لمحة تاريخية عن المراحل التي مرت بها جماعة الإخوان المسلمين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان المسلمون
لمحة تاريخية عن المراحل التي مرت بها جماعة الإخوان المسلمين

بقلم الأستاذ: محمد فريد عبدالخالق


مـقدمـة

يعلم كاتب هذا البحث أن المحور الأساسي الذي تدور حوله موضوعاته هذه الندوة،هو اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر،بيد الإلمام بفكر الإخوان المسلمين،موضوع البحث،لايتأنى عرضه على وجه مقبول دون تناول للخليفة التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين منذ نشأة الحركة،والمراحل والمراحل التي مرت بها،وما اشتملت عليه من أحداث لها دلالتها وأهميتها الخاصة بالنسبة لها.

وأما عن الجانب الفكري وهو العنصر الأساسي الذي استهدفته،حتى من خلال التناول التاريخي الوجيز، فضلا عن إقرار فصول نوعية له،فقد كان الخيط الذي حرصت على ألا ينقطع أو يضيع من خلال رحلتي مع الكتابة،ليس التزاما فقط بخط الندوة وموضوعها،ولكن إيمانا منى كذلك بأن محنة العمل الاسلامى في هذه الآونة بصفة خاصة، هي محنة فكر قبل أن تكون محنة سلوك حركة وابتلاء عملي، وإن حفل بها تاريخ الحركات الإسلامية في مختلف الأقطار العربية والإسلامية في هذا القرن، وتجاوزت الكيد لها من الداخل والخارج،وللعاملين فيها،إلى أن تكون واحدا من أهم الموضوعات التي تشغل بال الغرب والشرق على السواء، والتي توضع لها مخططات ذات صفة دولية ،وتوضع عنها دراسات تفصيلية وتحليلية وتنبئيه،ربما بأكثر مما يقوم به نحوها أصحاب الشأن أنفسهم ،وهم المسلمون المعاصرون ،وذلك لأن قومه الإسلام من جديد تعنى الكثير بالنسبة للغرب والشرق معاً ، وتعتبر تحديا حضاريا على المدى البعيد ، وقلباً لموازين القوى الدولية المتعارف عليها في هذا العصر،وتهديداً مقلقا لأطماع الدول الكبرى ومصالحهم الحيوية فى بلاد العالم الثالث بعامة، وفى البلاد العربية والإسلامية بخاصة .

ولا يزال ميدان الفكر هو الميدان الأصيل ال1ى تدور فيه رحى المعارك الرهيبة ،فى السر والعلن ، بين الإسلام وأعدائه، فى القديم والحديث.

ولقد جاءت خطة البحث مشتملة على أربعة فصول:

أولهما:لمحة تاريخية عن المراحل التي مرت بها الجماعة .

ثانيها:عناصر رئيسية فى الموضوع تناولت العقيدة والسياسة والتربية والمعاملات والاجتماع والاقتصاد ،فى فكر الإخوان ومنهجهم.

ثالثهما:مستقبل الدعوة الإسلامية.

رابعهما:موقف فكر الإخوان المسلمين من الحضارة الحديثة.

وأما عن الخلفية التاريخية للجماعة والحركة فقد قسمتها إلى ثلاثة مباحث أختص كل منها بمرحلة:

المرحلة الأولى:

وهى مرحلة((النشأة والتأسيس)) وعمرها واحد وعشرون عاماً ،تبدأ منذ أسس ((حسن البنا)) المرشد العام الأول للإخوان المسلمين ، أول نواة لجماعته بمدينة الإسماعيلية فى مارس 1928 م حتى وقوع جريمة اغتياله فى فبراير ،إثر حل الحكومة آنذاك للجماعة واعتقال أفرادها.

ويجد القارئ فى هذا الفصل نبذة عن الرجل الذي أنشأ الجماعة ،وعن الإخوان المسلمين فى هذه المرحلة ،أبان وجود الجماعة فى مقر نشأتها بالإسماعيلية ،ثم خلال انتقالها إلى القاهرة وقد غطت الدراسة فترتين أساسيتين ،هما فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية والفترة التي تلت ذلك .

وفكر ((حسن البنا)) ومنهج حركته متلازمان فى كل الأطوار التي مرت بها الجماعة عبر هذه الفترة ،لأن الرجل قد تميز فى دعوته بالاتجاه العملي لا النظري كما تميز بتحديد الأهداف والوسائل ،بحيث لا يصعب على الباحث أن يكتشف العلاقة القوية والمتعمقة بين الهدف الذي يعمل له ،والوسيلة التي يتخذها للوصول إليه،وأن يجد عنصر الاتساق والوحدة بين الخطوات التي اتخذها ،والوسائل التي استخدمها ،والأفكار التي ينادى بها ،عنصراً فاعلا قائما مميزا للدعوة والحركة ،وأن يقف على حقيقة كبيرة فى فكر البنا ومنهجه هوانه يصدر فى كل أمر دعوته عن أصل واحد ترسخ فى عقله وقلبه ونضحت به كل تصرفاته العامة والخاصة ،هو الأخذ عن الكتاب والسنة ،أخذا عمليا واقعيا،وأخذا امتزجت فيه التربية الصوفية السليمة بالوجهة العلمية الحديثة ،وبالقدرة العقلية ،والكفاءة القيادية فجاء تكوينه فريدا فى نوعه حقا .فهو المربى الصوفي لأتباعه ،وهو المنظم لحركته وأجهزة دعوته،وهو السياسي الذي أدرك كل ما يدور على مسرح السياسة فى مصر وخارج مصر وعلى السواء ،وعرف خصومه وأحجامهم وأدوارهم التي يؤدونها ، وامتزج بشعب مصر،فلاحين وعمال وطلاب علم وموظفين ومهنيين ،فمد جذور الدعوة فى أعماق هذا الشعب وفى كل موقع من أرض مصر،بل وفى البلاد العربية من حول مصر،وهو الداعية الذي يملك بكلماته أزمة القلوب ويأسر الأرواح لأنه كان يصلها بأصول الفطرة ، ويحركها بقوة العقيدة ،ويملؤها بالأمل فى مواجهة موجات اليأس من إصلاح الفساد ،ويحليها إلى سنن الله التي لا تتبدل فى تغيير الأحوال وأن نقطة البدء هي فى تغيير ما بالنفس فالتغيير الذي تريده كل غيور على مصلحة بلده لا يتحقق إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا ،وإن الوسيلة المثلى لبلوغ ذلك كله أسلوب التربية الإسلامية التي تصوغ الفرد صياغته إيمانية جديدة،عقيدة،وسلوكاً،وإرادة،وتحوله إلى رجل عقيدة ومبدأ،وتسلكه فى جماعة من أمثاله،يعملون معاً متآخين فى الله ،ويربطهم نظام يجعل عملهم مثمراً،يدعون إلى الله على بصيرة،"وأمرهم شورى بينهم"،تلك هي جماعة الأخوان المسلمين.

وتعددت وسائل التربية حتى انتظمت توعية العقول، وتقوية العقيدة، وتكوين الأجساد السليمة، وتدريب الإرادة والعزيمة،من جوالة إلى معسكرات إلى أسر وكتائب إلى رياضة فى أندية ورحلات فكان الشباب يجد فيه مايشبع تطلعاته،ويرضى رغباته ،ويصون عقله ووجدانه،ويعصم من آفات المجتمع روحه وفكره ووقته،وكان هذا الأسلوب المتميز فى مدرسة هذا الداعية الفذ أسلوب عملي هدفه تكوين الرجال وبناء أسر صالحة منهم ونواة مجتمع إسلامي نظيف لا تزال تتسع قاعدته في هذا المجتمع الذي خالطه الفساد ،ولحق بناءه الوهن،وذبلت فيه المعاني السامية والمبادئ الأصلية والأخلاق الرفيعة التي جاء بها الإسلام ،حتى تملك التأثير في سواده من الناس الذين يرون فيهم قدوة صالحة ونماذج كريمة،فينخرطون معهم في حمل أمانة الإسلام والنزول على أحكام شرعه ،واتخاذه منهجا للحياة في كل مجالاتها ،ولا يعرف تاريخ كبارة الدعاة إلى الله في هذا القرن وفي قرون سبقت من يبز حسن البنا في هذا المضمار حيث أوضح مفاهيم الإسلام ،ومبادئه ،وعقيدته، وأحكامه بهذا الشمول وهذا الجلاء،في الوقت الذي ربى مئات الآلاف من الرجال والنساء تربية إسلامية ترجم فيها الأقوال إلى أفعال،والنظرية إلى واقع عملي ،وقادة الجماعة في

مضمار الإصلاح الاجتماعي وسلك بهم وبالأمة معهم مسالك الوطنية المؤمنة التي حاربت الاستعمار بكل قوة، وحاربت الصهاينة في فلسطين، وسجل تاريخ الجماعة فدائية المجاهدين في أشرف معارك البطولة في أكثر من موقع ونجح في أن تصبح جماعة الإخوان المسلمين بتيارها الإسلامي ووعيها السياسي ومواقفها العملية خلال الفترة الوجيزة التي عاشها أكبر قوة إسلامية وسياسية في مصر،رجحت قوتها قوة الأحزاب السياسية،وعجزت الحكومات عن احتوائها أو إضعافها،حتى هددت وجود الاستعمار ومصالحه في المنطقة كلها فلم يجدوا من طريق للخلاص منه إلا باغتياله علي يد السلطة العملية،وقد فارق الدنيا عن اثنين وأربعين عاماً من عمره ودعوته في ملايين القلوب في مصر وسائر البلاد العربية والإسلامية وفي العالم الخارجي،ولا تزال الشجرة المباركة التي وضع بذرتها،وأعطاها عمره كله وما يملك قائمة على عودها،تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

جاء ومفهوم الإسلام قد أصابه الضمور لعوامل شتى وترك الحياة وقد تردد على ألسنة لا حصر لها شمول مفهوم الإسلام لشؤون المعاش والمعاد جميعاً.وحفرت كلماته على جدار التاريخ المعاصر:إن الإسلام دين ودولة وحضارة وأنظمة حياة، رددها العالم والطالب بل والحاكم ولو فى مجال التهجم والخصومة.

بدأ الدعوة واشتغال أهل التدين والتصوف، والعلماء بالجدل في الفروع، فرفض في ميدان العقيدة اشتغال العقل الإسلامي بكتناه الغيبيات والجدل، ودعا إلى مذهب السلف في فهم العقائد وأغلق كل ما عداه من أبواب الخلافات والشقاق ،وحسبنا أن نأخذ القرآن دون تأويلات ومما حكات وعلم العقيدة عنده ليس سرداً نظرياً للصفات الإلهية،كما أن علم الكلام ليس تأريخا لوجهات النظر في شروح العقيدة ،إن السرد والتأريخ لا يضعان الإيمان المنشود،بل عرض العقيدة على أنها طاقة محركة وقوة دافعة بالله تحث على الجد وتحمي الحق ،وتورث الإخاء وتعد ليوم اللقاء.

وعلى هذه الدعامة نهضت جماعة الأخوان المسلمين، لا يحسن الشباب الجدل القديم ولكنه يحسن خشية الله والتوكل عليه والغيرة على محارمه ولا يدخل في نزاع حول حقيقة ((الجهة)) مثلا،ولكنه بقوله وعمله يفسر الآية الكريمة "{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}"(سورة فاطر الآية:10 ) وقد حول العقائد من دراسات نظرية تثير الشغب إلى يقين صادق ،وحب لله فيه وتوكل على الله واعتزاز به وانتماء إليه وجهاد في سبيله ،وإحسان للعمل ورؤية حق الله فيه ،وحب ظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم وإحياء لسنته وتمسك بها.

وكان يكره الاعتداء الطائش ،وتجعل الثمر قبل نضجه ،وينصح المتحمسين بإلجام العقل والنفس الطويل ،وان دائم الحرص على التجميع إشاعة الود إيجاد ركائز للإخوة المتبادلة في الله ،ويأبي الانسلاخ عن المجتمع وأكفان البغضاء له .إنه يري عوجه ويجتهد لتقويمه بروح المحب الشفيق،ولا ييأس من توبة مذنب ،إن لم يعد إلى الله اليوم فقد يعود غداَ.

وكانت خطته لنصرة الإسلام بعيدة الآماد، فعندما رأي البعض أن يترك كليات التجارة والحقوق وغيرها لتغلغل الغزو الثقافي فيهما قال:(لمن نترك هذه الكليات المهمة؟لأهل الأديان الأخرى والشيوعيين فيهيمنوا على التشريع والاقتصاد في أرجاء البلاد.وأمر الإخوان بدخول هذه الكليات والاستعداد لتحويلها إلى كليات إسلامية التوجه قريب أو بعيد.

وهذا النظر الدقيق للمصلحة الإسلامية أدى ثماره بسرعة ،وقادة الدعوة إلى التشريع الإسلامي والاقتصاد إسلامي في هذه الأيام ،هم من رجال الحقوق والتجارة.

والزعم بأن الأمة ومخاصمتها وإعلان الحرب عليها هو الطريق إصلاحها زعم خاطئ،فلم يأمر بترك المساجد ،ومقاطعة الجماعات المقامة فيها،بل على العكس صلى مع الجماهير ثم شرع في إبداء النصح لهم.

إن الأخوان منذ بات مسيرتهم لم يحكموا على المجتمع بالكفر،أو يعلنوا عليه الحرب ،أو يوسعوا الهاوية التي تفصلهم عن الناس بل نصحوا وقاربوا وادخروا قواهم لأعداء الله المصارحين بالكفر والطغيان.

إن كان غيره من بعده من الدعاة جاء بفكر آخر في أسلوب الجهاد وصمم المجتمع بالجاهلية إعلان حرب موصولة ضد الطواغيت ،إن هذا التفكير لم يكن نهج حسن البنا أبداً ولم يزعم أصحابه أنهم استقوه من تعاليمه أو توجيهاته.

ولا تزال الأيام تثبت أن نظر الإمام الشهيد كان أصوب وأهدي وقد طالب بإعادة الحياة إلى الشريعة الإسلامية،ولاشك أن إصدار حكم على تاركي الشريعة لاحتاج إلى عبقرية ،بيد أن الأمر ليس تكفير أشخاص أو تفسيقهم إنما إحياء الفقه الإسلامي المهجور ،وتزويده بعناصر القوة ،وتمهيد الطريق أمامه ليعود سيرته الأولى .دون ذلك عقبات كؤود من الاستعمار الحاقد وسماسرته الضالعين معه ،ثم إن ذلك التغير لا يتم بين عشية وضحاها ،وما حققه الاستعمار في سنسن أو قرون في أيام أو أسابيع .وقد حاول بعض نفر من ذوى المشاعر النزقة أن يقذفوا الحانات بالحجارة أن يتناولوا الحكام بالشتائم فهل اغني ذلك شيئاً؟! امتلأت السجون وأعدم الأبرياء وبقيت القوانين الوضيعة!!.

إن الإمام الشهيد وضع خطة لتوسيع دائرة الإخوان حتى يتحرك الشارع الإسلامي كله ملبياً نداء الإسلام يوم ينادي،فهل يسكت الإخوان إلى ينضم الجمهور كله إليهم ؟ لا.بل يجب أن يقوموا بأنشطة ثقافية ورياضية واجتماعية و اقتصادية لها طابع إسلامي متميز إلى أن يأذن الله ويكون من المستطاع التغيير المنشود ويعود الاحترام إلى النصوص المهدرة،وهذا ما رسم له الأستاذ الإمام شبكة من الشعب يحكمها جهاز إداري وروحي من أدق الأجهزة التي عرفها تاريخ الحركات الكبرى ،واهتم بالطلاب والعمال والفلاحين،وفجر في الأمة روح النهضة وذاد عنها اليأس من الإصلاح ووهن القعود.

وتعاقبت حتى اليوم مرحلتان :

أولاهما: عاصرت الانقلاب العسكري في23 يوليو1952م، وواجهت طغيان حكم الفرد ،وحلّت الجماعة،ولفقت التهم ضد الإخوان أدخلوا السجون والمعتقلات مرتين إحداهما في سنة 1954م ،وقدّمت الدعوة مئات من الشهداء، فكانت بحق مرحلة صمود في وجه الظلم الوحشي وثبات على الحق لا يتزعزع ،

وثانيهما: هي المرحلة الراهنة التي تلت وفاة المرشد العام الأستاذ/حسن الهضيبى.

وأما عن الفصول الثلاثة الأخيرة ، فهي دراسة موضوعية لفكر الإخوان المسلمين ومناهجهم في مواجهة تحديات العصر ،وفى عالمنا الحديث الرجوع إليها يغنى عن عناء التلخيص .

والله تعالى أسأل أن يكون من وراء القصد أن يغفر لي ،ما عسى أن أكون قد وقعت فيه من خطأ أو تقصير في تناول هذا الموضوع الجليل الشأن ، المتعدد الجوانب ، البعيد الأثر ،وما توفيقي إلا بالله ،وهو نعم المولى ونعم النصير ، وآخر دعوانا أن الحمد رب العالمين....

أمكن تقسيم المراحل التاريخية التي مرت بها جماعة الإخوان منذ إنشائها فى مصر حتى الآن إلى ثلاث مراحل نتناولها هنا في إجمال على النحو الآتي:

المرحلة الأولى :النشأة ووضع الأسس

وهى مرحلة "النشأة ووضع الأسس"وعمرها الآن واحد وعشرون عاماً ، تبدأ منذ أسس "حسن البنا "المرشد العام للإخوان المسلمين أول نواة لجماعته بمدينة (الإسماعيلية) في مارس سنة 1928م حتى وقوع جريمة اغتياله فى فبراير 1949م ،إثر حل الحكومة للجماعة واعتقال رجالها .

نبذة عن جماعة الإخوان المسلمين في هذه المرحلة


أولاً : بعض خصائص دعوة الإخوان

لعل من صنع الله لدعوة الإخوان أن نبتت في الإسماعيلية ،وأن يكون ذلك على إثر خلاف فقهي بين الأهلين،و انقسام دام سنوات حول بعض النقاط الفرعية التي أذكى نار الفرقة فيها ذوو الأغراض والمطامع ،وأن تصادف نشأتها عهد الصراع القوى العنيف بين الأجنبي المتعصب والوطني المجاهد فكان من أثر هذه الظروف أن تميزت هذه الدعوة بخصائص خالفت فيها كثيراً من الدعوات التي عاصرتها. ومن هذه الخصائص :

1. البعد عن مواطن الخلاف.

2. والبعد عن هيمنة الأعيان.

3. والعناية بالتكوين والتدريج في الخطوات.

4. والبعد عن الأحزاب والهيئات.

5. وإيثار الناحية العملية الإنتاجية على الدعاية والإعلانات.

6. وشدة الإقبال من الشباب.

7. وسرعة الانتشار في القرى والبلاد.




ثانياً : المراحل التي مرت بها الدعوة منذ انتقالها من القاهرة

وعددها ثلاث مراحل:

( أ ) الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية (أي من عام 1932 إلى عام 1939م):

ومدتها سبع سنوات انتقل المركز العام خلالها في دور كثيرة،ومن أنواع النشاطات خلالها يحدثنا عنها (( حسن البنا )) في مذكراته، أنها كانت تنظيم الأنواع الآتية:

1. المحاضرات والدروس في الدور والمساجد.

2. إصدار (( رسالة المرشد العام ))عددين فقط، ثم (( مجلة الإخوان المسلمين )) الأسبوعية أولاً وثانياً، وفي أثناء ذلك (( مجلة النذير )) لسنتين من أول صدورها.

3. إصدار عدد من الرسائل والنشرات.

4. إنشاء الشُعب بالقاهرة، وزيادة شُعب الأقاليم، ونشر الشُعب في الخارج.

5. تنظيم التشكيلات الكشفية والرياضية.

6. تركيز الدعوة في الجامعة والمدارس وإنشاء قسم الطلاب الانتفاع بجهود الأزهر الشريف((علمائه طلابه )).

7. إقامة عدة مؤتمرات دورية للإخوان في القاهرة والأقاليم.

8. المساهمة في إحياء الاحتفالات الإسلامية والذكريات المجيدة في القاهرة والأقاليم كذلك. 9. المساهمة في مناصرة القضايا الإسلامية الوطنية وبخاصة قضية فلسطين .

10. تناول الناحية الأخلاقية السياسية والاجتماعية بالبيان والإيضاح والتوجيه وكتابة المذكرات والمقالات والرسائل بهذا الخصوص.

11.المساهمة في الحركات الإسلامية، كحركة مقاومة التنصير وحركة تشجيع التعليم الديني. 12.مهاجمة الحكومات المقصرة إسلامياً ومهاجمة الحزبية والدعوة في وضوح إلى المنهاج الإسلامي وتأليف اللجان لدراسات فنية في هذه النواحي.

وكانت هذه المرحلة معنية بالتعريف ((بالدعوة )) والاهتمام البارز (( بالتربية والمنهج)) الذي تقوم عليه التربية وإعداد أعضاء الجماعة، ولقد كتب في موضوع التربية تحت عنوان في " سبيل النهوض " أكثر من مقال جاء فيها:((يجب أن تكون دعامة النهضة "التربية"فتربي الأمة أولاً،وتفهم حقوقها تماماً،وتتعلم الوسائل ،التي تنال بها هذه الحقوق،وتربي الإيمان بها،ويبث في نفسها هذا الإيمان بقوة،أو بعبارة أخرى تدرس منهاج دراسة يدرس الأمة فلا بد أن تتذرع الأمة بالصبر والأناة والكفاح الطويل،وكل أمة تحاول تخطي حواجز الطبيعة يكون نصيبها الحرمان.

( ب ) فترة الحرب العالمية الثانية : مابين عامي (1939م/1944م):

أرسي الأستاذ المرشد قواعد العمل في هذه المرحلة على الأسس الآتية:.

أولاً:بدأت هذه المرحلة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية في عام 1939م وكان المرشد يرى أن هذه الحرب سوف تغير وجه العالم، وتفعل في سنواتها مالا يتم فعله من تغيير مئات السنين، فهي تختصر الزمن...وعلي العقلاء الانتفاع بهذه الميزة قبل فواتها ،ومن هنا فإنه يري أن المرحلة التي يحتاج الإخوان إلى قطعها في عشرات السنين،يمكنهم بالانتفاع بهذه الميزة ،أن يقطعها في سنوات قلائل.

ثانياً : أن مواجهة الأعداء والخصوم بهيئة ضعيفة وتكوين هزيل مجازفة غير مأمونة بل أنها قد تؤدى بالفكرة الإسلامية إلى الزوال،فإذا أضفت إلى ذلك أن هذه المواجهة ستكون في ظروف استثنائية وكل المرافق مسخرة للمستعمر،والمستعمر أعصابه على أشدها،لأنه يخوض حرب حياة أو موت كانت المواجهة انتحاراً لاشك فيه ولا إفلات منه.

ثالثاً : كما أنه يري أن انشغال المستعمر بالحرب ومن ورائه الحكومة المصرية ،فرصة للعمل للدعوة دون عائق،وعلي الإخوان في هذه الحالة أن يكثفوا من جهودهم حتى ينجزوا أكبر قدر من العمل في أصغر قدر من الزمن قبل أن تنتهي الحرب فجأة فيتفرغ هؤلاء (( المستعمر والحكومة )) للكيد للدعوة وبث العراقيل للدعوة قبل أن تكون قد استكملت عناصر قوتها،وللكيد للوطن فلا يحقق الشعب مطالبة القومية لعجزه أمام قوتهم.

رابعاً : أنه يري أن عناصر القوة يجب استكمالها في أقرب وقت هي عنصران:إنشاء الشُعب، والتكوين.أما الأول فهو العمل على أن تصل الفكرة الإسلامية وأن يكون للدعوة شعبة في كل حاضرة ومدنية وقرية وعزبة في أنحاء مصر ،وأما التكوين فيكون بالعمل علي ربط المنتمين إلي الدعوة معاً بروابط من الأخوة والحب والتعاون في أسلوب عملي من التربية البدنية والروحية والثقافية.

خامساً : أنه في سبيل إنجاز هذا العمل الكبير، يجب على الإخوان في خلال فترة الحرب أن يغضوا الطرف عن الشؤون السياسية فيتجنبوا اتخاذ مواقف سياسية محددة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا مكتفين بالتعرض لما سوى ذلك من الشؤون التربوية والاجتماعية والاقتصادية،وإذا دهمهم موقف سياسي معين فعليهم أن يتفادوا وأن يطوعوه لخدمة هدفهم الكبير.

سادساً : أنه يري أنه إذا سلك الإخوان هذا المسلك فإنهم سيفاجئون العالم بعد انتهاء الحرب بأقوى هيئة قادرة على المواجهة ،وقادرة على النهوض بأثقل التبعات ،ويستحيل على أية قوة أن تقضى عليها،لأنها تكون قد تركزت في النفوس ،واختلطت بالمنهج ،وضربت بجذورها في الأعماق.

( جـ ) مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية(1945م ـ1948م):

وهي مرحلة التنفيذ بعد مرحلتي التعريف والتكوين، بلغت فيها ذروتها قوة وانتشاراً وتعد هذه المرحلة البالغ عمرها أربع سنوات هي آخر فصل في قضية كفاح داعية عصره حسن البنا الإمام الشهيد الذي نذر حياته للدعوة الإسلامية فأرسي علي الكتاب والسنة وقواعدها ،وغرس بذروها في الأمة وأثر في حركة التاريخ الإسلامي أطيب الأثر وأعمقه وكان بحق أخطر داعية عرفة العالم العربي والإسلامي منذ قرون.

كما تعد أخطر مرحلة مرت بها ا لدعوة والجماعة عبر تاريخها سواء من حيث ضخامة الأحداث التي صنعتها، أو النتائج التي أسفرت عنها، وكان لها ما بعدها في تاريخ ومسيرة العمل الإسلامي في مصر وفي غيرها من الأقطار العربية والإسلامية نوراً علي الطريق ودليلاً للسالكين فيه.

وتغطيتها في تفصيل وتسلسل تاريخي لأحداثها أمر لا يحتمله هذا المقام ،ولعل الوقوف عند نقاط أساسية ومنعطفات بها حاسمة،هو الشئ الممكن بعد عون الله تعالى: وهذا ما أحاوله فيما يلي:.

أولاً : لما خرجت مصر من هذه الحرب ولازال في عمقها عبء معاهدة 1936م ولازال الإنجليز يحتلون أرضها ووحدة وادي النيل مهددة بالتجزئة والقيود والأغلال التي فرضت على تجارتنا وزراعتنا وصناعتنا إبان الحرب وقبل الحرب لا تزال قائمة ويزيد بعد ذلك تأميناً لحدودنا الغربية بأن نسلم ليبيا لأهلها العرب الذين جاهدوا في سبيلها عشرات السنين جهاد الأبطال،ويقوم فيها حكومة عربية مستقلة وتظل وطناً موحداً مستقلاً،كما نريد أن نؤمن حدودنا الشرقية بحل قضية فلسطين حلا يحقق وجهة النظر العربية ولا تسلم لليهود وهي قضية عربية إسلامية ،ونريد أن نؤمن حدودنا الجنوبية بان نحفظ حقوقنا في أريتريا ثم زيلع ومصوع وهرر وأعالي النيل التي اغتصبت من جسم الوطن ظلما وعدوانا ،لتمتد إليها وأطماع الاستعمار ويبعث بها نفوذه.ونحن لا نطالب باحتلالها ولكننا نطالب بحمايتها من هذه الأطماع وذلك العبث.

كانت كل هذه المطالب في عنق مصر، وكان الإخوان المسلمون يعتبرون الكفاح من أجلها فريضة واجبة، فطالبوا بها الحكام ونبهوا إليها وإلى الطريق العملي لتحقيقها ،وأهابوا بالأمة أن تنتهز الفرصة السائحة التي لا تعوض لتحصل على حقوقها وقد انتهت هذه الحرب الضروس وخرج منها الحلفاء بنصر لم يكونوا يتوقعونه ،وبذلوا أثنائها الوعود المعسولة برد الحقوق إلى أهلها ،ونادوا بالعهود والمواثيق ،وإن تغافلنا عن واجبنا أخطر علينا من تغافلهم عن حقوقنا.

وكان الإخوان ينظرون إلى الوجه الآخر في الإصلاح الذي لا ينفك عن الإصلاح السياسي ذلك هو الإصلاح الاجتماعي وقد استشرت في وطننا عوامل الفساد التي كان أهمها هذا التدخل والتحكم الأجنبي، ثم هذا الضعف من الحكومات التي سمحت ليد المستعمر أن يتحكم بها رقاب الناس كما تشاء له أطماعه وخططه.

وفي مثل هذه الساعات الفاصلة يكون الجهاد الوطني فرضا عينا على كل الأفراد والهيئات.ونحن حين نطالب بحقنا لا نغالي ولا نتعسف، ولا نريد علواً في الأرض ولا فساداً ولكننا نقف عند الحق الطبيعي الذي لا يمكن أن يحيا دونه فرد أو شعب حياة عزيزة كريمة...

ثانياً : طالب حسن البنا حكومات هذه المرحلة ،كما طالب من سبقهم بهذه المطالب،ولكنه في هذه المرحلة بالذات فصل الأمور ووضع في الحساب أن هذه المرحلة في فرصة سائحة ،ومن الإثم إضاعتها ،لتحقق آمال الشعب ومطالبه الوطنية والإصلاحية ،"(فالشعب على أتم استعداد للبذل ،ولكن في طرق واضحة ومرسومة تؤدى إلى الحرية أو الشهادة ،بقيادة حكومة حازمة ترسم لها في قوة إخلاص مراحل هذا الطريق.أما إذا استمرت الحكومة في ترددها وتراخيها واضطرابها،فلن يؤدى ذلك بالشعب إلا إلى احد أمرين،إما أن يثور إما أن يموت ،وكلاهما جريمة وطنية لا يغتفرها أبدا التاريخ)".

ثالثاً : أورد هنا شيئاً مما كتبته بعض الصحف مما أرى له دلالة وصلة بالموضوع:

1. ففي 2مارس عام 1946م كتبت مجلةذي تابليتالبريطانية مقالاً قالت فيه((إن مصر تتولى الزعامة بين الدول الإسلامية ،والتي فقدتها تركيا بعد الحرب الماضية،وصحف القاهرة تهدد الآن جامعة الأمم البريطانية بجهاد ديني ،وقد أكد (صدقي)باشا من جديد صداقته مع بريطانيا،ولكنه مصر على أن تنسحب القوات البريطانية فوراً)).

2. كتبت [جريدة التيمس] في عام 1948م مقالاً هاماً غي نسختها الأسبوعية عن الروح الوطنية في مصر تناولت فيه التعريف بالجماعة وشأنها جاء فيها:أنهم ليسوا سياسيين أو حزباً سياسياً ،ولكنهم وطنيون يعملون لخير مصر واسترداد حقوقها المغتصبة.ومع ذلك فإن هذا وصف شامل لجمعية تستحق شأنها وتأثيرها في الحياة المصرية العامة دراسة وبحثاً..ولما كان(( حسن البنا ))شديد الإيمان بتعاليم الإسلام وخطيباً مفوها ،فإنه ما لبث أن كسب أتباعاً وأنصاراً كثيرين ونفوذاً كبيراً،وأظهر أنه سياسي بارع ،فقد أصبح للجمعية بفضل إدارته الحكيمة فروع في جميع أنحاء مصر،وبدأت مبادئه تنشر في البلدان العربية المجاورة ،ثم أصدر جريدته اليومية في أوائل 1946م ،وتتألف هذه الجمعية التي يقدر عدد أعضائها مابين ثلاثمائة ألف ،ستمائة ألف عضو من طبقة العمال ،ولكنها تضم عدداً من الطبلة والمثقفين من الطبقة الوسطي ولاسيما المعلمين ،ولم تبد الطبقة أصحاب الأراضي حماسة كبيرة نحو الإخوان المسلمين خوفاً من احتمال ازدياد قوتهم مما يفضي إلى إضعاف سلطة الطبقة العلى على الفلاحين.

ويلوح أن لهذه الهيئة طابعاً عسكرياً فأعضاؤها يسيرون في طوابير ويتدربون ويظهرون في زى عسكري أمام الجمهور.والهدف الرئيس للهيئة هو العمل على إحياء الإسلام مما قد يفيد حياة الأمة العربية بأسرها، ولتحقيق هذا الهدف تقضى الضرورة تنشئة جيل جديد يفهم معنى الإسلام ويتبع التعاليم الإسلامية...وأن مهمة الإخوان المسلمين ليست مهمة سياسية بما في هذه الكلمة من معني،ولكنهم يتمسكون بالإصلاح الاجتماعي ما قد يجعلهم قريبين من الشؤون السياسية.

ثالثاً : في أواخر عام 1944 م

بعد إقامة وزارة الوفد وحل مجلس نوابها،وتولية وزارة أحمد ماهر الحكم إعلانها عن إجراء انتخابات ادعت نزاهتها،قرار الإخوان دخول هذه الانتخابات بالترشيح المرشد العام في دائرةالإسماعيلية ،وترشيح عدد آخر من الإخوان في دوائر مختلفة.وقد نمى إلى علم الإخوان أن خطاباً أرسل من السفارة البريطانية إلى (( أحمد ماهر)) يطلب فيه منه أن يعمل على منع المرشد العام والأستاذ (( على البرير ))(كان من كبار السودانيين الأحرار المقيمين بمصر والمؤمنين بوحدة وادي النيل) المرشح في دائرة عابدين من التقدم إلى الانتخابات.وطلب ((أحمد ماهر)) مقابلة المرشد،فلما قابله طلب منه أن يسحب ترشيحه،وحاول أن يقنعه فرفض فقال له:لماذا تتشدد معي وقد قبلت مثل هذا من حكومة ((مصطفي النحاس ))وتنازلت عن ترشيحك؟

فرد عليه بقوله:"إن حكومة النحاس باشا كانت تواجه حالة سياسية مضطربة في الداخل والخارج، ولم يكن هناك بد ـ إجابة لداعي الوطنية الكريمة ـ من أن نقبل منها هذا، إذ تقبل منها هذا ،إذ كانت الحالة تدعو إلى توحيد الجهود لا إلى توزيعها لوجود الأعداء داخل الأراضي المصرية)).

فلما وُوجه القصر والحكومة بإصرار الإخوان على ترشيح مرشدهم في الانتخابات وجدوا أنفسهم أمام أمرين:أحلاهما مر: ففتح الطريق أمام (( حسن البنا )) إلى مجلس النواب كارثة في هذه الدائرة أمر لاشك فيه..كما أن منعه من الترشيح يهدم صرح الدعاية الذي شيدوه على أساس من الحرية المطلقة التي ادعوا أنهم جاؤوا ليردوا إلى الشعب ما حرمه الوفد منها. وظلوا في حيرة من أمرهم حتى اهتدوا إلى الحل الذي جاء به معدو المسرحية أنفسهم، وبدا للناس أن الأمور عادية.

ولم يكن المرشد في حاجة إلى أي جهد في الدعاية في دائرتها فقد كفاه ذلك أهل الإسماعيلية الذين يحبونه ويقدرونه ويعتزون بترشيحه في دائرتهم.

ولما جاء يوم الانتخابات،فوجئ أهل الإسماعيلية بتدخل الجيش البريطاني في الانتخابات وأحضروا أعداداً كبيرة من العمال الذين يعملون فيه في سياراتهم،وأدى هؤلاء العمال التصويت بتذاكر مزورة لانتخاب المرشحين الآخرين.واحتج أهل الإسماعيلية وأهملت السلطات احتجاجهم وانتهى يوم الانتخابات المخزنة.وظهرت النتائج بإعادة الانتخابات بين المرشد وبين مرشح آخر.

وحدثت الإعادة فلم تكن معركة انتخابية وإنما كانت حرباً أعلنتها الحكومة المصرية متضامنة مع الجيش البريطاني ضد أهل الإسماعيلية لإسقاط مرشحهم "حسن البنا ".و كان الإخوان قد تقاطروا من كل الإنحاء في مصر حيث علموا بالنية المبيتة وقد ظهر للعيان في أول يوم الانتخاب .

ولكن الخطة كانت مرسومة ، والوسائل معدة ، وكان حكمدار محافظة القنال إنجليزيا وشركة قنال السويس مقرها الإسماعيلية ،وقيادة الجيش البريطاني مقرها الإسماعيلية ، وعشرات الآلاف من العمال المصريين في الجيش البريطاني حضروا إلى ارض المعركة ، وأعدوا للتصويت المزور في صناديق الانتخابات نظير أجور مضاعفة ، والسلطة الحكومية متعاونة مع السلطة الانجليزية في تنفيذ المؤامرة .ولم تستطع الإجراءات القانونية التي كان من المفروض أن تحمى حق المرشح ضد تلاعب السلطة ،أن تؤدى مهمتها .وأعلنت النتيجة بسقوط المرشد العام في الدائرة التي يعلم أهلها ويعلم كل مصري بل والعالم كله أنها مقر داره ولا يتصور أحد أن يخذلوه في انتخابه عن دائرتهم. وهكذا كان تدخل الانجليز في أمورنا الداخلية وكان مبلغ حقدهم وكراهيتهم للإخوان المسلمين وتآمرهم على القضاء عليها بكل الوسائل.

