الإصلاح السياسي عند البنا (الإخوان بين الدين والسياسة- الحلقة الثانية)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإصلاح السياسي عند البنا (الإخوان بين الدين والسياسة- الحلقة الثانية)

إعداد: طارق عبد الرحمن


المقدمة

بعد أن قام الإمام البنا بتوضيحِ وبيانِ أن الإسلام دينٌ شاملٌ كاملٌ يَشملُ كلَّ مجالاتِ الحياة، وأنه تحدَّث في أمور الدنيا والآخرة معًا، بعد ذلك يجيب على هذا السؤال المهم وهو:

لماذا يشترك الإخوان في انتخابات مجلس النواب ؟

قرر المؤتمر السادس للإخوان المسلمين المنعقد بالقاهرة في ذي الحجة 1361 أن يشترك الإخوان المسلمون في الانتخابات النيابية، وأخذ مكتب الإرشاد العام بهذا القرار وقدَّم بعض الإخوان في الانتخابات الماضية، وقرر الأخذ بهذا القرار كذلك في الانتخابات المزمع إجراؤها بعد حل مجلس النواب القائم.

وتساءل بعض الناس لماذا يشترك الإخوان المسلمون في الانتخابات؟

الإمام حسن البنا

والإخوان المسلمون كما عرف الناس، وكما أعلنوا عن أنفسهم مرارًا جمعيةً للخدمة العامة ودعوة إصلاحية تجديدية تقوم على قواعد الإسلام وتعاليمه، فأما أنهم جمعية للخدمة العامة فذلك هو الواضح من ممارستهم في شعبهم لأنواع هذه الخدمة من ثقافة وبر وإحسان ورياضة وإصلاح بين الناس وإقامة للمنشآت ما بين مساجد ومعاهد ومشافي وملاجئ في حدود طاقتهم ومقدرتهم، وأما أنهم دعوة إصلاحية فذلك أن لب فكرتهم وصميمها أن يعود المجتمع المصري والمجتمعات الإسلامية كلها إلى تعاليم الإسلام وقواعده التي وضعها في كل شئون الحياة العملية للناس، ومن البدهي الذي لا يحتاج إلى بيانٍ أن الإسلام ليس دينَ عقيدةٍ وعبادةٍ فقط ولكن دين عقيدة وعبادة وعمل تصطبغ به الحياة في كل مناحيها الرسمية والشعبية.

أولئك هم الإخوان المسلمون، جمعية، ودعوة، والدعوة لب فكرتهم وثمرة جهادهم والهدف السامي لكفاحهم الطويل من قبل ومن بعد.

وعماد الدعوة لتنجح وتظهر، تبليغ واضح دائم يقرع بها أسماع الناس ويصل بها إلى قلوبهم وألبابهم، وتلك مرحلة يظن الإخوان المسلمون أنهم وصلوا بهم في المحيط الشعبي إلى حدٍّ من النجاح ملموس مشهود، وبقى عليهم بعد ذلك أن يصلوا بهذه الدعوة الكريمة إلى المحيط الرسمي، وأقرب طريق إليه "منبر البرلمان".

فكان لزامًا على الإخوان أن يزجوا بخطبائهم ودعاتهم إلى هذا المنبر؛ لتعلو من فوقه كلمة دعوتهم، وتصل إلى آذان ممثلي الأمة في هذا النطاق الرسمي المحدود بعد أن انتشرت فوصلت إلى الأمة نفسها في نطاقها الشعبي العام؛ ولهذا قرر مكتب الإرشاد العام أن يشترك الإخوان في انتخابات مجلس النواب.

وإذن فهو موقف طبيعيي لا غبارَ عليه فليس منبر البرلمان وقفًا على أصوات دعاة السياسة الحزبية على اختلاف ألوانها، ولكنه منبر الأمة تسمع من فوقه كل فكرة صالحة ويصدر عنه كل توجيه سليم يُعبِّر عن رغبات الشعب أو يؤدي إلى توجيهه توجيهًا صالحًا نافعًا.

وسيفيد الإخوان من هذه الخطوة فوائد جليلة.

سيفيدون على أسوأ الفروض انتهاز هذه الفرصة لنشر الدعوة في هذا المحيط الذي تعترك فيه الفكر وتشتجر فيه الآراء وما كان لدعوة الحق الكريم أن يخفت صوتها في وقتٍ تعلو فيه كل الأصوات ويختلط فيه الحابل بالنابل, ولا قيامَ للباطل إلا في غفلةِ الحق.

وسيفيدون بعد ذلك أن يفهم الناس أن دعوتهم لا تقف عند حدود الوعظ والخطابة، ولكنها تحاول أن تشق طريقها إلى المنابر والمجتمعات الرسمية، وأن على المؤمنين بهذه الدعوة أن يهيئوا أنفسهم لهذا الميدان، وأن يستعدوا لخوض غماره، وسيفيدون إرشاد الناس إلى هذا المظهر الكريم من مظاهر التنافس الفاضل الشريف في هذا الميدان.

ستقوم دعاية الإخوان على المبادئ والأهداف. وسيرى الناس أمامهم لونًا فريدًا جديدًا من ألوان الدعاية الانتخابية البريئة المطهرة تستمد من قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات: 11) هذه فوائد مقطوع بها مهما كانت النتيجة الانتخابية، وسيفيد الإخوان بعد ذلك- إذا قدر لهم النجاح- وهو المأمول إن شاء الله هذه الصفة الرسمية لدعوتهم، وهذا التسجيل الرسمي لنجاحهم في وصولها إلى آذان الشعب ومداركه، وسيرى كثيرٌ من الناس في هذا النجاح بوادر الأمل القوي في نهضةٍ جديدة وحياة جديدة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، سيخوض الإخوان هذه المعركة وعمادهم تأييد الله إياهم، ودعايتهم فكرتهم التي اختلطت بصميم نفوسهم وأرواحهم، وعدتهم إيمان أنصارهم بأحقية الفكرة بأن تقود الأمة وتهدي الناس سواء السبيل.

