الإخوان المسلمون والمثقفون .. سيد قطب نموذجاً

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان المسلمون والمثقفون .. سيد قطب نموذجاً


المقدمة

كان لجماعة الإخوان المسلمين أثر كبير على المثقفين فى مصر، فمنهم من تأثر بالإخوان دون انضمام، ومنهم من تأثر بهم وانضم اليهم، فمن الصنف الاول الكاتب خالد محمد خالد، والذى يذكر فى كتابه (قصتى مع الحياة) أنه وأثناء دراسته الجامعية في الأزهر كان يتردد إلى دار الإخوان المسلمين

فيقول :

"ولقد زرت دارهم في سن مبكرة أيام كانوا يتورون في شقة بميدان العتبة الخضراء، كنت أغدو وأروح مع الصديق العزيز سيد سابق .. وكنا كثيرا ما نجد فضيلة المرشد جالسا وسط فنائها يستروح نسمات الأصيل ومعه بعض الإخوان ، فنجالسه ونستمع لحديثه المفيض ودعابته الممتعة .وتعرفت على الشيخ محمد الغزالي و الشيخ زكريا الزوكة والشيخ عبد المعز عبد الستار والأستاذ أحمد السكري والدكتور إبراهيم حسن والأستاذ توفيق أحمد والأستاذ صالح عشماوي والشيخ أحمد حسن الباقوري والشيخ محمد نايل .
كان إعجابي بالأستاذ البنا يتنامى دوما ، فكل ما فيه يدعو للإعجاب به وبالمودة له : علمه ، وخلقه ، وسمته ، وزهده ، وتواضعه ، وتبتله وجهاده ومثابرته وتفانيه وسحر حديثه وشخصيته كلها الآسرة والمضيئة.. وكان يطرى الأستاذ البنا من حين لآخر ، فيقول : كل ذكاء الزعامة ويقظتها وشمولها ، كان للأستاذ البنا منه أوفى نصيب .. ولقد كان في الصدارة من الذين يألفون ويؤلفون .. وكانت شمائله تفتح له القلوب الغُلف والآذان الصم .. ولا يقترب منه أحد إلا أحبه .. ولا يحبه إلا هابه" (1)

الا أن هناك مثقفين آخريين تأثروا بجماعة الإخوان المسلمين، وصاروا أعضاء فيها. ومنهم الاستاذ سيد قطب، والذى أحدث انضمامه لجماعة الإخوان المسلمين زلزالا فى اوساط المثقفين.. ولازال كان الاستاذ سيد قطب أديبا اسثتنائيا ومثقفا فوق العادة ومفكرا يصنع بمواقفه دليل أفكاره، وكانت جماعة الإخوان المسلمين بالنسبة اليه - حين انتسب لها سيد قطب – وعاء لنشاطه ومفجرا لطاقاته وبابا الى (العالمية) لم يضاهيه باب فى عالم الثقافة والأدب وفى عالم الدعوة والتربية.

سيد قطب .. والاحزاب

كان لواحد مثل سيد قطب أن يبحث عن وعاء يستوعب أفكاره ونشاطه، فانضم في بدايات حياته لحزب الوفد، لكنه لم يجد لديه او لدى غيره من الأحزاب ما يشبع رغباته أو يحقق آماله.. فقد انتمى سيد قطب لحزب الوفد وبقي فيه فترة طويلة، لكن بوقوع حادث فبراير 1942، انفصل عن حزب الوفد

وانضم إلى حزب الطليعة الوفدية أو حزب السعديين الذي انشق عن حزب الوفد وبقي فيه إلى عام 1945 حيث ترك الأحزاب كلها وقال: (هذا القلم ليس لحزب من الأحزاب فقد بات صاحبه لا يرى في الأحزاب إلا أقزاما بعد أن خلا الميدان من كل جبار فهو بهذا يتوجه إلى مصر الخالدة وهي أخلد وأسمى).