رابعاً : قضية فلسطين

كانت للقضية الفلسطينية عناية خاصة لدى الإمام البنا ،وكانت له نظرة ثاقبة في موضوع الخطر اليهودي،وكان الإخوان المسلمون منذ بداية الثورات الفلسطينية عام1936 م هم دعاة التحذير والتحرير في العلام العربي ،وكان اتجاه المرشد والجماعة إلى جعلها قضية عالمية تقض مضاجع الإنجليز واليهود،ودعوا إلى مقاطعة المحلات اليهودية في القاهرة ،وطبعوا المنشورات يهاجمون فيها الإنجليز ويشرحون للناس مظالمهم في فلسطين ،ويبنون فيها خطط اليهود وأطماعهم الواسعة في المنطقة العربية،ووزعوا كتاب (( النار والدمار في فلسطين ))الذي وضعته اللجنة العربية العليا لفلسطين وكان الكتاب صاعقة علي الإنجليز لما فضحه من فظائعهم وجرائمهم التي يندى لها جبين الإنسانية خجلاً،وكانوا يظنون أن أمرهم سيظل في عزلة عن العالم كله،ونظموا المظاهرات التي كانت أول تنبيه لأذهان الشعب المصري في القرى والمدن نحو قضية فلسطين.

وقد بدأ الإنجليز منذ ذلك الوقت من الثلاثينيات يهتمون "بحسن البنا " ويتتبعون حركاته،ويبيتون له أسوأ النوايا ،وقد أدركوا خطره.لقد رتبوا سياستهم علي عزل مصر عن البلاد العربية،وروجوا لهذه الفكرة في طبقة المثقفين والحكام والزعماء حتى يتمكنوا من تنفيذ سياستهم الاستعمارية في مأمن من أن يقف في وجههم زعيم عربي أو تيار إسلامي،وكانوا يظنون أن في وسعهم إتمام جريمتهم ببيع فلسطين لليهود وهم في مأمن من أية مقاومة،ولكن الإخوان المسلمين أفسدوا عليهم خطتهم حين نجحوا في جعل قضية فلسطين قضية طل المسلمين ومدوا بذلك أول جسر يربط بين العرب والمسلمين،وحين أقاموا أول مؤتمر عربي يعقد من أجل فلسطين في دار المركز العام بالعتبة الخضراء آنذاك ،وكان له آثار بعيدة لدى الحكومات العربية وشعوبها علي السواء ،وصار يتوافد علي دار الإخوان كثيرون من زعماء البلاد العربية والإسلامية،وبرزت روح التضامن بين هذه البلاد التي كانت تعانى كلها من أثقال الاستعمار.وتطور الأمر إلى عقد مؤتمر برلماني عالمي في مصر من أجل فلسطين لأول مرة ،وطورت بريطانيا سياستها إزاء هذا التحول المفاجئ لها في القضية،وعملت علي عقد مؤتمر في لندن من أجل فلسطين يضم العرب واليهود وممثلي الحكومة البريطانية،وأبدت استعداداً للتفاهم ،وأوقفت حملات القتل والسحل والتعذيب التي كانت تقوم بها في فلسطين.

خامساً : أحداث سنة 1948 م أو ذريعة المتآمرين

كانت هذه السنة هي مسرح الأحداث التي اتخذها المتآمرين،بهدف إنزال ضربة قاضية بالإخوان المسلمين ومرشدهم ،ذريعة لتنفيذ مؤامرتهم،ولتسهيل جريمتهم أمام الرأي العام ،ففي مارس 1948 اغتيل ((الخازندار)).بين اثنين ممن ينتسبون إلى الإخوان ،وحكم عليهما بالسجن المؤبد في 22 نوفمبر 1948 م،وتم هذا الاعتداء بغير علم المرشد،ومن دون إذنه ،مما أثر فيه تأثيراً بالغاً وحزن له حزناً شديداً ،وقد أثبت التحقيق عدم صلة الجماعة بالحادث ،وفي 28 ديسمبر 1948 م اغتيل النقراشي باشا رئيس الحكومة بعد عشرين يوماً من قرار حل الجماعة ،واتهم القاتل بصلته بالجماعة ولكن التحقيق نفي صلة الجماعة بالحادث ،وفي عشرين يونيو نسفت بعض المساكن في حارة اليهود في القاهرة وكان ذلك رداً من مرتكبي هذا الحادث علي مذبحة دير ياسين التي ارتكبها اليهود في فلسطين 9 /4 /1948 م ،وفي 19 يوليو وقع نسف محلى ((شيكوريل)) و((أوريكو)) وكان ذلك رداً من مرتكبي هذا الحادث على إلقاء طائرة إسرائيلية 16 يوليو قذيفة على أحد الأحياء الفقيرة في حي عابدين فهدمت منازل كثيرة وقتلت عددا ًمن السكان،وفى 12 نوفمبر دمر انفجار آخر(( شركة الإعلانات الشرقية )) التي كانت مركز النشاط الصهيوني في ذلك الحين ،وحوادث أخرى،لم يسفر التحقيق فيها هي الأخرى عن صلة الجماعة أو مرشدها بها.

سادساً ً: صدور أمر عسكري بحل الجماعة

وفي 8 ديسمبر أصدر النقراشي رئيس الحكومة قراراً بحل جماعة الإخوان المسلمين وبناه علي أن الجماعة كانت تهدف لقلب نظام الحكم في البلاد ،وسردت المذكرة التفسيرية لهذا القرار وقائع مختلفة أو مبالغاً فيها،ونسبتها إلى الجماعة تبريراً لاتخاذ قرار الحل الصادر بحقها ،وقد أشرنا إلى بعضها في الفقرة السابقة.

وقد فند المرشد العام للجماعة الأسباب التي استند إليها قرار الحل في رسالة رد فيها على مذكرة وزير الداخلية بحل الإخوان وذلك في 28 /12 /1948 م ،بأن ما ذهب إليه في مذكراته بأن الجماعة قد تجاوزت الأغراض السياسية المشروعة إلى أغراض يحرمها الدستور ، فهدفت إلى تغيير النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية بالقوة والإرهاب بقوله: "وهذا القول منقوض من أساسه ، فلم يكن الإجرام يوماً من الأيام من وسائل هيئة الإخوان المسلمين فإن وسائلهم ظاهرة معروفة...لم تتعارض مع القانون ))وأما عن حقيقة الحوادث فقد قال ((ويكفى للرد على المذكرة أن القانون حمى هذا النشاط عشرين عاماً ولم يستطع أحد الاعتداء عليه إلا في غيبة القانون وفي ظل الأحكام العرفية الاستثنائية )).

وكذلك فعل المرشد بالنسبة للحوادث الأخرى تفنيداً لها ودحضا للحجج التي سيقت بشأنها،وأنها وإن ثبتت على مرتكبيها فإنه لا يمكن أن تتخذ سبباً لإدانة هيئة الإخوان المسلمين ،أو تنهض دليلاً على أن الإخوان عدلوا عن وسائلهم القانونية إلى وسيلة إجرامية ، وقد حشدت المذكرة هذا الحشد المقصود للتذرع به دون وجه حق إلى هدم بناء إصلاحي ضخم جنت منه مصر والبلاد العربية والإسلامية أبرك الثمرات ، بل إن الدليل القاطع الدافع ينادى ببراءة الإخوان ن هذا الاتهام ،فهذه دورهم وشعبهم وأوراقهم وسجلاتهم ومنشآتهم قد وضعت كلها تحت يد البوليس في جميع أنحاء مصر فلم يعثر في شئ منها على ورقة واحدة تصلح أن تكون دليلاً أو شبه دليل على هذا الانحراف المزعوم ،بل تجد الحكومة أمامها إلا المدارس تقدمها لوزارة المعارف والمشافى والمستوصفات تقدمها لوزارة الصحة والمصانع والمعامل تقدمها لوزارة التجارة والصناعة وكفى بهذا شرفاً وإشادة بجهود الإخوان الإسلامية النافعة لهذا الوطن العزيز.

وقد رد على اتهام المذكرة للإخوان:بأنهم اتخذوا أكثر من وسيلة لخوض غمار السياسة وأنهم أرادوا بذلك الوصول إلى الحكم وقلب النظم المقررة في البلاد، بأن هذا اتهام يعلم الكل بطلانه (( وكل ما هناك أن الإخوان كهيئة إسلامية جامعة مزجت الوطنية بروح الدين واستمدت من روح الدين أسمى معاني الوطنية ، ولم تبتدع ذلك ابتداعاً...وإنما هي طبيعة الإسلام الذي جاء للناس ديناً ودولة...)).

وتناول المرشد في رده فسرد كلمة عن الإخوان و فلسطين قال فيها(( ولعل الذي يسر للحكومة سبيل هذا الاتهام وسهله عليها..هو عمل الإخوان وجهادهم في سبيل فلسطين ، وإن كان هذا العمل من أنصع الصفحات وأمجدها في تاريخ دعوتهم )) وبين أن خطوات الإخوان في ذلك كانت بإذن من الجهات المختصة.

ثم تناول تحت عنوان الدوافع الحقيقية في مواقف الحكومة (( مستحيل أن يكون الدافع الحقيقي لهذه الخطوة الجريئة من الحكومة مجرد الاشتباه في مقاصد الإخوان أو اعتبارهم مصدر تهديد للأمن والسلام ـ وهو مالم يقم عليه دليل ولا برهان ـ ولكن الدافع الحقيقي فيما نظن هو انتهاز الأجانب فرصة وقوع بعض الحوادث مع اضطرابات السياسة الدولية وقلق المواقف في فلسطين ، وتردد سياسة مصر بين الإقدام والإحجام ـ فشددوا الضغط على الحكومة. وقد شهد بذلك عمار بك بنفسه ( وكيل وزارة الخارجية ) وأقر بأن سفراء بريطانيا وأمريكا وفرنسا قد اجتمعوا في فايد وكتبوا لدولة النقراشي باشا في صراحة بأنه لابد من حل الإخوان المسلمين.وكان في وسع دولته أن يزجرهم عن مثل هذا التدخل في شأن داخلي بحث وأن ينظرهم حتى تظهر نتيجة التحقيقات ،وأن يتعاون مع الإخوان على إزالة هذا الوهم من أنفسهم ، ولكنه بدلا من ذلك استجاب لهذه الرغبة الأجنبية، وأصدر قرار الحل فأشمت الأعداء وأحزن المؤمنين الأتقياء.

وهكذا يقيم الشواهد كل يوم على أن مصر للأجانب قبل أن يكون لأهلها منها نصيب وأن قيادة شعبها لا مانع لديها من أن تقدم حرياتها قرباناً لإرضاء السفراء ورعايا الدول التي طالما ناصبتنا العداء ، وأنزلت بنا البلاء ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

ويكون لما يشاع من قرب الاتفاق بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية أصل في هذه الخطوة أيضاً...وتكلم عن التعسف في التنفيذ ، كما قال(( لقد أوقف هذا الحل نهضة اجتماعية كبرى تهيأ لها شعب هذا الجيل من أبناء الوطن، وأفضل العقائد وترك في النفوس أعمق الآثار..وسيقول التاريخ كلمته ويظهر المستقبل القريب آيته.ولن تستطيع القوة أن تمحو عقيدة أو تبدل فكرة ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾.الرعد17.

﴿إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾.الأعراف128.

سابعاً:المؤامرة الدولية (( استشهاد حسن البنا ))

كانت الإشارات،والتعليقات،والاستفزازات،والاستعداءات التي ملأت الصحافة الأجنبية من مصادر مختلفة ، وكان عمل العداءات الصليبية اليهودية والاستعمارية أوضح من أن يحتاج اكتشافه إلى ذكاء غير عادى، كما كان تصاعد عمل الإخوان في القضية الوطنية وقضية فلسطين بصورة قوية وعملية له ردود فعل خطيرة لدى الإنجليز وحلفائهم والصهيونية العالمية ن ولم يكن للإخوان خيار في أداء واجبهم الوطني والإسلامي نحوهما،وإن كان ذلك قد أدى إلى نتائج بالغة الخطورة، فقد كان تحرير البلاد من الاستعمار،وقتال اليهود المحاربين فريضة إسلامية واجباً قومياً،وما كان للإخوان أن يتخلوا عن أداء الفرائض والواجبات مهما كلفهم ذلك من ثمن والله خير وأبقى.

ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتتابع فصول المؤامرة التي شاركت فيها الحكومة الحاقدة ، والملك المارق ، وخططت لها القوى الدولية الطاغية ، للقضاء على جماعة الإخوان واغتيال مرشدهم في محاولة إجرامية للتخلص من هذه القوى التي مزجت بين الدين والسياسة فغيرت بتغلغلها في الشعب المصري ومد خيوطها فكراً وحركة في الدول العربية والإسلامية،وأصبحت تهدد بضياع مجهودهم عبر أكثر من قرن لإسقاط الخلافة وتمزيق وحدة الأمة الإسلامية بعودتها على يد هذه الدعوة إلى الظهور من جديد في غضون وقت قصير، كان لابد لهم من ذلك لإنقاذ مصالحهم الاستعمارية التي باتت مهددة في حاضرها ومستقبلها.كان لابد من منطلق مصالحهم الآثمة ،ووفق أساليبهم المتبعة ، من إملاء إرادتهم على السلطة الحاكمة وتنفيذ ما يريدون ،من وضع حد لحياة داعية هذا العصر الإمام (( حسن البنا )) الذي أسس هذه الجماعة العاملة، وقاد مسيرتها الناجحة ، وغزا بدعوته الحية قلوب الملايين ، ولم تفلح معه أساليب القوي الاستعمارية في صرف أعدائهم عن عدواتهم باستخدام الحيلة أو القوة أو التلويح بالسلطة والجاه ،فقد ثبت لقوى البغي العالمية عجزها عن أن تقف في وجه حريته أو أن تصرفه عن غايته وفكرته ، وإن كان هو لا يضمر كراهية لشعب ولا يطالب بأكثر مما هو حق للشعوب في حريتها واحترام مبادئ دينها ومساواتها بغيرها.

فعلى أثر صدور قرار الحكومة الظالم بحل جماعة الإخوان المسلمين ، ومصادرة ممتلكاتهم وإغلاق دورهم ،واعتقال الإخوان ،وحرمان مرشدهم من إجابته إلى طلبه المتكرر باعتقاله مع إخوانه . هيأت الحكومة بأساليبها الدنيئة وأعوانها الأدنياء للجريمة. حتى إذا كان يوم 14 ربيع الآخر 1368هـ - 12 فبراير 1949 م ، فاجأوا ضحيتهم البريئة بإطلاق الرصاص في الطريق العام وتلقاها تلقى البطل الشجاع وحمى نفسه بنفسه منها فلم تنل منه مقتلا ، حتى إذا حملوه إلى المستشفى بعيداً عن أعين الرقباء، إلا عين الله التي لا تغيب عنه غائبة،تركوه لينزف دمه الزكي ن حتى فاضت روحه الطاهرة وصعدت إلى ربها راضية مرضية فقد طالما سأل الله تعالى أن يرزقه الشهادة فأعطاه إياها. وأدخل جثمانه الطاهر منزله وسط مظاهرة مسلحة من رجال البوليس شاهرة أسلحتها في وجوه سيدات أسرته الصابرة المؤمنة المحتسبة. فحملن نعشه إلى قبره ولم يسمح لأحد بالسير في جنازته، ولا بتلاوة القرآن في منزله.ليلحق بركب شهداء الدعوة فيمن سبق وليلحق به بعد من لحق: ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ﴾ الأحزاب:23،رحم الله شهداءنا وألحقنا بهم في الصالحين.

وإن ما خفي من أسرار السياسة الدولية يوما ما، لن تلبث الأيام أن تكشف عنه والعالم كله يعرف جيداً عن أساليب الإنجليز وحلفائهم ،وعن مكر الصهيونية العالمية وما تمارسه من ضغوط على الدول الكبرى لتنفيذ مصالحها وإن كانت على حساب مصالح شعوب هذه الدول ،وأن الأمور أوضح من أن إلى أكثر من إشارة.

ولاشك أن عداوة هذه الدول للإسلام، ولكل حركة تدعو إلى إحياء دعوته في قلوب المسلمين وإلي العودة إلى الإسلام، واستعادة الحكم بشريعته وإقامة حضارته ،عداوة يعود ضررها عليهم وعلي الإنسانية أكثر مما يعود ضررها علي الإسلام والمسلمين لأنهم يحاربون الله ورسوله فهم في الأذلين ،ونحن ما تمسكنا بديننا وعملنا به في كل أمرنا وابتغينا وجه الله في دنيانا وآخرتنا فإن العاقبة للمتقين ولن يضيع الله عباده المجاهدين ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم*إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾ البقرة:143.

المرحلة الثانية : الصمود

وقد رأيت أن أتناولها في قسمين:

( أ )القسم الأول :وهو فترة مابين المرحلتين التي سبقت اختيار المرشد الجديد:

وتعد مرحلة انتقالية وتقع بين تاريخ استشهاد الإمام ((حسن البنا )) في 12 فبراير 1949 م تاريخ اختيار المرشد الجديد الأستاذ (( حسن الهضيبي ))ـ رحمهما الله ورضي عنهما ـ في 19 أكتوبر 1951 م ، وتكون مدتها بذلك قرابة العامين. كانت الجماعة تمر بظروف غير عادية، إذ كان أعضاء الجماعة وقادتها داخل المعتقلات أو خلف قضبان السجون على ذمة قضايا كثيرة، وقد تولت مسؤولية القيادة فيها مجموعة من الإخوان الذين لم يعتقلوا، وكان على رأسهم الأستاذ (( أحمد حسن الباقورى ))، وكان ينضم إليهم كل من يفرج عنه من الإخوان ، وكان قرار الحل لازال قائماً. وبرغم الظروف التي كانت تقيد حركة الإخوان فقد أثبتوا وجودهم بعد أن أفرج عن الإخوان ، وعادوا إلى الحياة العامة، وحين تداعوا إلى تجمع ضخم بلغ بضعة آلاف أخ ،أمام مجلس النواب في 18 /4 /1950 م ،أثناء نظر المجلس مشروع قانون الجمعيات الذي رأوا فيه تنافياً مع الحريات العامة وحقوق الأفراد والجماعات في تكوين الجمعيات ، وأذهل تجمعهم أجهزة الأمن، وكان منظماً وقوياً،وأعلن الإخوان ـ في كلمات قوية تجمع لسماعها أعضاء المجلس في شرفاته ـ رفض الإخوان لهذا التشريع ومطالبة المجلس برفضه.

( ب ) القسم الثاني:

وهو ما يمكن أن يعبر عنه بحق المرحلة الثانية في تاريخ الجماعة وهي مرحلة (( الصمود )) في وجه محاولات القضاء على الدعوة والحركة التي عمدت إليها السلطة في هذه المرحلة.

ولعل من المناسب هنا أن نتعرض أولاً في كلمة، عن شخص المرشد الجديد وعن الظروف التي واجهها من بداية الطريق.

إن خلو الميدان فجأة من الرجل الذي أنشأ الجماعة وتعهدها بكل ما أوتى من إخلاص ومواهب أكثر من عشرين عاماً ، وغيابه عن مسرح الأحداث على هذه الصورة الأليمة ، وعن جماعته وهى في أدق ظروفها ، كان بالنسبة للإخوان محنة كبرى ،كما كان صدمة على نفوس أهل الغيرة على الإسلام وأنصار الجماعة ، ومصدر شعور آثم بالارتياح لأعداء الفكرة وخصوم الدعوة إذ تخلصوا من خصم عنيد وتوهموا أن في غياب (( حسن البنا )) موتاً لحركة الإخوان ، وضعفاً لجماعتهم ، وعلى رأس هؤلاء الإنجليز والدول الاستعمارية الكبرى والصهيونية العالمية والصليبية الشامتة وقد كان ذلك أيضاً موقف الملك والحكومات الأربع والعابثين من الساسة المحترفين .

ولقد فات الحاقدون أن الدعوة الإسلامية بالنسبة للإخوان حياة تجرى في دمائهم وتستحوذ على فكرهم ومشاعرهم، وهي عندهم أكبر من كل شيء، ومن كل إنسان ارتبط بها ، ومهما كانت منزلته في الصف فهم يؤمنون بمبادئ ن ولا تدور حياتهم حول أشخاص.


أولاً : فترة ما قبل الانقلاب العسكري

وننتقل الآن إلى تناول الموضوع الذي كنا بصدده وهو (( المرحلة الثانية )) وقد اشتملت على فترتين:

أولاهما : فترة ما قبل وقوع الانقلاب العسكري في 23 يوليو 1952 م:

وأمدها قصير لا يكاد يتجاوز عاماً واحداً:

كان التئام صفوف الجماعة وانتظامها خلف مرشدها الجديد يتم بسرعة ودون عناء وعادت الجماعة في ارتباطها بالمرشد ونظامها سيرتها الأولى.

وكانت الإخوان من ميراث المرحلة الأولى لا تزال قائمة وتحتاج إلى متابعة ، وكان القضاء المصري بنزاهته التي تحمد له أكبر عون للدعوة في هذه المرحلة التي تتطلب استرداد سمعة الإخوان خلال العقدين الماضيين وأثرها الفعال في الرأي العام. وحدث هذا الأثر في أقوى صورة حين صدر الحكم في قضيةالسيارة الجيب في 17 /3/ 1951 م وكان له صداه الواسع في داخل مصر وخارجها ،ودلالاته البعيدة المدى في تاريخ الدعوة وتاريخ مصر السواء، وتناولته الصحافة المصرية باهتمام واختارت له أماكن ظاهرة في الصحف وعناوين ضخمة ، حيث تحدثت عما جاء في الحكم وحيثياته من إثبات التعذيب الذي وقع على المتهمين ، وعن فوضى التحقيق الذي أجرى معهم ، وعن الإشادة بمبادئ الإخوان المسلمين ، وأن المتهمين انحرفوا عنها بدوافع وطنية كأبناء بلد محتل مغلوب على أمره، وتحت تأثير كارثة فلسطين ، كما صححت المحكمة وصف النيابة للنظام الخاص بأنه جهاز إرهابي وقالت عنه في حيثيات حكمها:

إنه تدريب يتمشى مع الأهداف المقررة لتحرير وادي النيل، وجميع البلاد الإسلامية من نير الاستعمار، وأنه لم تضمن، ولم يدع إلى ارتكاب الجريمة، ولا يعيبه أن بعض أعضائه كونوا من تلقاء أنفسهم مؤامرة إجرامية لأعمال القتل أو التخريب.


ثانياً : فترة ما بعد وقوع الانقلاب العسكري في 23 يوليو 1952م

وعمرها الزمني نحو عشرين عاماً ، من 23 يوليو 1952 م إلى تاريخ وفاة الأستاذ(( حسن الهضيبى )) في أكتوبر 1973 م .

ولم يكن وقوع هذا الحادث التاريخي غير متوقع عند الإخوان المسلمين من ناحيتين :

أولهما :

ما توقعه الإمام الشهيد (( حسن البنا )) من إمكان قيام ثورة في البلاد إذا لم يتدارك أولوا الأمر إصلاح الفساد الذي استشرى وسوء الأحوال الذي لا يجد من الحكومات أي تحرك جاد لعلاجها ، وكان ذلك في الثلاثينيات والأربعينيات ، أي قبل تحقيق ما توقعه بنحو عشرين عاماً .

وما حملني إلى إيراد هذه الحقيقة إلا أخذ العبرة التي يفيد منها كل حاكم حين يفتح قلبه للناصح الأمين، ولا يغمض عينه عن الواقع الذي يحمل في طيه النذير.

فقد طالما نبه إلى حقائق الأمور و الأخطار التي تترتب على تجاهلها في أكثر من رسالة وموقف، فهو يقول في رسالة له بعنوان (( مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي)) شرح فيها سوء الأحوال في وطننا الخاص وفي وطننا العربي والإسلامي، وأن إصلاحها في العودة إلى الإسلام وأنظمة الحياة فيه ، ثم يهيب بالحكومات أن تقود الأمة عن هذا الطريق ويحذر من سوء العواقب إن لم تفعل (( أما إذا استمرت الحكومة في ترددها وتراخيها واضطرابها ، فلن يؤدي ذلك بالشعب إلا إلى أحد الأمرين : إما أن يثور وإما أن يموت )).

وفي رسالة أخرى له بعنوان (( نظام الحكم )) بعد أن شرح هذا النظام في الإسلام اختتمها مناشداً أولى الأمر أن يأخذوا به، ويحذر من التراخي في ذلك منادياً: "تداركوا الأمر قبل الفوات...". وتذكرت زفرة الشاعر الذي يقول :

نصحتهم أمري بمنعرج اللوي

فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

وثانيهما:

بحكم الصلة التي كانت بين (( عبد الناصر )) والإخوان ، ولهذه الصلة تاريخ قد أشير إليه فيما بعد ، ولكن ما هو مطلوب تحت هذا العنوان الفرعي يكفى معه أن أذكر أن مجموعة من الإخوان كانت مكلفة من قبل المرشد بالاتصال به ، وتبليغ المرشد بما يدور في اجتماعاتها معه ومع من يحضر هذه اللقاءات من زملائه أولاً فأول. وكانت هذه اللقاءات قد كثرت في أواخر يناير وأوائل فبراير 1952 م ، ولكنها لم تنقطع على أية حال ، ولذلك فمن الطبيعي أن يكون الإخوان على علم سابق بموعد القيام بحركة الجيش بفترة قصيرة، وأن يكون لهم شأن فيها وأن يكونوا على اتفاق بالغاية من الانقلاب.

وتوخياً للإيجاز فلسنا بصدد الكتابة عن الانقلاب ولا التأريخ له ، وإنما نحن نريد أن نقتصر على ماله صلة بالإخوان من الأحداث التي وقعت خلال هذه الفترة بالذات، التي بدأت بتاريخ حدوث الانقلاب العسكري حتى تاريخ وفاة مرشد الجماعة الأستاذ(( حسن الهضيبي )) رحمه الله في أكتوبر 1973 م ، بوصفها مرحلة من مراحل تاريخ الجماعة.

ولأول أيام الثورة، واستقبال الشعب لها بحرارة وأمل بالغين في أنحاء البلاد ، كانت تساؤلات الكثيرين من المثقفين والساسة تدور حول الرغبة في الوقوف علي معلومات عن هؤلاء الضباط الذين عرفوا باسم الضباط الأحرار ، من هم ؟ وما أهدافهم ؟ وما علاقتهم بالإخوان المسلمين ؟


حركة الجيش وعلاقة الإخوان بها

يرجع تاريخ حركة الإخوان في الجيش إلى أواخر الثلاثينيات عندما كان ( حسن البنا ) يزور بعض وحداته في المناسبات الدينية، ويتحدث إليهم فيها عن الإسلام ، وكان طبيعياً أن تجد كلماته آذاناً صاغية وقلوباً محبة للإسلام.

وكان في وسع بعض أفراد الوحدات التي يزورها من رتب مختلفة أنت يحضروا دروس الثلاثاء في المركز العام التي يلقيها المرشد في محاضرات مفتوحة، ومع تحرك الدوافع الوطنية في الأمة ومطالبتها بحقوقها في جلاء الإنجليز وإلغاء المعاهدة، ونمو حركة المقاومة الشعبية بين الطلبة والعمال ومواجهة العدوان الصهيوني في فلسطين في الأربعينيات ارتبط بجماعة الإخوان فريق من جنود الجيش، وضباط الصف، والضباط، وفي خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية تبلورت هذه الصلة وتحولت إلى ارتباط وثيق بالجماعة ، وبأهدافها ونظامها ، ومن هؤلاء عدد كبير من الضباط الأحرار الذين قاموا بالانقلاب وعلى رأسهم ((جمال عبد الناصر))، وقد طرأ تغيير نوعى في حركة الضباط في الجيش منذ 1946 م حين بدأ ((عبد الناصر)) في تحويل ولاء هذه المجموعة له واتفق سراً معهم على أن تبقى الحركة داخل الجيش غير مرتبطة بالإخوان المسلمين واتجه إلى جمع أكبر عدد من الضباط وضمهم إلى الحركة بصرف النظر عن فكرهم وأخلاقهم فقد كان النمو العددي لهم أهم في نظره من كونهم على خلق، أو مؤمنين بالفكرة التي بايع هو نفسه عليها، وبايع عليها كثيرون من زملائه في مجلس قيادة الثورة،وهى مبادئ الإسلام ودعوة الإخوان المسلمين.


أول شعور بخيبة الأمل في الثورة

وفي يوم 30 يوليو تم لقاء بين المرشد وجمال عبد الناصر." وقد دار الحديث بينهما من منطلق ما اتفق عليه عبد الناصر مع الإخوة الذين كانوا يجتمعون به قيام الانقلاب، غير أن عبد الناصر بدأ يتنصل شيئاً فشيئاً من بعض الالتزامات التي تقتضيها المشاركة المتفق عليها. فمثلا ً" عندما قيل له بوجوب التشاور مع الإخوان في الأمور الرئيسة في السياسة العامة قبل اتخاذ أي قرار نهائي سواء في النواحي السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية وذلك بوصفهم شركاء في المسؤولية.؛ هنا رفض عبد الناصر وقال عبارته التي كان يكررها في مناسبات مختلفة(( إنه لا يقبل وصاية من أي جهة على الثورة )) ومن هنا وجه المرشد حديثه متسائلاً بتعجب..." ألم تتفقوا على المشاركة...؟! " فكان الجواب :بلى اتفقنا.

وهنا ظهر على المرشد عدم الارتياح أو الاطمئنان لدرجة أنه لم يشارك في الحديث تقريباً حتى نهاية الجلسة التي دامت نحو ساعتين، بعدها انصرف ( عبد الناصر ) ، وتذكر بعض الإخوان الذين كانوا ضمن المجموعة التي عرضت على المرشد سؤال ((جمال)) عن موافقة الإخوان وما سأل عنه من أمر (( عبد الناصر ))وأصحابه ، وعدم الارتياح الذي بدأ على وجهه.

وقد أبدى المرشد بعد انصرافه عدم اطمئنانه إلى اتجاه هذه الحركة وعدم ثقته بالقائمين عليها لما بدا من تنصل المسئول الأول الفعلي من التزاماته ووعوده، التنصل الذي بلغ حد الكذب وذلك من أول خطوة في طريق الحركة ، ورتب على ذلك أنه لا يمكن أن تكون حركة إسلامية تسير على الخط والهدف الذي يؤمن به الإخوان. وإنما يمكن اعتبارها على أحسن الوجوه حركة إصلاحية، ويبغي القائمون بها الانفراد بالعمل، وأنه يجب أن يكون تعامل الإخوان معهم على هذا الفهم.

ووقعت اختلافات في وجهات النظر الإصلاحية حول بعض الأمور مثل تحديد الحد الأقصى للملكية، حيث رأى الإخوان أن يكون ( 500 فدان ) فكان رد ( عبد الناصر ):" إن الثورة رأت أن يكون التحديد بمائتي فدان فقط وهى مصممة على ذلك".


بيان الإخوان بخطوات الإصلاح

أصدر الإخوان بياناً في أول أغسطس 1952 م ونشرته الصحف، يبين خطوات الإصلاح في العصر الجديد، جاء فيه:"...وجوب إلغاء الأحكام العرفية وسائر القوانين المنافية للحريات...،ووجوب تحريم ما حرم الله...، والإصلاح الدستوري واستلهام مبادئ الإسلام في شؤون الحياة، وضروب الإصلاح الاجتماعي والزراعي والاقتصادي والديني...والعناية بالجوانب العسكرية والتجنيد والتدريب العسكري وإنشاء مصانع للأسلحة والذخيرة، وخروج انجلترا من مصر والسودان وكل مستعمر من بلاد الإسلام)).


جمال عبد الناصر يحل الجماعة ويعتقل الإخوان

وفي 13 يناير 1954 م صدر بيان بمجلس الثورة بحل جماعة الإخوان المسلمين ، وجرى اعتقال الإخوان وصدرت بيانات زائفة زاعمة اتفاق مرشد الإخوان مع الإنجليز من وراء ظهر الحكومة، وتهماً أخرى مختلفة، فكانت السبب المباشر في اعتقال الإخوان ، ولم يلبث الإخوان إلى أن خرجوا من معتقلاتهم في 25 مارس 1954 م دون محاكمة، وزار(( جمال عبد الناصر )) المرشد في منزله في يوم خرجه مع الإخوان من السجن الحربي، ونشر في الصحف تهنئة(( جمال )) للمرشد مهنئاً إياه بالخروج باسمه وباسم أعضاء مجلس الثورة لرد اعتبار الإخوان مما ألحق بهم من تهم كاذبة.


محاكمات وسجون وإعدامات الإخوان في عهد (( عبد الناصر ))

لم يعد أمرها خافياً على أحد في مصر أو خارجها، فقد سمع عنها العالم بأسره وتناقلت أخبارها الصحافة في الداخل والخارج،وهي في جملتها تعد امتداداً لما وجه للإخوان من ضربات واضطهاد في العهد السابق مع الفارق في ضراوة التنكيل والتنكير لكل حقوق الإنسان وكرامة الآدمي، ولها نفس الدواعي الخفية والظاهرة.

وتدور الأسباب فيها جميعها حول قضيتين أساسيتين: قضية الإسلام والمطالبة بأن تحكم البلاد بشريعة القرآن، وقضية تحرير الأرض الإسلامية من كل اعتداء يقع عليها، سواء كانت أرض مصر أو أرض فلسطين أو غيرها.

وهما قضيتان تحاربهما الدول الاستعمارية والصليبية العالمية، والصهيونية الباغية، ولا تنتصر لهما حكومتنا في أكثر دولنا العربية والإسلامية.

ولكن الله تعالى قد وضع سنناً في حياة الناس لا تغلب وأن من هذه السنن أن الغلبة في النهاية للحق على الباطل وأن العاقبة دائماً للمتقين ، ولو أن أعداء الإسلام والحريات تخلوا عن تعصبهم وأدركوا ما فيه مصلحتهم لعرفوا أنهم أعداء أنفسهم قبل أن يكونوا أعداء غيرهم.

لقد كانت كلها محاكمات جائرة، واتهامات باطلة، وقد تكشفت حقائقها واعترف بها بعض من شارك فيها، ولم يعد خافياً أن حادث المنشية الذي بنوا عليه إعدام الأبرياء وسجن الشرفاء واعتقال عشرات الآلاف من الرجال والشباب والنساء، كان حادثاً ملفقاً. وأن محاكمات سنة 1965 م واعتقالاتها التي فاقت سابقتها وإعدامات ضحاياها التي كانت باسم تنظيم لقلب نظام الحكم، إنما كانت تبريراً لضرب جماعة الإخوان والتيار الإسلامي في البلاد.

وأن مظالم الحكم الفردي وتنكيله بالأمة هو سر هزائمه العسكرية واستشراء مفاسده.

وفي كتاب السادات (( البحث عن الذات )) يقول:" إن سبب هزائمنا في حرب 1967م ليس قلة العتاد ولا عجز الجندي المصري في المواجهة ،ولا نقص التدريب أو التكتيك، وإنما فشل القادة أنفسهم ؛ قد فشل القادة العسكريون في حربهم مع العدو ونجحوا في حربهم ضد الشعب فأذلوا وشوهوا تاريخه وعملوه النفاق والكراهية والحقد، وحكموه بالحديد والقهر والاستبداد .

عقيدة الإخوان وفكرهم

في العقيدة : كما أرساها القرآن والسنة

وهي حجر الأساس والركيزة العظمي التي لا قيام للدعوة الإسلامية إلا عليها.

1. تعريف العقائد:

العقائد هي الأمور التي يجب أن يصدّق بها قلبك وتطمئن إليها نفسك، وتكون يقينا عندك ،لايمازجه ريب ولا يخالطه شك.

2.درجات الاعتقاد:

والناس في قوة العقيدة وضعفها أقسام كثيرة، بحسب وضوح الأدلة، وتمكنها من نفوس كل قسم:

• منهم من تلقاها تلقينا، واعتقدها عادة، وهذا لا يؤمن عليه من أن يتشكك إذا عرضت له الشبهات.

• ومنهم من نظر وفكر فازداد إيمانه ، وقوى يقينه.