ويتساءل فريق من الناس فيقولون: أليس معنى هذا الاشتراك أن الإخوان سيخرجون من حيزهم الديني إلى حيز سياسي فيصبحون هيئة سياسية بعد أن كانوا هيئةً دينية؟! ونقول لهؤلاء: إن الإسلام لا يعترف بهذا التفريق بين الأوضاع في حياة الأمة الواحدة، فالهيئة الدينية الإسلامية، مطالبةً بأن تعلن رأى الإسلام في كل مناحي الحياة، والطريق البرلماني هو أقرب الطرق، وأفضلها لهذا الإعلان، ولا يخرجها هذا عن صفتها، ولا يلونها بغير لونها.

وتقول طائفة ثالثة: أليس هذا التنافس مما يكسب الإخوان أعداء ومنافسين، والدعوة أحوج ما تكون إلى مصادقة الجميع وتأييد الجميع؟ وذلك كلام طيب جميل، ونحن أحرص ما نكون على أن تظفر الدعوة بهذا الموضع من القلوب، وستكون المعركة الانتخابية الإخوانية معركة مثالية في البعد عن المثالب الشخصية أو إثارة الأحقاد والحزازات، فإذا فهم الناس هذا المعنى وبادلونا إياه فسندخل أصدقاء ونخرج أصدقاء، وإذا لم يفهموه ولم يقدروه فهم الملومون وليست الدعوة ولا أصحاب الدعوة بمكلفين بأن يتجنبوا طرائق نجاحها خشية الناس، والله أحق أن نخشاه، وأية دعوة في الدنيا نريد ألا يكون لها منافسون وخصوم؟ وحسب الدعوة وأصحاب الدعوة شرفًا ألا يخاصموا الناس في الباطل، بل في الحق، وأن يحاربوا بأنظف الأسلحة وأنبل الوسائل.

ويوجه بعض المتسائلين سؤالاً جميلاً فيقولون: وماذا تصنعون في اليمين الدستورية إذا نجحتم وفيها النص على احترام الدستور، وأنتم معشر الإخوان تهتفون من كل قلوبكم القرآن دستورنا؟ والجواب على ذلك واضح مستبين فالدستور المصري بروحه وأهدافه العامة من حيث الشورى وتقرير سلطة الأمة وكفالة الحريات لا يتناقض مع القرآن، ولا يصطدم بقواعده وتعاليمه، وبخاصة وقد نص فيه على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وإذا كان فيه من المواد ما يحتاج إلى تعديل أو نضوج فقد نص الدستور نفسه على أن ذلك التعديل والنضوج من حقِّ النواب بطريقةٍ قانونيةٍ مرسومة، وتكون النيابة البرلمانية حينئذٍ هي الوسيلة المثلي لتحقيق هتاف الإخوان.

وبعد: فقد اختار مكتب الإرشاد العام هذا القرار، واتخذه بعد أن درس الموضوع من كل وجوهه، وهو مع ذلك يرقب سير الأمور عن كثب، وسيرسم الإخوان طريق اشتراكهم في هذه الانتخابات على ضوء ما يسري من ظروف وملابسات، وسيكون رائده في ذلك الحكمة التامة ومراعاة الظروف العامة والخاصة، وأن يكتسب للدعوة أعظم الفوائد بأقل التضحيات.

والأمور بيد الله ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

دين وسياسة

أتصور ما جاء به هذا الإسلام دائمًا كقلعةٍ ضخمةٍ شامخةٍ تقوم على أربع قواعد ثابتة يحيط بها ويحميها سوران عظيمان:

فالقاعدة الأولى:

العقيدة السليمة الصافية في الله وفي اليوم الآخر وفي هذا العالم الرباني العجيب الذي تنكشف عجائبه وتظهر غرائبه كلما صفت النفوس وأشرقت الأرواح والأفئدة وأطال الناس التأمل والنظر فيما حولهم من السماوات والأرض.

والقاعدة الثانية:

التعبد الصحيح لله العلي الكبير في إخلاص وخشوع وخشية، من فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، وما أمر الله الناس إلا بما فيه الخير لهم، وما نهاهم إلا فيما يجلب الضرر عليهم.. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ (البينة: 5).

وتفصيل الكلام في هاتين القاعدتين وما يتصل بهما يطول، ولعلنا نلم به في موضع آخر، ولكنا الآن إنما نعرض هذا الهيكل للقلعة الإسلامية عرضًا سريعًا، ونلقى عليه نظرةً موجزةً لنتبين حدوده واتجاهاته، ولنا بعد ذلك نظرات في مداخله وتفصيلاته، فلننتقل إلى القاعدة الثالثة: وهي الوحدة الكاملة، فالأمة الإسلامية في نظر الإسلام أمة واحدة جمعت بينها أخوة العقيدة ووحدة الفكرة والوجهة، تتجه إلى قبلة واحدة وتتكاتف للوصول إلى غاية واحدة، وأخوتها قاعدة من قواعد دينها وكثيرًا ما يُعبِّر القرآن عن الوحدة بكلمة الإيمان وعن الفرقة بكلمة الكفر، وقد حصر معنى الإيمان في الأخوة في إحدى الآيات الكريمة فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) وحذَّر هؤلاء المؤمنين عواقب الخلاف والفرقة فقال: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46)، كما أوصاهم وصيةً مؤكدةً بالمحافظة على نعمة هذه الأخوة فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: 103).