ويقول مبينا سبب تركه الأحزاب، مصورا شخصيات رجالها:

(فلم أعد أجد في حزب من هذه الأحزاب ما يستحق عناء الحماسة له والعمل من أجله، كلهم سواء أولئك الرجال رجال اجيال الماضي، للجميع عقلية واحد لا يصلح لهذا الجيل عقلية أنصاف الحلول، كلهم نشأوا وفي قرارة نفوسهم أن انجلترا دولة لا تُقهر وأن الفقر مرض مستوطن) (2)

سيد قطب .. إسلامى مستقل

ظل سيد قطب محلقاً في فضاء النقد والأدب زهاء ربع قرن من الزمان في صحبة أستاذه عباس العقاد، الا أنه كان يشعر بخواء روحى اهتاجت نفسه لاشباعها.. الى وجد ضالته أخيرا في القران الكريم. فبينما كان سيد قطب يعد بحثه عن التصوير الفني في القرآن الكريم

وجد ما هو أكثر من الوجه الجمالى في القرآن، فكتب عن العدالة الاجتماعية في الإسلام، ثم أعاد قرائته مرة بعد مرة، ليكتشف في كل مرة ما كان يبحث عنه، وجد في القرآن نظاما شاملا وكاملا يضع الكليات ويدع التفاصيل، ليقوم هذ الدين موجها حركة الحياة من خلال عزمات البشر وجهادهم..

ثم أتبع ذلك بكتب أخرى على ذات المنوال: (معركة الإسلام والرأسمالية) و(السلام العالمي والإسلام)، بالاضافة لمقالات أخرى نثرها فى عدد من المجلات، منها مجلة "الدعوة" التي يصدرها الإخوان المسلمون، ومجلة "الاشتراكية" التي يصدرها حزب العمل، ومجلة "اللواء" التي يصدرها الحزب الوطني، وقد جُمعت تلك المقالات كلها فى كتاب بعنوان "دراسات إسلامية".

كما شرع فى كتابة "في ظلال القرآن" .. برز هذا التوجه الاسلامى لدى سيد قطب قبل انضمامه رسميا لجماعة الإخوان المسلمين. كان ذلك التوجه فى الكتابة يعنى أنه انتقل من ميدان النقد والأدب الى ميدان الدعوة والرسالة.

وكان سيد قطب قد أهدى كتابه (العدالة الاجتماعية فى الإسلامية):

(إلى الفتية الذين كنت ألمحهم بعين الخيال قادمين؛ فوجدتهم في واقع الحياة قائمين.. يجاهدون في سبيل الله بأموالهم و أنفسهم، مؤمنين في قرارة نفوسهم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. إلى هؤلاء الفتية الذين كانوا في خيالي أمنية و حلمًا، فإذا هم حقيقة وواقع، حقيقة أعظم من الخيال، وواقع أكبر من الآمال. إلى هؤلاء الفتية الذين انبثقوا من ضمير الغيب كما تنبثق الحياة من ضمير العدم، و كما ينبثق النور من خلال الظلمات. إلى هؤلاء الفتية الذين يجاهدون باسم الله. في سبيل الله. على بركة الله. أهدي هذا الكتاب)

كان واضحا من هذا الاهداء أن سيد قطب يبحث عن جماعة أو عن تنظيم أو عن كيان، يترجم أفكاره أو يتبناها..

سيد قطب .. في أمريكا

تبنى سيد قطب – على غير عادة مثقفى جيله – قضايا استقلال الشعب المصرى وحريته وكرامته، وكان يعبر عن ذلك كتابة من خلال مقالات في العديد من المجلات، ومنها مجلة (الفكر الجديد) والتي كان يمولها بالكامل الحاج المنياوى عضو مكتب ارشاد جماعة الإخوان المسلمين.

وقد سببت تلك المقالات الكثير من الازعاج للقصر والملك، فتم تدبير رحلة الى أمريكا على حساب وزارة المعارف، حيث كان يعمل في وزارة المعارف في مديرية التفتيش الفني، فى بعثة علمية يقوم فيها بزيارة مختلف الجامعات والمعاهد العلمية هناك حيث يطلع على مناهجها الفنية في التربية والتعليم ليطبقها على وزارة المعارف عند عودته ، كان هذا هو الهدف المعلن، لكن الهدف الخفى كان محاولة إحتوائه هناك من خلال انبهاره بالحياة الامريكية.. فهل نجحت تلك الخطة؟ وكيف كان رد فعل سيد؟

غادر سيد قطب مصر إلى أمريكا في أواخر عام 1948 على ظهر الباخرة وقد ذكر سيد قطب أن محاولات إغوائه من خلال النساء بدأت منذ أن وطئت قدماه الباخرة، وتكررت طوال وجوده في أمريكا.. لكن الله حماه وعصمه من الوقوع في الخطيئة.