ومنهم من أدام النظر، وأعمل الفكر، واستعان بطاعة الله تعالى، وامتثل أمره، وأحسن عبادته، فأشرقت مصابيح الهداية في قلبه، فرأى بنور بصيرته ما أكمل إيمانه وأتم يقينه ، وثبت فؤاده: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وءآتاهم تقواهم﴾ محمد :17.

3 ـ تقدير الإسلام للعقل :

أساس العقائد الإسلاميةـ ككل الأحكام الشرعية ـ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن كل هذه العقائد يؤيدها العقل ويثبتها النظر الصحيح ، ولهذا شرف الله تعالى العقل بالخطاب ، وجعله مناط التكليف ، وندبه إلى البحث والنظر والتفكير، قال الله تعالى ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ﴾ سورة يونس: 101.

وذم الذين لا يتفكرون فقال الله تعالى: ﴿ و كأين من ءاية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ﴾ يوسف 105.

وطالب الخصوم بالدليل والبرهان حتى فيما هو ظاهر البطلان تقديراً للأدلة إظهار لشرف الحجة ﴿ ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون﴾ المؤمنون 117.

فالإسلام لم يحجز على الأفكار ولم يحبس العقول وإنما أرشدها إلى التزام حدها ، وعرفها قلة علمها، وندبها إلى الاستزادة من معارفها فقال تعالى : ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴾ الإسراء 85 ، وقال تعالى : ﴿ وقل رب زدني علماً﴾ طه 114.

4ـ أقسام العقائد الإسلامية:

العقائد الإسلامية تنقسم إلى أربعة أقسام رئيسية، تحت كل قسم منها فروع عدة:

القسم الأول:الإلهيات:

وتبحث فيما يتعلق بالإله سبحانه وتعالى من حيث صفاته وأسماؤه وأفعاله، ويلحق بها مايستلزمه اعتقاده من العبد لمولاه.

القسم الثاني:النبوات:

وتبحث في كل ما يتعلق بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من حيث صفاتهم، وعصمتهم، ومهمتهم، والحاجة إلى رسالتهم. ويلحق بهذا القسم ما يتعلق بالأولياء رضوان الله عليهم، والمعجزة والكرامة، والكتب السماوية.

القسم الثالث:الروحانيات:

وتبحث فيما يتعلق بالعالم غير المادي، كالملائكة عليهم السلام والجن والروح.

القسم الرابع: السمعيات(( فيما يتعلق بالحياة البرزخية والحياة الأخروية:

كأحوال القبر، وعلامات القيامة، والبعث، والموقف، والحساب، والجزاء، وسيقتصر تناولنا هنا على القسم الأول لاتصاله بموضوع البحث.

الإلهيات : وتضمن ذات الله تعالى وأسماءه وصفاته:

1 ـ ذات الله تعالى:إن ذات الله تبارك وتعالى أكبر من أن تحيط بها العقول البشرية، وأن عقولنا من أكبرها إلى أصغرها تنتفع بكثير من الأشياء ولا تعلم حقائقها، ( فالكهرباء والمغناطيس وغيرهما)، قوى نستخدمها وننتفع بها ولا ندرك بحواسنا حقيقتها بل آثارها على أن معرفة حقائق بعض الأشياء وذواتها لا يفيدنا بشيء ويكفينا أن نعرف من خواصها ما يعود بالفائدة علينا. فإذا كان هذا شأننا في الأمور التي نلمسها ونحسها فما بالك بذات الله تبارك وتعالى وقد ضّل أقوام تكلموا في ذات الله تبارك وتعالى، فكان كلامهم سبباً لضلالهم وفتنتهم واختلافهم، لأنهم يتكلمون فيما لا يدركون تحديده ولا يقدرون على معرفة كنهه، ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التفكير في ذات الله، وأمر بالتفكير في مخلوقاته.

2 ـ أسماء الله الحسنى:إنه الخالق المتصرف جل وعلا تعرف إلى خلقه بأسماء وصفات تليق بجلاله، يحسن بالمؤمن حفظها تبركاً بها ، وتلذذاً بذكرها، وتعظيماً لقدرها.

عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :" لله تسعة وتسعون اسماً مائة إلا واحداً،لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة،وهو وتر يحب الوتر". رواه البخاري ومسلم.

وهناك بحوث تتعلق بأسماء الله الحسنى.

( أ ) الأسماء الزائدة عن التسعة والتسعين:

بغيرها من الأسماء،مثل ( الحنان ـ المنان ـ البديع ـ المغيث ـ الكفيل ـ ذو الطول ـ ذو المعا رج ـ ذو الفضل ـ الخلاق ) .

( ب ) الأحاديث التي وردت فيها ألفاظ على أنها أسماء لله تعالى على المجاز:

ولكن قرائن الحال وأصل الوضع يدل على غير ذلك، فذلك من قبيل المجاز لا الحقيقة ومن قبيل تسمية الشيء باسم غيره لعلاقة بينهما أو على تقدير بعض المحذوفات. مثال ذلك الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" رواه مسلم فلا يراد منه ظاهره وحقيقة الإطلاق، بل المقصود، فإن الله هو المسبب لحوادث الدهر فلا يصح أن ينسب إلى الدهر شيء ولا أن يسب ويذم.

( جـ ) التوفيق في أسماء الله تعالى وصفاته:

والجمهور على أنه لا يصح أن نطلق على الله تبارك وتعالى اسماً أو وصفاً لم يرد به الشرع، بقصد اتخاذ اسماً له تعالى وإن كان يشعر بالكمال.فلا يصح أن نقول مثلاً: مهندس الكون الأعظم، على أن يكون هذا ومثله أسماء أو صفات له تعالى يصطلح عليها، ويتفق على إطلاقها عليه تعالى، ولكنها إذا جاءت في عرض الكلام لبيان تصرفه تعالى من باب التقريب للإفهام فلا بأس، والأولى العدول عن ذلك تأدباً مع الحق تبارك وتعالى.

( د ) العلمية الوصفية في هذه الأسماء:

من الأسماء التسعة والتسعين علم واحد، وضع للذات القدسية وهو لفظ الجلالة: الله، وباقيها كلها ملاحظ فيها معنى الصفات.ولهذا صح أن تكون إخباراً للفظ الجلالة. وهل هو مشتق أو غير مشتق، ومسألة خلافية، لا يترتب عليها أمر عملي.حسبنا أن نعلم اسم الذات هو هذا الاسم المفرد وبقية الأسماء مشربة بالوصفية.وفي هذا الكفاية.

( هـ ) خواص أسماء الله الحسني:

يذكر البعض أن لكل اسم من أسماء الله تعالى خواصَّ وأسراراً تتعلق به على إفاضة فيها أو إيجاز، وقد يتعالي البعض فيتجاوز هذا القدر إلى زعم أن لكل اسم خادماً روحانياً يخدم من يواظب على الذكر به...وهكذا، والذي يعلمه في هذا (الإمام حسن البنا ) وفوق كل ذي علم عليم ، أن أسماء الله تعالى ألفاظ مشرفة لها فضل على سائر الكلام ، وفيها بركة، وفي ذكرها ثواب عظيم، أما ما زاد علي ذلك فلم يرد في كتاب ولا سنة، وقد نهينا عن الغلو في دين الله تعالى ، وزيادة فيه ، وحسبنا الاقتصار على ما ورد.

( و ) اسم الله الأعظم:

ورد ذكر الله الأعظم في أحاديث كثيرة ، والعلماء يختلفون في تعيينه لاختلافهم في ترجيح الأحاديث بعضها على بعض.

فإذا تقرر هذا، فما يدعيه بعض الناس من انه سر من الأسرار يمنح لبعض الأفراد، فيفتحون به المغلقات ويخرقون به العادات ويكون لهم به من الخواص ما ليس لغيرهم من الناس ، أمراً زائداً على ما ورد عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

3 ـ صفاته تعالى في نظر العقل:

إن الناظر إلى هذا الكون وما فيه من بدائع الحكم وغرائب الخلق ودقيق الصنع مع العظمة والاتساع، والتناسق والإبداع، بحيث يتألف من مجموعة واحدة كونية ، كل جزء منها يخدم الأجزاء الأخرى كما يخدم العضو في الجسم الواحد بقية الأعضاء، يخرج من كل ذلك من غير أن يأتيه دليل أو برهان أو وحى أو قرآن بهذه العقيدة والنظرية السهلة وهي: أن لهذا الكون خالقاً وصانعاً واحداً، وأن هذا الصانع لابد أن يكون عظيماً فوق ما يتصور العقل البشرى الضعيف من العظمة ، قادراً فوق ما يفهم الإنسان من معاني القدرة، وحياً بأكمل معاني الحياة، وأنه مستغن عن كل هذه المخلوقات،لأنه كائن قبل أن تكون وعليم بأوسع حدود العلم، وأنه فوق نواميس هذا الكون لأنه واضعها وأنه قبل هذه الموجودات لأنه خالقها وبعدها لأنه الذي سيحكم عليها بالعدم، وإجمالاً سيري نفسه مملوءاً بالعقيدة بأن صانع هذا الكون ومدبره، ويتصف بكل صفات الكمال فوق ما يتصورها العقل البشرى المحدود، ومنزه عن كل صفات النقص وسيري هذه العقيدة وحى وجدانه لوجدانه وشعور نفسه بنفسه ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ الروم:30.

( ب ) مجمل صفات الله في القرآن:

ـ وجود الله تعالى:أشارت آيات القرآن الكريم إلى بعض الصفات الواجبة لله تعالى، والتي يقتضيها كمال الألوهية، كقوله تعالى ﴿ وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون﴾ *﴿وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون﴾*﴿وهو الذي يحيي ويميت ﴾*﴿وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون﴾ المؤمنون (78 ـ 80)

ـ قدم الله تعالى وبقاؤه:

كما في قوله تعالى﴿ هو الأول والآخر*والظاهر والباطن*وهو بكل شيء عليم﴾ الحديد:3. وقوله تعالى﴿قل هو الله أحد*الله الصمد*لم يلد ولم يولد*ولم يكن له كفواً أحد﴾ سورة الإخلاص.وفي ذلك إشارة إلى مخالفته تبارك وتعالى للحوادث من خلقه ، وتنزهه عن الولد والوالد والشبيه والنظير.

ـ قيام الله تعالى بنفسه:

قال تعالى: ﴿ يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله*والله هو الغنى الحميد﴾ فاطر:15.

ـ وحدانيته تعالى:

قال تعالى: ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون ﴾ النحل:51.

ـ قدرة الله تعالى:

قال تعالى: ﴿ ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ سورة (ق):38.

ـ إرادة الله تعالى:

قال تعالى:﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أ، يقول له كن فيكون﴾ يس82.

وغير ذلك من الآيات الكريمة التي تشير إلى إثبات إرادة الله تعالى وأنها فوق كل إرادة ومشيئة﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ سورة الدهر:30.

ـ علم الله تعالى:

قال تعالى: ﴿ يعلم ما في السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور﴾التغابن:4

وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على سعة علمه تبارك وتعالى وإحاطته بكل شيء، قل أو كثر، دقّ أو عظم.

ـ حياة الله تعالى:

قال تعالى ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولانوم*له ما في السموات وما في الأرض﴾ البقرة :255.

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أن تبارك وتعالى متصف بالحياة الكاملة التي ليس ثم أكمل منها.

ـ سمع الله تعالى وبصره:

قال تعالى﴿ يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور*والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء*إنه الله هو السميع البصير ﴾ سورة غافر:20.

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تدل على اتصافه تعالى بالسمع والبصر.

ـ كلام الله تعالى:

قال تعالى﴿ وكلم الله موسي تكليما ﴾ النساء:164.

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تدل على اتصافه تعالى بصفة الكلام.

ـ صفات الله لا تتناهى:

وصفاته تبارك وتعالى في القرآن الكريم كثيرة، وكمالاته تعالى لا تتناهى ولا تدرك كنهها عقول البشر، سبحانه لا نحصى ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.

ـ بين صفات الله وصفات الخلق:

إن المعنى الذي يقصد باللفظ في صفات الله تبارك وتعالى يختلف اختلافاً كلياً.

ترجيح مذهب السلف:

والإمام(( حسن البنا )) ومدرسته على اعتقاد أن رأى السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله تبارك وتعالى أسلم وأولى بالإتباع، حسما لمادة التأويل والتعطيل وأن تأويلات الخلف لا توجب الحكم عليهم بكفر ولا فسوق ولا تستدعى هذا النزاع الطويل بينهم وبين غيرهم قديماً وحديثاً، وصدر الإسلام أوسع من هذا كله. وقد لجأ أشد الناس تمسكاً برأي السلف رضوان الله عليهم، إلى التأويل في عدة مواطن، وهو الإمام(( أحمد بن حنبل )) رضي الله عنه، من ذلك تأويله لحديث:" الحجر الأسود يمين الله في أرضه" وقوله صلى الله عليه وسلم  :" قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" وقوله صلى الله عليه وسلم  :" إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمين".

وقام الإمام النووي بما يفيد قرب مسافة الخلاف بين الرأيين، مما لا يدع مجالاً للنزاع والجدال، ولا سيما وقد قيد الخلف أنفسهم في التأويل بجوازه عقلاً وشرعاً، بحيث لا يصطدم بأصل من أصول الدين.

  • وخلاصة هذا البحث أن السلف والخلف قد اتفقا على أن المراد غير الظاهر المتعارف بين الخلق، وهو تأويل في الجملة واتفقا كذلك على أن كل تأويل يصطدم بالأصول الشرعية غير جائز، فانحصر الخلاف في تأويل الألفاظ بما تجوز في الشرع، وهو هين كما تري وأمر لجأ إليه بعض السلف أنفسه، وأهم ما يجب أن تتوجه إليه همم المسلمين الآن توحيد الصفوف، وجمع الكلمة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. والله حسبنا ونعم الوكيل.

في السياسة : نظام الحكم في الإسلام في فكر (( حسن البنا ))

الحكومة في الإسلام

يفترض الإسلام الحنيف الحكومة قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي الذي جاء به للناس، فهو لا يقر الفوضى، ولا يدع الجماعة المسلمة بغير إمام...قال الإمام(الغزالي) رضي الله عنه؛" اعلم أن الشريعة أصل، والملك حارس،وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع"، فلا تقوم الدولة الإسلامية إلا على أساس الدعوة، حتى تكون دولة رسالة لا تشكيل إدارة ، ولا حكومة مادة لا روح فيهان كما لا تقوم الدعوة إلا في حماية تحفظها وتنشرها وتبلغها وتقويها.

وأول خطئنا أن نسينا هذا الأصل ففصلنا الدين عن السياسة عملياًن وإن كنا لم نستطع أن نتنكر له نظرياً،فنصصنا في دستورنا على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام ، ثم زيد عليه نص بعد استشهاد(( البنا )) طالما كافح من أجله ليكون واقعاً عملياً، وهو أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

وقد الفكر السياسي في مصر إبان العشرينات والثلاثينيات من هذا القرن متأثراً أكبر التأثر إن لم يكن كله بالفكر العلماني الذي يفصل الدين عن السياسة وعن الحياة، ويدعو الأمة إلى الانخراط في حضارة الغرب المتقدمة، حلوها ومرها، خيرها وشرها ، على حد تعبير (طه حسين) في كتابه(( مستقبل الثقافة في مصر ))، وقد كان للانقلاب الكمالي في تركيا واتجاهه العلماني أثره في تشجيع هذا الفكر ودعاته، ولكن الأمر في العقود التالية، ولاشك أنه كان لهذه التحديات الفكرية الموجهة ضد الإسلام وامتدادها الاجتماعية أثرها المضاد وردود فعلها المقابلة عند أهل الغيرة على دين الله من الدعاة والمصلحين، إذ قوى عود الفكر الإسلامي وتدفق تياره وظهرت ثمار دعاته من الرواد أمثال(( الأفغاني ـ الكواكبي ـ محمد عبده ـ ورشيد رضا ))، فقامت دعوات وحركات إسلامية في المغرب العربي وآسيا وإفريقيا،ومن بعدهم ظهرت حركة الإخوان المسلمين في أواخر الثلاثينيات، وكان لشخصية مؤسسها الداعية(( حسن البنا ))وفكره أبعد الأثر في نجاح هذه الدعوة ورسوخ مبادئها واتساع انتشارها، وبروزها على مسرح الحياة السياسية والاجتماعية، ولعل من أهم المفاهيم التي أكدتها في وعي الشعب أن الإسلام دين ودولة، وعبادة وأنظمة حياة، وأن السياسة جزء من الدين، وأن الحكم بشريعة الإسلام هو مطلب كل مسلم، وأنه لا صلاح لم افسد من أمر الناس إلا بالعودة إلى الإسلام، وذلك مما دفع (( حسن البنا)) حياته ثمناً له.

وبانحدار الفكر العلماني وغلبة الفكر الإسلامي في الأمة، تكون الأمور سائرة في طريقها الطبيعي، وقد شاء الله لأمر هو بالغة أن يشهد العقدان الأخيران مولد صحوة إسلامية تجاوزت حدود بلد بعينه لتعم كل بلدان العالم العربي والإسلامي، وهي ظاهرة صحية ولها دلالتها وآثارها الفريدة البعيدة، وهي كلها خير وبركة علي عالمنا هذا العصر، وهي تهيب بالأمة الإسلامية حاكماً ومحكومين أن يرعوها،وإنها لمن سنن الله التي لا سبيل إلى تجاهلها ولا الوقوف في وجهها، وإنها لتدعونا إلى العودة لنظام الإسلام والحكم بشريعة الله، وفي ذلك استقرار الأمة، وتحقيق آمالها،وتأكيد ذاتها ومناط قوتها وعزها.


موقف الإسلام من النظام النيابي والدستور المصري

يقول علماء الفقه إن(( النظام النيابي )) يقوم على مسؤولية الحاكم وسلطة الأمة، واحترام إرادتها.وأنه لا مانع فيه يمنع من وحدة الأمة واجتماع كلمتها ، وليست الفرقة والخلاف شرطاً فيه،وإن كان بعضهم يقول إن من دعائم النظام النيابي البرلماني: الحزبية.ولكن هذا إذا كان عرفاً فليس أصلاً في قيام هذا النظام، لأنه يمكن تطبيقه دون هذه الحزبية ودون إخلال بقواعده الأصلية.

وعلى هذا فليس في قواعد هذا (( النظام النيابي )) ما يتنافي مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الاعتبار ليس بعيداً عن النظام الإسلامي ولا غريباً عنه.وبهذا الاعتبار يمكن أيضاً أن نقول في اطمئنان إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري لا تتنافي مع قواعد الإسلام، وليست بعيدة عن النظام الإسلامي ولا غريبة عنه، بل إن واضعي الدستور المصري برغم أنهم وضعوه على أحدث المبادئ والآراء الدستورية وأرقاها، فقد توخوا فيه ألا يصطدم أي نص من نصوصه بالقواعد الإسلامية، فهي إما متمشية معها صراحة كالنص الذي يقول :" دين الدولة الإسلام" ـ وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع ـ أو قابلة للتفسير الذي يجعلها لا تتنافي معها كالنص الذي يقول:" حرية الاعتقاد مكفولة".

وأحب أن أنبه هنا الفرق بين الدستور وبين القوانين التي تسير عليها المحاكم، إذ أن كثيراً من هذه القوانين يتنافي صراحة مع ما جاء به الإسلام،وذلك بحث آخر.

ومع أن النظام النيابي والدستور المصري في قواعدهما الأساسية لا يتنافيان مع ما وضعه الإسلام في نظام الحكم، فأننا نصرح بأن هناك قصوراً سواء في عبارات الدستور ، أم في التطبيق، وتقصيراً في حماية القواعد الأساسية التي جاء بها الإسلام وقام عليها الدستور، وأدت جميعاً إلى ما نشكو منه من فساد، وما وقعنا فيه من اضطراب في كل هذه الحياة النيابية.


مسؤولية الحاكم ـ الوزارة

فأما عن مسؤولية الحاكم فإن الأصل فيها في النظام الإسلامي أن المسئول فيها هو رئيس الدول كائناً من كان، له أن يتصرف، وعليه أن يقدم حساب تصرفه للأمة فإن أحسن أعانته وإن أساء قومته.ولا مانع في الإسلام في أن يفوض رئيس الدولة غيره في مباشرة هذه السلطة وتحمل هذه المسؤولية، كما عرف ذلك في (( وزارات التفويض )) في كثير من العهود الإسلامية، ورخص الفقهاء المسلمون في ذلك وأجازوه ما دام فيه مصلحة والقاعدة في مثل هذه الأمور رعاية المصلحة العامة. قال ( الماوردي ) في كتاب الأحكام السلطانية :" والوزارة على ضربين، وزارة تفويض، ووزارة تنفيذ فأما وزارة التفويض فهو أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضاءها على مقتضى اجتهاده، وليس يمتنع جواز هذه الوزارة .قال تعالى حكاية عن نبيه موسى عليه السلام ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي*هارون أخي*اشدد به أزري*و أشركة في أمري﴾ طه :(29 ـ 32).فإذا جاز ذلك في النبوة كان في الإمامة أجوز، لأن ما وكل إلى الإمام من تدبير الأمة لا يقدر على مباشرة جمعيه إلا باستنابة، ونيابة الوزير المشارك له في التدبير أصح في تنفيذ الأمور من تفرده بها على نفسه، و بها يكون أبعد عن الزلل وأمنع الخلل.

والأصل في هذه المسؤولية في النظام النيابي، أن المسئول هو الوزارة ولا مسؤولية على رئيس الدولة، وقد جرى على هذا الوضع الدستور المصري والدستور الإنجليزي، فصرح كل منهما بمسؤولية الوزارة، وإخلاء رئيس الدولة من كل مسؤولية واعتباره لا يخطئ ، واعتبار ذاته مصونة لا تمس،كان ذلك في العهد الملكي ، ولكن الدستور المصري الحالي خوّل رئيس الدولة كثيراً من السلطات واختلف الوضع عما كان عليه الحال من قبل، فهو رئيس الحزب الحاكم ورئيس الدولة في الوقت نفسه، واقترب من بعض الوجوه من النظام الرئاسي ولاشك أن الدستور المصري بات في أمس الحاجة إلى إعادة التوازن إلى السلطات الثلاث لمصلحة الشعب واستقرار الحياة الدستورية وحماية الحقوق والحريات الأساسية، حتى يتطهر من كل آثار الحكم الشمولي الذي كان على عهد الرئيس(( جمال عبد الناصر )) كما يحتاج إلى مراجعة مواده على ضوء تطبيق الشريعة الإسلامية في الحكم أو على الأقل للاهتداء بروحها وأحكامها فيما لا يتطابق معهما.

على أنه لا مانع في النظام النيابي من تحمل رئيس الدولة المسؤولية واعتبار الوزارة تابعة له في ذلك.كما يقرر ذلك دستور الولايات المتحدة.والغريب أن تشير كتب الفقه الإسلامي إلى هذا الوضع أيضاً وتسمي هذه الوزارة(( وزارة التنفيذ )) فيقول الماوردي في كتابه (( الأحكام السلطانية )) أيضاً (( وأما وزارة التنفيذ فحكمها أضعف، وشروطها أقلن لأن النظر مقصور فيها على رأى الإمام وتدبيره،وهذا الوزير وسط بينه وبين الرعايا والولاة، يؤدي عنه ما أمر،وينفذ ما ذكر ويمضى ما حكم...)) ولا شك أن هذا من سعة مادة الفقه الإسلامي ومرونته وصلاحيته لكل زمان ومكان.


وحدة الأمة

وأعتقد أن الحاكم النيابي سواء كان برلمانياً أو غير برلماني ـ لا يأبي هذه الوحدة، وبخاصة إذا كان لون الحياة الاجتماعية واحداً في أصوله واتجاهاته العامة ، ومع هذا فإن الحكم النيابي في أعرق مواطنه لم يقم على هذه الحزبية المسرفة، فليس في انجلترا إلا حزبان هما اللذان يتداولان فيها الأمر، وتكاد تكون حزبيتهما داخلية بحتة وتجمعهما دائماً في المسائل القومية المهمة، فلا تجد لهذه الحزبية أثراً البتة.كما أن أمريكا ليس فيها إلا حزبان كذلك لا نسمع عنهما شيئاً إلا في مواسم الانتخابات.أما فيما عدا هذا، فلا حزبية ولا أحزاب.والبلاد التي تطورت في الحزبية وأسرفت في تكوين الأحزاب ذاقت وبال أمرها في الحرب وفي السلم على السواء، وفرنسا أوضح مثال لذلك.وإذا كان الأمر كذلك، وكانت وحدة الأمة أساساً في النظام الاجتماعي الإسلامي ولا يأباه النظام النيابي، فإن تنظيم الدولة الإسلامية المعاصرة، في نظر الإخوان المسلمين يتطلب أن نضع في المقام الأول وحدة الأمة فنختار من الصيغ ما يحفظ هذه الوحدة، وأن نستبعد منها كل ما يعرضها للتمزق، وكذلك الشأن بالنسبة للإسلام نفسه من حيث هو مبادئ وقيم آداب،لا يقبل التفريط فيها من خلال صيغ العمل وأساليب الممارسة، ومن حيث هو شريعة محكمة، وأوامر ونواه، وكليات ومقاصد لن يسمح بممارسة تكوين الأحزاب السياسية إذا خالفت عن أصولها ومبادئها ولا أن تتضمن برامجها ما يخالفها كذلك. هذه ضوابط لا معدي عنها وأسس إلى الخروج عليها.

في التربية

مقدمة

في مجال الاستدلال على أهمية التربية في فكر الأستاذ (( حسن البنا )) ومكانتها في منهج الجماعة عبر مراحل تطورها، وتعدد مجالات نشاطها ، وسيرها نحو تحقيق أهدافها القريبة والبعيدة، أسوق هنا طرفاً من كلام له، والدعوة في ابتداء نشاط الجماعة في اثنتي عشرة نقطة غطت كل ما يتعلق بموضوعها، من رسائل الإخوان في نشر الدعوة الإسلامية، وإعداد أفرادها كما تناولت الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعملون بها، فقال تحت عنوان (( في سبيل النهوض ))، يجب أن تكون دعامة النهضة (( التربية )) فتربي الأمة أولاً وتفهم حقوقها تماماً وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق، وتربي على الإيمان بها ، ويبث في نفسها هذا الإيمان بقوة أو بعبارة أخرى تدرس منهاج نهضتها درساً نظرياً وعملياً وروحياً ؟ وتجده على تصور واضح من البداية بحقيقة ما يدعو إليه ومتطلباته ممن يقوم به فيمضى في قوله:" وذلك يستدعى وقتاً طويلاً لأنه منهج دراسة، يدرس لأمة، فلا بد أن تتذرع الأمة بالصبر والأناة والكفاح الطويل، وكل أمة تحاول تخطى حواجز الطبيعة يكون نصيبها الحرمان. من أجل هذا يجب أن تعد البلاد التي تود النهضة مدارس طلبتها كل المواطنين، وأساتذتها الزعماء وأهل العلم وعلومها الحقوق والواجبات العامة، أو الغاية والوسيلة، فليكن حجر الزاوية إصلاح خلق الأمة، فلا نهوض لأمة بغير خلق".

وهو يفرق بين مجرد التعليم والتربية، ومن كلمة ألقاها في مؤتمر دعت إليه وزارة المعارف في مصر عقب الحرب العالمية الثانية، لإعادة النظر في سياسيتها التعليمية ودعته الوزارة لإلقاء كلمة في (( التعليم الديني )) فكان مما قاله:" انتدبتني الوزارة للحديث عن التعليم الديني، وليس من رأيي أن تهتم بالتعليم الديني وإنما عليها أن تهتم بالتربية الدينية، إننا في مصر لا يعوزنا التعليم الديني، فالأزهر يقوم بأداء هذه الرسالة منذ مئات السنين، أما الذي يعزونا حقاً فهو التربية الدينية (( ثم تحدث عن التعليم الديني في انجلترا وبين أنه ليس تعليماً دينياً بل هو تربية دينية، وشرح برامج هذه التربية والتعديلات التي أدخلوها بعد الحرب أو الأعباء التي أضافوها على كاهل رجال الكنيسة في هذا الصدد، واستشهد بتقرير اللجنة الموكول إليها إصلاح التعليم في مدارس انجلترا ، تلح فيه على مضاعفة الوقت المخصص للتربية الدينية في المدارس على اختلاف درجات التعليم فيها، وأنها السبيل لوقاية الأجيال القادمة من الانحراف ولتأهيلها لتحمل أشق الأعباء. وفي أول رسائله في 19 ديسمبر 1932 م، صدرها بتوجهه إلى مبادئ الإخوان المسلمين ، في سبع نقاط، كلها تدور حول أساس الدعوة وهو(( التربية ))، بدأها بسلامة الاعتقاد والاجتهاد في طاعة الله، فالحب في الله، فالتأدب بآداب الإسلام، ثم تربية النفس والثبات على المبدأ.

بل أن مهمته الأساسية تنم عنها تسمية لعمله في الدعوة والجماعة وهي (( التعليم والإرشاد )) لا الرياسة والزعامة وإن توفراً له عن جدارة وعن تقدير ومحبة في الله. وكانت هذه المهمة واضحة لديه حتى في فترة طلب العلم، وكان التصوف في فكره أساس التربية الروحية، فهو يري التصوف أخذ النفس بأسلوب تربوي قويم يصفيها م أدرانها، ويرتفع بها عن المطامع والشهوات...على أن يكون هذا الأسلوب مستمداً من القرآن والسنة، ففي لزومها الأمن من التفريط والإفراط،والسلامة من الزيغ والانحراف وقد مارس (( حسن البنا )) التصوف بهذا المفهوم ممارسة عملية، فتربي منذ صغره، وهو في سن المراهقة، في مرحلة التعليم الابتدائي، على أيدي شيوخ علماء أتقياء وهو يروي لنا طرفاً من ذلك في مذكراته في معرض الحديث عن شيخه (( وأذكر من أساليبه الحكيمة في التربية أنه لم يكن يسمح للإخوان المتعلمين أن يكثروا الجدل في الخلافات أو المشتبهات من الأمور، أو يرددوا كلام الملاحدة أو الزنادقة أو المبشرين ـ مثلاً ـ أمام العامة من الإخوان ، ويقول لهم اجعلوا هذا في مجالسكم الخاصة تتدارسونه فيما بينكم، أما هؤلاء فتحدثوا أمامهم بالمعاني المؤثرة العملية التي توجههم إلى طاعة الله فقد تعلق بنفس أحدهم الشبهة ولا يفهم رد فيتشوش اعتقاده بلا سبب وتكونون أنتم السبب في ذلك )) وهو يثنى على التصوف والمتصوفين بهذا المفهوم فيقول(( وهذا القسم من علوم التصوف وأسميه ( علوم التربية والسلوك ) لاشك أنه من لب الإسلام وصميمه، ولاشك أن الصوفية قد بلغوا به مرتبة من علاج النفوس ودوائها...ولاشك أنهم حملوا الناس بهذا الأسلوب على خطة عملية من حيث أداء فرائض الله واجتناب نواهيه، وإن كان ذلك لم يخل من المبالغة في كثير من الأحيان تأثراً بروح العصور التي عاشت فيها هذه الدعوات...ولو وقف التطبيق العملي عند هذه الحدود التي رسمها الشارع لكان في ذلك الخير )).

ولكن مفهوم التربية عنده غيره عندهم لأنهم وقفوا به عند فهم محدود بالجانب الروحي من الإسلام وتناوله هو من كل جوانبه وبكل أبعاده الروحية والعلمية والعملية كما جاء في الكتاب والسنة وكما طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون من بعده، ولذلك أنشأ جماعة الإخوان المسلمين وظل يحتفظ بصلة المحبة نحو شيخه العالم العامل التقي، وقد عبر عن هذه الرؤية التكاملية للإسلام في قوله(( ولو أراد الله والتقت قوة الأزهر العلمية، بقوى الطرق الروحية، بقوة الجماعات الإسلامية العملية لكانت أمة لا نظير لها" توجه ولا تتوجه، وتقود ولا تنقاد، وتؤثر في غيرها ولا يؤثر شيء فيها وترشد هذا المجتمع الضال إلى سواء السبيل )).

وكتب الأستاذ في موضوع إنشاء في آخر العام النهائي لدراسته في دار العلوم سنة 1927 م وهو بعد في الحادية والعشرين من عمره وكان رأس الموضوع (( اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك، وبين وسائل التي تعدها لتحقيقها )) فأجاب (( أعتقد أن خير النفوس تلك النفس الطيبة التي سعادتها في إسعاد الناس وإرشادهم، وتعد التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحاً وغنيمة، والجهاد في الحق والهداية ـ على توعر طريقهما ـ وما فيه من مصاعب ومتاعب، راحة ولذة...وعلى هذه العقيدة سلكت سبيل المعلمين....طريق التعليم والإرشاد، الذي يوافق طريق التصوف في الإخلاص والعمل، ويفارقه في الاختلاط بالناس ودرس أحوالهم وغشيان مجامعهم، ووصف العلاج الناجع لعللهم، وهذا أشرف عند الله وأعظم، ندب إليه القرآن العظيم،ونادي بفضله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقد رجحت هذا الطريق بعد أن نهجت طريق التصوف لتعدد نفعه وعظيم فضله ولأنه أوجب الطريقين على المتعلم ، وأجملها بمن فقه قوله تعالى: ﴿ لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ سورة التوبة:122 كل ذلك اعتقده عقيدتاً تأصلت في نفسي جذورها،وطالت فروعها، واخضرت أوراقها، وما بقي إلا أن تثمر، فكان أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أمليين:( خاص) وهو إسعاد أسرتي وقرابتي ...( عام ) وهو أن أكون مرشداً معلماً، تارةً بالخطابة والمحاورة، وأخرى للتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة..)).

ولاشك أن أخذه نفسه (( بالتربية الصوفية )) في مقتبل حياته هو من أهم العوامل التي هيأته للقيام بأعباء الدعوة بعد ذلك وجعلته أهلا لتربية أبناء الدعوة تربية روحية قوية كان لها أكبر الأثر في نجاحها.

الأصول التربوية في فكر الإخوان المسلمين

يمكن إجمالها فيما يلي:

1 ـ تكوين العقيدة الصحيحة في كل فرد على أساس من الكتاب والسنة، فهي حجر الأساس في تربية الفرد والمجتمع، وهي أساس العمل، عمل القلب وعمل الجوارح.

2 ـ إقامة العبادات والمحافظة على أداتها وهى وليدة العقيدة وكلاهما عامل أساسي في بناء الأمة الإسلامية، من صلاة وزكاة، وصيام وحج، وهي أفضل ما يصل القلب بالله ويربي الوجدان الحي والضمير اليقظ.

3 ـ المعاملة الإسلامية وإحسانها أساس الدين على أن الدين المعاملة، ويلحق بها التربية على الآداب الإسلامية الواردة في كتاب الله وسنة ورسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف الصالح، وغرس مفهوم الأخوة الإسلامية.

4 ـ بناء النفوس المؤمنة و العقول الفاهمة، والأجساد القوية.

المنهج التربوي العملي في الجماعة

ويمكن تلخيصه فيما يلي:

1 ـ نظام الكتائب:

بدأه الأستاذ (( حسن البنا )) في وقت مبكر من نشأة الجماعة وهو نظام مبتكر يرجح بعض قدامى الإخوان أنه اقتبسه من اجتماعات المؤمنين ـ في أول العهد بالدعوة ونزول الوحي ـ في دار الأرقم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدارسون الإسلام ـ وكان الإخوان آنذاك قلة وكان يجتمع بهم المرشد ويحدثهم في شأن الدعوة، ويأخذهم بأسلوب التربية الروحية، في جو من الصفاء الروحي، يصلون خلفه المغرب والعشاء معاً خفيفاً بسيطاً، ويتذاكرون معاً ويسمرون قليلاً، وبعد صلاة العشاء ً بقليل ينامون على الأرض في حجرة واسعة ومعهم المرشد، ثم يستيقظون قبل الفجر بساعتين فيتوضئون، ويتهجدون بعض ركعات في صمت فرادى،ويجلسون بعد ذلك منصتين إلى تلاوة أحد الإخوة لما يصل إلى نحو جزء من القرآن الكريم، يستمعون بعده إلى درس من الأستاذ المرشد في التكوين النفسي والروحي والعملي للداعية مع عرض لتاريخ الدعوات والدعاة، وبيان مواطن الضعف والقوة في كل منها وما يقابل ذلك في دعوتهم، وكيف يتجنب الداعية مواطن الضعف التي عصفت بسابقيه.

