الشهيد القائد/ أبو زكريا ... القسامي المفكر والرجل الميداني

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

الشهيد القائد/ أبو زكريا ... القسامي المفكر والرجل الميداني

في هذا الملف الخاص عن الشهيد القائد القسامي الميداني ممدوح الجمال "أبو زكريا" نستعرض حياته الشخصية وصفاته وأبرز العمليات الجهادية التي تنسب إليه منذ زمن طويل، ولنقف على الشواهد والدلائل في حياة الرجل الرباني، وخلال مرضه وحاجته للراحة، كان لا يترك صلاة قيام الليل وقراءة ورده من القرآن الكريم، وعندما كان يسأله المحيطون عن كثرة الصلاة والقيام، كان يرد بقوله:" من لا يستطيع الوقوف بين يدي الله ساعة.. فلن يصمد دقيقة أمام العدو".

وعندما أصيب فارسنا في المرة الثانية وأجريت له عملية جراحية، وبعد خروجه من العملية حيث كان تحت تأثير المخدر أخذ الطبيب الذي أجرى عمليته يسأل عنه:" ما هذا الرجل.. لم يمر علي مريض مثله منذ عملت في مجال الطب، فقد كان يقرأ القرآن وهو تحت تأثير المخدر، كان يقرأ سورة الملك ثم يسبح الله ويحمده ويكبره ويدعو دعاء ليس بالغريب عني، ويقول فيه: اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئا أعلمه، وأستغفرك مما لا أعلمه، وأعوذ بك من الهم والغم ومن غلبة الدين وقهر الرجال".

ويضيف الدكتور:" رجل تحت تأثير المخدر يقرأ القرآن!! هذا أغرب ما مر علي"، ورفض الطبيب يومها أن يأخذ أجرة هذه العملية.

وعندما كان يقوم الأطباء في مستشفى الشفاء بالتغيير على جرحه عقب إصابته، كان الشهيد ممدوح الجمال يقوم بقراءة القرآن عند بداية عمل الأطباء حتى لا يشعر بالألم، فكان الله يخفف عنه ساعة الغيار الصعبة من شدة الجراح التي كانت في جسده، هذا بعضا من الذي كان عليه أبو زكريا قائد كتائب القسام في حي "تل الإسلام" بغزة.

المولد والنشأة

بدأت تفاصيل الحكاية في حي الشجاعية شرق مدينة غزة لأسرة متوسطة الحال، وكان بزوغ قمر من أقمار فلسطين في السابع من شهر ديسمبر من العام 1972 م، إنه ميلاد المجاهد القائد ممدوح عمر موسى الجمال "أبو زكريا"، حيث نشأ شهيدنا منذ ولادته في منزل والده ملتزما دينيا ومحافظا على شرائع الإسلام ، وهو الثالث بين أفراد أسرته الأحد عشر عدا والديه، حيث كانت مرتبته الثانية بين إخوانه الذكور الستة، وله من الشقيقات خمسة.

توفي والد شهيدنا منذ عدة سنوات، واقتصرت علاقته داخل عائلته في هذه الدنيا مع والدته وباقي إخوانه، وما أجملها من حياة عندما يكون بطل قصتها الأساسي شهيدنا ممدوح، حيث تقول والدته بعد استشهاده عن تلك العلاقة:" كان أبو زكريا أحب إخوته إلى قلبي؛ لأنه اتسم بالرجولة منذ صغره.

وقد كان بارا بي وبوالده رحمه الله، وكان لا ينام إلا إذا جاء ليطمئن علي وعلى والده ولا يخرج إلى العمل حتى يأتي إلي ويسلم علي ويخرج، فكنت أحبه من شدة صدقه وحنانه علينا وعلى أخواته رحمه الله، لقد افتقدناه.. رحل عنا ولكني راضية عنه وعن كل إخوته الشهداء والأحياء، أبو زكريا نموذج لا يتكرر كثيرا في هذه الدنيا على كل الصعد".