وبدل أن تبهره أمريكا بمفاتنها وسحرها، أقبل سيد قطب على دراسة المجتمع الامريكى دراسة عملية، فراح يدرس المجتمع الأمريكي عن كثب دراسة فاحصة ويسجل ملاحظاته ونتائج دراساته، وعندما نشر بعض ملاحظاته هذه فوجئ الناس بها وتكشفت لهم أمريكا على حقيقتها حيث تحدث عن بعض مشاهداته هناك: قسوتهم على الضعيف ووقوف جماعة منهم أمام زميلهم الذي يحتر وهم يسخرون منه، وخروج الزوجة بعد وفاة زوجها مباشرة لسهرة جماعية وفرح زوجة أخرى لوفاة زوجها لأنه كان مؤمنا على حياته

وكشف عن حقيقة موقف الأمريكيين من الفنون وبعدهم عن الفن الإنساني وكيفية زيارتهم للمتاحف وتذوقهم للوحات الفنية المعروضة فيها واشترك ف عدة نواد كنسية هناك في كل مدينة عاش فيها لأنها كانت تمثل ناحية هامة من نواحي المجتمع تستحق الدراسة عن كثب ومن الداخل وبين لنا الدافع لإنشاء الكنائس وموقف الشعب منها وكشف عن انسياقها مع التيار الماجن واستخدامها أساليب شاذة لاكتساب الزبائن وتهيئتها الأجواء لارتكاب الفواحش ودعوتها للرذيلة.

لقد عرى سيد قطب المجتمع الأمريكي المثل الأعلى لكثير من المثقفين في البلاد الإسلامية وأبان عن مباذله ومفاسده وانحاطه الخلقي والاجتماعي والإنساني وصار دائم الشعور باستخسار هذا الشعب الذي يصنع المعجزات في عالم الصناعة والعلم والبحث ألا يكون له رصيد من القيم الإنسانية الأخرى ولذلك فهو شديد الإشفاق على الإنسانية الأخرى ولذلك فهو شديد الإشفاق على الإنسانية أن تؤول قيادتها إلى هذا الشعب وهو فقير من تلك القيم جميعا.

النشاط السياسى لسيد في أمريكا

لم يتخل أثناء وجوده هناك عن اهتماماته السياسية وتفكيره في بلده وواقعها السياسي السيء فقد كان يكتب المقالات السياسية في المجلات الأمريكية منها مقال كتبه في مجلة (fulecrun) التي تصدر في مدينة جريلي بكولورادو بعنوان العالم ولد عاق بني فكرته على الأسطورة المصرية القديمة التي تتضمن أن التاريخ كان في جولته التي يقوم بها لتتبع الأحداث وتسجيلها

وقد جرى أن يسأل الآلهة عما يغمض عليه فشاهد أمرأة تعلم طفلا فسأل الإله عن ذلك فأجابه بأن المرأة هي مصر وأن الطفل هو العالم وترمز الأسطورة إلى أن مصر هي أم الحضارات وقال الأستاذ سيد: أن العالم بعد أن كبر عق أمه ومعلمته مصر فأمريكا مثلا خذلتها في قضاياها السياسية ووقفت مع أعدائها.

وقد كان يتنافس رجال المخابرات الأمريكية والبريطانية كل في كسبه إلى جانب الأمريكيون منهم بوسائلهم الكثيرة لإغرائه واجتذابه والبريطانيون بوسائلهم التي يشككون فيها بنوايا الأمريكيين

حدثنا سيد عن وسيلة منها قائلا:

والكثير من الحاكمين في الدولة الأمريكية تخرجوا في المعاهدة التبشيرية وهي حقيقة أفضى بها على أحد الأساتذة الإنجيز الذين ألتقيت بهم في أمريكا وعد لي عشرات من الأسماء البارزة في وزارة الخارجية الأمريكية وفي السلك السياسي ولم يكن يفضي إلى بهذه الحقيقة بريئا لوجه الله، وإنما هو كما عرفت فيما بعد أحد رجال قلم المخابرات البريطانية الذين يهمهم إلا يثق الشرقيون كثيرا في نيات أمريكا مما دعاني إلى التشكك في بياناته لي
فتحققتها بوسائل أخرى هذا الرجل الذي أشار إليه اسمه جون هيوورث دن وقد ادعى الإسلام وتسمى باسم جمال الدين دن وتزوج مصرية مسلمة اسمها فاطمة وقد عرض على سيد قطب إغراء له أن يترجم كتابه الجديد العدالة الاجتماعية في الإسلام إلى الإنجليزية مقابل عشرة آلاف دولار ولكن سيد قطب رفض العرض وأعطى الكتاب إلى المجلس الأمريكي للدراسات الاجتماعية ليترجم مجانا حيث قام بترجمته المستشرق يوحنا جون .ب. هاردي الأستاذ بجامعة هالفكس بكندا
وليس غريبا أن تتنافس على اكتسابه بريطانيا وأمريكا لأنهم توقعوا أن يكون له دور مهم في وزارة المعارف ويخشون منه على عملائهم فيها هذا ما حدث مع الدكتور طه حسين إذ عندما أصبح وزيرا للمعارف وكان الإنجليز يعرفون أن ميول الرجل ثقافته فرنسية فلما صارت إليه وزارة المعارف أدركوا أن هناك خطرا على الثقافة الإنجليزية قد يصيبها مع وجود هذا الوزير وهنا فقط تذكروا أن طه حسين أديب كبير يستحق الدعوة إلى انجلترا والضيافة على الحكومة البريطانية والمعهد البريطاني والتكريم بالألقاب الجامعية من جامعات انجلترا فقط عندما صار وزيرا للمعارف (3)

وهكذا نال سيد قطب ممن دبروا إغوائه، قبل أن ينالوا هم منه.. وعاد من الولايات المتحدة عام 1950 إلى مصر ليخوض معارك سياسية ضد طغيان فاروق، وفساد الأحزاب، وهيمنة المستعمر الإنكليزي.. واستقطبت هذه الكتابات فيمن استقطبت ضباط انقلاب (23 يوليو)، فأعجبوا بها، وتعرفوا على كاتبها، وقامت بينهم وبينه علاقات

سيد قطب .. وعسكر يوليو

ومثلما كان لسيد قطب انتماء لحزب الوفد والحياة الحزبية عموما، كان له كذلك وجود بارز فى حركة الضباط الأحرار عام 1952 والتى لم تدم كثيرا.

فقد كان الضباط الشباب يجتمعون فى حديقة بيته بحلوان جنوب القاهرة، وكان سيد قطب هو المدنى الوحيد الذى كان يحضر اجتماعات مجلس قيادة الثورة، والتى كان له إقامة شبه دائمة، وهو كذلك من رشحه جمال عبد الناصر ليترأس أول تنظيم سياسى (هيئة التحرير) والتى أنشأها عبد الناصر فى 23 يناير 1953

لكن لم يدم فيها سيد قطب سوى شهر واحد، وقد ذكر سيد قطب بنفسه في "لماذا أعدموني؟"، أنه "كنت أعمل أكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً قريباً من رجال الثورة ومعهم".، ويشير حلمي النمنم إلى أن سيد قطب كان من "أوائل الذين طرحوا اسم "ثورة" على ما جرى وما يجري منذ فجر 23 يوليو"، مشدداً على أنه "كان يكتب ويفكر كأنه واحداً من ضباط مجلس القيادة".

عسكر يوليو يكرمون سيد قطب

نتيجة للعلاقة الوثيقة بين سيد قطب والضباط الأحرار جعلتهم ينظّمون حفل تكريم له، حضره برفقة صديقه أحمد عطار. يقول محمد الصروي: "بعد نجاح الثورة، دعا رجال الثورة سيد قطب لإلقاء محاضرة عن "التحرر الفكري والروحي في الإسلام"، في آب - أغسطس عام 1952 بنادي الضباط".

وأشار عادل حمودة إلى هذا المؤتمر، بقوله:

(نُظّم بعد شهر واحد من قيام الثورة مؤتمر "حرية الفكر في الإسلام" كانت تهنئة جمال عبد الناصر ومحمد نجيب من نصيب سيد قطب".

وعن تفاصيل اللقاء، يقول صلاح الخالدي:

"ذهب سيد قطب في الموعد المحدد برفقة أحمد عطار لإلقاء المحاضرة، قال الأخير: "حضرت معه وكان النادي مزدحماً بحدائقه... وحضرها جمع لا يحصى من الشعب... كان مقرراً حضور محمد نجيب، وتوليه تقديم سيد قطب، إلا أن عذراً عارضاً اضطره للتخلف، وبعث برسالة تُليت على الحاضرين، من قبل أحد الضباط".