ثم تأتى فترة قبيل الفجر للاستغفار، حتى يؤذن الفجر فتصليه الكتيبة خلف المرشد، ويوزع بعدها على أعضائها الورد القرآني في ورقة يجمع فيها الأستاذ المرشد الآيات القرآنية ذات الهدف الواحد، ويقوم هو تفسيرها تمهيداً لحفظها وأوراداً أخرى قرآنية، فإذا طلعت الشمس قرأ الجميع معاص في صوت خافت (( الوظيفة )) وهي أدعية من القرآن ومن السنة النبوية كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصبح وإذا أمسي وكان الإخوان يحفظونها ويحافظون عليها في حياتهم الخاصة وبعد ذلك يتناولون معاً إفطاراً بسيطاً، ينصرفون بعده إلى أعمالهم.

وكان يوزع على أفراد الكتيبة رسالة تسمي (( المنهج العلمي )) وهي تضم عناوين مجموعة مختارة من الكتب في كل فنون العلوم الإسلامية والتاريخية والتربوية ويطلب من كل عضو في الكتيبة أن يقرأ ما يستطيع من هذه الكتب لتزوده بذخيرة من المعلومات تنير له الطريق في دعوته وتجعله أهلاً لنشرها.

وكانت تقضي ليالي الكتائب بدار المركز العام أو بخارجه، وكلما سمح المكان لممارسة أنواع الرياضة قاموا بها ومعهم المرشد وكان منها ركوب الخيل.

2 ـ نظام الجوالة:

أراد به المرشد إبراز حقيقة الدعوة الإسلامية عندما يتمثل الداعون إليها والعاملون لتحقيق أهدافها معاني القوة والنظام والأخلاق الرياضية وإعدادهم للجندية الصحية التي يفرضها الإسلام على كل مسلم، فكون الأخوان فرقة جوالة منتسبة إلى جمعية الكشافة الأهلية، وكانت لهم أناشيدهم الحماسية وتدريباتهم العملية، وكان في الفرقة الواحدة الطالب بجانب العامل،والفلاح بجانب المدرس، والتاجر بجانب إمام المسجد،والصانع بجانب المهندس، والمرؤوس بجانبه الرئيس، والشاب بجانبه الشيخ، كلهم قد انصهر في بوتقة الدعوة ووحّدت بينهم الأخوة الإسلامية، وكانت جحافلهم تخترق شوارع العاصمة والمدن، وتهز قلوب المؤمنين في كل أنحاء الوطن، بقدر ما خافها أعداؤها وأعداء الإسلام في الداخل والخارج.

ويشهد الأصدقاء والخصوم بأن فرق الجوالة أدت خدمات وقامت بأعمال في مجالات عدة في الريف والمدينة ابتداء من محو الأمية ومقاومة وباء الكوليرا وخدمة البيئة وقد زاد الاهتمام بها أعقاب المؤتمر الثالث للجماعة في عام 1935 م وبلغ عدد أعضائها نحو أربعين ألفاً.

وألحق بنظام الجوالة نظام المعسكرات فكان يقيمها الإخوان من وقت الآخر في ضواحي القاهرة وكانت معسكراتهم تدريباً على الصبر والاحتمال وتربية للنفس على تحمل المشاق وكان لكل معسكر برنامج يستوعب أفراد كل دفعة يتضمن أنواعاً من الرياضة البدنية والتدريبات العسكرية والتربية الروحية والدروس الثقافية ويعقد في نهاية المدة امتحان للدفعة قبل تسريحها.

3 ـ نظام الأسر:

وأركان هذا النظام ثلاثة:

التعارف والتفاهم والتكافل، وأهم ما شغل الأسرة واجتماعها:حل مشاكل أفرادها، ومذاكرة حول شؤون الإسلام ومدارسة كتب نافعة وتحقيق معنى الأخوة في المجالات الطارئة،ويقوم الارتباط فيما بين أفرادها على أساس الأخوة والإيثار والتعاون وتتكون الأسرة من عدد لا يتجاوز سبعة أفراد، ولكل أسرة نقيب ويجمعها ويربط بينها وهو نظام كان معمولاً به في كل لشعب الجماعة التي بلغت نحو ألفى شعبة في أنحاء القطر في أواخر الأربعينيات. وكان للأسرة برامجها المتدرجة في صعوبتها وشمولها، وأنشطتها المتنوعة، من دراسة للفكرة، ونشرها، وأخذ بنظم التربية البدنية والعقلية والروحية، مع متابعة دراسة الأحداث، ولها اجتماعاتها الأسبوعية والشهرية، وقد تجمع أفرادها في صلاة الجمعة، أو في رحلة خلوية، ويتعاون أفراد كل أسرة فيما بينهم على أساس نظام التكافل الإسلامي، إذ تحتفظ الأسرة بصندوق تعاونين وترسل نسبة من إيرادها الذي تجمعه من أعضائها إلى الشعبة لتغطية نفقاتها والإسهام في مشروعاتها الاجتماعية والاقتصادية والصحية.فكانت الأسر محاضن لتربية الناشئة وحسن إعدادهم إسلامياًن ومدارس يتعلمون فيها ويتربون تربية إسلامية حقه، كما كانت سياجاً يحفظ عليهم إيمانهم ويجنبهم أقران السوء ومفاسد المجتمع، وكانت تعنى بدراسة السيرة النبوية ، وإحسان التلاوة في القرآن الكريم وحفظه وتدبر معانيه.

4 ـ النوادي الرياضية:

واهتم الإخوان في الريف والحضر بصفة عامة، وفي العواصم والمدن، بإقامة نواد رياضية يختلف إليها الشباب، ويمارس مختلف ألوان الرياضة وألعاب القوى، ويتردد على المكتبات الملحقة بها، ويتزود من محتوياتها، ويتعود القراءة ، كما يؤدى الصلاة في أوقاتها في المساجد التي تضمها أو تكون بجوارها .وكان الشباب يجد فيها ما يشبع هواياته الرياضية ، وما يزيد من علمه وثقافته وما يوقظ معاني الإيمان في قلبه ويقوى العقيدة عنده وهو يسمع المؤذن فيخف إلى صلاة الجماعة في وقتها ، وكان لكل ناد من يشرف عليه من كل جوانب نشاطاته ويحفظ عليه نظامه وتحقيق رسالته.

5 ـ قسم الأخوات المسلمات:

كان واضحاً منذ البداية في ذهن (( حسن البنا )) أن شأن المرأة في الإسلام له أثره البعيد في تكوين الرجال وأمهات المستقبل، وفي مساندة الأزواج في حمل تكاليف الدعوة والدعائم التي قامت عليها دعوة الإخوان المسلمين وهي تكوين الفرد المسلم، في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته، وفي عمله وتصرفهن وهي بعد ذلك إقامة للبيت المسلم، ولهذا كانت عنايته بالمرأة عنايته بالرجل.وإن نجاح الدعوة في الوصول إلى تكوين البيت المسلم هو السبيل إلى إقامة الشعب المسلم، وفي ذلك ضمان لقيام الحكومة المسلمة التي تقوده إلى بناء الدولة الإسلامية.

(( وحين أسس الأستاذ المرشد أول دار للدعوة في الإسماعيلية وأنشأ مسجداً، أتبع بذلك ببناء مدرستين، إحداهما للبنين أسماها (( معهد حراء الإسلامي )) وأخرى للبنات وأطلق عليها (( مدرسة أمهات المؤمنين )) وقد عني بهذه المدرسة عانية كبيرة حيث لم تكن فكرة تعليم البنات قد وضحت بعد أذهان المسلمين فوضع لها منهاجاً إسلامياً عصرياً يجمع بين أدب الإسلام وتوجيهه السامي للبنات والأمهات والزوجات: وبين مقتضيات العصر ومطالبه من العلوم النظرية والعلمية والعملية )) وقد أدت المدرسة رسالتها فاستتبع ذلك إنشاء قسم الأخوات المسلمات يتألف من نشاء الإخوان وقريباتهن وتقوم بالتدريس فيه مدرسات على كفاءة خاصة من أهل الإسماعيلية نفسها.

ووضع الأستاذ لائحة خاصة تنظم طرائق السير ووسائل نشر الدعوة بين السيدات والفتيات من بيوت الإخوان وغيرهن. وأجمل أغراضها في التمسك بالآداب الإسلامية والدعوة إلى الفضيلة وبيان أضرار الانحرافات الشائعة بين المسلمات، وبين وسائلها:الدروس والمحاضرات في المجتمعات الخاصة بالسيدات، والنصح الشخصي، والكتابة، والنشر.

ولاشك أن لرسالة قسم الأخوات نحو العناية بالتربية الإسلامية بين عضواته كبير الأثر فيما أبدين من قوة في مواجهة للظلم وصبر على الأذى، كما نجحت عضواته العاملات المؤمنات في تشجيع الفتيات الطالبات في الجامعات والمدارس على ارتداء الزى الإسلامي والاستمساك به في مواجهة دعاة التحلل والإباحية الذين يكرهون أن يروا المرأة المسلمة وهي متزينة بوقار الإسلام وحشمة المؤمنات. حتى صارت أغلبية الطالبات يلبسن الرداء الإسلامي المستوفي لآداب الإسلام وأحكام الشرع في وقتنا الحاضر.

في المعاملات إلى نهج التشريع

ليس الإخوان المسلمين في المعاملات والنظرة إلى نهج التشريع ممن يقفون موقف الرفض المطلق للتشريعات الحديثة، بما في ذلك فكرة تقنين الفقه الإسلامي، ولا ممن يقفون موقف القبول المطلق للتشريعات الحديثة بصرف النظر عن اتفاقها أو عدم اتفاقها مع أصول الإسلام التشريعية، وإنما يدعو الإخوان المسلمون إلى تطبيق الفقه الإسلامي، الذي يجمع بين التزام أحكام الإسلام ومعالجة متطلبات العصر ومشاكله باجتهاد جديد.

وبيان ذلك نجده واضحاً ومعلناً في فكر (( حسن البنا )) وكتاباته، منذ بداية الدعوة وعبر تطور الحركة وتتابع الأحداث والمواقف التي عاشتها الجماعة في مرحلتها الأولى، ونجمل هذا البيان فيما يلي:

أولاً: أن لكل أمة قانوناً يتحاكم إليه أبناؤها، وهذا القانون يجب أن يكون مستمداً من أحكام الشريعة الإسلامية مأخوذاً عن القرآن الكريم، متفقاً مع أصول الفقه الإسلامي. وأن الشريعة الإسلامية وفيما وضعه المشرعون المسلمون ما يسد الثغرة ويفي بالحاجة وينقع الغلة، ويؤدى إلى أفضل النتائج والبركات. وأن في حدود الله لو نفذت لزاجراً يردع المجرم وإن اعتاد الإجرام، ويكف العادي وإن تأصل في نفسه العدوان، ويريح الحكومات من عناء التجارب الفاشلة.والتجربة تثبت ذلك وتؤيده. وأصول التشريع الحديث تنادي به وتدعمه. والله تبارك وتعالى يفرضه ويوجبه﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾(المائدة:44) جاء هذا في رسالة (( إلى شيء ندعو الناس )) للإمام (( حسن البنا )).

ثانياً: وتحت عنوان (( الإخوان المسلمون والقانون )) في رسالة المؤتمر الخامس، يقول ـ رحمه الله ـ (( إن الإسلام لم يجيء خلواً من القوانين بل هو قد أوضح كثيراً من أصول التشريعات وجزيئات الأحكام، سواء أكانت مدنية أم جنائية، تجارية أم دولية. والقرآن والأحاديث فياضة بهذه المعاني، وكتب الفقهاء غنية كل الغني بكل هذه النواحي وقد اعترف الأجانب أنفسهم بهذه الحقيقة )). ويعود إلى ذكر هذه الحقيقة مرة أخرى بعد سنوات في معرض كلامه عن حق الإسلام في اجتماع عن حق الإسلام في اجتماع رؤساء المناطق ومراكز الجهاد في 8 سبتمبر 1945 م فيقول (( وقد ظفرت الفكرة الإسلامية بالتقدير الكامل في مؤتمر ( لاهاي ) عام 1938 م، إذ قرر المؤتمر أنها شريعة مستقلة، قابلة للتطور والنماء، متفقه مع أحدث قواعد التشريع كما ظفرت بهذا التقرير مرة ثانية في مؤتمر ( واشنطن ) مايو 1945 م الذي مثل مصر فيه وزير العدل (( حافظ باشا رمضان )) واستطاع أن يظفر من المؤتمرين بقرار يؤكد القرار السابق، ويحفظ لمصر، بناء على ذلك الحق ـ أن يكون لها ممثل في محكمة العدل الدولية باسم الشريعة الإسلامية.ذلك أن الإسلام في ذاته نظام اجتماعي عالمي، يكفل للناس الخير والسعادة، ويحل لهم ما في مجتمعاتهم من مشكلات لو نفذوا إلى روحه، وأنفذوه على وجهه )).

ثالثاً:وعن سعة التشريع الإسلامي يقول الشيخ الإمام في مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين في عام 1936 م (( كما أن تعاليم الإسلام وسياسته ليس فيها معنى رجعى أبداً، بل هي على أدق قواعد التشريع الصالح، وقد اعترف التشريع لكثير منها ـ وسيكتشف الزمن للناس على جلاله ما لم يعرفوا ـ بأنها قد سبقته في دقة الأحكام وتصوير الأمور وسعة النظر، وشهد بذلك كثير من غير المسلمين، كما هذا الاعتراف كثيراً في كلام المسيو (( لامبيرا )) وأضربه.

وفي مذكرات الدعوة والداعية إضافة في هذا المقام أوردها في مكانها، وهي تحت عنوان (( عقيدتنا في نظر كاتب أوروبي هو الأستاذ (( أرنست رينان )) أستاذ الدراسات العربية والإسلامية بالسوربون بباريس (( إن هذه الكلمات عميقة المبحث والمقصد، وهي لاشك مستمدة من نفس المنهج الذي رسمه محمد صلى الله عليه وسلم ونجح في تنفيذه، فأسس به أمة ودولة وديناًن وقد زيد فيها بما يناسب روح العصر مع التقيد بروح الإسلام )).

رابعاً:فالإخوان ينادون بإصلاح القانون حتى يتفق مع التشريع الإسلامي في كل فروعه، وقد جاء في مذكرات الدعوة والداعية للإمام الشهيد تحت عنوان (( رأى الإخوان في الإصلاح الداخلي )): ويعتقد الإخوان المسلمون أن الطريق الوحيد للإصلاح هو أن تعود مصر إلى تعاليم الإسلام ، فتطبقها تطبيقاً سليماًن وأن تقتبس من كل فكرة قديمة أو حديثة، شرقية أو غربية، مالا يتنافى مع هذه التعاليم ويكون فيه الخير للأمة.وإنما الروح التي يجب أن تسود فكرة الإصلاح عندنا وهى مبدأ الاعتماد على قواعد الإسلام وأصوله وروحه)).

خامساً:وفي أحدى رسائله بعنوان مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، يفند اعتراضات المعترضين على دعوته إلى إقامة دعائم الحياة الاجتماعية في كل مظاهرها على قواعد الإسلام الحنيف ليسلم المجتمع من العلل التي أصابته وعاقته عن التقدم، ويتعرض فيما فّنده من مزاعم واعتراضات إلى قول القائلين (( بفصل الحياة الاجتماعية عن العقائد الدينية، وفصل الدين عن كل مرافق الحياة، وحصره بين الضمير والمعبد على نحو ما اصطلحت عليه أمم العالم التي بيدها اليوم مقاليد الأمور وتوجيه مقدرات الأمم والشعوب )) ويرد على ما ذهبوا إليه بقوله: والذين يقولون هذا القول لم يعرفوا (( الإسلام )) ولم يدرسوا تعاليمه وأحكامهن ولم يفهموه بعد على طبيعته الصحيحة ووضعه السليم...من أنه دين ومجتمع، ومسجد ودولة، ودنياً وآخرة، وأنه تعرض لشؤون الحياة الدنيوية العملية بأكثر مما تعرض به للأعمال التعبدية.

وهذا تاريخ التشريع الإسلامي يحدثنا أن عمر رضي الله عنه كان يفتى في الموسم في القضية من القضايا برأي، ثم تعرض عليه في الموسم التالي من العام القابل فيفتى برأي آخر، فيقال " ذاك على ما علمنا، وهذا على ما نعلم " أو كلام نحوه كما يحدثنا أن الشافعي رضي الله عنه وضع بالعراق مذهبه القديم، فلما تمصر وضع مذهبه الجديد نزولاً على حكم البيئة، وتمشياً مع المظاهر الحياة الجديدة من غير أن يخل بذلك بسلامة التطبيق على مقتضى القواعد الإسلامية الكلية الأولى....وأصبحنا نسمع:" قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد )). ونرى تغير رأى الرجل الواحد في القضية الواحدة بحسب الزمان تارة ـ كما فعل ابن عمر ـ ويحسب المكان تارة أخرى ـ كما فعل الشافعي ـ أو يحسبها معاً كما سمعنا أن عمر رضي الله عنه أمر بعدم القطع في السرقة عام المجاعة، وجاءه رجل يشكو سرقة خدمه، فأحضرهم، فأقّروا وذكروا أن سبب ذلك أنه لايقوم بكفايتهم من طعام وملبس....الـخ، فتركهم عمر وتوعد الرجل قائلاً:" إذا سرق خدمك مرة ثانية قطعت يدك أنت"...واعتبرها شبهة تدرأ الحد، ولاحظ الظروف والملابسات.

فهل يقال بعد ذلك أن في جوع إلى النظام الإسلامي رجعية وجموداً، وليست في الدنيا شريعة تقبل التطور، وتساير مقتضيات التقدم وتتمتع بمعاني المرونة والسلاسة والسهولة كشريعة الإسلام الحنيف: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ المائدة:6

في الاجتماع: منهاج القرآن الكريم في الإصلاح الاجتماعي

عدد الأستاذ (( حسن البنا )) في (( رسالة بين الأمس واليوم )) أصول الإصلاح الاجتماعي الكامل الذي جاء به القرآن الكريم فيما يلي:

1. الربانية.

2. التسامي بالنفس الإنسانية.

3. تقرير عقيدة الجزاء.

4. إعلان الأخوة بين الناس.

5. النهوض بالرجل والمرأة جمعياً، وإعلان التكافل بينهما، وتحديد مهمة كل منهما تحديداً دقيقاً.

6. تأمين المجتمع بتقرير حق الحياة والملك والعمل والصحة والحرية والعلم والأمن لكل فرد وتحديد موارد الكسب.

7. ضبط الغريزتين: غريزة حفظ النفس، وحفظ النوع، وتنظيم مطالب الفم والفرج.

8. الشدة في محاربة الجرائم الأصلية.

9. تأكيد وحدة الأمة، والقضاء على كل مظاهر الفرقة وأسبابها.

10.إلزام الأمة الجهاد في سبيل مبادئ الحق التي جاء بها هذا النظام.

11.اعتبار الدولة ممثلة للفكرة وقائمة على حمايتها ومسئولة عن تحقيق أهدافها في المجتمع الخاص، وإبلاغها إلى الناس جميعاً.

الشعائر العملية لهذا النظام:

وقد خالف النظام القرآني غيره من النظم الوضعية والفلسفات النظرية ولم يترك مبادئه تعاليمه نظريات في النفوس، ولا كلمات على الأفواه والشفاه، ولكنه وضع لتركزيها وتثبيتها والانتفاع بآثارها ونتائجها مظاهر عملية، وألزم الأمة التي تؤمن وتدين بالحرص على هذه الأعمال وجعلها فرائض عليها لا تقبل في تطبيقها هوادة، بل يثيب العاملين ويعاقب المقصرين عقوبة قد تخرج بالواحد منهم من حدود هذا المجتمع الإسلامي وتطوح به في مكان سحيق.وأهم هذه الفرائض التي جعلها هذا النظام سياجاً لتركيز مبادئه هي :

1. الصلاة والذكر والتوبة والاستغفار.

2. الصيام والعفة والتحذير من الترف والإسراف.

3. الزكاة والصدقة والإنفاق في سبيل الخير.

4. الحج والسياحة والرحلة في سبيل الله والنظر في ملكوت الله.

5. الكسب والعمل وتحريم السؤال.

6. الجهاد والقتال وتجهيز المقاتلين ورعاية أهليهم ومصالحهم من بعدهم.

7. الأمر بالمعروف وبذل النصيحة.

8. النهى عن المنكر ومقاطعة مواطنه وفاعليه.

9. التزود بالعلم والمعرفة لكل مسلم ومسلمة في فنون الحياة المختلفة كل فيما يناسبه.

10.حسن المعاملة وكمال التخلق بالأخلاق الفضلى.

11.الحرص على سلامة البدن والمحافظة على الحواس.

12.التضامن الاجتماعي والتعاون بين الحاكم والمحكوم بالرعاية والطاعة معاً.

أثر الحضارة الغربية في الحياة الاجتماعية في أكثر البلاد الإسلامية والعربية:.

إن أهم الظواهر التي لازمت الحضارة الغربية المادية والتي أقصت الدين عن الحياة تتلخص في:الإلحاد والشك في الله، وإنكار اليوم الآخر، والإباحية، والأثرة في الفرد وفي الطبقات والشعوب، والربا والتفنن في صوره.وقد أنتجت هذه المظاهر المادية في المجتمع الأوروبي فساد النفوس وضعف الأخلاق والتراخي في محاربة الجرائم، وكثرت المشكلات وظهرت المبادئ الهدامة، واشتعلت الثورات المدمرة، وتناثرت الشعوب وتمزقت الدول، وأثبتت هذه المدنية الحديثة عجزها التام عن تأمين المجتمع الإنساني برغم ما فتحت عليهم من حقائق العلم والمعرفة، وما وفرت لهم من أسباب الغنى والثراء، وما مكنت لدولها في الأرض من قوة وسلطان ولما يمض عليها قرن من الزمان.

وقد غزت هذه الحضارة بما لازمها من هذه الظواهر البلاد العربية والإسلامية في عصور الانحطاط، ووقوعها تحت سلطان الاستعمار، فتأثرت بها مجتمعاتها، بأقدار متفاوتة، في أكثر مجالات الحياة، حتى صار من العسير أن يفهم المسلمون حقائق دينهم، وأن الإسلام نظام اجتماعي كامل، وكذلك الحال بالنسبة لأنظمة الحياة الأخرى: السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية والتربوية.

ومن ثم فإن من أخطر التبعات الملقاة على الفكر الإسلامي ودعاته.أن يظهروا الأمة الإسلامية على مواطن الفساد وأسبابه، وعن السبيل إلى إصلاح ما فسد من أمرها، والقضاء على أسباب هذا الفساد.

بعض نتائج فساد النظام الاجتماعي في مصر:

تناول الأستاذ (( حسن البنا )) في رسالة المؤتمر السادس من يناير 1941 م هذا الموضوع في دراسة مدعمة بالإحصاءات الثابتة حين ألقى هذا الخطاب، وبرغم تغير الظروف عنها الآن، إلا أن العناصر التي عرض لها لاتزال على حالها وسأكتفي منها بالإشارة إلى عناوينها:

1 ـ الفلاحون في مصر ومساحة الأرض الزراعية، وتزايد عدد السكان، وضعف الدخل القومي من الثورة الزراعية، والحال قد تدهور عما كان عليه منذ أربعة عقود.

2 - العمال في مصر ومشاكلهم الاجتماعية ،وتدهور مستوياتهم التقنية في مختلف مجالات العمل ،وقد أفسدتهم التغيرات الاجتماعية التى شهدتها مصر فى الفترة التي أعقبت الانقلاب العسكري ،واستمرت أكثر من ثلاثة عقود ،وخولتهم حقوقا بلا واجبات تقابلها ، وبلا توعية حضارية تسس اسلوب استخدامها ،وكانت مصدر وبال عليهم وعلى المجتمع والانتاج القومى .

3-شركات الاحتكار فى مصر وقد تغيرت اسماؤها عن ذى قبل فى ظل الانفتاح الاقتصادى الاستهلاكى ،والاستثمارات المشتركة والدخول المتسللة التى افرزت عددا ضخما من الرأسماليين فى سنوات قليلة تحت مظلة الانفتاح والبنوك الاجنبية والرشوة والذمم الفاسدة .

4-الامية ولاتزال نسبتها العالية مع زيادة عدد السكان بمعدلات سريعة وانصراف الحكومةوالشعب عن علاجها فضلا عن القضاء عليها .

5-انحطاط مستوى الخلق وتفشى مظاهر الفساد وهى ظاهرة لا تزال تتفاقم مع مرور الأيام وخطرها منذر بأوخم العواقب .

6-الأحوال الصحية والعلاجية والأمراض المستوطنة والطارئة ولم يجد عليها تحسن وربما كان أمرها في تدهور.

فى الاقتصاد

يعاني عالمنا المعاصر فى الشرق والغرب منا زامت اقتصادية طاحنة منذ الثلاثينات من هذا القرن وهى لاتزال برغم كل المحاولات في تصاعد مستمر ولاسيما خلال العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حتى أنها في وقتنا الحاضر باتت تشكل اخطاراً سياسية واجتماعية بالنسبة للدول الصناعية الكبرى وتشكل ماهو أكثر من ذلك بالنسبة لدول العالم الثالث من أخطار المجاعات والتدهور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وهي رؤوس مثلث واحد.

والعلاقة وثيقة وعضوية بين التدهور الاقتصادي والاجتماعي وتدهور السياسات في دول العالم المعاصر بصفة عامة وفى الدولتين العظيمتين والدول الأوربية الصناعية بصفة خاصة حتى أنهما ليمثلان وجهي لعملة واحدة.

ولعل الحضارة الغربية التي تسود العالم اليوم بأصولها المادية وإقصائها الدين عن واقع الحياة ومبادئها السياسية التي تقوم على الأنانية والظلم ولا تعترف بحقوق الإنسان والشعوب والدول فى الحرية والعدالة والمساواة برغم ما تنادي به المؤسسات الدولية ومانصت عليه المواثيق العالمية هى المسؤولة فى الدرجة الاولى عما وصل إلية عالمنا من شقاء واضطراب وما وقعت فيه دول العالم الثالث من ترد وتدهور وتخلف ومجاعات واضطرابات .

وقد نبه فلاسفة الغرب دولهم وساساتهم بأن الحضارة الغربية التى ازدهرت بقوتها واخضعت العالم بنتائج علمها هى فى طريقها الان الى الافلاس لانها فقدت القوة الروحية وحادت عن المبادء الانسانية وغرقت فى بحار المادية والانانية والصراعات الدولية على النفوذ والسلطان.

وقد جرتنا تبعيتنا لحضارة الغرب ولعجلته الاقتصادية والمالية ولنفوذه السياسى والعسكرى الى عواقب وخيمة والى معاناةفى اوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

وفى مجال الاقتصاد واوضاعه الراهنة فى بلادنا زحفت علينا اقدار متفاوتة من هموم الدول الكبرى والصغرى فى هذا المجال واصبحنا نشكو العجز الواضح فى ميزان المدفوعات والموازنات وتدهور الدخل القومى وانخفاض القوى الشرائية لعملاتنا وازدياد البطالة والتضخم وفداحة القروض وارتفاع ومشكلة الاجور وسوء العلاقة بين المؤجر والمستاجر وضعف الانتاج القومى والتلف التكنولوجى وعدم الاكتفاء الغذائى فى السلع الاستراتيجية وغيرها والتخلف الزراعى والصناعى والكساد التجارى .

ولاشك ان الامة الناهضة احوج ماتكون الى تنظيم شؤونها الاقتصادية فهى اهم الشؤؤون فى هذا العصر ولم يغفل الاسلام هذه الناحية بل وضع فى تشريعه كلياتها ولم يقف امام استكمال امرها فضلا عن ان من طبيعة الاسلام نفسه وسعة الشريعة واعتباره للمصالح العامة مايسمح لنا بالافادة من اى نظام اقتصادى فاضل والاسلام يدعو الى تشجيع الاجتهاد ويرفض الجمود والفقه الاسلامى ملئ باحكام المعاملات الماليةوقد فصلها تفصيلا ولو اننا فهمنا الاسلام حق الفهم ودرسنا مشاكلنا الاقتصادية دراسة جادة مستنيرة واعملنا مبادئ الاسلام وقواعده الكلية واحكامه الشرعية وافدنا من تجارب الاخرين بما لايتناقض مع هذه المبادئ والقواعد والاحكام لحققنا للامة نهضة عملية وقدامنا لدول العالم نماذج جديدة فى اصلاح الاوضاع الاقتصادية التى يعانون منها ولايعرفون لمشاكلها حلولا جذرية .

الموقف الفكرى للإخوان المسلمين من الحضارة الغربية

مفهوم الحضارة

ان حضارة امة من الامم ليست هى –فى حقيقتها –الاشياء والمعطيات التى تصدر عنها او عن اصحابها سواء اكانت انتاجا فكريا او علميا او فنيا او تنظيميا او عمرانيا او صناعيا او عمليا مما يتعامل معه الناس فى واقع حياتهم اليومية وان كان كل مايصدر عن هذه الامة يحمل فى طياته شيئا ما ينم عن حضارتها ويكشف عن خصائصا ويدل على حظها من الحيوية او الذبول ومن القوة او الضعف كما تدل تصرفات الانسان على استعداداته وميوله وفكره ووجدانهوعلمه او جهله ولعل انسان هذه الحضارة او تللك هو افضل مراة تعكس خصائص هذه الحضارة واتجاهاتها واذواقها فضلا عن قوتها او ضعفها لان الانسان هو الهدف النهائى لحضارة ما وهو فى الوقت نفسه صانعها ومطورها – انها روح تسرى فى الامة وفى كل مايصدر عنها اكثر من ان تكون هذه الاشياء التى تصدر عنها .وهى كالروح للانسان تولد مع مولده وتقوى وتضعف وتعمر طويلا او قليلا .

واهم مكونات هذه الروح الحضارية هى نوع معتقدات اصحابها وقوتها ونوع نظرتهم الفسفية للانسان والحياة والكون ومجموعة من القيم والمبادئ التى استقرت فى نفوسهم والسلوكيات والعادات التى درجوا عليها ومبلغهم من الرقى الانسانى الادبى والرقى العلمى المادي.

أهم خصائص الحضارة الغربية

اولا:ليس من الصعب ولاهومن التجنى ان يقرر المرء فى حكمه على حضارة الغرب وتقويمها انها حضارة مادية لامكان فيها يعتد به للجانب الروحى فى الانسان ويجرى التعامل فيها بين الناس على اساس مادى عملى وبميزان نفعى واقعى تغلب عليه الانانية التى لايزاحمها صيحة ضمير داخلى او وازع روحى او رادع اخلاقى .ولذلك تفككت روابطهم الاسرية وتحللت علاقاتهم العائلية واستبد بها الهوى والمصلحة الشخصية والاعتبارات المادية .وقد اورثهم ذلك المنزع عللانفسية مثل التوتر العصبى والقلق النفسى ولم يجدوا لها علاجا الاالهروب النفسى منها بادمان الخمور وحرية ممارسة الجنس والوان اللهو او التورط فى الشذوذ والعنف والسر فى هذا الشقاء الذى يعانون منه يرجع الى ان استبعاد البعد الروحى من حياتهم مخالف للفطرة الانسانية واطلاق العنان للغرائز واشباعها اخل بتوازن الحياة وحرمهم نعمةالشعور بالامن النفسى والصفاء الداخلى .

ثانيا :اقصاؤها الدين عن الحياة وعن السياسة وعن سائر حركة الحياة فى مجتماعتهم وعزل المجتمع لمن ظل منهم على شئ من الدين فى نطاق الكنيسة الضيق ولايكاد يكون للدين فى واقع حياة اصحاب هذه الحضارة وجود حقيقى له اثره الفعلى فى حياتهم وقد تحول ايمانهم من الدين الى العلم والمادة وفشا فيهم الالحاد والاباحية والاثرة والربا.

أهم خصائص الحضارة الإسلامية

أولا: العقيدة الإسلامية التي ربطت كل فرد مسلم بخالقه وباليوم الآخر وما ينتظره من حساب على كل ما صدر منه في حياته الدنيا, كما ربطتهخ بالناس الذين يتعاملون معهم بأحكام الإسلام التي حددت له الحلال والحرام, والأوامر والنواهي فهو محكوم في كل تصرفاته بها , وقد صبغت هذه العقيدة حياة الفرد والأمة بصبغة الله } صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون البقرة: 138

وحددت العقيدة للفرد وجهته في الحياة ورسالته فيها وصلته بخالقه: (وما خلقت الجن والانس الاليعبدون )(الذاريات :56).

ولذلك كان الاصل فى المسلم انه انسان عقيدة ورسالة .

ثانيا: انها حضارة مبادئ وقيم وليست حضارة شيئية ولذلك كانت هذه المبادئ مثل الحرية والعدالة والمساواة والشورى والامانة وما اليها مبادئ ثابتة لاتتغير من ظرف الى اخر ولامن شخص لاخر ولامن وقت لوقت ولا مع صديق او عدو ولا فى سلم او حرب ولافى عافية او شدة .ومن ثم كانت حضارة الاسلام حضارة انسانية وكان الاسلام حضارة انسانية وكان الاسلام دينا عالميا .وكانت كل مفرزاتها الفكرية والوجدانية والسلوكية والتنظيمية والعمرانية والسياسية مصطبغة بالصبغة الاسلامية (صبغة الله ومن احسن من الله صبغة ونحن له عابدون )(البقرة :138)

ثالثاً :الأمة صاحبة هذه الحضارة فضلا عن كونها امة واحدة (وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاتقون )(المؤمنون 52)فهى امة عقيدة ومبادئ ودعوة (ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون )(ال عمران 104)

والدولة الاسلامية هى ايضا دولة عقيدة ومبادئ ودعوة (الذين ان مكناهم فى الارض اقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وامروا بالمعروف ونهوا عن المنكر .ولله عاقبة الامور)(الحج 41)


مقارنة وفارق جوهرى بين الحضارتين والامتين

اولا :من حديث عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم _مامعناه عندما دخل عليه عمر رضى الله عنه حجرته ذات يوم فاستيقظ رسول الله_صلى الله عليه وسلم _من اغفائه فوقع نظر عمر رضى الله عنه على وجه رسول الله وقد ترك الحصيرة اثره عليه فاطرق واستعبرت عيناه فقال له رسول الله_صلى الله عليه وسلم_مايبكيك باابن الخطاب ؟فاجابه عمر :هذا الذى ارى اثر الحصير على وجهك ولا شئ فى غرفتك اراه الاالثوب فوق مشجبه وشيئا من حنطة وغيرك من عظماء الفرس والروم فى الديباج والحرير .فقال له رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ مصححاله النضرة من أساسها وناصبا له الميزان الذي تقاس به الأمور, ياابن الخطاب :هؤلاء قوم قد عجلت لهم طيباتهم فى الحياة الدنيا وانا قوم قد اجلت طيباتهم فى الحياة الدنيا وانا قوم قد اجلت لنا طيباتنا فى الحياة الاخرة .

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى (ويوم يعرض الذين كفروا على النار اذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون فى الارض بغير الحق وبما كنتم تفسقون )(الاحقاف 20)

وقد وقفت امام السببين اللذين اوردهما القران الكريم فى تعليل ماينتظر مننزل فيهم القول من عذاب الهون فاذا هما :الاستكبارفى الارض بغير الحق وبغيهم على الناس واستنزاف خيرات بلادهم وتامرهم على تعويق رقيها وتقدمها وماهم عليه مروق عن دين الله وارتكابهم المعاصى وتعاونهم على البغى والعدوان وغير ذلك من فسوق وظلم .انهما يصفان ماعليه اهل هذه الحضارة وينطبقان على مانالنا منهم عبر القرون خلت .

ثانيا :خير الله الناس بين مسلكين فى الحياة ووجهتين مختلفين فيها وعلى اساس اختيار الانسان لاحد الطريقين يتحدد امره فى الحياة الدنيا والحياة الاخرة وقد وضح الله تعالى خصائص كل من الطريقين وبصرنا بحقائقهما وذلك فى قوله تعالى :(من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها مانشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا .ومن اراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فاولئك كن سعيهم مشكورا .كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك محظورا .انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللاخرة اكبر درجات واكبر تفضيلا .لاتجعل مع الله الها اخر فتقعد مذموما مخذولا )(الاسراء 18-22)واذا كانت ارادة العاجلة دون الاخرة قد استبدت بغيرنا فان الاجدر بنا مخالفتهم فى ذلك الى مايدعونا الاسلام اليه من عمارة الاخرة بان نسعى لها سعيها فى عمارة الارض واقامة امة الاسلام ودولته وحضارته واعتبار هذا السعى عبادة واجبة .


