ساعة الحسم تدق على العالم

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ساعة الحسم تدق على العالم

بقلم:الإستاذ محمد مهدي عاكف

رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد المبعوث رحمةً للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، ورضي الله عن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.. وبعد؛

فإنَّ الزمان ليدور دورته مؤكدًا أنَّ دولة الظلم ساعةٌ ودولة الحق إلى قيام الساعة، وما من يومٍ يمرُّ على البشرية في ظل التجبر الأمريكي إلا وينادي منادي الحق في روع العباد ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50)، غير أنَّ الواقع المر يؤكد أنَّ حصاد ذلك ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (العنكبوت: من الآية 41) و﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)، ولكن معالم التغيير لا تتشكل ملامحها إلا بالرجوع إلى نهج الحق وميزان الفطرة السوي ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (الأعراف: من الآية 96) وساعتها ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم: من الآية 4، 5)، موقنين بأنَّ ﴿الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ والْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 128).

فلتعلم الأمة أنَّ نواميس الحق ثابتة ثباتًا لا تضاهيه الجبال، وأنَّ قدرة الإيمان أشمل في قوانين الإصلاح من كل ما اصطلح عليه بشر، وأنَّ مفاتيح القيادة مرهونة بالعزم على المضي قدمًا على هدي محمدٌ- صلى الله عليه وسلم-: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي"، ومن امتلك العزم اقتحم مؤمنًا بـ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ (المائدة: من الآية 23)، ومن اقتحم حمل محيطًا من زادٍ مداده﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: من الآية 38).

وقد يطالع الإنسان قتامةَ الواقع فيدب في نفسه داء اليأس، وتسري في روحه علل الوهن، ساعتها يذكِّرنا رب البرية بواقع أكثر قتامة ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا (11)﴾ (الأحزاب)، وينبلج الصبح بإشراقة شمس الإيمان في أُفق النفوس المؤمنة، ولينير الطريق بتأكيد وعد الله ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ (الأحزاب: من الآية 25).

فلتعي أمتنا حقيقةَ دروها الأصيل في الوجود ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110)، وهو الدور الذي يحيلها إلى حقيقة الصراع ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: من الآية 217)، انطلاقًا من هذا الفهم يكون التذكير بالبدء ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال: 26). سمات التداعي انكشفت

وِفق هذه المعايير النابعة من إيماننا يؤكد الإخوان المسلمون أنَّ حديث المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: "تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" بات جلي الملامح؛ فهاهم الأكلة يكشفون وجوههم.. تتزعمهم أمريكا وحلفاؤها.

(أكلةُ) أشعلوا أرض الفرات نارًا وقودها طمعهم في مقدرات شعبه الذي يسقط العشرات من أبريائه يوميًا صرعى مؤكدين بشاعة الديمقراطية الأمريكية.

(أكلةٌ) تقدم أعضاء برلمانهم بمشروع قانونٍ يطالب الكونجرس بإسقاط كل حكومة لا تستجيب للسلطان الأمريكي ورؤاه للديمقراطية، كما طالبوا بتحويل السفارات الأمريكية في العالم لجُزر للديمقراطية.

(أكلةٌ) أعلن وزير خارجيتهم السابق (كولن باول) أنه لا بدَّ من إعادة صياغة الوطن العربي وِفق المشروع الأمريكي الذي يستهدف تطبيق (فيدرالية انفصالية) تدمر الوطن، وتسمح بحرية التبشير للكنيسة الصهيونية، وتفتح أوطاننا للاستيراد والخصخصة الشاملة بعد وقف الإنتاج الصناعي والزراعي!.

كما يستهدف ضم الدول العربية لحلف الشرق الأوسط الكبير جنبًا إلى جنب مع كيانٍ صهيوني متجبر بقوته النووية في حين يُجرِّد العرب من كل سلاح!! وفي ذات الوقت يتخلى عن الهوية العربية والإسلامية لتحل محلها الهُويات العِرقية والطائفية والمذهبية، وساعتها ترسم أمريكا خريطة الوطن العربي كيفما شاءت.