الأمر لم يقتصر على والدته، حيث يقول شقيقه أبو حمزة:" كان أبو زكريا يعامل جميع إخوانه على أنهم أصدقاء قبل أن يكونوا أخوة، وكان يحترم الجميع ويعاملهم بحنان فائق، كما كان يستشير إخوانه في مختلف أمور حياته وبالأخص أخوه "أبو جلال".

طالب مجتهد

واصل شهيدنا أبو زكريا مسيرته في هذه الدنيا، وتلقى دراسته للمرحلة الابتدائية في مدرسة حطين الابتدائية في حي الشجاعية وكان من المتفوقين في دراسته، وخلال دراسته الابتدائية كان القدر مع "أبو زكريا" أن يمرض مرضا شديدا ألزمه الفراش وعجز الأطباء عن معرفة طبيعة هذا المرض وعلاجه، فكان لا يذهب إلى مدرسته خلال أيام مرضه، ومن شدة حب المدرسين له كانوا يقومون بزيارته في بيته، وفي إحدى المرات بكى مدرسه شفقة على حاله، وقال لوالده:" والله إني أفكر في هذا الولد ليل نهار ولا أعرف ما أصابه، وأسأل الله أن يشفيه"، وبعد أيام شفا الله "ممدوح" من هذا المرض الذي أصابه وعاد إلى مدرسته، وقام المدرسون بزيارته مرة أخرى من شدة حبهم له ولتفوقه الشديد في دراسته.

ومضى شهيدنا يتخطى مراحله التعليمية الواحدة تلو الأخرى، فقد كان متفوقا جدا، وتلقى دراسته الإعدادية في مدرسة الهاشمية في حي الشجاعية.

وأكمل "أبو زكريا" دراسته الثانوية في مدرسة فلسطين وكان ذلك خلال انتفاضة الحجارة الأولى في العام 1987م، وكان لأحداث الانتفاضة الأثر الكبير في شخصيته ، حيث أصبح أبو زكريا أحد أبناء حماس في تلك الفترة، فكانت علاقته بطلاب مدرسته وثيقة جدا حتى أنه كان يستطيع أن يستقطب الشباب في ذلك الوقت من شدة احترامه وتقديره لهم، وبذلك فقد كان الطلبة يحبونه بشكل كبير، وفي هذه المرحلة بدأ رحلة عمله وجهاده في سبيل الله، وعلى الرغم من ذلك فقد حصل في هذه المرحلة على مجموع 85% في القسم العلمي.

ودرس في جامعة الأزهر في كلية الحقوق، وأنهى دراسته في وقت قياسي حيث حصل على ليسانس الحقوق من الجامعة في ثلاثة أعوام ونصف.

الزوج المخلص

عمل أبو زكريا منذ صغره في مهنة البناء، وعند قدوم السلطة الفلسطينية إلى أرض الوطن عمل في صفوف الشرطة الفلسطينية آنذاك، وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة استقال من عمله في الشرطة واقتصر على عمله في صفوف كتائب القسام.

وقرر شهيدنا ممدوح أن يكمل شطر دينه الثاني فتزوج، وكان نعم الزوج لزوجة صابرة ومحتسبة أمرها في سبيل الله؛ لأنها تعلم أن زوجها سيكون مصيره الشهادة في سبيل الله، طال الزمن أم قصر، وتمضي السنوات حتى يرزق الله شهيدنا بتسعة من الأبناء أربعة منهم من الذكور وخمسة من الإناث وعمل كل ما في وسعه لتربيتهم على التربية الإيمانية والإسلامية الصحيحة.