وليس معنى هذا أن الإسلام يصادر حرية الفكر أو يقتل في أتباعه استقلال الرأي أو يجعلهم على معنى من الجمود والانقياد الأعمى، أو يحرمهم نعمة النظر والشورى، لا شيء من هذا، وهو الشريعة التي أطلقت العقول من أسرها وأعلت من قدرها، ووزنت الناس بميزانها، وأباحت لكل إنسان أن يجهر بالرأي، ويصدع بالحق، وجعلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركنا من أركانها، وأوجبت النصيحة على كل مؤمن لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم وجعلتها الدين كله، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة" (3)، وشجعت على النظر والاجتهاد حتى جعلت للمجتهد المخطئ متى سلمت غايته وحسنت نيته أجرًا ومثوبةً، فمَن أصاب فله أجران ومَن أخطأ فله أجر واحد.

وإنما معناه أن يفكر الناس ما شاء لهم الفكر، وأن يفسحوا ما أرادوا في مجال النظر، وأن يقول كل إنسانٍ ما يريد، على أن ينتهي ذلك كله إلى أهل الحل والعقد من الأمة وإلى الحاكم المسئول، وهو مطالب بأن ينظر في ذلك كله، وأن يأخذ بما فيه مصلحة الأمة منه، ويحاسب بعد ذلك على نتائج اختياره فإن أحسن فلنفسه وللناس، وإن أساء تحمل نتيجة إساءته، ودفع ثمن خطئه، وحاسبه أهل الحل والعقد ومن ورائهم جميع الشعب على عمله.

ذلك هو الوضع الصحيح للأمة الإسلامية، أن تكون وحدتها كاملةً ولا يمنع ذلك من أن تقوم فيها معارضة صحيحة نزيهة تمحص كل شيء وتكشف عن وجه الحق في كل شيء, أما أن يكون الأساس في الوضع الاجتماعي أن تكون الأمة معسكرين أو معسكرات أكبر همها أن يكون الحكم دولة فيما بينها، وأن يغيب بعضها بعضًا بعضًا بالحق وبالباطل لتصل بذلك إلى بغيتها فهذا ما تأباه الوحدة التي افترضها الإسلام للأمة التي تدين به، وتؤمن بتعاليمه.. ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52).

والقاعدة الرابعة؛ التي يقوم عليها بهاء الإسلام، الأحكام العادلة، فإن الإسلام جاء شريعةً عمليةً إلى جانب أنه عقيدة وعبادة وأخوة، ونظر إلى النفوس نظرة واقعية وعرف أن منها من لا يمكن أن يؤثر فيه الواعظ وحده، ولا أن يهتدى بالإرشاد المجرد فوضع أحكامًا تطارد الجريمة، وتقطع دابر المنكر، وتحفظ على الناس ما يحرصون عليه من الدماء والأموال والأعراض، وأعلن حرمه ذلك كله فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" (4) وقد لاحظ المشرع الإسلامي العوامل النفسانية والاجتماعية إلى جانب المبادئ التشريعية المجردة، فلم يجعل العقوبة مجرد تأديب أو انتقام، ولكنه لاحظ فيها أن تكون تربيةً وزجرًا ووقايةً للفرد والمجتمع، كما أنه كذلك لم يتورط في الجزئيات التي تختلف باختلاف الأشخاص والأعصار والأماكن، بل ترك في ذلك سعةً كاملةً للتطبيق والظروف والحوادث، ويرحم الله الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز إذ يقول: "وتحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" (5) كما أنه لاحظ كذلك عوامل الرحمة، برًّا بالإنسانية، كما لاحظ عوامل الزجر حفظًا لكيان الجماعة فقال صلى الله عليه وسلم: "ادرءوا الحدود بالشبهات" (6) وكان تشريع الإسلام في هذا كله معجزًا حقًّا، وبديعًا حقًّا ولا يحجب الناس عن ملاحظة هذا -الإبداع والإعجاز إلا الدعايات السيئة والأفكار البالية التي أحاطت بهذه المعاني بفعل الذين لا يعرفونها، وسيأتي اليوم الذي تزول فيه هذه الحجب والغشاوات ويعلم الناس أى كنوز أغفلوا: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِى الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (النساء: 83).

هذه هي القواعد الأربع الأساسية التي قام عليها هيكل القلعة الإسلامية في السورين: أما السور الأول, فهو الحكومة، فالحكومة سياج الإسلام والحكم جزءٌ منه، والإسلام يفترض الحكومة دائمًا ولا يقر بالفوضى ويقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- لبعض أصحابه.. "إذا نزلت ببلدة وليس فيه سلطان فارحل عنه فإن السلطان ظل الله في الأرض" (7) وقد جعل الإسلام الحنيف التعاليم والمبادئ التي جاء بها، والأمة التي تؤمن به وتدين الله عليه وديعة في يد الحاكم، هو مسئول عنها بين يدي الله والناس، كما جعل من الأمة رقيبًا عليه، ينصحه ويسدده ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، وقد فصَّل الإسلام حقوق الحاكم وواجباته وشروطه وما يتصل بالمحكومين من ذلك كله في بيانٍ رائعٍ مستفيض.

وليست هناك سلطة في الإسلام غير سلطة الدولة تحمي تعاليم الإسلام (8)، وتقود أمته إلى خير الدين والدنيا معًا، ولا يعرف الإسلام ما ظهر في أوروبا بعد ذلك من تنازع السلطة الروحية والزمنية ومن خلافٍ بين الدولة والكنيسة، كل هذه أوضاع جديدة على الإسلام وأممه، والدولة فيه هي المسئولة عن الأمة والنظام معًا.

وأما السور الثاني, فهو الجيش الذي يحمي الدولة، ويسد الثغور، ويرابط على الحدود، ويصون استقلال الأمة، ويدفع عنها عدوان المعتدين.

وليس الجيش في الإسلام لبغي أو عدوان، ولكنه لحمايةٍ ودفاعٍ وإعزازٍ، والقرآن يقول: ﴿وَقَاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190)، كما يقول: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39).