(أكلةٌ) لا يخجلون من إيفاد مستشار وزارة الخارجية الأمريكية (شارلس إسنايدر) إلى الخرطوم ليؤكد تقدم عملية السلام، وفي الوقت ذاته يقترح السيناتور الجمهوري (سام بروان) والديمقراطي (جون موزين) على مجلس الشيوخ العملَ على استصدار قرارٍ من مجلس الأمن- الذي يحرِّكونه كيفما شاءوا- لفرض عقوباتٍ جديدة على السودان!

(أكلةٌ) يضربون بكل قيم البشر عرض الحائط في فلسطين، فيسلبون وينتهكون ويقتلون وطنًا وأمة، ثم يخرج وزير خارجيتهم ودماء ضحاياه تخضب كفيه وتقطر من كلماته ليقول عقب اجتماعه بالبرلمان المجري "يجب عزل المتطرفين والإرهابيين.. وأعني بهم سوريا وإيران وحزب الله وحماس والجهاد"، ثم يكشف عن نواياه الشيطانية بقوله: "ويجب في الوقت ذاته العمل مع مصر والأردن ورئيس السلطة الفلسطينية ودول شمال إفريقيا ودول الخليج".

إنهم (أكلةٌ) يتداعى مكرهم على أمتنا شعوبًا وأنظمة، حكامًا ومحكومين، أوطانًا ومقدرات، حدودًا ومعالم، هويات وعقائد، لا يستثنون أحدًا ولا شيئًا ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ﴾ (التوبة: 10).

يتحركون تحت ستار التحرير تارة- وما حدث في أفغانستان والعراق خير شاهد- واليوم يتحركون تحت ستار (الإصلاح) مستهدفين دول التأثير (السعودية- مصر- سوريا) وهي الدول التي وقفت ضد مشروع الشرق الأوسط الذي أعلنه بيريز في أعقاب اتفاق أوسلو، ولذا لم يكن غريبًا أن يشير بوش في خطابه الأخير عن حال الاتحاد إلى دول عربية بها "إصلاحات مملوءة بالأمل"، مستثنيًا دول التأثير، وكان قبل قد ألقى خطابًا في (16 يناير 2004م) مشيدًا بمكانة قطر التي أفردت ثلث مساحتها لقواعده العسكرية، ومؤكدًا على أن "الكويت والأردن بالنسبة للولايات المتحدة شبه أعضاء في حلف الأطلسي ومن أقرب حلفاء أمريكا".

وفي كلٍّ الهدف هو فرض (الإصلاح) الذي يستر خلفه ابتزازًا للتنازلات تستهدف تركيع الجميع ليكونوا من أقرب حلفاء أمريكا، وبالتالي تنفك كل عُقد الدولة الصهيونية، ويخرج مصاص الدماء شارون من عزلته، كما لا يشير أحدٌ إلى أي جدولة لانسحاب المحتل من العراق، وفي ذات الوقت يغضُّ الجميع الطرف عن أي تصعيد أمريكي ضد سوريا!.

فيا ولاة الأمر في أوطاننا

واعتصموا بحبل الله جميعًا

إنَّ ساعة الحسم تدق.. أمريكا لا تقبل إلا الركوع.. تستهدف مقدساتكم وثوابت أمتكم ومقدرات أوطانكم وعقول شعوبكم، وحتى نبض الحياة الساري في العروق، والإصلاح على أجندتها لا يحتمل إلا معنى الخنوع، ولا يُترجم إلا بالتسليم والانقياد.

والإصلاح وِفق ثوابتنا شعاره ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ (آل عمران: من الآية 64)، وأُسسه قائمة على ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (الأنفال: 58)، ومرجعيته الثابتة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (الأحزاب: من الآية 70، 71)، فإلى الله ارجعوا، وبشعوبكم تترسوا، واجعلوا الإصلاح العام هدفًا قوميًا يطهِّر البطانة من فاسديها، ويطلق الحرية لأمتنا بغير قوانين استثنائية تكمِّم الأفواه والعقول، وتحول بين الراعي والرعية، وتسمح لسوس الفساد أن ينخر في البنية التحتية فتنفتح الأوطان على متربص غادر، وأنتم إن لم يكن الحق بكم كان بغيركم غير أنكم لن تكونوا إلا به والأمل باق.. ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف: 110)، والله أكبر ولله الحمد، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين.

القاهرة

في: 7 من صفر 1426هـ

الموافق 17 من مارس 2004م.