تربية المساجد

التزم شهيدنا أبو زكريا منذ صغره في مسجد الهواشي وكان من أكثر الناس والشباب التزاما بصلوات الجماعة في المسجد، ويعرف عنه أنه كان محبوبا من كل شباب المسجد الذين كان يتعامل معهم؛ لأنه كان على علاقة جيدة مع الجميع، ولعل تواضعه وصدقه مع الجميع كان السبب وراء هذه المحبة له، وبرع وهو في المسجد في مجال التخطيط وكتابة البوسترات المختلفة في المسجد، وتدرج في المسجد حتى أصبح أحد أعضاء الهيئة الإدارية في مسجده في تلك الفترة، وعمل في تلك الأوقات مع الشيخ المجاهد الأسير روحي مشتهى والذي كان قائما على مسجد الهواشي.

وبالحديث عن الشرائع الدينية التي التزم بها شهيدنا ممدوح خلال حياته يمكن القول أننا بحاجة إلى مجلد لنسجل هذه الأفعال والأحداث، فقد كان أبو زكريا من المحافظين على ورده القرآني اليومي مهما كانت الظروف، هذا إلى جانب محافظته على قيام الليل، ويقول شقيقه أبو حمزة:" والله لقد رأيته في إحدى المرات عائدا إلى بيته الساعة الثانية ليلا من مهام الجهاد والرباط في سبيل الله، فاستيقظت من نومي على صوت تلاوته للقرآن خلال صلاة قيام الليل التي كان يؤديها، فقلت له: استرح قليلا.. فلم يتبقى على آذان الفجر إلا قليلا وأنت عائد من عمل صعب، فيقول لي: هذه الدنيا لا راحة فيها، وكان ينتظر بعد أن يفرغ من صلاته آذان الفجر، فيصلي الفجر ثم ينام، ويصحو مبكرا ويتوجه إلى عمله اليومي".

ابن حماس والإخوان

انضم شهيدنا إلى صفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس في الثمانينات وتحديدا في العام 1988 م، وذلك عندما كان يذهب مع والده إلى مسجد الهواشي، حيث التزم في هذا المسجد ولاحظ القائمين على أمر المسجد، وتم بعد ذلك استقطابه من قبل القائمين على المسجد، وبايع أبو زكريا جماعة الإخوان المسلمين في العام 1991 ، فكان أحد أبناء الجماعة المخلصين، وتقدم شهيدنا أبو زكريا في السلم التنظيمي لحماس وجماعة الإخوان المسلمين .

ومنذ نعومة أظفاره والتزامه في صفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس ، كان "أبو زكريا" صاحب نشاط كبير ومميز في صفوفها في المجالات المختلفة، سواء كانت الدعوية أو غيرها، وأبرز ما جعله من المقربين أنه كان شديد السرية والكتمان وهذا ما ميزه عن غيره من أبناء جيله، وفي بداية انتمائه للحركة في العام 1988 م، وفي هذه المرحلة نشط "أبو زكريا" فيما يعرف باسم لجان الأحداث المسئولة عن تفعيل أحداث الانتفاضة مثل الكتابة على الجدران والمواجهات بالحجارة لقوات العدو الصهيوني.

قسامي مفكر عنيد

انتمى أبو زكريا إلى صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام في العام 1993 م وقام بالعديد من الأنشطة الجهادية والعسكرية التي لم يفصح عنها نتيجة كتمانه الشديد، ومن أبرز الأمور التي دعته للانضمام إلى مجاهدي القسام هو اندلاع الانتفاضة الأولى "انتفاضة الحجارة" في العام 1987 م، حيث عمل بداية في صفوف "الصاعقة الإسلامية"، كما عمل في صفوف جهاز "الأمن العام" التابع لحركة حماس ، ومن ثم أصبح عضوا في كتائب القسام ، وعرف عنه حبه الشديد للجهاد في سبيل الله حتى قبل انتمائه للكتائب؛ لأنه أدرك أن الجهاد في سبيل الله هو الطريق الأقصر لاسترداد كامل التراب الفلسطيني المغتصب.