ومن هنا كان الجهاد ركنًا من أركان الإسلام، بل لعله أعلاها وأقواها، وكان على كل مسلمٍ أن يكون مجاهدًا من أول يوم يتذوق فيه حلاوة الدين: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: 111) ويقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَن مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية" (9).

علم الذين يتربصون بالإسلام وأممه الدوائر هذه المعاني جميعًا، ولعلهم أدركوها بأوضح مما أدركها المسلمون أنفسهم في عصورهم المتأخرة، فألحوا على هذه الأمم بالغزو المادي حتى حطموا جيوشها فتحطم السور الأول، وتدخلوا في حكوماتها وقيدوها في تصرفاتها فحطموا السور الثاني، وانكشفت أمامهم القلعة، فألحوا على القاعدة الرابعة قاعدة الأحكام حتى بدلوها، وألحوا على القاعدة الثانية قاعدة الأخوة حتى مزقوها، وعبثوا بالقاعدتين العبادية والتعبدية بكتبهم وآرائهم ومدارسهم ومناحي ثقافتهم حتى زلزلوا أصولهما في النفوس الضعيفة والقلوب التي لم تتحصن بالمعرفة الصحيحة، ولكن القلعة بعد هذا ظلت شامخةَ البنيان ثابتة الأركان: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: 111)، ولا زال فيها بقية من حاميتها المؤمنة القوية تفسر قول القرآن الكريم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (المائدة: 54) وعلى أيديهم النصر وبهم الفتح إن شاء الله رب العالمين.

ولقد قام الإخوان المسلمون في ساحة هذه الأمة الإسلامية ينادون: أيها المسلمون، تعالوا إلى كلمة سواء، هذه القلعة لنا ولكم، وهذه أعلام قواعدها واضحة بينة، فإلى العقيدة نصححها، وإلى العبادة نتعاون عليها، وإلى الوحدة نرفعها، وإلى الأحكام نقيمها وإلى الحكم لنصلح فساده، وإلى الجيش حتى لا يُقال: إنكم ضعفاء عن حماية أنفسكم والمحافظة على مصالحكم ومصالح الناس.

وسمع أقوام هذا النداء فقالوا: هؤلاء دعاة الدين فما لهم وللسياسة، ونسألهم نحن بدورنا هذا الذي تقرءون الآن, أدين هو أم سياسة؟ ولله عاقبة الأمور.

معركة المصحف بيننا وبين الناس كتاب الله

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 174)، ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ(15) يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(16)﴾ (المائدة)، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللهِ الذي لَهُ مَا في السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (إبراهيم: 1-2)، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44)، ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 1)، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: 67).

قيل: وما معركة المصحف؟

والجواب: إنها معركة وضع القواعد والحدود, وبيان المميزات والفروق, بين الذين آمنوا بالمصحف إيمانًا حقيقيًّا, فجرت به ألسنتهم غضًّا طريًّا, وانشرحت له صدورهم نورًا ربانيًّا, وآمنت به قلوبهم إيمانًا عميقًا, وفقهت أحكامه عقولهم فقهًا دقيقًا, فطبقوه في حياتهم الخاصة تطبيقًا كاملاً, وطالبوا به في حياتهم العامة مثلاً عليا، ونظامًا شاملاً، وبين الذين لم يسعدوا بعد بالانتساب إلى هذا الكتاب، أو انتسبوا إليه، ثم رضوا بمجرد الانتساب إما غفلة أو تبرمًا به، أو رضًا عن غيره, أو خديعة بأعدائه, أو ألفة لسواه, أو خوفًا وخشية للذين لا يؤمنون بالله ﴿فَتَرَى الَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا في أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (المائدة: 52).

والجواب: إنها بين الإخوان المسلمين الذين رأوا منذ عشرين سنة انحراف العالم كله عن جادة الصواب, وضلاله في مسالك النظم الاجتماعية الفاسدة, وإهماله لهذا النظام الرباني الكريم والصراط المستقيم, كما رأوا كذلك نسيان أهل القرآن أنفسهم والمنتسبين إليه من أبناء الأمة الإسلامية لما فيه من روائع الحكم والأحكام, وكمال القواعد والأصول, ودقة الفروع, وحسن النظام ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا في السَّمَاءِ * تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (إبراهيم: 24-25), وانصرافهم عنه إلى مبادئ ودعوات لم يعرفوها, ونظم وأحكام لم يألفوها, جرت عليهم الخيبة والفساد في الدنيا, وسيكون جزاؤهم الندم والعذاب في الآخرة, فقاموا من هذا التاريخ يهتفون: "القرآن دستورنا"، ويطالبون في إلحاح بأن يكون للقرآن أمته الواعية, ودولته العاملة, تنفذه الأولى, وتحققه وتحميه الثانية وتنشره, ﴿حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ﴾ (البقرة: 193).

المعركة بين هؤلاء وبين أولئك الصنفين: الذين لا يؤمنون به على اختلاف أممهم ودولهم وعقائدهم ليؤمنوا, والذين آمنوا به على اختلاف طوائفهم وهيئاتهم وأحزابهم ومذاهبهم ليتذكروا ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيد﴾ (ق: 45).

وقيل: وعلى أي أساس تدور؟

والجواب: إنها تدور بالحكمة والموعظة الحسنة, والبيان الصريح الكافي, والدعوة الواضحة المشرقة على أساس النصوص القرآنية المحكمة القاطعة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42).

ولن تدع الخصوم يفلتون من ثنايا وجوه التأويل والتفسير, أو يفرون من أبواب النقاش والجدل العقيم, بل سنوقفهم أمام النص المحكم وجهًا لوجه, فلا يستطيعون منه فرارًا أو إفلاتًا, فإما عناد أو تسليم ﴿ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَىَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 42).

