّ لجميع المخرِّبين أعداء البشرية ﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وخَافَ وعِيدِ(14) واسْتَفْتَحُوا وخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ(15)﴾ (إبراهيم).