وخلال مسيرته العسكرية كان أبو زكريا مدربا للمجاهدين في صفوف كتائب القسام وهذا يرجع نتيجة عدد من الدورات تلقاها خلال عمله في صفوف الشرطة الفلسطينية القديمة، ولكنه وعلى الرغم من ذلك تلقى دورة أمنية ودورات عسكرية إلى جانب دورات في إطلاق الصواريخ على مواقع العدو الصهيوني، وإلى جانب ذلك فقد كان صاحب نظرة ثاقبة وفكر بارز في هذه العلوم العسكرية، وتلقى دورة مكثفة في فنون التصنيع العسكري خلال حياته.

تخصص أبو زكريا في مجال صناعة وتطوير الصواريخ وكانت قيادة القسام ترفض أن يتولى أي شيء غير هذا المجال وذلك نظرا لما كان له من بصمة واضحة في هذا العمل وخبرة متميزة، وتدرج في هذه الوحدة القسامية حتى أصبح مسئولا وقائدا لوحدة التصنيع بعد أن كان نائبا لمسئولها عندما كان قائدها الشهيد مهدي مشتهى، وبقي أبو زكريا مسئولا لوحدة التطوير لصاروخ القسام حتى العام 2008 م، ومن ثم أصدرت قيادة كتائب القسام أمرا بتكليفه قائدا لكتائب القسام في حي تل الإسلام مع بداية العام، وتولى أبو زكريا المسئولية الجديدة حتى استشهاده.

موعد مع الشهادة

عندما بدأت "حرب الفرقان" في قطاع غزة أعلن أبو زكريا حالة الطوارئ القصوى في صفوف كتيبة تل الإسلام التي كان يقودها، وأخذ يتفقد صفوف المجاهدين ويعيد ترتيب أماكنهم.. تجده يتفقد أماكن رباط المجاهدين حتى يشد من أزرهم.. وبقي على هذه الحالة على مدار ستة أيام متواصلة.. لا يغادر المرابطين ولم يقم بزيارة أهل بيته، وفي الثالث من يناير من العام 2009 م وخلال تفقد شهيدنا أبو زكريا ليلا لمواقع الرباط، وبعد مغادرته مسرعا لغرفة عمليات القسام في تلك المنطقة عقب ورود معلومات عن عمليات إنزال تقوم بها قوات العدو الصهيوني على شاطئ البحر، وبينما كان سائرا على أقدامه أطلقت عليه طائرات الاستطلاع صاروخين مزقت جسده الطاهر على الفور، وتلقى شقيقه "أبو حمزة" خبر استشهاده الساعة الثانية ليلا غير أنه حجب الخبر حتى طلوع النهار. كانت "حرب الفرقان" في ذلك الوقت على أشدها في غزة ، وكان عرس شهيدنا متواضعا، واقتصر على الصلاة عليه في مسجد ذو النورين، وكان هناك كلمة لأحد أصدقائه وهو من قيادات المنطقة، وخيمت مشاعر الحزن والأسى على الشباب الذين سمعوا بالخبر، حتى أن بعض أصدقائه بكى عليه بكاء شديدا، كما حزن عليه كافة أفراد عائلته وأسرته، حيث كان الشهيد الثالث من أبناء أسرته.

عقب استشهاده يتذكرون

وبعد رحيله، يتذكر كل من عرف "أبو زكريا" ذلك المحافظ على صيام يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع.. كان يحب قراءة وتدريس الكتب الفقهية على الرغم من مشاغله الكثيرة، وخلال شهر رمضان كان دائم الاعتكاف في المسجد للعشر الأواخر من الشهر، وهو من المحافظين على صلاة الفجر حتى في أصعب الظروف والأوقات، حتى أنه وخلال محاولة اغتياله في المرة الأولى والتي كسر فيها ساقه وكان عليها الجبس كان يخرج إلى صلاة الفجر في المسجد.

المصدر:كتائب الشهيد عز الدين القسام-المكتب الإعلامي