موقفنا من الحضارة الحديثة

اولا: لئن كانت حضارة الغرب الحديثة مدينة لحضارة الاسلام يوم اتصلت اوروبا بالاسلام اثناء الحروب الصليبية وفى الغرب بمجاورة عرب الاندلس ومخالطتهم فى توحدها السياسى واكتسابها علوما ومعارف جمة ثم هم قد تفوقوا فى مجال العلم والاختراع والصناعة وقويت شوكتهم واقبلت الدنيا عليهم وقامت حضارتهم واستعمروا الدول العربية والاسلامية واحكموا خطة غزوها فكريا واجتماعيا واستعانوا بدهائهم السياسى وسلطانهم العسكرى حتى تم لهم ماارادوا .حتى اسقطوا الخلافة ,واعجب كثير من القادة والمفكرين بعلمانية تركيا التى اعلنت انها دولة غير اسلامية وتاثرت البلاد الاسلامية بهذه الحضارة الحالية بنسب متفاوتة بلغت ذروتها فى بلاد كثيرة مثل تركيا ومصر حتى تغيرت فيها الاوضاع والمظاهر الاجتماعية وانحسر ظل الفكرة الاسلامية حينا من الدهر وبلاد اخرى تاثرت بهذه الحضارة الغازية فى اوضاعها ومظاهرها الرسمية ولكنها لم تتغلغل فى القلوب والمشاعر وغيرها وانحصر التاثر فيها بهذه الحضارة فى طبقة المثقفين والحكام دون العامة ومع هذا فالموجة تمتد بسرعة البرق لتصل الى مالم تصل اليه بعد من النفوس والطبقات والاوضاع ولقد استطاع خصوم الاسلام ان يخدعوا بعض عقلاء المسلمين وان يضعوا ستارا كثيفا امام اعينهم بتصوير الاسلام نفسه تصويرا قاصرا فى ضروب من العقائد والعبادات والاخلاق الى جانب مجموعة من الطقوس والخرافات والمظاهر الجوفاء واعانهم على هذه الخديعة جهل المسلمين بحقيقة دينهم حتى استراح كثير منهم الى هذا التصوير واطمانوا اليه ورضوا به وطال عليهم فى ذلك الامد حتى صار من العسير ان نفهم احدهم ان الاسلام نظام اجتماعى كامل يتناول كل شؤون الحياة .

ونستطيع ان نقول بعد ذلك ان الحضارة الغربية بمبادئها المادية قد انتصرت فى هذا الصراع الاجتماعى على الحضارة الاسلامية بمبادئها القويمة الجامعة للروح والمادة معا فى ارض الاسلام نفسه وفى حرب ضروس ميدانها نفوس المسلمين وارواحهم وعقائدهم وعقولهم كما انتصرت فى الميدان السياسى والعسكرى ولاعجب فى هذا فان مظاهر الحياة لاتتجزأوالقوة قوة فيهاجميعا والضعف ضعف فيها جميعا كذلك (وتلك الايام نداولها بين الناس)(ال عمران 140) وان كانت مبادئ الاسلام وتعاليمه ظلت قوية فى ذاتها فياضة بالخصب والحياة جذابة اخاذة بروعتها وجمالها وستظل كذلك لانها الحق ولن تقوم الحياة الانسانية كاملة فاضلة بغيرها ولانها من صنع الله وفى حياطته(انا نحن نزلنا الذكر وان له لحافظون )(الحجر 9)(ويابى الله الاان يتم نوره ولو كره الكافرون )(التوبة 32)

ولكن اليقظة التى احدثها استعمارهم الغاشم لبلادنا وبروز الفكر العلمانى ودعوة القومية العربية بين مثقفينا نبهت المشاعر وانعشت الفكرة العلمانى ودعوة القومية العربية بين مثقفينا نبهت المشاعر وانعشت الفكرة الاسلامية وتحركت الجماعات الاسلامية فى اكثر من بلد عربى واسلامى لتحد من سطوة الحضارة الغربية والاخوان لايكرهون شعبا من شعوب الارض ولادولة من الدول ولاينكرون على حضارة ما جوانب القوة ولامواطن النفع عنها فان الاسلام يامر ان نحكم بالعدل وعد ذلك من التقوى (ولايجر منكم شنئان قوم على الاتعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله ان الله عليم بذات الصدور)(المائدة 8)(ولاتبخسوا الناس اشياءهم ولاتعثوا فى الارض مفسدين )(هود 85)و(الشعراء 183).


نحو بناء حضارة اسلامية عصرية

فى ضوء ماتقدم من تحديد مفهوم الحضارة وبيان اهم خصائص الحضارتين الغربية والاسلامية والفارق الجوهرى بينهما وموقفنا من الحضارة الحديثة المعاصرة ودعوة الاسلام ان ناخذ بالنافع من حضارة غيرنا مالم يتعارض مع نصوص ديننا _يكون الاساس الفكرى فى بناء حضارة اسلامية عصرية اصبح امرا واضحا.

واما عن اقتراح منهج علمى لبناء حضارة اسلامية عصرية تجمع بين الافادة من التجهيزات العلمية والتقنية وبين الاستمساك بالقيم والمبادئ الاسلامية فى المجالات كافة فانى اعتقد ان الفكرة قائمة بالفعل ولامحل للاختيار فيها لانها تفعل فعلها وفق السنن الطبيعية لقوانين الحياة لان العالم مفتوح بعضه على بعض اراد الناس ام لم يريدوا ولاسيما فى هذا العصر الذى لم يعد يسمح باقامة الحواجز المانعة بين الشعوب والدول مهما اختلفت المذاهب السياسية او الانظمة الاجتماعية فيها بل ان الاتجاه الحديث يسير بالانسانية نحو العالمية والتقارب ذلك عن فكرة الانتفاع بالتجهيزات العلمية والتقنية التى توصل اليها الغرب .

اولا :وذلك امر ممكن ولكنه يتطلب وجود ارادة حضارية فى الامة للتدريب على هذه التجهيزات وتعلم هذه التقنيات فى بلادها وعلى ايدى المتخصصين فيها وقد فعلت ذلك دول غيرنا مثل اليابان وكوريا الجنوبية ونجحتا كما نجح غيرهما فى ذلك لتوفر العنصر الاساسى الذى اشرت اليه وهو وجود ادارةحضارية حقة تنبع عن ضمير الامة حكاما ومحكومين على ان يجرى تحقيقها وفق خطة مدروسة بمعرفة ذوى التخصص فى بلادنا مع الاستعانة بغيرهم من الخارج فى حالة عدم توفر بعض التخصصات العلمية والتقنية عندنا والخطة هى التى سوف تحدد الاولويات وتحدد المراحل الزمنية والاطراف المطلوبة تدريبها على ان يتم تنفيذ الخطة فى خطوط متوازية ويصحب ذلك تغيير جوهرى فى مناهج التعليم عندنا ليكون التعليم فى خدمة الخطة .

واعتقد ان الموضوع من الخطورة والاهمية والدقة بحيث يتطلب انشاء مؤسسة علمية تضم اكفا العناصر المتخصصة فى المجالات كافة مثل النعهد القومى للبحوث تقوم بالدراسات اللازمة لوضع خطةمتكاملة لتحقيق هذا الهدف القومى الاسلامى وتحديد متطالباته المختلفة وتشرف على تنفيذها ومتابعةمراحلها المرسومة ورصد النتائج وحصر الكفايات المتخصصة من ابناء الدول العربية والاسلامية والعقول المهاجرة ويتكونمنها فرقاء العمل كل فريق مسؤل عن العمل فى دائرة تخصصه .

ولاشك ان مثل هذه المؤسسة محتاجة الى ميزانية كافية وثابتة لتشغيل متفرغين من الخبراء ومحتاجة الى انشاءمركز معلومات وحاسب الى .لحصر الطاقات المتخصصة فى كل بلد. وحصر دقيق لمجالات العمل فى ادق تخصصاته وان يكون اطار عمل المؤسسة على الصعيد العربى والاسلامى لتتسع الفرصة فى توفير التخصصات كافة وتعبئة كل الطاقات الاسلامية من كان منها فى داخل هذه البلاد او فى خارجها .

ويتكون فرقاء العمل فى هذه التخصصات ويوضع للعمل نظام ادارى لضبطه ومتابعته وخدمته ويتكون من رؤساء هذه الوحدات مكتب العلماء المشرفين على الاعمال فى هذه المؤسسة للتنسيق العلمى وتوزيع الاعمال وفق الخطة العامة المقررة وهى مسؤوليتهم ولهم حق ادخال التعديلات التى يرونها فى ضوء الممارسة او تغير الظروف الداعية لذلك وتنظم اجتماعات دورية للمكتب على فترات مناسبة لاتزيد عن سنة ولاتقل عن ثلاثة شهور توفيرا لوقت اعضائه وجهدهم .

نود لو تبنت هذا العمل احدى الدول العربية او الاسلامية او مكتب التربية العربى لدول الخليج نفسه وان تكون له صفة رسمية او شبه رسمية حتى يتم التعاون فى يسر داخل شبكته الواسعة من العلماء والخبراء فى كل التخصصات من كل دول العالم العربى والاسلامى وان يكون له ميزانية مستقلة وجهاز ادارى قائم بذاته ومقر مناسب .

ثانيا :ان مواضع الافادة من الحضارة الحديثة ليست قاصرة على التجهيزات العلمية والتقنية التى توصل اليه اهل هذه الحضارة وصانعوها وينبغى حصر كل هذه المواضع ومظانها فى دولهم ومؤسساتهم وجامعاتهم وما الى ذلك وتوفير اهم المعلومات التفصيلية عنها لتكون تحت نظر (مكتب العلماء )فى وضع الخطة العامةوتحديد الاولويات والتنسيق بين الاعمال والنتائج فى اوقاتها المحسوبة فى الخطة .واذكر منها على سبيل التمثيل لاالحصر بعض نقاط الامكان او مواضع الافادة :

1-فن الادارة النظرى والعملى فى المجالات العملية والعلمية فى بلادهم النتقدمة فهم اهل تفوق ملحوظ فى ذلك .

2- العلوم التطبيقية

3- فن الاعلام ووسائله وامكاناته المتطورة وإدارته

4- فن تخطيط المدن وحركة المرور وحل ازمة الاسكان.

5- شبكات الخدمات :اضاءة ,مياه شرب .صرف صحى .مواصلات ...الخ

6- الاستخدامات النووية المدنية

7- مشكلة الطاقة وتنوع مصادرها مع مراعاة الفوارق البيئية

8- المستشفيات والصيدلة

9- مناهج التعليم والتربية مع مراعاة تعاليم الإسلام ومنهاجه

10- التامين الصحى

11- الصناعات الخفيفة

12- الانتاج الزراعى والحيوانى والأمن الغذائى

13- محاربة التلوث

14- رعاية الطفل والام والاسرة


ثالثا:واما نقاط الاستحالة فاذكر اهمها :

النظم الحياتية ذات الصلة الوثيقة بالعقائد الدينية كالنظام الاقتصادي والمالى الذى يعتمد الربا اوسعر الفائدة اساسا فى معاملاته وكالنظام الديمقراطى بمفهومه عن سلطة الشعب المطلقة فى التشريع واخذه بمبدا الحرية الشخصية دون قيد من الدين او المبادئ الخلقية التى يقوم عليها الاسلام وكالنظام الاجتماعى الذى يقصى الدين عن الحياة وكالنظام التعليمى وبرامجه التى تعتمد فكرة العلمانية اساسا لها .

وهذا لايمنع من دراسة ماعندهم من كل هذه النظم فبرغم ان الاسلام باصوله وقيمه وعقيدته ومقاصده تصطدم بالاسس التى تقوم عليها هذه الانظمة فان مجال الفائدة _فيما احسب _لازال قائما فى بعض الجوانب من كل هذه الانظمةوربما افاد ذلك فى معاونتنا على بنائها على اساس من ديننا بناء متطورافلاشك انهم توصلوا بانظمتهم هذه على مابها مما يخالف ديننا ويتفق مع طبيعة حياتهم وظروفهم وعقائدهم وفلسفاتهم ونظرياتهم الى استقرار سياسى والى صيانة الحقوق الاساسية والحريات لمواطنيهم بصورة يحسدون عليها ونفتقدها فى بلادنا وكذلك الامر بالنسبة للرخاء الاقتصادى والاستقرار المالى النسبيين فى بلادهم وهما ايضا غائبان عن اكثر بلادنا

رابعا :اما عن هذه الانظمة الحيوية التى تصدر عن مبادئ الاسلام وروحه واصوله الكلية ومقاصده فذلك امر يوكل هو الاخر الى علماء متخصصين من دول العالم العربى والاسلامى ويتبعون كذلك مكتب العلماء ويعكفون على صياغة هذه الانظمة وابتكار صورها التى تحقق اهدافها فى بيئاتها العربية العربية والاسلامية وتحقق مااستجد من متغيرات العصر ومن حاجات الانسان المعاصر .

2- عند مناقشة الكاتب للقضية الفلسطنية نلاحظ استخدامة الدائم للفظ اليهود ومع اعترافى بان هذا اللفظ ربما يكون مصادفة تفضيلا لفظيا لكننى اعتقد بان استخدامة لفظ الصهيونية قديكون لا نة ربما يعطينا البعد الحقيقى لمعركتنا مع هؤلاء الناس ومعركتنامعهم ليست فقط دينية ولكنها سياسية و استراتيجية ليست فقط دينية ولكنها سياسية و استراتيجية .

الهوامش

(1)من رسالة المؤتمر الخامس للاستاذ (حسن البنا )1938 م

(2)من الخطاب الذى وجهته الجماعة الى رئيس الحكومة

(3)الاخوان المسلمون_احداث صنعت تاريخ _جزء اول ص326للاستاذ(محمود عبد الحليم)

(4)كان هذا القاضى قد اصدر احكاما قاسية ضد اشخاص ضبطوا فى الاسكندرية امام نادى الجيش الانجليزى ومعهم قنبلة لم تنفجر ومننوع مخالف للنوع الذى القى عليه اثناء حفل اقيم فيه,فى الوقت نفسه الذى حكم فيه على قناوى سفاح الاسكندرية الذى ارتكب جرائكم قتل وهتك عرض فى سبع سنوات

(5)(جمال عبد الناصر)ص194_احمد ابو الفتوح

(6)نقلت من هذا الباب عن العقائد للامام (حسن البنا )

(7)ارجع فيه الى (مشكلاتنا فى ضوء النظام الاسلامى ..نظام الحكم فى الاسلام )الامام (حسن البنا )

(8 )من رسالة بين الامس واليوم للامام حسن البنا

(9)مشكلاتنا فى ضوء النظام الاسلامى للاستاذ (حسن البنا)

(10)دعوتنا فى طور جديد للامام (حسن البنا)


مناقشة الدكتور محمد الميحى لبحث (الاخوان المسلمون) للأستاذ محمد فريد عبد الخالق والتعليقات على البحث والمناقشة

بسم الله الرحمن الرحيم

إن تعليقى ليس على فكر حركة الاخوان المسلمين ككل ففيها من اجتهادات اتفق مع بعضها وارحب به واختلف مع بعضها الاخر وانما تعليقى سوف ينصب على الورقةوماجاء فيها وايضا ليس تعليقا على الكاتب الذى تجتمع فيه حسن النية ونبل القصد وقد كفانى السيد الكاتب مشقة الاعتذار والتبرير عما سوف اقدامه هنا من تعليق سريع على هذه الورقة فقد قال :ان الحكم على الشئ فرع من تصوره وفساد التصور يعنى فساد الاحكام. وعلى الرغم من اننى توقفت كثيرا حول هذه المقولة وتساؤلى : ماذا يعنى الكاتب بالتصور؟

وماذا يعنى بالحكم او الاحكام؟

فالتصور _كما اتصوره_يعنى مجموعةمن الاحكام الا ان هذا المعنى العام غير خاف على الجميع وهو اننا قد نقع ضحايا تصوراتنا السابقة لقضية ما ونصدر الاحكام عليها او لها قبل الدراسة والتقصى . ويلوح لى ان الاخ الكاتب قد وقع فيما حذرنا منه فقد وقع بداية فى الانحياز الشديد وباوضح العبارات واقواها لحركة الاخوان المسلمين وقد يكون فى ذلك بعض العزاء لو فصل فى بداية الامر فكر الجماعة وتطبيقاتها وناقشماهو ايجابى اوسلبى خاصة بعد ان مر على انشاء هذه الجماعة بضعة عقود من السنين لقيت فيها من الجماهير الاقبال ولقيت من بعض السلطات السياسية المحاربة والتشتيت والسجون ولكنه مع الاسف لم يفعل ذلك بل قال ان هدفه من البحث هو تجلية فكر الجماعة وشئ من حركتهم راجيا ان يكون وراء ذلك فائدة تعود على العمل الاسلامى هذا هو الهدف الذى وضعه للورقة ومن هنا فاننى سوف اناقش ماكتبه من خلال هذا الهدف الذى وضعه وهو فكر الجماعة .

إن التصدى لفكر الجماعة وتجلية الفكر لحركة الجيش فى مصر الذى هئ للكثيرين من ابناء العرب فى الخمسينيات والستينيات فى هذا القرن من خلال ماعرفنا ودرسنا حركة التاريخ السياسى المصرى وحركة الاخوان المسلمين ليست بالحركة البسيطة والمحدودة وليست كذلك بالقضية الفكرية العامة وانما هى حركة لها مناصروها كما ان لها اعداءها الفكريين والكتابة عنها فى معظم الاوقات _عربيا وعالميا _لاتخلو من التحيز امامعها او ضدها مع اختلاف الدرجات فى هذه اوتلك ولقد اطال الباحث فى الوصف والتعميم ودخل فى موضوعات فى رايى معظمها ينصب على الموقف السياسى لحركة الاخوان المسلمين خاصة مع الاحزاب السياسية قبل ثورة يوليو 1952 م وبعد ذلك فى الحديث عن صراع الحركة مع قيادة ثورة 52فى مصر وذلك موضوع طويل تعددت فيه الاقوال والشهادات وكان بودى ان يتابع الكاتب قراءة وتحليل فكر حركة الاخوان المسلمين من خلال مفكريها الرئيسين ويبين لنا موقف هذا الفكر من القضايا الجوهرية واسباب الاختلاف فى المواقف الفكرية من تلك القضايا او من بعضها لكنه _فقط_قصر حديثه فى اللمحة التاريخية ومابعدها على فكر المرحوم (حسن البنا وحياته)ولو اتيح للكاتب فرصة لتصور منهج متكامل لقال لنا شئيا عن اساتذة (البنا)وخاصة (رشيد رضا)وحدثنا عن بذور الفكر الاسلامى الحديث لدى الافغانى ومحمد عبده وكذلك عمن وكذلك عاصر (حسن البنا)ومن جاء بعده.

لقد دخل الكاتب فى تفاصيل سياسية كثيرة واصاب فى عرض وجهة نظرالحركة فى كثير منها وكاد ان يقع _فى بعض الاوقات _فى ادانة الحركة وهو فى صدد الدفاع عنها . واضرب مثلا واحدا على هذا وهو قوله (ان الاخوان المسلمين قد وافقوا على القيام بحركة الجيش _كما سماها _سنة 1952 م برغم معرفتهم لعبد الناصر علاقة بالامريكان)بالطبع جاء ذلك فى اطار ادانة ادانة عبد الناصر وشبهة علاقته بالامريكان ولكن اليس ذلك ايضا _ادانة _لمن يتعاون معه خاصة قبل الثورة ؟وهذا اذا صح ماذهب اليه الكاتب فى مجمل القصة ولو ذكر لنا المصدر ومن اين اتى بهذا الموضوع؟لاضاف اضافة جديدة فى تاريخ العرب السياسى المعاصر. فى حقيقة الامر هناك قضايا كثيرة تستحق الوقوف امامها فى هذه الورقة المباركة ولكننى ساختار بعضا منها اختصارا للوقت واحتراما لفكر من يريد ان يقرا الورقة قراءة ذكية هذه النقاط هى :

1- عند الحديث عن تاريخ الاخوان المسلمين بعد الحرب العالمية الثانية حاول الباحث ان يبررتحالف الاخوان مع وزارة(اسماعيل صدقى )الثانية 1946 م وهذا قول _فى حقيقة الامر _ياتى مضادا لكثير من اقوال المؤرخين المستقلين لان اسماعيل صدقى (من يعرف مصر اومن قرا حولها )كان معروفا منذ وزارته الاولى فى اوائل الثلاثينيات بانه كان ديكتاتورا جلادا ومن اكبر انصار الانجليز ولكن الكاتب يقفز على ذلك ويقول مامعناه :انه تاب على ايدى الاخوان .وحقيقة الامر انه كان معروفا لدى الجميع بعدائه للشعب ولم يقبل التحالف معه وتاييده فى ذلك الوقت الا الاخوان المسلمون يقول الكاتب بالنص حول هذا الموضوع (اعتذر صدقى عن ماضيه السياسى)وانا اعتقد اننا حين نريد ان نناقش ونقنع الاخرين يجب ان نقول لهم كلاما_مع انه فى السياسة _معقولا ومنطقيا.

2- عند مناقشة الكاتب للقضية الفلسطينية نلاحظ استخدامه الدائم للفظ اليهود .ومع اعترافى بان هذا اللفظ ربما يكون مصادفة تفضيلا لفظيا لكننى اعتقد بان استخدامه لفظ (الصهيونية )قد يكون افضل لانه ربما يعطينا البعد الحقيقى لمعركتنا مع هولاء الناس _ومعركتنا معهم_ ليست فقط دينية ولكنها سياسية واستراتيجية واقتصادية وايديولوجية.

3- وعند مناقشته لحوادث القتل والانتقام والتى وقعت عام 49,48فى مصر , يذكر منها ماكان الاخوان ضحية له وهذا حق ولكنه يغفل الحوادث التى ارتكبها الاخوان او ينكر صلة الاخوان بها فى وقت ما ويلمح بصلتهم بها فى مكان اخر من الورقة ان مرتكبى الحوادث قال التاريخ رايه فيهم فيمن قتل احمد ماهر والنقراشى وانا افهمها بصفتى سياسيا ومؤرخا ولكننى لاافهم الدفاع عنها او تجاهلها بالمرة .

4- القضية الكبرى فى حقيقة الامر هى علاقة الاخوان المسلمين بالحكم فى ذلك الوقت وانا ايضا افهم تلك العلاقةلاكما يقول اعداء الاخوان المسلمين ولكنها علاقة سياسية مقبولة ويذكر اعداء الاخوان المسلمين دائما مقابلة (حسن الهضيبى) للملك فاروق عندما قال (بانها دعوة كريمة من ملك كريم )هكذا يقول اعداء الاخوان المسلمين للتدليل على علاقتهم ...وقد يكون هذا الكلام _حقيقيا _وقد يكون هذا الاتصال اتصالا سياسيا افهم ذلك تماما .وكان بودى ان يعرض الكاتب لهذا الموضوع ويذكر لنا بعده السياسى .

5- وهنال بعض الموضوعات التى ربما لم تكن لدى الكاتب او تحت يده-فى وقت كتابته للورقة_بعض المصادر للرجوع اليها اذكرمنها فقط للتدليل بانه قال (ان انتخابات الضباطالتى فاز بها (محمد نجيب)كانت فى ديسمبر 1952 م وهى كما يعلم الجميع فى مارس 1952 م فى اختلاف الاخوان مع الثورة الذى كان مبكرا :يعرف الجميع بانه كان اختلافا ذا شقين:

الشق الاول: اختلاف حول تطبيق الشريعة والشق الثانى هو اختلاف حول تطبيق الاصلاح الزراعى الذى قال الاخوان فيه رايهم وان الملكية يجب ان تحدد ب(500)فدان وقالت الثورة رايها وكان اقل من ذلك . فى حقيقة الامر كنت اود ان اقرا فى الورقة الكلام بالتفصيل عن علاقة الاخوان مع الثورة سنة 54و65فلم يذكر الكاتب هذه العلاقة واثرها فى تطبيق الشريعة فى السودان ولن يكون هذا مقام التفصيل حول هذا الموضوع ولكننى اعتقد بان هناك الكثير مما يراد من خلال تطبيق الشريعة فى السودان فى هذا الوقت .

فى النهاية اذكر ان الموضوعات الخطيرة التى مر عليها الكاتب مرور الكرام قضيةمثل قضية الديمقراطية ونحن نفهم جميعا ان هذه الفكرة قد تطورت لدى بعض الكتاب الاسلاميين الى درجة القبول بالمشاركةالسياسية واصبحت هذه المشاركة فى راى بعضهم ملزمة وليست معلمة كما قال الدعاة الاوائل. وبرغم انه المح فى بعض ماكتب الى ان المرحوم(الهضيبى )قد طالب حركة الجيش سنة 1954 م كما سماها بتطبيق (الديمقراطية )فى مصر الاان هذه القضية التى لازالت قيد الاختلاف لم تحدد بوضوح فى البحث وقضية الديمقراطية فى اعتقادى قضية مهمة ومركزة ومن القضايا التى مر عليها الكاتب سريعا قضية قبول الاحزاب وقضية الانتخابات العامة ..الخ وكله لابد ان نعرف او نتعرف على فكر الاخوان المسلمين بمجمله فيها . نحننعرف _مثلا_ان موضوع الديمقراطية لدى المرحوم (حسن البنا )كما كتبه (ان الديمقراطية معلمة وليست ملزمة )كما انه كتب فى موضوع الاحزاب مرة بانه يرفض الاحزاب ومرة يقول :اننا لانضطر _كما يقول(حسن البنا )الى الاحزاب ولكن لانعترض عليها . فى ضوء الواقع السياسى المصرى فى ذلك الوقت ربما كان هذا الكلام صحيحا ولكنه ليس حكما مطلقا على الديمقراطية او على الاحداث بدليل ان الكاتب نفسه يقول (ليس فى قواعد النظام النيابى (كما يقول الكاتب)ليس بعيدا عن الاسلام ولاغريبا عنه.

وانا بصفتى مؤمنا بالديمقراطية وداعيا لها ارحب بهذا القول واتمنى ان تتطور البحوث الفكرية لحركة الاخوان المسلمين او لغيرهم من الاسلاميين وان تتحدث عن هذه الاتجاهات ولكننى اقول ايضا :ان القبول بالديمقراطية يعنى القبول بالراى الاخر ويعنى ان هناك انتخابات حرة يصل الى النظام النيابى من يصل خلال انتخابات حرة وقد تكون هناك مجموعة من الاسلاميين وقد يكون هناك اخرون ايضا فاذا كيف يتم الحوار بين هذه الجماعات ؟

انا اعتقد بان المشاركات الشعبية _كمدخل اساسى للتطور العربى والاسلامى _لابد ان تطرح فى الفكر الاسلامى .وفى الفكر العربى ولو قال لنا الاخ الكاتب ماالنظام البرلمانى الذى يتصوره منخلال الفكر الاسلامى لاثرى كثيرا روح المناقشة. فى نهاية هذا التعليق السريع اذكر لكم نصا ليس من عندى :(منذ ربع قرن والحركة الاسلامية الحديثة تعيش محنا ضارية تقدم فيها الشهيد تلو الشهيد وتبذل الثمن غاليا من وجودها وحياتهادونان يكون لها من ذلك ادنى مردود بل انكى من ذلك انها هى التى تزرع وسواها يحصد .وانها هى التى تبنى وسواها الذى يستولى . الحركة الاسلامية على الرغم من كل هذا لايزال اسلوبها فى العمل نفس الاسلوب الذى مارسته فى ظل اوضاع غد فى خبر كان بل وغدت ممارستها لها اليوم فى اعقاب التحول الجذرى الذى شهدته المنطقة ضربا ضربا من الانتحار وجريمة لايجوز السكوت عنها) هذا الكلام ليس من عندى ولكنه كلام الاستاذ فتحى يكن فى كتابه مشكلات الدعوة والداعية الذى صدر فى بيروت سنة 1980 م الايحق لنا _بعد هذا كله_ان نفكر مليا فى ازمة دعوة الاخوان المسلمين؟

تعليق الاستاذ يوسف العظم على بحث (الاخوان المسلمين):

اريد ان اقدم وثيق للاخ المعلق فى الصفحة رقم (95)من مذكرات انور السادات فى كتابه (ياولدى هذا عمك جمال )طبع الدار القومية للطباعة والنشر بتاريخ 11|8|1965 م رقم الكتاب 312 فى الدار القومية . والكتاب ظل يتداول فى مصر لمدة (5)سنوات فى عهد الرئيس عبد الناصر .ثم جمع بعد ان تولى او استولى على السلطة بعد انور السادات انقل بالحرف الواحد ماورد فى هذا الكتاب ,وما رضيت عنه مؤسسة الحكم يوئذ بمصر يقول .انور السادات لولده(وهكذا بدا لنا ان امريكا تفهم الاوضاع على حقيقتها بعقلية غير تلك العقلية الاستعمارية وبدا لنا ايضا ان لامريكا سياسة امريكية على خلاف ماكنا نعرف ,من انها تسير فى ذيل السياسة البريطانية الاستعمارية وخاصة فى هذه المنطقة من العالم الذى كان يدعى الساسة البريطانيون الاستعماريون انهم خبراؤها الوحيدون ولعل هذا يلقى ضوءا يابنى على ماقلته لك سابقا من ان تصرف الثورة حيال امريكا كان مناقضا من اول يوم لتصرفها حيال بريطانيا وان صداقة حقيقية انعقدت بيننا وبين السفير الامريكى المستر (كافرى )كان اسمه (جيفرسون كافرى )وان الرجل كان مخلصا حقا فمن اول يوم لبينا دعوة المستر (كافرى)التى دعانا فيها الى العشاء وذهبنا جميعا الى منزله قبل ان يعلم الناس فى مصر والعالم من رجال ثورة مصر؟وفى الوقت الذى قاطعنا فيه السفارة البريطانية تمام المقاطعة حتى ان المستشار الشرقة بها كان يبحث ويحاول ان يصل الى معرفة اشخاصنا ثم بدا بعد ذلك يتصل ببعض اصدقائنا من الصحفيين لكى يدلوه على طريقة يتصل بها بنا وفى كل مرة كان يظهر تفهما وادراكا لحقيقة اهدافنا مما جعلنا نحس ان امريكا عازمة حقا على التمسك بما تعلن عنه من انها ضد الاستعمار وانها مع مبدا تحقيق المصير للشعوب الصغيرة التى ابتليت بالسيطرة الاجنبية )تلك هى الوثيقة ومصدرها .

النقطة الثانية نحنكنا نلتقى صغارا فى ساحة دارالاخوان فى القاهرة شبابا بين مصل وغير مصل بين متدين وعادى لكنا اخذنا بشئ جديد فهمناه هو ان الاسلام دين ودولة ,عبادة ,وقيادة ,مصحف وسيف ,عقيدة ونظام وعمل,ثم بدانا نفهم هذا اكبر عندما تقدمت بنا الايام وكبرنا واذا بنا نفهم لاول مرة فى تاريخ وجودنا على الساحة الاسلامية مفهومه الشمولى فى الفكر الاسلامى ومفهوم التكامل فى التربية الاسلامية ,التربية الروحية ,التثقيف الفكرى ,التوعية السياسية ,الاعداد الجسدى ,مما يؤدى الى ايجاد الفرد المسلم الصالح والمجتمع الصالح .وفهمنا على يد الامام الشهيد وتلامذته ان الدولة الاسلامية هدف هذه الحركة لابد ان تقوم دولة تحكم بالاسلام. والغريب ان الاخوان يهاجمون من فريقين :

1- فريق يقول ان الاخوان لايعنون الابالتربية والاخلاق ,ولايعرفون شيئا عن السياسة.

2- وسلطات مختلفة تقول الاخوان لايفعلون شيئا الاانهم يتدخلون ويعملون فى السياسة.

وشئ اخر بعثت به الثقة فى الاسلام فى هذا المجتمع وبعثت به الثقة فى نفوس المؤمنين هوأنه: لايمكن ان نعود لنكون(خير امة اخرجت للناس )الا بالاسلام. ولقد كانت خطة (حسن البنا )_عليه رحمة الله_ومن جاء من بعده من قادة الحركة وتلامذتها ان تسرى الفكرة والعقيدة فى اركان المجتمع ونفوس ابنائه كما يسرى الرواء فى عروق الشجر ,فى صمت وهدوء وعمق وعطاء ثم يطلبون حكما للاسلام لا لانفسهم فاى حركة اسلامية تحكم فالاخوان المسلمون جنود عند هذه المعركة ثم اقاموا المؤسسات لالكى يتاجروا ويكسبوا من ورائها ماليا وانما ليدربوا كوادر من ابنائها ليكونوا قياديين قادرين على العطاء وعلى قيادة المجتمع عندما يتسلمون امره. تعليق الدكتور محمد سليم العوا: اول مسالة اثيرها هى قرار الرئاسة ان تنصب المناقشات على البحث دون غيره ففى مثل هذه الندوات الفكرية والعلمية يجب ان تدور المناقشات بحرية كاملة دون قيد ايا ما كان على المناقشين .

الثانية : لقد استمعت الى حديث الاستاذ محمد فريد عبد الخالق لكنى كنت اتمنى ان اسمع حديثا عن الحركة لاعن اصحابها _رحمه الله_وكنت اتمنى ان اسمع تفصيلا بقدر مايسمح به الوقت عن فكر هذه الحركة والذى اختلف فيه الناس اختلافا عظيما كما قال الاستاذ يوسف العظم بين منكر للشئ ومثبت له وكلاهما على طرفى نقيض. وكنت اتمنى اكثر حديثا عن مطالب الاخوان المسلمين ..ماالذى يريده الاخوان المسلمون من الناس الذين ليسوا اخوانا مسلمين ؟وما الذى يريدونه من المجتمع الذى يضم مسلمين وغير مسلمين ؟وما الذى يريدونه من الحكام الذين يناصبون الاخوان الاعداء؟والحكام الذين يمسحون لهم الرداء ؟والحكام الذين يعاودنهم يوما ويعلنون حبهم وودهم يوما اخر؟مالذى يريده الاخوان المسلمين المسلمون من العالم من حولهم مسلمه وكافره ؟كنت اتمنى ايضا ان اسمع من الاستاذفريد وهو اخبر الناس بذلك حديثا عن النجاح ومداه :اين نجحت هذه الجماعة فى الارض؟لافى انشاء دولة –لانها لم تنشئ دولة حتى الان ولله الحمد _وانما فيما اصطنعته لنفسها من وسائل وارادته لهذه الوسائل من نتائج ؟

وكيف اتمنى ان اسمع من الاستاذ فريد اين وقع الاخفاق فى جهد هذه الجماعة ؟واين حدث التوزع والتفرق والفشل؟ولماذا كان ذلك ؟وما اسبابه ؟وكيف يمكن توقيه فيما يتصل بالحركات الاسلامية القادمى التى يزخر بها بطن العالم الاسلامى ؟ولانعرف ايها تاخذ الراية من الاخوان المسلمين قبل غيرها ؟ايها تنجح وايها تخفق؟

هذه الاسئلة _التى كنت امل ان يكون الاستاذ محمد فريد عبدالخالق قد كتبها او ذكرها فى مناقشته _هى التى يحتاج الناس من المتعلمين امثالى الى جواب عنها اما التاريخ فقد اصبح مباحا ومتاحا لاكثر الناس اذا بحثوا ودققوا واما الحكم على الماضى فهو على اهميته وضرورته لايغنينا عن العمل للحاضر والمستقبل . اما الاخ محمد الميحى فلى معه نقطتان : النقطة الاولى ان الحكم على الشئ نعم هو فرع عن تصوره وهومختلف عن تصوره لان التصور قيام صورة الشئ فى ذهنك وهومعرفة بوقائع وحقائق وذلك لايتضمن حكما على وجه من الوجوه وهذه مسالة يعرفها اهل المنطق والدكتور جعفر شيخ ادريس سيحدثنا ان شاء الله عن ذلك . المسالة الثانية انا لااعرف فى كتابات(حسن البنا ولاازعم انى محيط بكل شئ اقول :انى لااعرف فى كتابات حسن البنا_رحمه الله _مكانا قال فيه (الديمقراطية معلمة )بل ان هذه العبارة لامكان لها فى الفقه السياسى لان الديمقراطية لايمكن ان تكون معلمة ولاملزمة الديمقراطية نظام حكم اذا ارتضاه الناس طبقوه واذا لم يرتضه الاخرون لايطبقونه ليس هناك اعلام ولاالزام وهذا خلط بين كلمة (الديمقراطية )وهى كلمة غربية نعرف كلنا اصلها وبين كلمة(الشورى )و(حسن البنا)وغيره من الدعاة .لايقولون (الشورى )معلمة على وجه الاطلاق او ملزمة على وجه الاطلاق هذا خلاف كبير ليس هذا مجاله على كل حال لكن ارجو ان ينتبه اخوانى الى ان قضية الديمقراطية معلمة قضية لامحل لايرادها فى البحث السياسى لانها لامعنى لها .