قيل: وما النتيجة المرجوة من ذلك؟

والجواب: هو التميز أولاً, فلابد أن يمتاز أهل الحق من أهل الباطل, وحينئذ يزداد الذين آمنوا إيمانًا بعد وضوح حجتهم, وبيان محجتهم, ويتعثر أهل الرجس في رجسهم, ويشعرون بمرض القلب, وظلمة النفس, وفداحة الجرم, وحرارة الإثم, لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرًا, وما طال عمر الباطل إلا حين يمتزج به ستار من الحق, أو يمتزج هو بعناصر من الحق, وما فقد بالحق شيء كاختلاطه بطرف من الباطل ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: 25).

ورحم الله القائل: ميزنا يا خالد, وحين يتم هذا التميز في الموازين والقواعد, ثم في النفوس والمشاعر, ثم في الأعمال والتصرفات, تحددت بفعاله الحقوق والواجبات, وانتصر أهل الحق بحقهم، وتفرق أهل الباطل عن باطلهم, وكانت العاقبة للمتقين, والنصر للمؤمنين, ويومئذ يفرح المؤمنون بنصره, ينصر من يشاء, وهو العزيز الرحيم.

أين حكم الله ؟

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 10)، ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ*أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 49-50)، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: 51).


الإسلام دين ودولة ما في ذلك شك

ومعنى هذا التعبير بالقول الواضح أن الإسلام شريعة ربانية جاءت بتعاليم إنسانية وأحكام اجتماعية وكلت حمايتها ونشرها، والإشراف على تنفيذها بين المؤمنين بها، وتبليغها للذين لم يؤمنوا بها إلى الدولة أى إلى الحاكم الذي يرأس جماعة المسلمين ويحكم أمتهم.

وإذا قصر الحاكم في حماية هذه الأحكام لم يعد حاكما إسلاميا، وإذا أهملت شرائع الدولة هذه المهمة لم تعد دولة إسلامية وإذا رضيت الجماعة أو الأمة الإسلامية بهذا الإهمال ووافقت عليه لم تعد هى الأخرى أمة إسلامية، مهما ادعت ذلك بلسانها، وإن من شرائط الحاكم المسلم أن يكون في نفسه متمسكا بفرائض الإسلام بعيدا عن محارم الله غير مرتكب للكبائر، وهذا وحده لا يكفى في اعتباره حاكما مسلما حتى تكون شرائع دولته ملزمة إياه بحماية أحكام الإسلام بين المسلمين، ملزمة إياه كذلك بتبليغها لغير المسلمين، وتحديد موقف الدولة منهم بناء على موقفهم هم من دعوة الإسلام.

هذا الكلام لا نقاش فيه ولا جدل، وهو ما تفرضه هذه الآيات المحكمة من كتاب الله، ولقد كانت آيات النور صريحة كل الصراحة واضحة كل الوضوح في الرد على الذي يتهربون من الحكم بما أنزل الله وإخراجهم من زمرة المؤمنين فالله تبارك وتعالى يقول فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ*وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ*وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ*أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ*إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: 47-51) كما جاءت آيات المائدة تصف المهملين لأحكام الله بالكفر والظلم والفسق فتقول ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون- الظالمون- الفاسقون﴾ ثم تقول ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50).

ولا يكفى في تحقيق الحكم بما أنزل الله أن تعلن الدولة في دستورها أنها دولة مسلمة، وأن دينها الرسمى الإسلام أو أن تحكم بأحكام الله في الأحوال الشخصية وتحكم بما يصطدم بأحكام الله في الدماء والأموال والأعراض، أو يقول رجال الحكم فيها: إنهم مسلمون سواء أكانت أعمالهم الشخصية توافق هذا القول أم تخالفه. لا يكفى هذا بحال ولكن المقصود بحكم الله في الدولة أن تكون دولة دعوة، وأن يستغرق هذا الشعور الحاكمين مهما علت درجاتهم والمحكومين مهما تنوعت أعمالهم، وأن يكون هذا المظهر صبغة ثابتة للدولة توصف بها بين الناس، وتعرف بها في المجامع الدولية، وتصدر عنها في كل التصرفات، وترتبط بمقتضياتها في القول والعمل.

في العالم دولة اسمها الاتحاد السوفيتي لها مبدأ معروف ولون معروف ومذهب معروف نحن لا نأخذ به ولا ندعو إليه، ولكنا نقول: إن هذه الدولة عرفت بلونها هذا بين الناس وفي المجامع الدولية، وهي ترتبط بمقتضياته في كل تصرفاتها وأقوالها وأعمالها، وقد أرادت إنجلترا وأمريكا تقليدها فادعتا أنها تصطبغان بالدعوة إلى شيء اسمه الديمقراطية وإن اختلف مدلوله بمختلف المصالح والمطامع والظروف والحوادث.

فلماذا لا تكون مصر وهى دولة مستقلة ذات سيادة معروفة في المجامع الدولية بتمسكها بهذه الصبغة الإسلامية وحرصها عليها ودعوتها فيها وارتباطها بها في كل قول أو عمل. ذلك هو أساس الحكم بما أنزل الله ومتى وجد هذا المعنى وارتبطت الدولة بهذا الاعتبار واصطبغت بهذه الصبغة فستكون النتيجة ولاشك تمسك الحاكمين بفرائض الإسلام واتصافهم بآدابه وكمالاته ثم صدور كل التشريعات وخضوع كل النظم الاجتماعية في الدولة لتوجيهاته وأحكامه فيتحقق حكم الله فرديا واجتماعيا ودوليا وهو المطلوب.

أين نحن من هذا كله؟

الحق أننا لسنا منه في شيء وكل حظنا منه نص المادة 149 من الدستور، ثم ما بقى في نفوس هذا الشعب من مشاعر وعواطف وتقدير وأعمال وعبادات أما الحكومة والدولة ففى واد وحكم الله في واد آخر.

يا دولة رئيس الحكومة، أنت المسئول بالأصالة.