ويؤكد عطار أن موجز الرسالة أن

"نجيب كان حريصاً على أن يحضر المحاضرة، ويفيد من علم سيد قطب، ووصف الأخير بأنه "رائد الثورة ومعلمها وراعيها"، وبعث برسالته مع أنور السادات، وأناب عنه جمال عبد الناصر ... وقال أحد كبار الضباط: "كان مقرراً أن يقدّم الرئيس محمد نجيب أستاذنا العظيم، ورائد ثورتنا المباركة، مفكر الإسلام في عصرنا، الأستاذ سيد قطب".

وألقى قطب كلمة مرتجلة، قال فيها:

"لقد كنت في عهد الملكية، مهيئاً نفسي للسجن في كل لحظة، وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضاً، فأنا في هذا العهد، مهيئ نفسي للسجن، ولغير السجن، أكثر من ذي قبل"، بحسب عطار.

وهنا وقف جمال عبد الناصر، وقال بصوته الجهوري ما نصه: "أخي الكبير سيّد والله لن يصلوا إلا على أجسادنا، جثثاً هامدة، ونعاهدك باسم الله، بل نجدد عهدنا لك، أنا فداؤك حتى الموت".

ويشير محمد الصروي إلى أنه

"بعد حفل التكريم علم جمال عبد الناصر أن احتواء سيد قطب مستحيل، وفشلت خطته في ذلك"، موضحاً: "الكارثة التي أعدم قطب بسببها من وجهة نظري، أن كلاً منهما (أي قطب وعبد الناصر)، قد فهم الآخر جيداً". (4)

وقد حدث بالفعل فراق بين حركة الضباط الأحرار وبين سيد قطب على نحو ما توقع فى هذا الحفل بنادى الضباط، حيث لم يجد بغيته عندهم.

سيد قطب .. والإخوان

لم يكن بين سيد قطب وبين الإخوان المسلمين ذلك التخاطر الروحى فقط، بل كانت هناك مواقف جمعته بالإخوان المسلمين:

  1. عندما نشر سيد قطب في جريدة الأهرام وفي مجلة دار العلوم، نقده لكتاب مستقبل الثقافة في مصر للدكتور طه حسين، تبنت جريدة الإخوان المسلمين هذا النقد ونشرته على صفحاتها.
  2. مع الحاج محمد حلمي المنياوي صاحب دار الكتاب العربي وعضو مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين حيث اتفق معه على إصدار مجلة الفكر الجديد، والتى كتب فيها سيد قطب مقالات اعتبرها الملك تعريضا به وبنظام حكمه فأغلقها..
  3. وكانت مقالاته فى مجلة الدعوة التى يملكها الإخوان المسلمون، سببا آخر فى التواصل مع الإخوان المسلمين والاطلاع على أخبارهم. حتى أنه أثبت فى مصادر كتابه (العدالة الإجتماعية فى الاسلام) فى الطبعة الاولى منه، كتابين للشيخ محمد الغزالي وهما كتاب (الإسلام والأوضاع الاقتصادية) وكتاب (الإسلام والمناهج الاشتراكية)، الا أنهما حُذفا بعد ذلك مع قائمة المصادر الاخرى فى الطبعات التالية.
  4. وعندما سافر سيد قطب الى أمريكا، ووجد هناك من يفرح ويرقص طربا لموت حسن البنا، وكتبت هناك الجرائد والمجلات عن موت ما سموه بـ (عدو الغرب الأوَّل) في الشرق الأوسط!! أدرك أن لحسن البنا ولجماعته شأن أكثر مما توقع
  5. وعندما التقى سيد قطب مع رجل المخابرات البريطاني "جون هيوورث دن" في بيته، حيث حذَّر "دن" سيِّدًا من الإخوان المسلمين، ومن مغَبَّة إمساكهم بزمام الأمور في مصر، وقدَّم له معلومات دقيقة عن التنظيم، وأهاب به أن يقف وأمثاله من المثقفين المصريين في وجه الإخوان المسلمين!! عندها أدرك سيِّد صِدْقَ دعوة الإخوان، وكيد أعداء الأمة بهم، وفي بيت هذا الإنجليزي قرر سيد قطب رحمه الله - في قرارة نفسه - الانضمام للإخوان المسلمين .. فأصبح واحدًا منهم (5)
  6. وعندما خرج الإخوان المسلمون من محنة 1948، اندلعت أعمال المقاومة فى القناة ضد الانجليز، ولم يعلن الإخوان المسلمون يومها أنهم مشاركين فيها، تسائل سيد قطب فى مقال له عن دور الإخوان فى المقاومة، فكتب يقول فى مقال بعنوان (رأي الإخوان ورأي الإسلام): هناك حاجة ماسة إلى كلمة صريحة واضحة رسمية من الإخوان هذه الأيام؛ لأن هناك ما يدعو إلى قولها، وأصدقاء الحركة أمثالي هم أحرص الناس على سماع هذه الكلمة ولم يكن الأستاذ سيد رحمه الله قد انضم إلى الإخوان بعد.. وجاء رد الأستاذ الهضيبي رحمه الله يومئذٍ دبلوماسيًّا أنيقًا شافيًا بأسلوب حذر مهذب، قال رحمه الله: (يقول الأستاذ سيد إن دور الإسلام في الكفاح الشعبي دور إيجابي دائمًا، فإذا كان رأي الإسلام في ذلك واضحًا، فما معنى السؤال؛ إن رأي الإخوان كذلك واضح) (6)
  7. بعد قيام حركة يوليو 1952، توطت العلاقة بين سيد قطب والإخوان الى درجة أنه كان يحضر احتفالاتهم.. يقول الشيخ يوسف القرضاوي: (وفي هذه الفترة اقترب الأستاذ سيد قطب من جماعة الإخوان وإن لم ينضم إليهم بصورة رسمية، وكان يصحب الأستاذ الهضيبي المرشد العام للإخوان في بعض رحلاته إلى الأقاليم. وأذكر أنه زارنا في منطقة المحلة الكبرى بمناسبة الاحتفال بالهجرة النبوية وتحدث في هذا الحفل الكبير الأستاذ الهضيبي والأستاذ عبد الحكيم عابدين السكرتير العام للإخوان، والفقير إليه تعالى، وكان الأستاذ سيد قطب مستمعًا فقط . وأذكر أن الأستاذ سيد رحمه الله قال للأستاذ عابدين بعد أن سمع كلمته الضافية في المناسبة: لماذا لا تكتب هذا الكلام يا أستاذ عابدين؟ إن الكلمة المكتوبة لها أهميتها فهي أخلد وأبقى من الكلمة المسموعة، وكان كثير من الإخوان يلقون كلمات نيرة وقيِّمة في هذه المناسبات ولكنها لا تُكتب) (7)

وانتهى الامر بانضمام سيد قطب الى جماعة الإخوان المسلمين، فى فترة كان الصدام فيه يبلغ الذروة بين الإخوان المسلمين وبين ضباط يوليو وعلى رأسهم جمال عبد الناصر.

الخاتمة

إن مثقفا كبيرا بحجم سيد قطب، لم تستوعبه الاطر السائدة فى عصره، فلا الاحزاب ولا حركة الضباط الأحرار استطاعتا أن تستوعب سيد قطب المفكر الثائر، واستوعبته فقط جماعة الإخوان المسلمين.

كما أن إطار (الاسلامى المستقل) عجز كذلك من خلاله سيد أن يطبق أفكاره، فكان لابد من تنظيم ومن جماعة، ارتضى سيد قطب بأن يكون فيها جنديا لا قائدا أو زعيما كما كان بين الضباط الأحرار.

وعلى نفس النسق، لو قُدِّر لجماعة الإخوان المسلمين أن تعمل فى حرية، لأحدثت نقلة كبيرة فى توجهات المثقفين فى مصر وفى العالم العربى والاسلامى عامة.

المصادر

  1. خالد محمد خالد .. شجاعة في الحق
  2. سيد قطب الشهيد الحي
  3. المصدر السابق
  4. "رائد الثورة ومعلّمها"... ما هو دور سيّد قطب في ثورة 23 يوليو؟
  5. سيد قطب.. المفكر الإسلامي شهيد الدعوة والتربية والثقافة والفكر
  6. درس وعبرة.. الليلة والبارحة
  7. كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" وسيد قطب