والخلاصة فيما يتعلق بالبحث الخاص بالاخوان المسلمين انى لااظن ان الحديث عن الاخوان المسلمين سينتهى بهذه الندوة او ينتهى فى قرن او قرنين من الزمان لذلك اسمح لنفسى ان اعود الى حديث الاخ الدكتور الرميحى عندما عقب على كلام الاستاذ فريد عبد الخالق وقال (ان القبول بالديمقراطية .قبول الاخوان بالديمقراطية )يعنى القبول بالراى الاخر .وكانه يضع علامة استفهام بصمته كما يفعله فى مقالاته فى العربى تتضمن السؤال :هل المسلمون يقبلون بوجود الراى الاخر فى الدولة التى يحكمها الاسلام؟ الحقيقة ان الراى الاخر كلمة كبيرة واسعة وتحتمل تفسيرات كثيرة والذى يعنينى _فى زمننا الذى نعيشه وفى حركة المسلمين نحو النهضة والتقدم_هو ان المسلمين اليوم لايمكنهم الاان يقبلوا بالراى الاخر بل ان قصارى املهم :ان يسمح لهم بالكلام وبالتعبير عن انفسهم باعتبارهم هم انفسهم رايا اخر لانهم ليسوا هم الراى السائد انهم الراى السائد فيما بينهم وبين انفسهم فقط. فالمسلمون اليوم فيما اظن يقبلون او يجب ان يقبلوا (الديمقراطية )وسيلة لحكم الشعوب العربية الاسلامية ولست اقول انها مرحلية ولست مفكرا من مفكرى الاسلام حتى احكم على هذا وانما اعتقادى باعتبارى مسلما ولقد اتفقت فى هذا الراى مع الدكتور الانصارى على ان الديمقراطية هى السبيل الوحيد الذى يمكننا من ان نقول قولنا ونسمع كلمتنا . وامر اخر يتعلق بتفصيل مانجزه الاخوان المسلمون ولااريد ان ادخل فى جدل وانما اريد ان اسال سؤالامحددا هل هذه الاشياء التى ذكرت هى وحدها ماقام الاخوان المسلمون من اجل تحقيقه ؟هل اذا حققت التكامل والشمول وحرية الراى والنماذج الصابرة الحية فى المعترك السياسى والجهادى فى اطار اسلامى عالمى وانجبت مفكرين فى المجالات كلها واثرت فى مفكرين لاينتمون اليها ينتهى بذلك سبب وجودها ؟فان كان هذا هو ماتقوله فعليها ان تخلى الساحة لجماعات اخرى تحمل راية الاسلام بعدها لانها لازالت قائمة تناضل وتحارب وتكافح وتكتب وتقول انها تحمل راية تطبيق الاسلام :لكن كيف؟ وباى اسلوب ؟وفى اى اطار ؟هذا مالم نسمعه من مفكريها حتى الان فخلال العشرين سنة الاخيرة وعم مدعوون الى الاجابة ولايستطيعون ان يتنصلوا بانهم لايقولونه لانهم محاربون ولانهم ممنوعون من الكلام ذلك لان تاريخهم كله يقول :انهم يوم حوربوا فى مكان يسمح لهم فى مكان اخر بالحرية وهذا هو احد اسرار استمرار هذه الجماعة والا فان التاريخ قد اذاب جماعات كثيرة بالضغط المتوالى فى كل مكان وكان من حسن حظ هذه الجماعة انها وجدت دائما متنفسا فى مكان ما تقول فيه كلمتها . وانهم الان يتكلمون كثيرا عن التاريخ ولايتكلمون ابدا عن المستقبل ولوكنت من المدافعين عن الجماعات والاشخاص لقلت ان حسبهم منعملهم انهم يدعون امثالى الى سؤالهم ماذا يريدون؟وانهم لازالوا يشعرون الناس بوجودهم ولكن عليهم ان يطوروا هذه الخطوةويتقدموا بها الى الامام فيحددوا مطالبهم ويعلنوها للناس كافة لالتشكيلاتهم وابنائهم وشبابهم لانهم يخاطبون الامة ولايخاطبون المنتمين اليهم فقط.

تعليق الدكتور عبد الحليم عويس_على بحث (الاخوان المسلمون ):

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين وبعد فقد كنت اتمنى من الاستاذ محمد فريد عبد الخالق ان يقدم لنا اطارا منهجيا متكاملا للحركة الاسلامية التى نسميها _او سمت نفسها _بحركة الاخوان المسلمين.ولكنه من واقع انتمائه اليها ركز على تجربته الشخصية _ربما _اكثر من تركيزه على الحركة والحمد لله انه كاد يظلم الحركة لولا انه استطاع فى اللحظات الاخيرة ان ينصفها بعض الانصاف واتمنى ان يكون البحث الذى لم اقراه بعد ليس كافيا لاعطاء هذه الحركة ايجابياتها وسلبياتها بالصورة الصحيحة واحب ان اذكر ان حركة الاخوان المسلمين ليست الاحركة بشرية واجتهادا بشريا ولايزعم زاعم اطلاقا _حتى ولا(حسن البنا)_رحمه الله_انها براء من كل الاخطاء ولعل العمق الزمنى الذى مر بعدها اعطانا __نحن الذين راينا الخيرالكثير فى هذه الحركة _ابعادا اخرى تقويمية لعلها تفيد جيلنا عندما يكتب عنها :هذا مااخذه على اخى الكبير الاستاذ فريد عبد الخالق . اما الدكتور محمد الرميحى فكانت عليه ثلاثة ماخذ :

الماخذ الاول كفانى اياه الدكتور محمد العوا فمصطلح الديمقراطية فلسفة متكاملة لها جذورها وانتماءاتها وكلياتها والاسلام لايقبل هذه الاسقاطات لاتركيبة (اشتراكية اجتماعية)ولاتركيبية (ديمقراطية ليبرالية فردية)الاسلام منظومة متكاملة من المبادئ لكل مبدا كثافة معينة وله حجم معين وله نسبةمعينة فى بناء الاسلام الكلى ولايجوز اطلاقا ان نسقط على الاسلام لامفاهيم شرقية ولاغربية فجزى الله الدكتور العوا خير الجزاء.

القضية الاخرى _قضية عامة _فى علاج اخى الدكتور محمد الرميحى لمواقف الاخوان المسلمين العملية ودعونا نجرب ان نضع انفسنا مكان بعض الذين قادوا حركة الاخوان المسلمين او الذين عبروا عنها فهؤلاء بشر وهؤلاء دعاة وعندما يجدون (اسماعيل صدقى )يظهر شيئا من الخير فانهم يحاولون تعميق هذا الخير والتفاهم معه وعندما ياتى السادات ويطلق المعتقلين ويقول لنفتح صفحة جديدة فكيف نتعامل معه ؟ان السلام علمنا ان من خدعنا بالله اتخدعنا له وعى وفى حصافة نحن لم نكلف بالكشف عن القوب وحركة الاخوان المسلمين على مستوى (اسماعيل صدقى )او مع السادات او مع (الوفد )او عندما قال الهضيبى كلمته المعروفة (دعوة كريمة من ملك كريم )فهى دعوة تحاول التاليف تحاول التركيز على اى نسبة خير موجودة فى اى انسان حتى ولو كنا سابقا قد عرفنا ان هذا الانسان ربما يكون معدوم الخير ولكن نحاول فربما تحركت بذرة الخير فيه . الاخوان المسلمون وقد عاشوا ميادين عاشوا معارك ماكان يمكن ان يرفضوا كل الناس وكل الحكام وهم ليسوا ثورة .

وهناك فرق كبير بين مفهوم دعوة وحركة انسانية .الحركة الاسلامية ملزمة بان تفتح صدرها لكل من يقول انا اريدالخير انا اريد العمل حتى وان كانت تدرك ان هذا الانسان قد يكون صادق القلب الرسول _صلى الله عليه وسلم معروفة قصته _عندما قتل احد الصحابة المشركين وهو يقول (لااله الاالله)عندما رفع السيف عليه :قال له الرسول _صلى الله عليه وسلم هل كشفت عن قلبه؟

بهذا المنظور البشرى_فقط _اريد ان توضع تصرفات بعض اعضاء حركة الاخوان المسلمين على محك انهم بشر وانها دعوة وليس منحقها باسم المنهج الاسلامى ان ترفض كل من يبدو لديه اى مستوى او بذرة خير...هذه نقطة علاجية فى موضوع الاخوان المسلمين او فى علاج اى حركة اسلامية اخرى . وتاريخنا الاسلامى كله ليس تاريخ ملائكة انه تاريخ بشر. الشئ الاخير الذى اختلفت فيه مع الدكتور الرميحى كلمة (اليهودية والصهيونية )فاسرائيل منذ ولدت وحتى اليوم تعتمد على حركةدينية واسرائيل كيان (ايديولجى )كامل لم تات اطلاقا لبواعث اقتصادية او بواعث ارضية ابدا فاليهود كانوا اغنى ناس فى العالم ولكنهم يضعون فى كل دبابة نسخةمن التوراة (الحاخامات )المرور يتوقف لها فى الشوارع كلمات بن جوريون ,كلمات جولدا مائير هى :اننا لم نسد شئيا للتوراة وانما التوراة هى التى اسدت لنا الكثير وترسمهم للتوراة فى كل شئ. اما التعلل بالعلل الاقتصادية فان ذلك يمكن ان يقال عن كل شئ وحتى عن الفتح الاسلامى قال ذلك بعضهم ولكنى اتعقد اننا لم نهزم الان الا بدولة دينية دولة عقائدية دولة ايديو لوجية وحتى لو كانت على الباطل ولكنها ليست دولة سياسية ولااقتصادية . تعليق الدكتور محمد فتحى عثمان: ان حديثى مجرد اشارات سريعة :

1- اعتقد ان النص (دعوة كريمة من ملك كريم)هو (لقاء كريم او مقابلة كريمةمن ملك كريم )ولم تذكر دعوة ولعل اللقاء او المقابلة كانت مثمرة او مفيدة او جرت فيها مناقشات مفيدة .

2- فيما يتعلق بقضية الديمقراطية والانتخاب .اعتقد :انه فى حياة (حسن البنا)كلها ,لم تثر قضية:اهل الشورى _بصرف النظر عن اصطلاح ديمقراطية ملزمة او معلمة ,وانه كان دائما يميل الى الاخذ بالزامية الشورى تطبيقا وفكرا وفى كل شئ. وفى حياته المبكرة وفى مؤتمراته الاولى كان يقول (نحن نريد ان نصلح القانون اما الدستور والمبادئ الدستورية الاساسية فنحن نؤيدها لانها تقرب حقوق الشعب)وقد تقدم هو بنفسه للانتخابات اكثر من مرة كما ان بناء الهيكل التنظيمى انتقل من التعيين الى الانتخاب خطوة خطوة فكانت الهيئة التاسيسية معينة ثم انتهت الى ان تكون منتخبة من جمهور الاعضاء العاملين فى البلاد كلها . وقضية الشورى كونها ملزمة او معلمة انما اثارت بعد وفاة (حسن البنا )حيث بدا نقل رسائل الاستاذ المودودى الى العربية فاثيرت هذه القضية وبدات الاجتهادات فيها ولكن الفكر الرسمى للجماعة ممثلا فى مرشدها الاول والثانى ماوردت فيه كلمة واحدة تقول ان الشورى معلمة .

3- فيما يتعلق بموضوع العنف ,الحقيقة كما قال الدكتور عويس الوقت كان مشحونا بظروف القضية الفلسطينية وظروف احتلال الانجليز لمصر وفى خلال هذا الاستعداد لمواجهة الصهيونيين فى فلسطين او مواجهة الانجليز فى مصر وعندما تحققت مواقف معينة لبعض الحكام المصريين بدا اتجاه استخدام القوة مع الحكام المحليين ولكن لم يثر_فى اول الامر قط وقت اشتعال القضية الفلسطينية _اى تفكير لافكرى ولاحركى فى جواز استخدام القوة داخليا بل _كما اشار الاستاذ فريد _ان تحطيم الحانات _والتى كانت اولا حانات وثانيا فيها تجمعات للجمهور والانجليز اثناء الحرب ظهر من حركة مصر الفتاة (وحسن البنا)كان يعتقد ان هذا التصرف خطا سواء سواء ضد الحانات ام لمقاومة الانجليز

4- بالنسبة للاجتهادات السياسية والموقف من (اسماعيل صدقى )ومن حركة الجيش فنحن لا ندعى العصمة وكل هذه الامور تكتيكية وتقديرية تحدث فيها وجهات نظر وربما غيرت الجماعة وافرادها نظرتها بعد ذلك وقد راوا ان مافعلوه بحسن نية كان خطا . وبهذه المناسبة ادعو كل من يكتب عن هذه الجماعة بمن فيهم ابناؤها ان يعتبروها كيانا حيا ناميا متطورا تحصل فيه اجتهادات وتحصل فيه مراجعات ويحصل فيه الخطا والصواب وليس كل شئ حدث داخل هذا الكيان صحيحا مائة فى المائة فهم بشر يجتهدون وخصوصا فى تقدير التكتيكات السياسية مناقشة الدكتور عثمان سيد احمد: . هناك نقطتان:

الاولى :انى لم اقرا الورقة المقدمة وامل ان اجد وقتا لقراءة الورقة:

والثانية :ماورد فى التعليق على الورقة خصوصا فى النقطة الاخيرة التى تحدث فيها المعلق عن تطبيق الشريعة فى السودان وسؤالى هو :مهما يكن منتوقعنا لتطبيق الشريعة :الايكون تطبيق الشريعة فى نفسه البداية لما نريده منها من نتائج ؟هذا هو السؤال وشكرا. تعليق الدكتور وهبة الزحيلى:

1-نعلم جميعا ان الديمقراطية نظام غربى بدا كرد فعل للنظم الاستبدادية و الديكتاتورية ومثل هذا النظام الذى يعنى حكم الشعب بالشعب او النظام البرلمانى او النيابى او البرلمانى الرئاسى او ماشاكل ذلك من ترقيعات تخفف من حدة الاستبداد و الديكتاتورية هذه الانظمة كلها لايقرها الاسلام ولايصح ان يقال ان الاسلام نظام ديكتاتورى او ديمقراطى او نيابى او برلمانى فالاسلام له نظامه الخاص وله ضوابطه وقيوده ومعالمه واوضاعه كل مافى الامر ان بعض مزايا الديمقراطية من الاعتماد على الشورى _احيانا قالوا انها تتفق مع بعض مبادئ الاسلام.

ولكن هذا لايعنى أن الإسلام نظام ديمقراطي بالمعنى الذي يراد لأن الإسلام أولاً نظام مقيد بدستور قرأني ونبوي عرفنا إياه تطبيق الخلفاء الراشدين وسار عليه المسلمون لذلك ينبغي ألا نخلط بين هذه المصطلحات التي تعيشها أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية والعربية وبين الإسلام ونزج به ضمن هذه الأنظمة ونريد أن نرفع به اخطاء ونريد ان يرضى الحكام مشاعر المسلمين فيقولون ان هذا نظام اسلامى . ولكن كل هذه الانظمة فى الحقيقة مغايرة للاسلام فللاسلام قانون ونظام محدد بالقران والسنة وان الشورى من اسس انظمة الاسلام الاساسية ولها ضوابطها وقيودها ام انها تعدو ان تكون على اراء المتخصصين من علماء الشرع وعلماء الاقتصاد والحرب والدنيا والسياسة وغير ذلك؟

2-ان النظام الديمقراطى الذى يعتمد على تمثيل كل فئات الشعب_فى الحقيقة _لايتفق مع الاسلام لان منهج الاسلام ينيط قضية الاجتهاد بما سمى باهل الحل والعقد فهم المتخصصون المؤتمنون وهم الذين اوجب الشرع والقران طاعتهم (ياايها الذين امنوا اطيعوا اللهواطيعوا الرسول واولى الامر منكم) واولو الامر فى نطاق الاجتهاد هم العلماء بل ان ابن القيم جعل طاعة العلماء مقدمة على طاعة الرؤساء وطاعة الوالدين.

3- الديمقراطية بما شهدناه من عيوبها من صراع فى المصالح والاحزاب وشراء الاصوات وكل هذه القضايا التى صاحبتها نعلم ان الاسلام ارفع من هذه الامور كلها فهو نظام محدد له مبادئه وقيمه التى يجب ان تسود الحياة الاجتماعية والسياسية فهو مجتمع القيم وهو نظام يقوم على بناء المجتمع الفاضل وليس على مثل هذه القضايا النفعية والتى يانف الاسلام منها . لقد كره الناس فى بعض هذه الانظمة الديمقراطية لانها تقوم على رعاية مصالح الاحزاب والاحزاب حقيقة لاتخدم الانفسها ومبادئها هذه مبادئ وضعية والاسلام دين سماوى ربانى . الكلمة الاخيرة حول ماردده الاخوة الكرام من كلمة الهضيبى _يرحمه الله _(لقاءكريم مع ملك كريم )هذه الكلمات لم تثبت ورددتها بعض الصحف وما اكثر الاكاذيب فى الصحف العربية ولذلك ارجوان تحذف هذه الكلمة لانها لم تثبت عن الهضيبى اطلاقا.

مناقشة د.حافظ الجمالي:

من العبث أن يفكر المسلم بعيداً عن الدين الإسلامي،لأن الدين الإسلامي عند كل مسلم هو شيء من ذاته، من وجوده ، من كيانه إذن مهما اغتربنا عن الدين فسنظل فيه، ولذلك أنطلق من هذا المنطلق لأقول ، إن حركة دينية بالمعني الصحيح، يجب أن تلقى ترحيبنا الحار، ولكن في الوقت نفسه أقول : إنّ كل حركة يجب أن تسأل نفسها في وقت ما، ماذا لو أنني لم أوجد؟ أغيرت شيئاً؟ أم لم أغير؟ أو هذا التغير الذي حدث كان خيراً أم كان شراً؟


أما أن تعيش حركة خمسين عاماً تقريباً، ثم لا يبدو أنها حتى الآن حققت شيئاً، ودون أن تقول لنا بماذا أخطأت، وبماذا أصابت؟ فهذا أمر نحب لو أنها تجاوزته.


ثم أريد أن أفهم بالفعل ـ الآن ـ وأنا أحد المواطنين الذين عاشوا مع الإخوان المسلمين مدة طويلة: أشخاصاً، وقراءة لما كتبوا، أريد أن أفهم الآن أين هم مما يوجد في الساحة العربية؟ ماذا يريدون في الوقت الحاضر؟ إنني بالفعل عاجز عن أن أعرف ماذا يطلبون، وأتمنى لو كان في وسعهم أن يضعوا أن يضعوا أمامي صورة لمطالبهم لأقول فيها رأياً، إما معها وإما عليها.
ومناقشة أخرى في حديثي هي:

أظنكم تعرفون جميعاً أن الدين الإسلامي يقول ( الحاكمية لله ) الله هو الحاكم الأعلى، لكن الله وهو الحاكم الأعلى ليس هو الذي ينزل في كل لحظة ويقول افعلوا هذا ولا تفعلوا ذلك، بل وضع مبادئ عامة وقال بهذه المبادئ تحكمون أنفسكم.

وفى المقابل اتخذت هذه الحاكمية لله، يعني تقرير هذه المبادئ، اتخذت ذريعة ضد الديمقراطية إذا شئنا التسمية، ثم فشيئاً صار استبداداً، يعني كل الحكم العربي الإسلامي منذ ولد حتى الآن بدأ ديمقراطياً بمعنى حرية الحكم ثم شيئاً فشيئاً صار دكتاتورية واستبداداً. ونلاحظ أن خط الاستبداد وتزايد الاستبداد رافقه ـ أيضاً ـ خط انحطاط الأمة العربية، وبالتالي شيئان يتزاملان ويترافقان طوال الطريق، زيادة استبداد وزيادة تخلف.

ألم يحن بعد أن نفهم أن حرية المواطن وحرية الحكم للشعب وجعل الشعب هو الحاكم، طبعاً وهو خاضع لأمر الله فيما يتعلق بالأمور الدينية؟ ألم يحن لنا أن نفهم أنه لابد أن يعود الحكم للشعب؟ هذه الفكرة التي نسميها ديمقراطية، لا يصح إطلاقا أن نقول نحن، هذه ليست من الإسلام، فعمر بن الخطاب من أجل أراضي السواد أنشأ لجنة: خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج، وقال لهم أفتوا في هذا الأمر، وهو أيضاً وضع ستة أشخاص من أجل الحكم، واختيار خليفة.
إذاً بدايات الصورة كانت موجودة، أعنى أهل الحل والعقد، فهم ليسوا رؤساء القبائل كما كانوا من قبل، بل كل من يري الشعب أنهم أهل الحل والعقد، فهم ليسوا رؤساء القبائل كما كانوا من قبل، بل كل من يري الشعب أنهم أهل الحل والعقد وليسوا العلماء بالذات، وإذن أنهى القول بعدم الموافقة على أن الحكم الديمقراطي غير إسلامي، أسأل: كيف يكون الحكم الإسلامي وعلى أي الأسس يقوم؟ هذا أيضاً أتمنى لو أفهمه من الإخوان المسلمين، وأقول: بأن كل رفض للديمقراطية الآن يعني بقاء الأوضاع العربية على ما هي عليه، وبالتالي السير في طريق التخلف بحجة أن الديمقراطية ليست من الإسلام.

تعليق الدكتور محمد الرميحي ـ على تعليقات المعلقين:

لقد تحفظت منذ بداية التعليق الأول على ما أردت أن أقوله، فقلت بأن تعليقي سوف ينصب على الورقة التي تجشمت عناء قراءاتها بخط اليد وهي من 144 صفحة تقريباً، وقلت:

1 ـ إن فكر الإسلام من خلال الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الأخرى، ووددت لو أن السيد الكاتب تناول الموضوع من خلال إقناعه للآخرين بوضع الأفكار والممارسات: إحداها ضد الآخر، وإقناعي كقارئ بأن هذه الأمور صحيحة، وتلك الأمور خطأ.

وأعتقد أننا ـ العرب والمسلمين ـ يجب أن نحترم أنفسنا والآخرين،ونقول قولا قريباً إلى الموضوعية، فمع أني أعرف أن الناس على قدر عقولها، وقد تختلف العقول ونفهم بدرجات مختلفة، ولكنني أقول إن هناك منهجاً يجب أن نتفق عليه ، فلا يجوز تعليق إلا بعد قراءة .

2-أنا أعتذر لأنني أخطأت وهذا الاعتذار بأني تحدثت عن "الديمقراطية" وأنا أقصد الشورى وقد قرأت بتواضع شديد كثيراً من كتابات الشيخ (( حسن البنا )) ، وأيضاً في كتابات أخرى، وأنا باعتباري مجتهداً وطالب علم ألتقط بعض الأمور التي أرى أنني أحتاج إلى تعميق رأيي فيها، وأذكر أن كانت ذاكرتي صحيحة أن الشيخ (( حسن البنا )) في كتاب له ـ وصدر مجدداً أخيراً في القاهرة ـ تحدث عن الشورى، وقال أنها معلمة وليت ملزمة.ونحن نتحدث اليوم عن الشورى في بعض تطويراتنا لهذه الفكرة بأنها قريبة من الديمقراطية وهذا اجتهاد، ولا أخفى اعتقادي بأن أحد الحلول لهذه الأمة هو شيء من الديمقراطية ، شيء من الشورى بمعنى المؤسسات وليس الشورى بمعناها العام.

الموضوع الثاني الذي تحدث فيه الأستاذ العظيم: وأنا في حقيقة الأمر لست مدافعاً عن حركة الجيش، وعن ثورة مصر ، فلها الكثيرون الذين يدافعون عنها، ولكنني قلت: إنه في بعض الأوقات قد ندافع عن قضية بحماس شديد ونضر هذه القضية، وأنا قلت ما كتب في الورقة، فلقد تفضل زميلنا وقال:"إن المفاوضات التي سبقت حركة الجيش سنة 1952 م اشتم منها المفاوضون بأن لهم علاقة بالأمريكان".فإذا كان هذا صحيحاً فإني أفهم أن يقال بأن هذا تكتيك، نعم كنا نعرف أن الأمريكان خلف الحركة وكنا نريد التغيير، وقلنا لا بأس. أو أن تقال أمور أخرى ت كما قال بعض الزملاء ـ مثل نحن بشر أو غير ذلك، فهذا ما أريده.

ثن أنى أريد أن أقول بأن الشيخ (( حسن البنا )) وآخرين قد اجتهدوا في إطار الوضع الاقتصادي والاجتماعي في ذلك الوقت للديمقراطية المصرية، أفهم، وأفهم أيضاً رفضه للأحزاب في ذلك الوقت.
ولكني أريد أن أقول بأن هناك مجتمعات تطورت ولديها من الفكرة والثقافة الكثير، ويجب أيضاً أن نحترم عقول الآخرين، هذا هو اجتهادي حول الديمقراطية ، لقد جربنا أمور كثيرة وأعتقد أن الديمقراطية هي شورى المؤسسات، والشورى في رأيي هي مؤسسات منتخبة يقوم الشعب بانتخابها، بحد أدنى من المواصفات الشخصية، لكي يقوموا بما فوضهم فيه الشعب، أريد فقط أن أقول للسيد الكاتب أنه لو قال إن هذا الرأي كان اجتهاداً في ذلك الوقت، والوقت قد تغير، وربما يختلف الاجتهاد ( كما اختلف بالفعل ) لفهمته، ولكنني تحفظت عليه لأنه قال إن هناك فهما بأن الأمريكان خلف الثورة، وبعد ذلك تكشفت صحة هذا الفهم، عن هذا لايفيد الحركة في اعتقادي، بل إنه يضر بالحركة الإسلامية.
أريد أن أقول إننا يجب أن نناقش كل موضوعاتنا، وأنا لم أدخل في موضوع العقيدة وراء الشيخ (( حسن البنا ))، وأنا متفق في هذا الموضوع، ولا أعتقد أن هناك كثيراً من المسلمين أو ولدوا مسلمين يناقش في هذا الموضوع، وإنما نناقش في كيف نطور حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأريد أن أذكر في النهاية، مثالاً قرأته وقد لا يكون صحيحاً ( لقد وقع في يدي كتاب بريطاني صدر منذ أشهر قليلة اسمه ( the reign of Aiat Allah ) وترجمته (( عصر أو حكمة آية الله )) يقول فيه الكاتب( إن الثورة في إيران يعنى الثورة الإسلامية في إيران، قد غيرت رأيها في موضوع البنوك غير ذات فائدة، إلى بنوك ذات فوائد محددة )، وهذا التوجيه أيضاً عند بعض المفكرين الإسلاميين الاقتصاديين ويقولون به.

واني أقول إذا أردنا في حقيقة الأمر أن نبنى بناء صحيحاً، أن نفهم التكتيكات السياسية، ولنقل بأنها تكتيكات سياسية، ولنقل إن هؤلاء البشر أخطئوا في مكان وأصابوا في مكان آخر، وكنت أود أ، يركز البحث الذي انصب تعليقي عليه على هذه النقاط.

تعقيب الأستاذ محمد فريد عبد الخالق على المناقشات والتعليقات: بسم الله الرحمن الرحيم شكراً للأخوة المشاركين وإني لأعتبر هذا الإثراء للموضوع عن طريق المناقشة نجاحاً كبيراً.فكل المقصود أن نستنير، وأن يحتك ببعض فيما يتعلق بالآراء، وليست الفكرة تسجيل مواقف ولا أخذ شهادات، ولا إضفاء قداسات لا على شخص ولا على جماعة، ولا على حركة، وإنما نبحث عن فكرة عظيمة الفائدة تقودنا في محنتنا إلى الخير. ولقد طرحت أسئلة وبعض المعلقين كفاني الرد عليها، وأكتفي بأشياء قليلة أقف عندها. الأسئلة الموضوعية أو المنهجية، خاصة فيما يتعلق بماذا حققت الدعوة؟ والأخطاء التي وقعت فيها؟ حتى نتعلم ولا تتكرر الأخطاء، أما عمّا يتعلق بعلاقة الثورة بالإخوان ،

فهذا شيء أتركه ولا أريد أن أدخل فيه، وأحيله إلى الورق لأني أعلم ما كتبت فهو يقين، ونحن لم نكن نعلم شيئاً من هذا قبل أن تقع الثورة، ولا تكشفنا ذلك إلا بعد أن علمناه من السادات نفسه عندما كتب هذا الكتاب. أو قبله بقليل عن طريق مصادر أخرى. ولكن ما يهمني الوقوف عنده: ما هذه النجاحات؟ وما الإنجازات التي حققتها الدعوة؟ إن هناك ناحية فكرية تتعلق بالمفهوم الشامل للإسلام، والذي كان يحتاج إلى تجلية، ويسري في الأمة ويتسع نطاقه حتى يتبناه العالم الإسلامي، وهذا الشيء أعتقد أنه لايمارى فيه، ولا يجادل أحد في أن تجلية المفهوم الشامل للإسلام تحققت على يد جماعة الإخوان .

الأمر الثاني هو تربية الرجال، لقد تربت أجيال ورجال في هذه المدرسة، ولم تكن الدعوة مجرد فكر على منابر، ولا مجرد كلمات، ولا بحوث في كتب ولا دراسات أكاديمية، إنما كان كل جهد (( حسن البنا )) أن يتربي رجال تربية إسلامية كاملة،تُربّي عقول ونفوس وقلوب وأبدان، حتى إذا جاءت المحن وجدنا رجالاً. ولما جاءت المقاومة الفلسطينية وجدنا شباباً لأول مرة يتسابق وهو من صفوة المتعلمين وخريجي الجامعات، يواجه اليهود ويقدم نفسه شهيداً في سبيل قضية حولها جهد الإخوان من قضية محلية عربية إلى قضية إسلامية عامة،وكان هذا من بين الأسباب التي أثارت ثائرة الأمريكان، وثائرة اليهود أو الصهيونيين.فهذا الجيل الذي تربي أثبت للوجود أن شيئاً جديداً وقع على الساحة العربية والإسلامية، ونماذج بشرية جديدة تجود بأرواحها ودمائها من أجل قضية لم تكن تجد من قبل هذا التقدير. أمر آخر وهو أن فكر هذه الجماعة قدم منهجاً حركياً متكاملاً، فلم يكن مجرد معهد يعلم فيه الإسلام وإنما كانت هناك نواد رياضية، وكتائب، ونظام أسر، وأشياء مختلفة تدرب فيها جيل وارتبطت فيها أعداد تحت مظلة فكر موحد، واتجاه موحد، فكان منهم قوة أعتقد أنها أثرت وغيرت وبدلت وأظن أن هذه الحقيقة لا يكابر فيها أحد. الأمر الجديد بالذكر هو أن فريضة الجهاد لم تكن حية ماثلة حتى تمكنت من مقاومة الانجليز في معسكراتهم وجدوا أن المقاومة الشعبية تحولت إلى حقيقة اقتضتهم أن يفكروا عملياً في ترك وادي النيل، لأنه لا مقام لهم مع تعبئة شعبية، فعالة منظمة، ولأول مرة، قادت الحركة الوطنية وقدمت فيها عطاء عملياً ومؤثراً تأثيراً أحدث شيئين:

1 ـ اضطر الانجليز فعلاً إلى مراجعة تكتيكهم.

2 ـ أوجد النشاط الإعلامي الإسلامي، فلقد نجحت الدعوة في هذا الجانب إلى حد ما، فأحيت لأول مرة جريدة إسلامية تستطيع أن تقدم في ساحة الإعلام الإسلامي إعلاماً له صبغة إسلامية،غير متأثرة بغيرها، وتستطيع أن تناضل تحت مظلة الإسلام. ثم إن هذا الإعلام كانت له رسائله الصغيرة ولكنها في معانيها، راسخة في أسسها وأصولها، وجهود كبيرة في: الشهاب ، وفي النذير وفي مجلة الإخوان المسلمين ،

كل هذه الطاقة من الإعلام، كان فكر الجماعة هو الدافع الرئيسي في تحريكها، وفي مزجها بأسباب الحياة.ولقد استطاعت الدعوة في الفترة الوجيزة من عمرها الذي لم يجاوز العشرين سنة ـ وهى فترة قياسية ـ أن تحقق فكرها وتجعله واقعاً في مجالات عملية، ومؤسسات اقتصادية، ومؤسسات قامت لتنشيط ( الكوادر ) الاقتصادية الجديدة ودفعها وتربيتها لتعمل تحت مظلة الإسلام، وكل هذا كان شيئاً جديداً على المجتمع الإسلامي. وأما فيما يتعلق بقضية الديمقراطية ، فأريد أن أقول: إن الحياة النيابية كانت محل احترام عند (( حسن البنا )) وفي كتاباته شهادة بذلك. وهو يقول: إن الشورى ملزمة، وإن كلامه واضح فيها، وأن الشورى هي أساس الديمقراطية ، كل الفارق بيننا وبين الديمقراطية ـ شئنا أن نسميها الديمقراطية أو لم نشأ، فالعبرة بالمسمى لا بالاسم ـ أننا لا نستطيع أن نقول إن الشعب له السلطة التي يستطيع بها أن يحرم حلالاً أو يحلل حراماً.

فلا يستطيع البرلمان ولا الأمة كلها أن يحل حراماً. وهذا هو الفارق. وإذا تحققت إرادة الأمة في أن تختار حاكمها، وتعزله وتحاسبه تحققت العدالة، وتحققت الشورى، وقامت وحدة الأمة بالإسلام الذي يحفظ لها سر قوتها ولا يريد لها أن تتمزق، فإذا استطعنا أن نحتفظ للأمة بوحدتها، وللشعب بإرادته، وللحاكم بمسؤوليته، وحق الشعب في مراقبته، وعلمنا أن الشعب تحت مظلة البرلمان لا يستطيع أن يحل حراماً أو يحرم حلالاً فسمها ما شئت (( الديمقراطية )) أو غير (( ديمقراطية )) المهم والمعول عليه هو المضمون وليست الأسماء.

وأما التجربة السياسية التي قام بها الإخوان أخيراً من محالفة صدقي أو غيره فنحن في الحقيقة لم ندخل في محالفات إطلاقاً، وإنما كان لنا مع الحكومات موقف معتدل، موقف حكيم، موقف الناصح الأمين، الذي لا ينافق حاكماً وإنما يريد أن يقدم النصيحة خالصة، فالدين النصيحة. فإذا جاء الحاكم من منطلق المصلحة الوطنية، والغيرة الإسلامية فلا بد أن نعطيه فرصة، ولا نقول له لا....أنت قد كنت كذا وصنعت كذا، ولهذا فنحن نصم آذاننا عما يقال، بل نعطيه فرصة، فإن اعتدل أمره أعنّاه، وإن لم يستقم قاومناه، وذلك كان مسلكنا مع جميع الناس، لم نتغير ولم نتبدل، ولم يوجد من يشترى الإخوان ، ولا من يتخذ الإخوان سلماً كبيراً كان أو صغيراًن داخلياً كان أو خارجياً، وربما كان هذا هو الذي جعل الناس يحقدون عليهم.

ومرة أخرى أشكر من تقدمني بالحديث، فقد كفاني الكثير مما كنت أعتزم الخوض فيه ، ولكن أريد أن أؤكد على أن التغيير الذي حصل نتيجة الحركات الإسلامية هو تغيير ملموس، حدث في مصر وأثر في كل مكان، وسواء أكان إسهام الإخوان في ذلك إسهاماً كبيراً أم صغيراً فهو ـ لاشك ـ إسهام قائم غير منكور، فلقد كنا نذهب إلى المساجد فلا نجد فيها إلا الشيخ الطاعن، ونحن الآن نريد أن نصرف العيون عن الشباب الذين يزدحمون داخل المساجد حتى لا يكون لهم من وراء ذلك ضرر يصيبهم على أيدي الحاقدين. لقد تغيرت أمور كثيرة، فالجامعات ما كنا نرى فيها فتاة تعتز بدينها وتعرف كيف تدافع عن نفسها، وكيف لا تتأثر بمفاهيم الغرب، وأنماط الحياة فيه. ونحن الآن نجد الكثرة من فتياتنا متحجبات، وقد عرفن قيمة الفضيلة، وأن الاعتزاز بها، هو اعتزاز بهويتها وبشخصيتها. ولقد كانت الأحزاب في الثلاثينات لا يجرؤ زعيم حزب أن يردد كلمة عن تطبيق الشريعة، ولكن الشارع الإسلامي عندما كانت تجرى الانتخابات الأخيرة كانت تسوده ظاهرة غريبة، وهي أن الجميع بصدق أو غير صدق ـ عن اعتقاد أو تملق، وحتى ترضيا وكسباً للأصوات ـ كلهم قد كتبوا وحتى الحزب اليساري ـ في رأس قائمتهم ـ نطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية. إن تغييراً جوهرياً قد حصل ـ ولاشك في ذلك، وقد كان(( حسن البنا )) بعيد النظر، وكان يؤمن في منهجه بالتدرج، ويعتبر الزمن جزء من العلاج لا ينفصل عنه، وكان طويل النفس ولا يري القفز على النتائج، وكان يأخذ بالتربية ويعتبر نفسه ـ أساساً ـ إنما جاء للتربية.