ويا معالى وزير العدل، أنت المسئول بالاختصاص

ويا نواب الأمة وشيوخها، أنتم المسئولون باسم الشعب

ويا فضيلة شيخ الأزهر وأصحاب الفضيلة العلماء الأجلاء، أنتم المسئولون باسم أمانة العلم والتبليغ التي أخذ الله عليكم ميثاقها.

ويا أيتها الأمة. أنت المسئولة عن الرضا بهذا الخروج عن حكم الله لأنك مصدر السلطات. ففاصلى حكامك، وألزميهم النزول على حكم الله، وخوضى معهم معركة المصحف ولك النصر بإذن الله.

معركة المصحف والقضاء والتشريع والحكمة مِن حُكمِ الله!!

﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65)، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شيء فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ*وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِى الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 178-179)، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: 38)، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ في دِينِ اللهِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 2).

توضع القوانين وتنشأ المحاكم وينصب القضاة لصون الحقوق في الدماء والأموال والأعراض، وهى ما يحرص عليه الناس في هذه الحياة ولتفصل بينهم في كل خلاف يقع حول هذه الأمور الثلاثة التي تواضع المجتمع عليها من لدن وجد إلى الآن. على أن الاعتداء عليها تنكر وجريمة يجب أن تقاوم، وجاء الإسلام يؤكد هذا المعنى فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله" (13).

فهل خَلا القرآن من أصول القواعد التشريعية التي تصون على الناس دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وتكشف لهم على طريقة الفصل فيما يقع بينهم حولها من خلاف؟ وهل خلت أيدى المسلمين وعقولهم وجماعتهم من الثروة الفقهية والتشريعية التي تفصل لهم في وجوه الخلاف، وحرموا أئمة التشريع وأساتذة الحقوق والقوانين؟ وهل أقفرت حياتهم الاجتماعية في أعصارهم التاريخية ودولهم الماضية من القضاء العادل والحكم المنظم والمحكمة التي كانت مصدر عدالة ومشرق نور وإنصاف وهداية؟

والجواب على ذلك من كتاب الله ومن ميراث هذه الأمة الضخم ومن تاريخها المجيد لا لبس فيه ولا غموض.

فقد وضع القرآن الكريم أصول قواعد المحافظة على الدماء والفصل فيها بآيات القصاص في القتل والجراحات، ووضع أصول قواعد المحافظة على الأموال والفصل فيها بتحريم الربا، وفرض الزكاة وعقوبة السرقة وآداب التعامل ووضع أصول قواعد المحافظة على الأعراض؛ لسد أبواب الفتنة وذرائعها، وعقوبة القذف وحد الزنا وتقديس الزواج، وحاط ذلك بسياج من عقوبة المعتدين في الأرض، وأشرك في الزجر عامل الضمير وعقيدة الجزاء في اليوم الآخر، فلم يدع زيادة لمستزيد وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه.

وبين أيدى الدارسين والباحثين ثروة فقهية تشريعية ضخمة فخمة هى بقية مما ترك أولئك الأئمة الأعلام من رجالات الفقه الإسلامى الذين كانوا غرة في جبين الدنيا، ونجوما زاهرة في سماء العلم والمعرفة أمثال: أبى حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعى، وأحمد بن حنبل الشيبانى، والليث بن سعد المصرى، وداود الظاهرى وغيرهم من المئات بل الآلاف، كانوا آية الله في الفطنة والذكاء وجودة البحث وصحة النظر ودقة الحكم وصدق الفراسة حتى ضربت بهم في ذلك كل الأمثال.

وتاريخ الدول الإسلامية العظيمة حافل بالعدول من القضاة المحدثين ما كانوا يخشون في الحق لومة لائم، وكان أحدهم يقضى على نفسه وعلى أقرب الناس إليه وعلى الأمير في إمارته والملك في عز سطوته لا تمنعه عظمة العظيم من أن يأخذ الحق منه لأصغر صغير.

وهذه الحقائق ثابتة واضحة لا يجادل فيهن إلا الكفور، فلماذا نعدل عنها ونرضى أن نكون عالة على غيرنا في التقنين والتشريع وأصول التحاكم والقضاء؟ فاصلنا الله على هذا، ولن نكون مؤمنين إلا إذا رجعنا في ذلك كله إلى حكم الله، وهل بعد هذه المصارحة من بيان ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).

سيحاول بعض المتحذلقين أن يقول

إننا لسنا مختارين في هذا فقد غزتنا الحضارة الأوروبية بأوضاعها الاجتماعية فنقلنا عنها هذه القوانين، ولا نملك الآن أن نعدل عنها، وقد أصبحنا مقيدين باتفاقات دولية ومعاهدات سياسية وقانونية.

وماذا نصنع بغير المسلمين الذين يخالفوننا في الدين وبالأجانب الذي ينزلون ديارنا ولا يشتركون معنا في الجنسية؟

وكيف نطبق اليوم شريعة ألف عام أو يزيد بعد أن تطورت قواعد التشريع وأساليبه هذا التطور العجيب مع ما في هذه الأحكام من قسوة وجحود؟

سيحاول بعض المتحذلقين أن يقول هذا وسنرد عليه في الكلمة الآتية بما يكفيه ويشفيه إن شاء الله ولكن قبل هذه الردود نريد أن نقف نحن وإياه أمام حقيقة الإيمان وجها لوجه فنقول له ولأمثاله نحن يا هذا نخاطب المؤمنين بهذا القرآن الكريم أولا فإن كنت منهم فهذا هو صريح القرآن الكريم لا تملك أنت ولا غيرك حولا عنه ولا بديلا منه، فاختر لنفسك، وخذ أو دع ولا ثالثة لها ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36) "صدق الله العظيم"

﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65)، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شيء فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ*وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِى الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 178-179)، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: 38)، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ في دِينِ اللهِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 2).