وإني أذكر أننا عشنا في زحمة في الحرب العالمية الثانية وكثرت عليه التبعات والأعمال وقال لنا ( أريد أن أفرغ لمهمتي الأساسية، التي أشعر أنها هي المهمة التي أنا لها، وهي التربية، فليكن لكم تنظيمكم يقوم بلقاءات ومقابلات، وأعمال إعلامية واتصالات سياسية، وما إلى ذلك، ولكنني معني بتربية الفرد المسلم، وتربية البيت المسلم، حتى تتكون الأمة أو المجتمع الإسلامي، فإن سر التغيير كله سيكون إن شاء الله في نتائج قادمة، عندما يقوم الأساس الراسخ، عندئذ سيعلو البناء ويعرف الناس أن العلاج، وإن كان طويلاً إلا أن ثمرته مؤكدة. وأما الرد على السؤال ماذا تريد الجماعات الإسلامية؟ وهو سؤالاً ليس مطروحاً ـ فقط ـ على الإخوان المسلمين ، ولا على جماعة بعينها، فنحن نريد أن ننسي الأسماء، والفكرة التي نريد أن نثيرها هي: حياة الإسلام والمسلمين، ونحن جميعاً أبناء هذا الدين، ونريد أن نحكم بديننا، وأن ترتفع كلمة إسلامنا، فدعونا لا نفترق حول الأسماء والجماعات فتفرقنا الاجتهادات والفروع والخلافات، نريد أن نتجاوز هذه النعرات الشخصية، والواقف الحزبية، فنحن أهل دعوة، وفرق كبير بين تكوين الدعوة وتكوين الحزب. نحن نريد أن نكون منكم يا مفكري الإسلام، دفعة حية قوية يتأثر بها العالم الإسلامي،فيعيد بناء نفسه، وصياغة وجوده على أنه أمة عظيمة تستطيع أن تكون لها حضارة تليق بدينها ولعظمتها.ويوم تعرف الطريق، وتقودونها أنتم إليه بتوجيه من تجرد من الذاتية، وعلى قلب رجل واحد، وبنظام ومخطط، وبرؤية علمية موضوعية شاملة، تدرك متغيرات العصر، وتعيش الزمن الذي نعيش فيه، وتعرف كل الحقائق.عندها سوف تجدون الأمة تسير وراءكم ويتحول أمر الإسلام من انحطاطه ومن وضعه المتردي والذي سمانا العالم من أجله ـ بالعالم الثالث أو المتخلف ـ نقول سوف يتغير الأمر ونتبوأ المكان الكريم الذي يليق بديننا. أقول تريدون أن تعرفوا ماذا نريد؟ إن الأمر مطروح عليكم جميعاً.

نريد أن تجتمع الأمة التي تفرقت، نريد أن تعرف الأمة هويتها بعد أن ضاعت بين المذاهب الأيديولوجية، والتشتتات الحزبية، حتى فقدت حقيقة نفسها، نريد لهذه الأمة أن تعرف من هي؟ وما هو طريقها؟ وما هي مبادئها؟ وما هي أفكارها؟ حتى تسير وراءها وحتى تحمى هذا التراث، وحتى تحوله إلى حركة وإلى حياة، وإلى بناء أمة، وأنظمة تحكم، ودولة تقوم، وحضارة تسود، وتلك مسؤولية الإخوان المسلمين. وأسأل الله أن يجمع بك، وأن يوجه الأمة لما فيه الخير وأن يجعل هذا اللقاء مثمراً ويعود بالخير على الأمة التي تطلع إليكم في فقرها وذلها وقهرها السياسي، والأوضاع المتردية التي نعيشها كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً وأطفالاً. وأنها وقد ازدحمت عليها أنواع الخطوب وقهرها الأعداء في الداخل والخارج، تتطلع إليكم في هذا اللقاء ليتحول الكلام إلى عمل، وتتحول التوجيهات إلى خطط.

قضية المنهج عند سيد قطب في ( معالم في الطريق )

بقلم الدكتور: جعفر الشيخ إدريس.

أهمية المنهج:

قضية المنهج من أهم القضايا الفكرية التي واجهتها الحركة الإسلامية المعاصرة لأن علاقة المنهج بالحركة علاقة طبيعية وشيجة، فالذي يريد أن يتحرك حركة عقلة رشيدة لا بد له أن يحدد الغاية التي يريد التحرك نحوها، والطريق الذي يسلكه لبلوغ تلك الغاية. ولأنها ـ كذلك ـ من أكثر القضايا التي يبني عليها العمل، والتي يؤدي الاختلاف فيها ـ من ثم ـ إلى اختلاف بين الجماعات العاملة للإسلام، وإلى انشقاقات داخل الجماعة الواحدة.

ولأن الخطأ في فهمها قد يؤدى إلى تطويل الطريق، أو اعتسافة، ويؤدي من ثم إلى دفع أثمان باهظة وفقد ضحايا غالية، وقد يؤدي إلى الخمود والرقود أو اليأس والقنوط، وقد يؤدي إلى الفشل برغم طول المدة وكثرة العمل، إلى غير ذلك من النتائج الخطيرة على سير الحركة. غاية الحركة الإسلامية: قلنا إن الحركة الرشيدة تستدعي تحديداً للغاية وتحديداً للطريق الموصل إليها، فما غاية الحركة الإسلامية في عصرنا؟ يجيب كثير من الدعاة عن هذا السؤال بقولهم" إن غايتنا هي مرضاة الله تعالي. وهذا صحيح إذا كان المقصود به الغاية الكبرى والقصوى.

لكن هذه غاية يبتغيها كل مسلم، سواء كان فرداً منعزلاً في جزيرة أو شعب جبل، أم كان عاملاً في جماعة، وبغّض النظر عن الجماعة التي ينتمي إليها والعصر الذي يعيش فيه والمكان الذي يوجد فيه. هذه الغاية الكبرى تندرج تحتها غايات هي بمنزلة الوسائل المؤدية إليها، والناس حين وينتظمون في جماعة يكون غرضهم ـ باعتبارهم جماعة ـ تحقيق إحدى هذه الغايات الثانوية،﴿ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ (الحج:41) فالمؤمنون يسعون ـ كما يسعي الكفار ـ للتمكن في الأرض لكن غرضهم من التمكن هو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهم يفعلون هذا ابتغاء مرضاة الله تعالي ﴿ لا خير في كثيراً من نجواهم إلا من أمر بصدقةً أو معروفاً أو إصلاحاً بين الناس* ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف يؤتيه أجراً عظيما﴾( النساء: 114). وإذاً فالمؤمن يسعي لتحقيق الغاية نفسها التي يسعي لتحقيقها الكافر، وقد يعمل العمل نفسه الذي يعمله الكافر أو المنافق، لكن المؤمن يعتبر هذه الغاية الأرضية وسيلة لغاية سماوية أكبر، بينما يعتبرها الكافر غاية نهائية، أو وسيلة لغاية أرضية أخرى. ﴿ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساد والعاقبة للمتقين ﴾ ( القصص:83 ).

نعود لسؤالنا مرة أخرى: ما غاية الحركة الإسلامية في عصرنا؟ غايتها أن تتمكن في الأرض لتجعل الحياة في كل أرض تمكنت فيها موافقة لشرع الله تعالى في تصورات الناس العقدية، وشعائرهم التعبدية، وعلاقتهم الاجتماعية، ونظمهم السياسية وأوضاعهم الاقتصادية، وسياسيتهم الدولية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. أهمية كتاب المعالم: كيف تعمل الحركة إلى هذه الغاية؟ هذه هي قضية المنهج التي نتحدث عنها، والتي هي موضوع كتاب المعالم، ذلك الكتاب الذي لا نعرف في تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة كتاباً كان أكثر منه انتشاراً، ولا أقوى تأثيراً، ولا أخطر نتائج ولا أشد رعباً لأعداء الحركة الإسلامية.وقد انقسم الناس حوله ثلاث فئات:فئة قادحة اعتبرته سحراً أسود، ودعوة للظلم، وبرنامجاً للتخريب والإثارة والخروج، وكثرة من الشباب مادحة اعتبرته أملها المفقود، ورائدها المأمول الذي يحدد لها معالم الطريق الذي تسلكه للتمكن في الأرض، وفئة منصفة اعتبرته كالفئة الثانية كتاباً عظيماً لداعية عظيم وأخذت ما فيه من حق وخير واستفادت منه كثيراًن لكنها ظلت تذكر أن مؤلفه ـ مع إخلاصه وسعة علمه ـ بشر لم تكتب له العصمة فأخذت من قوله وتركت. منهج بحثنا: وعلى منهج هذه الفئة الثالثة نحاول أن نسير في هذا البحث القصير فنؤيد الكاتب في ما أصاب فيه: ونفسر بعض عباراته التفسير الذي نراه صحيحاً ومناسباً.

ونستدرك عليه بعض ما يبدو لنا أنه أخطأ فيه. ونستدرك على بعض قراءه بعض ما نراهم أخطئوا فيه، سواء كان لخطئهم هذا ما يسوغه من كلمات الكاتب الشهيد أو لم يكن ذلك وذلك لأن غرضنا هو التعاون على تسديد سير هذه الحركة حتى تبلغ غايتها وتؤتي ثمارها بإذن الله تعالى. غاية الحركة ومنهجها في كتاب المعالم: يستهل الأستاذ سيد قطب كتابه بتقرير أن الحضارة الغربية بشقيها الديمقراطي الرأسمالي والجماعي والشيوعي لم تعد صالحة لقيادة البشرية بسبب إفلاسها في عالم القيم. وأنه لابد من قيادة جديدة تملك إبقاء الحضارة المادية وتنميتها، وتزود البشرية بقيم جديدة جدّة كاملة، وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي، وأن الإسلام وحده هو الذي يملك تلك القيم وهذا المنهج. ولكن الإسلام لا يملك أن يؤدي أهدافه إلا أن يتمثل في مجتمع، بيد أن وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة. فلابد إذن من (( بعث )) تلك الأمة كي تتسلم القيادة، ويتساءل الكاتب: كيف تبدأ عملية هذا البعث الإسلامي؟ وهذا يقوده إلى قضية المنهج التي نحن بصددها.ولعلنا نستطيع أن نرتب خطوات هذا المنهج من شتى فصول الكتاب في الآتي: ـ أول خطوة في طريق بعث الأمة الإسلامية هي:وجود طليعة تعزم علي تسلم القيادة.

ـ الأفراد الممثلون لهذه الطليعة، الذين انسلخوا عن المجتمع الجاهلي، والذين خلصت ضمائرهم من العبودية لغير الله يكوّنون جماعة مسلمة هي التي ينشأ منها المجتمع المسلم.

ـ لابد لهذه الطليعة من معالم في الطريق تعرف منها طبيعة عملها وحقيقة وظيفتها وصلب غايتها ونقطة البدء في الرحلة الطويلة، كما تعرف منها طبيعة موقفها من الجاهلية الضاربة الأطناب في الأرض جميعاً.أين تلتقي مع الناس وأين تفترق؟ وما خصائص الجاهلية من حولها؟ كيف تخاطب أهل هذه الجاهلية بلغة الإسلام وفيم تخاطبها؟ ثم تعرف: أين تتلقي هذا كله، وكيف تتلقي؟ (صـ12ـ). هذه المعالم لابد أن تستقي من المصدر الأول لهذه العقيدة: القرآن و (( معالم في الطريق )) كتب للوفاء بهذا الغرض، وهو موجه لتلك الطليعة المرجوة المرتقبة.

ـ لكي تؤدى هذه الجماعة رسالتها وتتسلم قيادة البشرية، عليها أن تكون كجيل الصحابة، ذلك الجيل القرآني الفريد، لأن القرآن والسنة اللذين خّرجا ذلك الجيل مازالا بين أيدينا، ولم يغب إلا شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ، وغيبة شخصه صلى الله عليه وسلم لا تفسر عدم تكرار جيل الصحابة.

ـ ولكي تكون هذه الطليعة كذلك الجيل عليها أن تسلك المنهج الذي تخرج عليه وهو يتمثل في: أن تستقى من القرآن وحده ولا تخلطه بمنابع أخرى. وأن تتلقى منه لتنفذ لا لتستمع أو تتثقف. أن تعتزل الجاهلية المحيطة بها. أول ما تلقاه ذلك الجيل القرآني، وأهم ما تلقاه من القرآن الكريم هو العقيدة، وبالعقيدة ينبغي أن تبدأ هذه الطليعة الجديدة. العقيدة هي:لا إله إلا الله، وهي تعني رد الحاكمية لله في الأمر كله، وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم. إن أول ما ينبغي أن ندعو الناس إليه هو العقيدة، حني لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، فقد ظل القرآن المكي ثلاثة عشر عاماً يتحدث في قضية العقيدة ولا يتجاوزها إلى شيء مما يقوم عليها من التعريفات المتعلقة بنظام الحياة.لماذا؟ لأن العقيدة هي الأساس الذي تقوم عليه وتنبثق منه كّل تنظيمات الإسلام وتشريعاته. فإذا استقرت العقيدة في النفس استسلمت للنظام حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته. ولأن هذا الدين منهج عملي حركي جاد، ومن ثم فهو لا يشرع إلا لحالات واقعة فعلاً. والقرآن لم يعرض قضية العقيدة في تلك الفترة في صورة ( نظرية ) أو ( لاهوت ) أو ( جدل كلامي ) إنما كان يخاطب فطرة الإنسان (صـ42ـ). ولذلك لم يعرض القضية في تلك الصور وإنما عرضها في صورة تجمع عضوي حيوي وتكوين تنظيمي مباشر للحياة، ممثل في الجماعة المسلمة ذاتها. وكان نمو هذه الجماعة ممثلاً لنمو البناء العقدي ( صـ43/44/45 ). كل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي ولا يتمثل من خلاله هو خطأ وخطر كذلك ( صـ46).

هذا هو المنهج الذي لا يقوم بناء هذا الدين في أي وقت ـ إلا به (صـ47). سر قوة تأثير كتاب المعالم: نستطيع أن نرى في هذه الصورة الموجزة ـ إيجازاً يكاد يكون مخلاً لقضية المنهج في المعالم ـ شيئاً من سر ذلك الاستقبال العظيم الذي قوبل به هذا الكتاب، ولاسيما من الشباب. وشيئاً من ذلك التأثير الذي لم نر له مثيلاً في كتاب حديث. إنه يدعوهم لهدف واضح كل الوضوح وسامق كأعلى ما يكون السموق.

إنه لا يطلب منهم أقل من أن يسعوا لتسلم قيادة البشرية.وهو هدف مغر وجذاب لكل ذي همة من الشباب. وهو مع اعترافه بأن الطريق إلى ذلك الهدف شاق وطويل، إلا أنه يقنع قارئه بأن ليس بالأمر المستحيل لمن عزم علي السير فيع وأعد له عدته.وها هي عدته: إنه قيم جديدة، ومنهج جديد. وكلا الأمرين يملكهما الإسلام ولا يملكهما دين أو مذهب سواه.وإذا كانت الحضارة الغربية قد فاقتنا في المجال المادي فإن التفوق عليها هذا المجال ـ مع أهمية التقدم المادي لوجودنا الذاتي ـ ليس من المؤهلات المطلوبة لتلك القيادة، فها هو الغرب يتراجع عن هذه القيادة برغم امتلاكه لهذه القوة، وسبب تراجعه هو إفلاسه في عالم القيم. وهو يدعوهم إلى أن يكونوا كجيل الصحابة، ويغريهم بأن هذا الأمر ممكن إذا هم سلكوا إليه المنهج الصحيح. وإذا أرادوا أن يكرروا ذلك الجيل، وأن يتسلموا قيادة البشرية فعليهم أن يعتزوا بقيمهم الإسلامية وأن يستعلوا بها على قيم الحضارة الغربية وسائر القيم الجاهلية التي تسود العالم الذي اسلخوا منه. عليهم أن يضعوا قيم الإسلام للناس كما هي، من غير اعتذار ولا خجل ولا تدسس، وأن يصارحوهم بأنها تختلف عن القيم التي اعتادوها، وأن المسافة بعيدة بين القيم الإسلامية وهذه القيم الجاهلية، وأن النقلة من هنا إلى هناك بعيدة. هذه الروح الاستعلائية الاعتزازية القوية هي موضوع بعض فصول الكتاب وفقراته، ولكن الأهم أنها تسري في الكتاب كله وهي في رأيي أهم وأغلى وأبقى ما استفاده الناس من كتاب المعالم. إن هذا الكتاب بهذه الروح يمثل مرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية المعاصرة، قفزت فيها الدعوة من مرحلة المجاملة، والتردد والاعتذار إلى مرحلة المباهرة والتحدي والاعتزاز، ولكن بعض الناس ما زالوا يعيشون مرحلة ما قبل المعالم. قلت إن هذا أغلى وأبقى ما استفاده الناس من كتاب المعالم وإنه لإنجاز عظيم، وإنها لنعمة كبرى على العبد أن يجعله الله سبباً لنقل الدعاة إلى هذه المرحلة الجديدة التي تتطلبها دعوتهم. ولكن ينبغي ألا ننسى فضل الذين سبقوا سيداً، وأن نتذكر أنه لم يبدأ من فراغ، وإنما أضاف لبنات مهمة إلى بناء كان قد وضع أساسه وشيد بعض أدواره دعاة قبله. هذا بعض ما يتجلى لنا من الصورة الموجزة التي رسمناها.

وأما إذا اكتملت الصورة بالرجوع إلى الكتاب، وإلى مؤلفه، وإلى الظروف التي خرج فيها، فإن أسرار أخرى تتجلى. منها: أن الكتاب صيغ بأسلوب يمتاز بالوضوح والقوة والجد والجمال، وباللهجة الصادقة الأمينة؛ يقرؤه الداعية وكأنه خطاب من صديق عزيز يسدي إليه بعض النصائح الغالية. وقد ظاهرت هذه العوامل الداخلية الذاتية لقوة الكتاب معارضة قوية للسلطة الغاشمة، التي كانت بلاد الكاتب تعيش تحت وطأتها آنذاك، وزاد من اقتناعهم بذلك مصادرة الكتاب، ومحاولة الحيلولة دون انتشاره.لكن قوة الكتاب بلغت ذروتها حين رأى الناس كاتبه يلقى الموت مطمئن النفس،باسم الثغر مستعلياً على السلطة الغاشمة، ساخراً منها، فهرعوا إلى الكتاب يقرؤونه أو يعيدون قراءته، وصورة الكاتب الشهيد ماثلة أمام أعينهم، فيحسون أنه كان جاداً وامنياً في كل كلمة خطها قلمه، وتذكر كثير منهم قوله في مناسبة أخرى:إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبّت فيها الحياة. جيل الصحابة: هل يتكرر؟ بعد هذا التلخيص والتأييد المجمل نبدأ في تفصيل بعض ما عنّ لنا من استدراكات على كتاب المعالم في قضية المنهج. إن الكاتب يدعو إلى حركة جديدة يسمي الذين يبدؤونها بالطليعة.مع أنه كان حين كتب هذا الكتاب منتمياً فعلاً إلى جماعة الإخوان المسلمين ،وكان معه بالسجن آلاف من أعضاء هذه الجماعة التي كان رئيساً لتحرير جريدتها،والتي طالما تحدث عن أهميتها وفضائلها ومنجزاتها. يذكر الكاتب ـ عليه رحمة الله ـ في كلماته الأخيرة التي تنشرها جريدة المسلمون اللندنية أنه عمل لتكوين جماعة تكون امتداداً لجماعة الإخوان المسلمون التي حلها (( [[[جمال عبد الناصر|عبد الناصر]] )) وسجن بعض أعضائها.ولكن لماذا اعتبر الجماعة قد انتهت بقرار الحل؟

وإذا كانت قد انتهت تنظيماً فإن أفرادها مازالوا موجودين، فلماذا الدعوة إلى حركة جديدة كل الجدة؟ أظن ـ وأظن ظناً ـ أن تفسير هذا الأمر المستغرب كامن في قضية المنهج، أظن أن (( سيداً )) كان يري أن الجماعة الوحيدة التي يمكن أن تعيد بعث الأمة الإسلامية هي الجماعة التي تتبع المنهج الذي ذكره. وإذا كان هذا المنهج يريد منها، ويمكنها أن تكون كجيل الصحابة فإنها تكون فعلاً جماعة جديدة لاتماثلها جماعة الإخوان المسلمين ولا أية جماعة في تاريخ الإسلام بعد جماعة الصحابة رضوان الله عليهم. يقول الكاتب: " لقد خرّجت هذه الدعوة جيلا من الناس ـ جيل الصحابة رضوان الله عليهم ـ جيلاً مميزاً في تايخ الإسلام كله وفي تاريخ البشرية جميعه. ثم لم تعد تخرّج هذا الطراز مرة أخرى.

نعم وجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ. ولكن لم يحدث قط أن تجمع مثل ذلك العدد الضخم، في مكان واحد، كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة "(صـ14). والكاتب يرى أنه بالامكان تخريج ذلك الجيل حتى في غيبة الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل لعله يرى أن البشرية وقد عادت إلى جاهلية التي أنقذها منها ذلك الجيل لايمكن أن ينقذها الآن إلا جيل مثله. فهل ما قاله الكاتب الفاضل صحيح؟ أصحيح أنه بالامكان إنشاء جيل كامل كجيل الصحابة رضوان الله عليهم؟ أصحيح أن غيبة شخص الرسول صلى الله عليه وسلم لاتفسر عدم تكرار ذلك الجيل على مدار التاريخ؟

إن هناك حججاً نقلية كثيرة بل وحججاً عقلية تدل على أن ذلك الجيل لايمكن أن يتكرر. ولكن دعونا ـ قبل البدء في سرد بعض تلك الحجج ـ ننظر في الحجة التي ذكرها الكاتب الفاضل لتأييد رأيه. يقول الكاتب بعد الفقرة التي نقلتها آنفاً. " هذه ظاهرة واضحة واقعة، ذات مدلول ينبغي الوقوف أمامه طويلاً، لعنا نهتدي إلى سره ". إن قرآن هذه الدعوة بين أيدينا، وحديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهدية العملى، وسيرته الكريمة، كلها بين أيدينا كما كانت بين أيدي ذلك الجيل الأول، الذي لم يتكرر في التاريخ، ولم يغب إلاشخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهل هذا هو السر؟ لو كان وجود شخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتمياً لقيام هذه الدعوة، وإيتائها ثمراتها ما جعلها الله دعو للناس كافة ، وما جعلها آخر رسالة ، وما وكل اليها أمر الناس فى الارض ، الى آخر الزمان.. "ولكن الله سبحانه ـ تكلف بحفظ الذكر ، وعلم أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويمكن أن تؤتى ثمارها، فاختاره لجواره بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الرسالة، وأبقى هذا الدين من بعده إلى آخر الزمان.وإذن فإن غيبة شخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لاتفسر تلك الظاهرة ولاتعللها". (صـ15).

إن مقدمات هذه الحجة لاتؤدى إلى نتيجتها. فالمقدمات باختصار هي: لو كان وجود شخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتمياً لقيام هذه الدعوة لما جعلها الله دعوة للناس كافة، ولما جعلها آخر رسالة، ولما مات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والنتيجة الطبيعية لهذه المقدمات هي: وإذن فوجود شخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس حتمياً لقيام هذه الدعوة أو: وإذن فغيبة شخيصته ـ صلى الله عليه وسلم ـ لاتمنع استمرار هذه الدعوة. وهذه حجة صحيحة، يوافقه كل مسلم على مقدماته ونتائجها. لكن النتيجة التي انتهى إليها الكاتب الفاضل الكبير هي" وإذن فإن غيبة شخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لاتفسر تلك الظاهرة ولاتعللها" يعنى ظاهرة عدم تكرار جيل الصحابة. إن عدم ضرورة وجود شخص رسول الله لاستمرار الدعوة لايعني عدم ضرورته لوجود جيل كجيل الصحابة، فالأمران مختلفان، اللهم إلا إذا قلنا إن الدعوة لاتقوم ولاتؤتي ثمارها إلا بوجود جيل كجيل الصحابة. ولكن هذا سيفضي بنا إلى القول بان الدعوة نفسها توقفت منذ أن انتهى جيل الصحابة لأنه لم يأت بعده جيل مثله، وهو أمر لا يقول به الداعية الفاضل ولا أحد من المسلمين. لو كان كتاب المعالم كتاباً عادياً لاكتفيت بهذا الرد. لكنني أعرف أن حجة الكاتب هذه تأثر بها كثير من الدعاة ولاسيما الشباب، فما أكثر ما سمعت؛ وقرأت تكراراً لها يكاد يكون بألفاظ الكاتب الفاضل. ولذلك فإن الأمر يستحق مزيداً من البيان.إن لدينا نصوصاً صحيحة تدل على أن وجود شخص الرسول كان ضرورياً لتخريج ذلك الجيل، ونصوصاً تدل على أنه كان فعلاً جيلاً فريداً لايتكرر.وإليكم شيئاً من هذه النصوص:

عن أنس قال"{ لم كان اليوم الذي قدم فيه رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء. قال وما نفضنا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا }. هكذا كان شعور الصحابة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيبة شخصه، وكانوا يشعرون بشيء مثل هذا الحين يغيبون عنه وهو حي.ففي حديث طويل (( لحنظله الأسدي )) قال: قلت " ناق حنظلة يارسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قلت يارسول الله نكون عندك، تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا نراها رأى عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد، والضيّعات، نسينا كثيراً.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذى نفسى بيده أن لو تدومون على ماتكونون عندى، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة (( وساعة )) ثلاث مرات. وهذا الذي شعر به حنظلة، وأيده فيه أبوبكر رضى الله عنهما، شعور طبعى فإن الواحد منا يعرف من تجربته أنه يقرأ كلاماً فلا يتأثر به فإذا سمعه من إنسان تأثر به، وقد يسمع كلاماً من إنسان ثم يسمعه نفسه من إنسان آخر فإذا البون بين التأثيرين شاسع.فكيف بمؤمن صادق يسمع القرآن والحكمة من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويري الوحي ينزل أمامه، ويعرف الحوادث والمناسبات التي نزلت فيها كثير من آيات الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، ويري هذا الرسول الذي كان خلقه القرآن ويصحبه ويخالطه ويفهم عنه من غير ترجمان ولا حاجة إلى شروح وتفاسير؟ أفيكون حاله كحال إنسان يقرأ القرآن والسنة من الكتب أو يسمعها ممن الفرق بينه وبين رسول الله أبعد من البون بين الأرض والسماء؟ إن هذا لايكون أبداً.إن الفرق كبير وينبغي أن يكون كبيراً بين جيل شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واقتدى به وتربى على يديه، وجيل لم يره ولا أرى من رآه وإن كان الجميع مسلمين ودعاة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتى على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقولون فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون : نعم فيفتح لهم. ثم يأتى على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم.فيفتح لهم. وعن عبد الله رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال خير الناس قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته. وحقيقة أخرى ينبغى أن نتذكرها عن هذا الجيل: لقد اختارهم الله تعالى اختياراً ليكونوا أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم، فعن (( عبد الله بن مسعود )) قال" إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو سيئ )). جيل الصحابة إذن جيل فريد لايتكرر، ولكن هذه الحقيقة ينبغى ألا تثبط هممنا أو تدعونا إلى الانصراف عن محاولة الاقتداء بهم، بل إنها ينبغى أن تغرينا بهذه المحاولة.فنحن باعتبارنا أفراد نعلم أننا لانكاد نساوى شيئاً بالنسبة لمقام الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكننا مع ذلك نقتدى به ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. فكذلك ينبغى أن يكون جالنا ـــــــ باعتبارنا جماعة ــــــــ مع جيل الصحابة رضوان الله عليهم. علينا أن ندرس تاريخهم ونعرف أحوالهم، ثم نترسم خطاهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.وكلما كانت محاولتنا أنجح كانت النتائج أكبر في مجال الدعوة والتمكين في الأرض والاستعداد لقيادة البشرية. علينا أن نركز على هذا الجانب الإيجابي من كلمات الداعية الشهيد فقد كانت على معرفة قدر أصحاب رسول الله من السمات البارزة لأئمة أهل السنة والجماعة، وكان الاقتداء بهم ــــــ في سيرتهم، وفي فهمهم القرآن والسنة، وفى اجتهاداتهم ــــــــ ديدن هؤلاء الأئمة الذين حفظوا هذا الدين بعلمهم وسيرتهم وجهادهم. فعلينا أن نستفيد من كلمات الأستاذ سيد ضروروة السير على هذا المنوال. الأمة المسلمة.....هل انقطع وجودها؟ إذ أخذنا كلمات المعالم على ظاهرها وحرفيتها فإن إجابته قاطعة عن هذا السؤال هى أن نعم.ولكن هذه الإجابة ليست صحيحة وهى بعد ليست متسقة مع كلمات أخرى في الكتاب نفسه. يقول الكاتب الفاضل: (( وجود )) الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة...فالأمة المسلمة ليست (( أرضاً )) كان يعيش فيها الإسلام.وليست (( قوماً )) كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي...إنما (( الأمة المسلمة )) جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي....وهذه الأمة ــــــــ بهذه المواصفات ـــــــــ قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله نم فوق ظهر الأرض جميعاً.( صـــــــ8 ).

ولكن إذا كانت الأمة التى تحمل هذا الدين قد انقطع وجودها منذ قرون فإن دينها نفسه يكون قد انقطع وجوده منذ تلك القرون. والكاتب الفاضل يدك هذه النتيجة اللازمة عن كلامه ويقبلها ويقررها إذ يقول: " هذا هو المجتمع المسلم. المجتمع الذى تتمثل فيه العبودية لله وحده في معتقدات أفراده وتصوراتهم، كما تتمثل في شعائرهم وعبادتهم، وكما تتمثل في نظامهم الجماعى وتشريعاتهم....وأيما جانب من هذه الجوانب تخلف عن الوجود فقد تخلف الإسلام نفسه عن الوجود. لتخلف ركنه الأول، وهو شهادة أن لاإله إلا الله وأن محمد رسول الله )).

فالكاتب الفاضل يقرر في هذه الفقرة أن تخلف النظام الاجتماعى والتشريعات عن الوجود يعنى تخلفق الإسلام نفسه عن الوجود ويقرر في الفقرة السابقة أن هذا النظام قد تخلف فعلاً عن الوجود والنتيجة هى أن الإسلام قد تخلف عن الوجود. وهى نتيجة نقطع بأنها ليست صحيحة. إن الكاتب الفاضل يقرر أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الكتاب والسنة ولكن ينبغى ألا ننسى أن هذا الحفظ ليس حفظاً متحفياً بمعنى أن تكون نصوص الكتاب والسنة مكتوبة محفوظة من التحريف، أو تكون موجودة في أذهان أناس يرددون كلماتها ولايفقهون معانيها. إن الحفظ يعنى الحفظ من التحريف اللفظى، ويعنى حفظ المعانى، ويعنى حفظ العمل بتلك الكلمات وهذه المعانى. فالقرآن { آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } ( العنكبوت:49) والله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها، والتجديد معناه جعل ما يدين به الناس موافقاً للدين الذى أنزله الله. والله تعالى لايخلى هذا العالم بعد مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم من قائم بالحق. قال صلى الله عليه وسلم " لاتزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لايضرهم من خذلهم حتى يأتى أمر الله وهم ظاهرون )). قال البخارى هم أهل العلم. وقال شيخه على بن المدينى هم أهل الحديث، وكذلك قال الإمام أحمد.والحديث يدل دلالة قاطعة على أنهم يجمعون بين العلم والعمل، فهم ظاهرون غالبون بالحق، ولا يضرهم من خذلهم، وهم كما جاء في بعض روايات الحديث (( لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة ))، فهم إذن لايعلمون الحق فقط ولكن يعلمون به ويدعون إليه ويقاتلون أعداء الله في سبيل الله، إعلاء لكلمة الله.

وكاتبنا الشهيد كان ــــــ فيما نحسب ــــــــ من هذه الطائفة. قال الإمام أحمد فى مقدمة رسالته المشهورة في الرد على الجهمية والزنادقة: " الحمد لله الذي جعل في زمان كل فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم يدعون من ضّل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم ". وإذا كان الإسلام محفوظاً بنصوصه، محفوظاً بمعانيه، محفوظاً في صورة فئة تقوم به، فإنه لم يغب عن الوجود ولن يغيب حتى قيام الساعة.

وإذا كان هو محفوظاً بهذه الطريقة فإن الأمة التى تحمله ــــــــ متمثله في أعلى صورها في هذه الطائفة ـــــــ فإنها أيضاً لم تغب عن الوجود ولاتغيب حتى قرب قيام الساعة. قلت إن أخذ كلمات الكاتب تلك على ظاهرها وتفسيرها تفسيراً حرفياً يقودنا إلى نتيجة ليست صحيحة فى نفسها، وليست متسقة مع ما يقوله الكاتب أو مايلزم من قوله في أماكن أخرى من الكاتب.فهو يقول مثلاً: " إن هذا المجتمع لايقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لاتدين بالعبودية لغير الله.... لاتدين بالعبودية لغير الله فى الاعتقاد والتصور، ولاتدين بالعبودية لغير الله في العبادات والشعائر، ولاتدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع....ثم نأخذ بالفعل فى تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة، تنقى ضمائرها من الاعتقاد في ألوهية أحد غير الله ــــــ معه أو دونه ــــــ وتنقى شعائرها من التلقي عن أحد غير الله معه أو دونه.

عندئذ، وعندئذ فقط، تكون هذه الجماعة مسلمة، ويكون هذا المجتمع الذي أقامته مسلماً كذلك....فأما قبل أن يقرر ناس من الناس إخلاص عبوديتهم لله ــــــــ على النحو الذي تقدم ــــــــ فإنهم لايكونون مسلمين...وأما قبل أن ينظموا حياتهم على هذا الأساس فلا يكون مجتمعهم مسلماً. وأقول إن هذه الكلمات تجعل شرط وجود المسلمين هو أن يقرر ناس من الناس إخلاص عبوديتهم لله بالمعنى الذي شرحه. وهذا الشرط ــــــــ بحمد الله ــــــــ متوفر الآن، وظل متوفراً على مدى القرون في آلاف الألوف من المسلمين. لكن الكاتب يفرق بين وجود المسلمين ووجود (( المجتمع المسلم )) إذ يجعل شرط الأخير أن ينظم الناس حياتهم بالفعل على أساس العبودية بطريقة التي شرحها. وهذا اصطلاح يستحدثه الكاتب، ولا مشاحة فيه مادام عدم قيام هذا المجتمع المسلم لا يسلب عن أولئك الناس صفة الإسلام. أقول لا مشاحة في هذا الاصطلاح يستحدثه الكاتب، ولامشاحة فيه مادام عدم قيام هذا المجتمع الإسلامي لايسلب عن أولئك الناس صفة الإسلام. أقول لامشاخة في هذا الاصطلاح ولاضرر لولا أن بعض قراءة المعالم ـــــــ ولاسيما الشباب منهم ــــــ قد ضخموا مسألة المجتمع الإسلامي هذه وجعلوا قيامه شرطاً في اتصاف الناس بالإسلام، ويلزم من عدمه عدم اتصافه به. وهذا كما نرى اعتقادٌ ليس له ما يسوغه من كلمات الكاتب. ومما زاد الأمر خطورة أن صورة (( المجتمع الإسلامي )) في أذهان أصحاب هذا الرأي صورة مثالية لاتكاد تنطبق إلاعلى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.