ذكرت في الكلمة السابقة أن مقتضى الإيمان بالقرآن الكريم يفرض على كل مؤمن أن يسلم بما جاء فيه من أحكام، وإلا زال عنه وصف الإيمان، وهذا هو صريح الآيات من مثل قوله تبارك وتعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65)، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (النور: 36)، ولنا بعد التسليم بأحكام الله تبارك وتعالى الواضحة الصريحة أن نبحث في حكمها وأسرارها، وسيكشف لنا البحث الحر النزيه عن أن وراء كل حكم حكمة عالية وفائدة شاملة كاملة، فصدق قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: 157).

أما أن نتوقف عن الأخذ بأحكام الله القاطعة حتى تظهر لنا حكمها وفوائدها، وذلك لا يستقيم مع مقتضى الإيمان بأن علم الله أوسع من علمنا واختياره لنا أفضل من اختيارنا لأنفسنا، ووعدت بعد ذلك بمناقشة الشبهات التي يثيرها بعض الناس حول ما جاء في كتاب الله من أحكام وحدوده ومن ذلك قولهم: إن العرف العصرى والاتفاقات الدولية تحول بيننا وبين الرجوع إلى ما جاء في القرآن من أحكام، وهذا القول منقوض بقرارات المجامع الدولية نفسها، ففى لاهاى (15) وفي واشنطن ارتفع صوت المجتمعين بتزكية الشريعة الإسلامية، واعتبارها مصدرا مستقلا من مصادر التشريع صالحا للتطور والبقاء. وما مثلت مصر في محكمة العدل الدولية بعضو قانونى، هو سعادة عبد الحميد بك بدوى، إلا بهذا الاعتبار.

وهو أنها تستمد من شريعة مستقلة هى الشريعة الإسلامية، ولو قيل أنها تستمد تقنينها من إحدى الشرائع الأوروبية لأغنى عن تمثيلها العضو الذي يمثل الدولة ذات التشريع الأهلى، على أن العرف الدولى الآن قد تغير تغييرا كبيرا، وصار من المسلم به أن من حق كل شعب أن يفكر في تنظيمه الداخلي كما يشاء، وتعديل الاتفاقيات والمعاهدات جائز في كل الظروف والأوقات، فلو أردنا نحن إرادة صادقة لما وقف في وجهنا أحد، ولكنا نحن الذين لا نريد، ونقيم في وجه أنفسنا العقبات الثقال ونتوهمها توهما لا حقيقة له.

ويقولون أيضا: وماذا تفعلون مع غير المسلمين من المواطنين؟ والجواب حاضر سهل ميسور مقنع وهو أننا لا نقدم لهم هذه الأحكام على أنها دين يؤمنون به أو عقيدة جديدة تخالف ما يعتقدون، ولكنا نقدمه على أنه قانون اجتماعى تحارب به الجريمة التي حرمتها كل الأديان، ويحقق ما جاءت به التوراة والإنجيل والكتب السماوية جميعا، ولا يصطدم مع نص من نصوصها، ولا يتعرض للمؤمنين بها في عقيدة ولا عبادة ولا عمل من الأعمال، فهل يكره أحد الإصلاح الاجتماعي الذي يحقق فعلاً ما يريده دينه، وما نص عليه كتابه لمجرد أنه ورد في القرآن أو أوحى به الإسلام، ومن يكون المتعصب إذن في هذه الحال؟.

أما الأجانب فنريد أن نسأل من يرون في تطبيق هذه الأحكام صعوبة بالنسبة لهم، ماذا يطبق علينا الأجانب في بلادهم من قوانين؟!..

فإن قالوا: يطبقون قوانينهم، قلنا: فلماذا لا نطبق عليهم نحن قوانيننا؟.. ولماذا لا نضع أنفسنا معهم على قدم المساواة، وما الذي يدعونا إلى أن نستشعر أننا أقل منهم وأضعف؟.. وإن قالوا: يطبقون قوانيننا، قلنا: فلنطبق عليهم قوانينهم، ويكون ذلك امتياز بامتياز، على أن الأمر الواقع أنهم يطبقون علينا قوانينهم ولا يعترضون إن طبقنا نحن عليهم قوانين البلاد، ولا يحتاج الأمر منا إلا أن نؤمن بتشريعنا أو أنفسنا.

ويقال: كيف نطبق شريعة مضى عليها ألف عام أو تزيد؟.. والجواب على هذا أن هذه الشريعة نفسها قد احتاطت لهذه الأغراض فلم تورط نفسها في جزئيات الأمور، ولم تتحكم فيما يتجدد بتجدد الحوادث والأعصار، وجاءت على نسق جعلها أعظم الشرائع مرونة، وقبولا للتطور مع الأزمان، والصلاحية للحكم في كل عصر ومكان، حتى أثر عن أئمتها الأجلاء قول بعضهم: "تحدث للناس أقضيتهم بقدر ما أحدثوا من الفجور" (16)، وما نص عليه فيها من عقوبات لا تتجاوز عدد أصابع اليد لجرائم أساسية وجدت مع الغريزة الإنسانية، ولا يمكن كبحها إلا بهذا الأسلوب من التشريع الحازم الجرىء، ومن قرأ كتب الفقه الإسلامية علم وصدق ما نقول وأدرك جلال ما فيه من مرونة ودقة وانفساح واتساع، وقابلية لكل الظروف والأحوال.

أما تهمة القسوة والشدة في الحدود التي جعلت بعض الذين لا يعلمون يتطاول إلى وصفها بالوحشية والرجعية والهمجية إلى غير هذه الأوصاف فأمر مقصود (17) لحكمة سابقة، ونظرة عالية يكشف اليوم عن جلالها وجمالها ودقتها وروعتها ما ذهب إليه المشرعون العصريون من أن العقاب علاج لا مجرد جزاء، وأنه يجب أن يساير طابع النفوس وغرائزها، ويصدر عن علم بخفاياها ودقائقها، والحدود الإسلامية مبنية على ذلك في صورتها، فهى تبدو في شكل من القسوة يرهب ويخيف حقا، ولكن لعدد محدود من الجرائم يتصل بالغرائز الإنسانية التي لابد لردعها وعلاجها من هذه الصورة من الدواء، حتى إذا وصل الأمر إلى يد القاضى، فهناك طرق الإثبات، وهناك ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم، ولن تجد بعد ذلك تشريعا أرفق وأرحم، ولا أدق وأكرم من تشريع الإسلام وخذ مثلا لذلك: حد الزنا، وهو أقسى الحدود في نظر الناس فهو جلد على ملأ من الناس أو رجم بالحجارة إلى الموت كيف يثبت؟ لا يمكن إلا بالشهادة بصورتها المعروفة، ولن تتوفر، أو بالإقرار ولا عذر لمن أقر، حتى إذا عرضت للقاضى أضيق ثغرة أو وقعت في نفسه أدنى شبهة عدل عن الحد إلى ما دونه، وهو التعزير والتأديب بما يناسب من العقوبات، وبذلك تجمع هذه الحدود بين الصورة الرادعة والرحمة الوادعة ولن يستقيم ذلك بعد تشريع العليم الخبير، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون.

فيأيها الذين يريدون الاستناد إلى الأوهام حسبكم، وعودوا إلى أحكام الله، ففيها الدواء والشفاء والحد من حدود الله يقام في أرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحا، والتبعة الأولى على الحكام.

وهى من بعدهم على العلماء والكتاب.

وهي أخيرًا على الأئمة والهيئات والأحزاب.

وليس بعد النصيحة أو البيان إلا المفاصلة والجهاد، ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 105).

تعليق: كتب إلينا كثير من الإخوان بتأييدهم لما جاء في هذه الكلمات استعدادا لمعركة المصحف، وقد لاحظوا في كتبهم أن هذا الموضوع الحيوي الجليل سيذهب صداه ويضيع أثره إذا تابعناه في الوقت الداوي بصيحات الجهاد الصاخب بأصوات المدافع وأزيز الطائرات، واقترحوا أن نرجئ أمر هذه المعركة حتى ننتهى من معركة الجهاد القائم في فلسطين، وتركيزًا للجهود في ناحية واحدة يهمنا جميعا أن ننتصر فيها أعظم انتصار، وترقبا لأنسب الأوقات، وهو كلام جميل وشعور طيب مشكور، وبما أن هذا التوجيه الذي نسير عليه الآن إنفاذ لقرار من قرارات الهيئة التأسيسية للإخوان، فإنى أعد هؤلاء الإخوان الكاتبين بأننى سأعرض مقترحاتهم هذه التي أقدرها حق قدرها على الهيئة في اجتماعها غدا إن شاء الله، وأرجو أن يكون رأيها عند رأيهم، فننصرف جميعا إلى معركة الحرية، حتى ننتصر فيها عن قريب بإذن الله، فنعلن معركة المصحف من جديد والله المستعان.

إلى هنا انتهى حديث الإمام البنا عن الإخوان بين الدين والسياسة، ونبدأ في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى الحديث عن (مطالب الإخوان بتطبيق الشريعة).

المرجع والمصادر

(1) جريدة الإخوان المسلمين نصف شهرية، العدد (46)، السنة الثانية، 18 ذو القعدة 1363/ 4 نوفمبر 1944، ص(3-4).

(2) جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (7)، السنة الأولى، 10جماد الآخرة 1365/ 12 مايو 1946، ص(1، 4).

(3) جزء من حديث أخرجه مسلم في كتاب "الإيمان", باب: "بيان أن الدين النصيحة", ح(82) من طريق تميم الدارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ". قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: "لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ".

(4) جزء من حديث أخرجه مسلم في كتاب "البر والصلة والآداب ", باب: "تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ وَخَذْلِهِ وَاحْتِقَارِهِ وَدَمِهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ", ح(4650).

(5) انظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير، (4/174).

(6) أخرجه البيهقي في الكبرى (8/31), وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، ح(258).

(7) أخرجه البيهقي في الكبرى (8/162), وضعفه الألباني في ضعيف الجامع, ح(696).

(8) في الأصل: "تعليم".

(9) أخرجه مسلم في "كتاب الإمارة ", باب: "ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو ", ح(3533).

(10) جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (625)، السنة الثالثة، 4رجب 1367ه/ 13 مايو 1948م، ص(3).

(11) جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (627)، السنة الثالثة، 7 رجب 1367ه/16 مايو 1948م، ص(3، 5).

(12) جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (629)، السنة الثالثة، 9 رجب 1367 هـ/18 مايو 1948م، ص(3).

(13) أخرجه مسلم في "البر والصلة والآداب"، باب: "تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله"، ح(4650).

(14) جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (631)، السنة الثالثة، 11 رجب 1367 هـ/20 مايو 1948م، ص(3).

(15) ذلك في المؤتمر الدولى للقانون المقارن -بلاهاى- سنة 1932م، والذى دعا فيه فقهاء القانون الدولى إلى اعتماد الشريعة الإسلامية منظومة قانونية متميزة مع المنظومات القانونية العالمية.

(16) سبق تخريجه.

(17) في الأصل: "مقصور".


للمزيد عن دور الإخوان في الإصلاح

كتب متعلقة

من رسائل الإمام حسن البنا

ملفات وأبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

الإصلاح السياسي:

الإصلاح الإجتماعي ومحاربة الفساد:

تابع مقالات متعلقة

رؤية الإمام البنا لنهضة الأمة

قضايا المرأة والأسرة:

الإخوان وإصلاح التعليم:

موقف الإخوان من الوطنية:

متفرقات:

أحداث في صور

.

للمزيد عن الإمام حسن البنا

Banna banner.jpg