إنه لمسلك حميد أن تتعلق همة الداعية بالصورة المثالية للإسلام، وألايرضى لنفسه ولا لمجتمعه غيرها، وأن يظل طول عمره مجاهداً للاقتراب منها، ولكن هذا شيء، واعتبار تلك الصورة المثالية هي الصورة الوحيدة التي يلزم من عدم وجودها عدم وجود الإسلام أو المجتمع الإسلامي شيء آخر.إن المسلك الأول مسلك حميد لأنه يحض الداعية على الحركة والمثابرة. أما المسلك الثاني فإنه وإن كان صاحبه يبدو أكثر حماساً إلا أنه يقود في النهاية إلى نظرة متشائمة.كيف لايتشائم من يعتبر وجود (( المجتمع الإسلامي )) قد انقطع منذ انتهاء الخلافة الراشدة؟ إن سؤلاً ميئساً سيظل يلح عليه: إذا كانت كل أجيال المسلمين بكل ما تعرف فيها من أئمة سامقين قد عجزت عن تحقيق (( المجتمع الإسلامي )) بعد انتهاء عهد الخلافة الراشدة، فمن أنت؟ ومن هؤلاء معك الذين يستطيعون أن يحققوا في القرن الخامس عشر الهجري ما عجزت عن تحقيقه أجيال المسلمين طوال تلك القرون؟ ولكن إذا كانت أجيال المسلمين قد عجزت عن بلوغ تلك القمة السامقة التي صعدت إليها الخلافة الراشدة فإنها لم تعجز عن تحقيق الكثير من مقومات المجتمع الإسلامي:

سلامة في الاعتقاد، واستقامة في السلوك، ومحافظة على العبادات، وإيتاء للزكوات وطلباً للعلم، ونظراً للدعوة، وإقامة للحدود وجهاداً للعدو، إلى غير ذلك من الخير الذي جاء به الإسلام، وإن كان خيراً قد شابه عند التطبيق على مستوى الدولة دخنٌ يكثر حيناً ويقل حيناً. إن من عدم الإنصاف للأمة المسلمة، بل لأية أمة ــــــ أن يحكم عليها بسلبيات بعض حكامها وأخطائهم، وأن ننسى الجوانب الإيجابية والمشرفة في سيرة بعض هؤلاء الحكام، وننسى معها جهود سائرة قادة الأمة وعامتها. إننا لا نحكم على الفرد بالكفر إذا هو لم يكن من السابقين الذين { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون }، ولا نحكم عليه بالكفر إذا هو لم يؤد كل ما يجب عليه، ولا نحكم عليه بالكفر إذا هو ارتكب بعض ما حرم الله عليه. إننا لا نحكم عليه بالخروج عن الملة إلا إذا أتى بما ينقض التوحيد من قول أو عمل. وكذلك ينبغى أن تكون نظرتنا للمجتمعات الإسلامية والحكومات الإسلامية، فمنها مجتمعات سابقة على رأسها خلافة راشدة، ومنها أنظمة لا تطبق كل ما يجب عليها، ومنها أنظمة ترتكب بعض ما نهيت عنه، ولكنها كلها إسلامية ما دامت تقبل البيعة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه صلى الله عليه وسلم وسلم ، وتعلن استمساكها بذلك، ولا تأتى بما ينقض هذه البيعة. ومما ينقضها أن تصدر الدولة تشريعات تحل ما حرم الله. فهنالك فرق بين الخطأ في التطبيق، بل بين الظلم والجور فيه، وبين أن تشّرع الدولة تشريعات مخالفة لأمر الله عن علم بذلك. ولهذا وردت أحاديث كثيرة في الصبر على جور الأئمة وأثرتهم على بعض رعاياهم. ولكن ينبغي إنصافاً لأصحاب هذا التطرف الذي ننتقضه أن نذكر أنه ربما كان رد فعل لتطرف آخر هابط، مثبط، مستسلم لكل واقع، راض بالدون من كل وضع. إن الموقف الصحيح والواقعي العملي هو وسط بين هذين الطرفين، يدرك صاحبه أن الخير درجات بعضها فوق بعض، وأن الشر درجات بعضها فوق بعض.

فبينما هو يعمل لتحقيق الدرجة العليا من الخير، فإنه يعترف بما دون ذلك من درجات الخير، ويشجعها ويعين عليها، ويعتبرها مرحلة من مراحل طريقه نحو القمة التي يسعى للصعود بالمجتمع إليها. كما أنه يفرق بين درجات الشر، فيختار منها ــــــــ عند الاضطرار ـــــــ ما كان أخف ضرراً.

أما الذي يقول إما الخير كله وإلا فلا شيء فإنه سيظل في كثير من أحواله متحمساً لساناً، عديم التأثير فعلاً، يصدر الأحكام على الأوضاع والأشخاص والتحركات ولا يغير من واقعها شيئاً.

الهوامش

1. رواه الأمام أحمد، وقال بن كثير وهكذا الترمذي وابن ماجه جميعاً، وقال الترمذي هذا حديث صحيحاً غريب. قلت:وإسناده على شرط الصحيحين...أنظر النبوية لأبي الفداء إسماعيل بن كثير، تحقيق مصطفي عبد الواحد ج4 ص 544، مطبعة البابي الحلبي. القاهرة 1385 ه ــــــــ 1966 م.

2.رواه مسلم كتاب التوبة ـــــــ 12 ـــــ ( 2750) طبعة محمد فؤاد عبد الباقي.

3. رواه البخاري في كتاب بدع الخلق باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

4. المصدر السابق وروى الحديثين مسلم كذلك في باب فضائل الصحابة.

5. رواه الإمام أحمد عن بن مسعود موقوفاً لكن مثل هذه الأحاديث يعدها العلماء في حكم المرفوع لأن الصحابي لايتكلم فيها برأيه.

6. رواه البخاري ومسلم وبعض أهل السنة بروايات مختلفة عن عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

7. صــ85، تحقيق دكتور عبد الرحمن عميرة ، دار اللواء، الرياض، 1397ه ـــــــ 1977 م.

8. سورة الذاريات: 18،17.


مناقشة الدكتور محمد سليم العوّا لبحث قضية المنهج عند سيد قطب للدكتور جعفر شيخ إدريس والتعليقات على البحث والمناقشة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فقد عهدت إلى بالأمس أن أكون مناقشاً لهذا البحث اللطيف الذي قدمه زميلي وصديقي وأخي دكتور جعفر شيخ إدريس ، حول أهم كتاب في تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة، كما قال، وهو كتاب معالم في الطريق )) ،للمرحوم الشهيد الأستاذ ( سيد قطب ). ولاشك أن الأستاذ دكتور (( جعفر )) قد مر ـــــــ الآن ـــــــ على بحثه مرور الكرام نظراً لضيق الوقت، ورغبة في الإيجاز بل أنه مر في كتابة على كثير من المسائل التي تتضمنها الكتاب، والتي أثارت جدلاً طويلاً منذ كتب الكتاب ونشر، ولازالت تثير جدلاً إلى اليوم، مرور الكرام أيضاً، وكذلك فعل في إلقاء بحثه. وسوف أحاول أن أحصر مناقشتي فيما يتسع له الوقت أو ما يجوز أن آخذه منه، وأبدأ بمسألة جيل الصحابة التي أثرها دكتور ( جعفر ) وقال إنه يخالف الأستاذ /(سيد قطب) في إمكانية تقويم جيل كجيل الصحابة رضي الله عنهم. وهذه المسألة تحتاج إلى وقفة متصلة بالتفسير، فما الذي يعنيه سيد قطب ، أو يعنيه غيره من الباحثين السائرين على دربه حين ينادون أن يكون العاملون للإسلام على مستوى جيل الصحابة أو كجيل الصحابة ؟هل المراد أن يكونوا كجيل الصحابة في العطاء والبذل والفداء ؟ ،أن يكونوا كجيل الصحابة في تصديق الله ورسوله والعمل بأوامرهما واجتناب نواهيهما ؟ ، أن يكونوا كجيل الصحابة تجردا عن زينة الدنيا وزخرفها ؟ ، وتبتلاً في محراب العمل لله سبحانه وتعالى في إقامة هذه الحضارة الإسلامية ؟ ، أم أن يكونوا كجيل الصحابة في الفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا ترجمان ؟ كما ذكر دكتور (جعفر)؟ ، وفى الفهم عن الله سبحانه وتعالى بما أنزل في كتابه دون حاجة إلى مزيد بيان إلا بيان الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ وطبقا لهذا المعنى الأخير يصبح الجيل الذي يقال انه جيل الصحابة ، جيلا من المجتهدين الكبار ، الذين يتعين على كل مستمع لهم أن يتبعهم ، لأن السلف من أهل السنة والجماعة يقولون : إن الصحابة كلهم إمام يقتدي به و يهتدي بهداه وكلهم مقتبس من مشكاة النبوة ، مباشرة .

فإذا كان القائلون بجواز وجود جيل جديد كجيل الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يقصدون هذا المعنى الأخير ، فنحن ـــــــــ قطعا ــــــــ لا نستطيع أن نوافقهم عليه .

أما إذا أرادوا أن يوجد جيل يتمثل سنن الصحابة في البذل والعطاء والفداء ، ويتمثل سنن الصحابة في إطاعة الله ورسوله ، ويتمثل سنن الصحابة في بذل نفسه في سبيل مرضاة الله وإعلاء كلمة دينه ـــــــــ فذلك ما شهده التاريخ الإسلامي على مدار القرون منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد قريب . وإن الذين شاركوا في حروب فلسطين يحكون قصصا تكاد تبلغ مبلغ الأعاجيب ، ولولا أنهم صادقون فيما يقولون لكذبهم كثير من الناس ، إذا فبهذا المعنى ، معاني التماثل والتشابه والعلو إلى مستوى هذا الجيل القرآني جائز أن يوجد ناس كالصحابة .

أما بمعنى الفهم عن الله ورسوله مباشرة ، وإدعاء الكمال الاجتهاد دون التأهل له ، يتصور أن كل إنسان ينضم إلى حركة ما من الحركات الإسلامية وهو قائد للأمة بأسرها يفتيها فتسمع لفتياه ، ويقول لها فتطيع أمره ، فإن هذا الفهم مردود على أهله ولا يجوز أن يدعيه أحد ، ولا يمكن أن يقبله مشتغل بالعلم الإسلامي.

وفي هذا الموضوع نفسه أورد الدكتور (( جعفر )) عدداً من الأحاديث في بحثه لم يستطع أن يذكرها في حديثه منها حديث الصحابي الذي قال:" إننا ما إن نفضنا إيدينا من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا " واستدل بذلك، على أنه لا يمكن تكوين جيل كجيل الصحابة، لأن هذا الجيل شعر بتغيير في نفسه من الداخل بمجرد دفن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا ما فهمته من إيراد الحديث وتعقيب الدكتور عليه. وإنى أعتقد أن لهذا الحديث معانى محتملة أخرى، قد لا تؤدي بنا إلى مشاركة الدكتور جعفر في فهمه، ألا يمكن أن يكون هؤلاء الصحابة قد أنكروا من قلوبهم عدم اطمئنانها كما كانت مطمئنة زمن وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم؟ أم أن انكارهم بالضرورة متعلق بحالة القلب الإيمانية؟ إني أتوقف كثيراً في الحكم بالرأى الثاني وأميل كثيراً إلى القول بالرأى الأول، أى أنهم افتقدوا قائدهم، ومنظم دعوتهم ومبلغهم عن الله عز وجل، فقل اطمئنانهم. ولقد أكدت ذلك الأحداث التي تلت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أما أن يكون إنكارهم متعلقاً بحالتهم الإيمانية، فهذا ما يقتضي وقفة نراجع فيها نص الحديث، وأقوال العلماء فيه. والحديث الثاني الذي أورده دكتور (( جعفر )) في هذا الأمر، هو حديث الصحابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم  :أننا نكون عندك فنشعر أننا في حالة روحية عالية، هذا معنى كلامه، ثم نعود إلى بيوتنا فنلاقى النساء والأطفال فتكون حالنا غير الحال التى كنا عليها.

فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم  :" أنهم لو كانوا دائماً على الحال التى هم فيها وهم معه لصافحتهم الملائكة في الطرقات، ولكن ساعة وساعة يا حنظلة، ساعة وساعة ".هذا الحديث لا يعني بالضرورة عدم إنكار وجود جيل كجيل الصحابة بالمعاني التي ذكرتها ورجحتها لأن الساعة والساعة مطلوبة من كل مسلم، ولكل مسلم على مدار الحياة الإسلامية كلها، لأنه لا يستطيع أن يخلص حياته كلها لجد ولا راحة فيه، ولاهزلن ولا مزاح مباح، ولا رفاهية تروح عن نفسه وقلبه.

والمسألة الثانية التي أريد أن أناقش الدكتور (جعفر) فيها هي مسألة قيام المجتمع الاسلامى على قاعدة العبودية لله وفيها يقول الأستاذ (سيد قطب)رحمه الله ، كما ينقل عنه الدكتور (جعفر) ((العبودية تعنى ، عبودية في التصور الاعتقادي فليس عبدا لله وحده من لا يعتقد بوحدانية الله سبحانه )){وقال الله لا تتخذوا إلهين أثنين *إنما هو إله واحد فإياي فارهبون}(النحل :51)وليس عبدا لله وحده من يتقدم بالشعائر التعبدية لأحد غير الله معه أو دونه ، { قل إن صلاتي ونسكى ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين }(الأنعام :162ـــــــ163).

وليس عبدا لله وحده من يتلقى الشرائع القانونية من أحد سوى الطريق الذي بلغنا به الله سبحانه وتعالى وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله }( الشورى:21).

هذه العبودية قاعدة من قواعد المجتمع الإسلامي، ولمّا كانت في نظر الكاتب الأستاذ ( سيد قطب ) رحمه الله ـــــــ مفقودة في المجتمعات الإسلامية الحالية ، وجب على العصبة المؤمنة أن تنشأ لذاتها عزلة شعورية وحقيقية عن المجتمعات الإسلامية التي تعيش فيها .عزلة شعورية ، تنشأ عنها عزلة كاملة في علاقاته بالمجتمع الجاهلي من حوله، وروابطه الاجتماعية فهو قد انفصل نهائياً عن بيئته الجاهلية، حتى لو كان يأخذ ويعطي من بعض المشركين، فالعزلة الشعورية شيء والتعامل اليومي شيء آخر.

ومسألة العزلة، هذه قد نشأت عنها تطورات فكرية كثيرة ، بالغة الخطورة، نشأت عنها تطورات أدت إلى ما نعرفه اليوم في ظاهرة الصحوة الإسلامية بالتطرف، وإلى ما عرفه الناس بجماعة التكفير والهجرة ــــــــ مع أنهم يطلقون على أنفسهم جماعة المسلمين وكذلك جماعات أخرى كثيرة ، يحفل بها باطن الأرض الإسلامية تظهر حيناً وتختفي أحياناً.

ولقد كنت أتمنى من الأستاذ (( جعفر )) أن يقف عند هذه المسألة، ويبين فيها قولاً يشفي بعض الصدور، ويريح بعض القلوب. ثمن يذكر دكتور (( جعفر )) في أن ما فهمه من أن عدم قيام المجتمع الإسلامي في نظر الأستاذ (سيد قطب )، لا يعني ما يعنيه ظاهر كلامه من انقطاع الأمة المسلمة. فيقول:" إن قول سيد قطب بافتقاد المجتمع الإسلامي وانقطاع الأمة اصطلاح يستحدثه ( سيد قطب )، ولا مشاركة في الاصطلاح ولانعتبره مسؤولاً عما قال به بعض الشباب من اعتقاد بأن عدم اتصاف الناس المسلمين المعاصرين بشروط المجتمع المسلمن يعنى عدم اتصافهم بالإسلام ذاته)). هذا فهم لبعض الشباب لا يقره دكتور جعفر باعتبار أنه لا يستلهم كلام ( سيد قطب ) ولايلزم منه ولايبني عليه. ولكن قرائتي للمعالم، تفيد غير الذي أفاده هذا البحث، فالأستاذ سيد قطب في المعالم يقول بالحرف:" ينبغي أن يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس، لإعادة إنشاء هذا الدين يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم بذلك شهادات الميلاد، يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو أولاً، إقرار عقيدة لاإله إلا الله، بمدلولها الحقيقي. وهو رد الحاكمية لله في الأمر كله)). يقول هذا في صــ35 من المعالم ـــــــ ويقول في صــ36 ( ولتكن هذه القضية، هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام، فإذا دخل في هذا الدين في مفهومه هذا الأصيل، عصبة من الناس، فهذه العصبة يطلق عليها اسم المجتمع المسلم. وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل، يبدأ عرض أسس النظام الإسلامي عليه ، كما يأخذ هذا المجتمع نفسه في سنّ التشريعات التي تقتضيها آياته الواقعية، في إطار الأسس العامة للنظام الإسلامي ) وهذا المنهج يعتبره المرحوم سيد قطب ، هو المنهج الوحيد في العودة إلى حياة إسلامية، بل يسميه في غير موضع من كتابه ( المنهج الرباني في مقابلة المناهج البشرية ) أو الطاغوتية التي يرفضها طبعاً ولا يقبلها. ومن هنا جاءت مسألة الاستعلاء التي عرج عليها دكتور جعفر بسرعة شديدة، لا تتفق وأهميتها، ولا تتفق وأثرها في عقليات الشباب المعاصرين، الذين نراهم كل يوم في المساجد والمدارس والجامعات والذين يصفهم بأنهم يتخذون من الاستعلاء، لا شعوراً داخلياً بالقوة الذاتية والقدرة على تغيير المجتمع الفاسد إلى مجتمع صالح، ولايتخذون من الاستعلاء، شعوراً بأن أسلحة الإيمان، أمضى وأقوى وأبقى من أسلحة الكفر، وإنما يتخذون من الاستعلاء طريقاً إلى نوع من الكبر، حتى على آبائهم وأمهاتهم ومعلميهم ومشايخهم، لأن هؤلاء الآباء والأمهات والمعلمين والمشايخ لا يتفقون معهم في بعض نظرتهم أو كلها، ولا يتفقون معهم في المنهج الذى يتخذونه لإعادة الإسلام إلى الأرض، وهذه السنة في التفكير، وهذه الطريقة في التصور، تحتاج من الدعاة والعلماء والمفكرين والمربين إلى مزيد تبصر ، ولا تعمق فى معالجتها . ولقد كنت أتمنى أن يعرج الباحث على أمرين ، وذلك عندما تحدث عن أهمية كتاب المعالم . الامر الاول أن الاستاذ (سيد قطب)رحمه الله فى نهاية مقدمته للكتاب ، قرر أن هذا الكتاب لا يتضمن كل معالم الطريق ، وإنما يتضمن بعضها ، وهو يسأل الله أن يعينه على إخراج عدد آخر من المعالم . وعلى ذلك يكون ما ذكر فى كتاب المعالم إنما هو ما استطاع (سيد قطب) رحمه الله فى حياته المقدرة ، التى ابتسرت باستشهاده ، أن يقدمه للناس ، ولو عاش أكثر من ذلك أو كان مقدراً له أن يعيش، فربما كان مقدراً له أن يعيش ، فربما كان أخرج معالم أخرى ، تتفق أو تختلف مع ما قد تم ، فلقد عهدناه ــــــــ رحمه الله ـــــــــ رجّاعا الى الحق ، قبّالا بالنقد ، يشهد بذلك النظر فى طبعتى الظلال الاولى والثانية . الامر الثانى ،هو مسألة الظروف التى كتبت فيها المعالم ، بل الظروف التى كتبت فيها الطبعة الثانية من الظلال ، التى استخرجت منها أربعة فصول بالغة الاهمية من فصول المعالم . لقد كتبت الطبعة الثانية من الظلال وكتب المعالم كله بعد محنة 1954 م ـــــــــ1964 م التى تعرضت لها جماعة الاخوان المسلمين فى مصر ، والتى كان ينتمى اليها سيد قطب رحمه الله ، هذه المحنة وظروف السجن الذى قضى فيه عشر سنوات ما أثرها فى فكره ؟ وما أثرها فى تعبيره ؟ وما أثرها فى اختياره للمنهج ؟ وما أثرها فى حكمه على المجتمع داخل السجن وخارجه ؟ ثم ما أثرها فى تأثيره فى هذه الطليعة المؤمنة (كما سماها) وهذه الجماعة من الناس ، ذلك التأثير الذى أشعرهم أنهم وحدهم الامة المسلمة ، وإن لم يكن هو قد سماهم نصاً الامة المسلمة وحدهم دون سواهم لكنّه سماهم فى غير موضع الجماعة المؤمنة والامة المؤمنة .....ألخ هاتان المسألتان كنت أود أن يشير اليها دكتور (جعفر) وليته يفعل حين يعيد النظر فى ورقته تمهيدا لنشأها والحمد لله رب العالمين.

تعليق الدكتور: عبد الحميد أبو سليمان:

إن المرور بسيد قطب ــــــ مرور الكرام ـــــ أمراً يصعب على النفس، لأنه من القلائل الذين يمكن وصفهم في العصر الحديث بأنهم يفكرون في مجال الحركة الإسلامية وفي مجال الفكر الإسلامي، وإذا كنا نشكو من ظاهرة جمود الفكر وقفل باب الاجتهاد، ومن هذا المنطلق اعتبر المرور ( بسيد قطب ) بمثل هذه السرعة أمراً صعباً. وسوف ألمس جانباً معيناً وهو: قضية منهج ( سيد قطب ) نفسه. وفي الواقع أن ما استخلص من كتاب المعالم، وما أثير في وجه قضايا التنظر في الفكر الإسلامي، من خلال فكر سيد قطب...ليس بيت القصيد...فالأزمة في تصورى هي( سيد قطب ) نفسه. وظاهرة التنظير مهمة في الفكر الإسلامي، وعندما ندرس كتبه السابقة لكتاب المعالم، مثل معركة الإسلام والرأس المالية، العدالة الاجتماعية، السلام العالمي والإسلام، الإسلام ومشكلات الحضارة، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، نحو مجتمع إسلامي، في التاريخ فكرة ومنهاج ثم ننتهي بالمعالم، وهي قضية التنظير الكبيرة في قضية العقيدة، وفي قضية بناء المجتمع عندما نفعل ذلك نلمس التطور والتنوع في فكر ( سيد قطب )، وهذا التنوع في ثقافته في غاية الأهمية حيث يمكن ان يستدل في فكر ( سيد قطب ) على أنه يجد عرض العقيدة، والوقوف على قضايا التفاصيل، وعلى قضايا التنظير كل هذا يفهم من منهجه. ويخيل إلى ان هنالك مشابه بين ( سيد قطب ) ــــــ رحمه الله ـــــ وبين الإمام بن تيمية، فكلاهما قمة في التظير وجوهر فكرهما معادلة التنظير، حتى أن بعضهم يروي عن الإمام بن تيمية، أنه قال،" لو استقبلت من أمرى ما استدبرت بالقرآن الكريم . ولقد كان رد الفعل عندى حينما سمعت هذه الكلمة لأول مرة ، لو أن ابن تيمية اكتفى ــــــــ فعلا ــــــــ بالقرآن الكريم ، دون هذا العمق فى ثقافته ، والتحامه بالمجتمع ، لما كان مجتهدا ولكان أحد القراء الكرام فى الحرم النبوى الشريف . فكذلك فكر (سيد قطب)لولا هذا الاتساع فى الثقافة ، وهذا التطور والانتقال ، لما وصل الى قضية التنظير ، فالقول بأن المرحلة المكية كانت عرضاً ـــــــــ فقط ــــــــــ للعقيدة . قول غير صحيح ، فلو نظرنا الى القرآن المكى لوجدنا فيه المعانى البارزة فى المجتمع الاسلامى . وسوف أورد بعض الآيات :{إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى } {أيحسب أن ماله أخلده} {........أم كان ذا مال وبنين} {أرأيت الذى يكذب بالدين فذلك الذى يدع اليتيم} ومن مجمل الآيات ترى أن العرض المكى أعطى الانسانية رؤية معالم المجتمع الجديد . ولقد تأخرت التفاصيل ، لان المجتمع المعاصر الذى نعيشه يمكن قياسه على الفترة المكية، لأن المسلمين لايعيشون رؤية جديدة يتلمسونها عند نزول الوحي، ولديهم تاريخ طويل من تنفيذ الإسلام بصور مختلفة، ولايمكن أن نتحدث فقط عن قضية لا إله إلا الله دون عرض لمعالم المجتمع الذي نريده في العصر الحديث، من خلال العرض....والقضايا التي تواجهنا كثيرة، إذ نسمع عن التصوير هل يصلح أو لا يصلح، الوصول إلى القمر وموقفنا منه ومن يقول: الإسلام رأس مالية والذي يقول الإسلام اشتراكية، وعلى ذلك فالعرض المجرّد، دون أن يكون في هذا العرض أمهات القضايا، والتنظير الأساسي أمر غير ممكن، ثم التفاصيل مثل: كيف تكون التعريفة الجمركية؟ كيف يكون قانون النقد؟ هذه أمور يجب الحديث عنها. الذي أريد أن أقوله أن سيداً رحمه الله كان منهجه يتلخص في الجمع بين الثقافتين، واتساع هذه الثقافة، والتدرج في التنظيرن وعرض معالم الصور الجديدة، وأى فهم لفكر ( سيد قطب ) خارج هذا النطاق هو خطأ وقع فيه تلامذة بن تيمية الذى كان قمة في التنظير، في معرفة ثقافة عصره والانتقال بأمته ولذلك جاء مجدداً بعد قرون ولم يأت مجدد بعده لعدة قرون. فحين يأتي تلامذته، ويرددون أفكاره، دون استخدام منهجه، وينادون بالعزلة فهذا خطأ. ولقد أردت التنبيه إلى إحسان فهم سيد من خلال منهجه وليس من خلال أفكار بعض الذين يتحدثون عنه.

تعليق الأستاذ يوسف العظم:

لقد مرت كتب الأستاذ سيد قطب أو عطاؤه الفكري أو القلمى في ثلاث مراحل:

1. الكتب الفنية، فيما يتعلق بالتصوير الفني ومشاهد يوم القيامة.

2. كتب الانفعال والحماسة في الإسلام، ومنها معركة الإسلام والرأسمالية ومنها كتاب السلام العالمي والإسلام.

3. كتب المنهج، التي في قمتها المعالم، والظلال، والخصائص، وهذا الدين. ولذلك فعند دراسة كتب سيد قطب وإنتاجه لابد من وضوح هذه المراحل لمعرفة كل مرحلة. وأرى أنه من الضروري أن يراجع المفكرون المسلمون فكر الشهيد (( سيد قطب )) حتى ينال من التقدير ما يستحق وليس من المفيد أن نقيم حول فكره سياجاً من التقديس فلا يمس، وحاله من الرهبة حول آرائه، فلا تناقش. وقد قلت في كتابي ( الشهيد ) سيد قطب رائد الفكر الإسلامي المعاصر، حياته، ومدرسته، وأثاره، وكان ذلك عام 1393 للهجرة الموافق عام 1973 م قلت في كتابي ذاك، نحن نقدر الرجال ولا نقدسهم، ومن تقديرنا لهم أن نضعهم حيث يفرض الحق أن يوضعوا، وحيث يحب المنصفون، لأننا نعاملهم بلا قداسة ولا عصمة ولا تنزيل، واختصر المقولة لضيق الوقت، فانقل ما قاله الإمام مالك، وهى كلمة مأخوده من بن عباس أخذها مجاهد عن بن عباس، وأخذها عنهما مالك، كما قال (( السبكي )) في الفتاوى، الجزء الأول صـــ149،{ ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم }.

ونرى أن الخلاف حول فكر(( سيد قطب )) سببه أمران،

الأول: هو الفهم غير السليم لما يقوله (( سيد قطب )) حول معاني الاستعلاء، أو العزلة الشعورية، وهو أمر لم يقصده الشهيد، كما يمارسه بعض الشباب اليوم، إذ لا يكتفون بالاستعلاء على قيم الغرب، كما دعا له الشهيد، وإنما يستعلون على الناس من بني قومهم ومجتمعهم وأهليهم.

والثاني: الأخطاء التي وقع فيها الشهيد وهو يقدم تراثه الرائع وعطاءه المبرور، حيث دعا إلى اعتزال معابد الجاهلية وعنى بذلك مساجد اليوم، وفي حديثه عن دار الحرب ودار السلام، كان متطرفاً إلى حد أنه لم يترك للمسلمين بقعة في الأرض يتحركون فيها ويعملون. ومن هنا فإني أرى وهذا اقتراح أقدمه لهذه الندوة المباركة، أن يعمل فريق من علماء المسلمين المقدرين لفضل المفكر المؤمن، المحبين للحق، على إقامة حلقة أو لجنة لدراسة فكر الشهيد وتهميشه، في كتابيه، المعالم والظلال. والشهيد رجّاع إلى الحق في أكثر من موقف، عندما رُوجع في أكثر من موضوع غير أنى لقيت في مقابل اقتراحي هذا الذي قدمته في كتابي الذي أشرت إليه منذ أكثر من عشر سنوات، أقول لقيت استهجانا من البعض، ورفضاً لأن يستجيب أحد لمراجعة فكر الشهيد، وتبصير الشباب بجانب الخطأ فيه، وجوانب الصواب الكثيرة. إلا أن هذا الذي أشرت إليه لا يمكن بحال أن يقودنا إلى إنكار ما قدمه الشهيد من فكر وعطاء وجهد في معظم كتبه، ولا يجوز بحال أن يظلم، كما ظلم الإمام (( على )) من فريقين من الناس: فريق كفروه، وبعض الغلاة أّلهوه. لا يجوز أن يظلم سيد قطب من أمته، فريق يقدس فكره، وفريق يحاول النيل منه. والحقيقة أنى أعرف جوانب منها وقد سمعتها على لسان الشهيد، وقد لازمته فترة في مصر ، وهى أنه كان يحيل بعض الأخوة السائلين في مجلسه، إلى بعض الإخوة الفقهاء الذين يعرفون من أحكام الشريعة أكثر مما يعرف. فهو ليس فقيهاً يرجع لكل مقال قاله، ولا هو أديب فحسب بل هو مفكر إسلامي فتح الله عليه.فقدّم فكره العميق، بأسلوب أدبي مشرق مع ما لهذا الفكر من إيجابيات عظيمة، سلبيات لابد للحركة الإسلامية الواعية الأم أن تتداركها ،وتشير إليها لئلا يزداد تخبط الشباب، ويكبر الشقّ في الصف الإسلامي الواحد.

تعليق الدكتور وهبي الزحيلي:

لقد استمعنا في هذه الفترة الطيبة المباركة إلى بحثين عظيمين، ولكنى قد استوقفنى إزاء تحديد الفكر الإسلامي، وكأن الاتجاه يتجه إلى حصره في مفهوم العقيدة والقضايا العامة، وكأنهم يعزلون الفكر عن نطاق الاجتهادات الإسلامية التي مثلتها أعمال الأئمة العظام، من فقهاء المذاهب، وكأن الفقه مراد له ألا يكون من أنماط هذا الفكر.

مع أن الإسلام لم تتضح صورته، ولم تبرز معالمه ولم يكتب له الخلود، ولم تعرف صلاحيته للتطبيق في مؤتمرات العالم المقارنة للقوانين والأنظمة والتشريعات، إلا عن طريق الفقه الإسلامي. فكيف أستطيع أن أقبل ما أشار إليه ضمنا الأخ (( يوسف العظمة )) من أن المرحوم ( سيد قطب ) كان يحيل إلى الفقهاء، وكيف أقبل ما سمعته من الأخ الدكتور (( جعفر )) من أن تصورات الفقهاء واستنباطاتهم كانت بمثابة استنبات البذور في الهواء، إني لا أقبل وأرفض كل هذه الفكرة أسلوباً ومنهجاً، وإن له كتابات كثيرة في هذا الموضوع، تُقصى الفقه وتبعده عن القيام بأي عمل حتى تقوم دولة الإسلام، وعندئذ يأتي عمل الفقهاء. لا يمكنني أن أقبل مثل هذا التصور من المرحوم (( سيد قطب ))، وحتى أن بعض من يتحمس لأفكاره يعادون فكر الإسلام من هذه الزاوية. لا يمكننا أن نفصل الإسلام عن هذا الاجتهاد العظيم، لأننا لا بد أن نبحث قضايا العصر، ومن الذي يبحثها؟ أليس هم الفقهاء؟ أليس الفقه هو الذي يتصدى لبحث الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟

ثم إني لم أجد في بحث الأستاذ (( محمد عبد الله السمان ))، ولا في كلام الأخ الدكتور (( فتحي عثمان ))، إشارة من ناحية الفكر إلى فقه الإسلام و كأنهما حصرا الفكر في زاوية معينة هي زاوية العقيدة. ولا يمكنني أن أقبل بأي حال من الأحوال تلك المقولة ( لو استقبلت من أمري ما أدبر ما اكتفيت بالقرآن ) لأن هذا مناصر لدولة حالية تقول الآن بضرورة الاكتفاء بالقرآن سمعنا عن رئيس دولة، أنه ينكر السنة علانية ويكتفي بالقرآن تشريعاً، والقرآن ليس فيه إلا قلة من أحكام، وليس فيه إلا مجملات، صحيح أنه قابل للتأويل والتصور، ولكن دون سنة فسوف نخطئ الطريق وبدون فهم السلف الصالح سوف نخطئ الطريق في فهم القرآن وحدثوني، أي حكم نطبقه الآن دون سنة؟ ودون فقه ودون الاستعانة بهذا الفكر العظيم الذي مثله عمالقة الإسلام؟ ولا يمكن أن أقبل تلك العبارة التي هزت كل كياني وهي: (( أن مساجد اليوم، معابد الجاهلية )) لم أفهم هذه العبارة ولم أعرف ما مدلولها؛ أصبحت المساجد هي معابد الجاهلية؟ثم إن الأخ (( محمد عبد الله السمان )) قد وقع في خطأ عندما صّور الخلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي، فكل من أهل الرأي وأهل الحديث لم يقصر جهده لا على الحديث وحده ولا على الرأي وحده.وإنما كان كل واحد منهما يعمل بالحديث وبالرأي معاً ولكن غلب على أحد الاتجاهين العمل بالحديث، وغلب على الآخر العمل بالرأي، وليس الرأي هو ما نعرفه اليوم بالفكر المحض، وإنما هو رأي يستمد أصوله من روح التشريع الإسلامي، ومبادئه العامة، فهو لا يكاد يخرج عن دائرة النص وإن سمّي رأياً. وأنبه إلى الأخ الأستاذ السمان قد أورد في آخر حديثه، قولاً نسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو " لا يزال الرجل عالماً ما زال يطلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل " وهذا ليس حديثاً وإنما هو قول لبعض علمائنا وأئمة الاجتهاد فينا، فأرجو تصحيح ذلك، حتى لا ننسب إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم ما لم يقله.

تعليق الدكتور عبد الحليم عويس :

انى أقدر الظرف التاريخى لتلك الكلمات التى قالها الدكتور( جعفر شيخ ادريس ) حول انبتات أو انقطاع شأن الفقه فى حضارتنا على الرغم من كل ذلك الحماس الطيب الذى قدمه لنا أيضاً صديقنا الدكتور ( وهبة الزحيلى ) باعتباره فقيها والمبررات هى :

أولاً : إنه فى فترة طويلة من التاريخ انفصل الفقهاء عن الحياة وانفصلوا عن المجتمع وعكفوا على جزيئات صغيرة أفنوا فيها أعمارهم ، وكان لى بحث ـــــــــ كتبته للاسف الشديد ــــــــ عن ضرورة اعادة شأن الفقه فى بناء حضارتنا ، فما يقوله الدكتور ( وهبة ) قد ينطبق على شخصيته وعلى الفقهاء الناضجين من أمثاله ، والذين ما برحوا يربطون ما بين هذه الفرعيات التى تناثرت والتى أصبحت شغلا شاغلا شغل أعمار طاقات كثيرة حسبت على العمل الاسلامى ،وظلت تتراوح ما بين الرأى و الرأى المضاد والترف الفكرى الذى شغل حضارتنا دهرا طويلا .

هذه الجزيئات إذا ما ارتبطت بالاصل وقعدت تقيعدا خاصا والتحمت بالابنية الكلية للمجتمع ....فى ذلك الوقت نقول عنها كل ما قاله الدكتور ( وهبة الزحيلى ). ونحن جميعاً نحس بما وقع فى المحاولة المعاصرة لاسلمة الاقتصاد ، والدكتور يوسف القرضاوى خير العالمين بهذا وبالمعاناة الشديدة ، وأنا بصفتي صحفياً إلى جانب شغلي بالعمل الإسلامي ، أعلم أنهم في المصارف الإسلامية يعانون الأمرين للجمع أو لإحداث الازدواجية المتكاملة بين الفقه والاقتصاد المعاصر .لماذا؟ لأن هؤلاء الاقتصاديين لم يتعلموا الفقه، وهؤلاء الفقهاء لم يرتبطوا بالتطورات الاقتصادية والمصرفية التي وقعت في القرون الأخيرة. فالكلام إذا ما أخذناه بهذا المنظور فهو نقد ذاتي، ومحاولة للتوجه السليم، كي يعود هذا البناء الفرعي المتناثرــــــ البناء الفقهي ــــــــ وأنا الحمد لله من المشغولين به ـــــــ إلى شأنه الحضاري، وينسجم مع الكل، ويرتبط بالرؤية الشاملة، وتتكئ عليه (( الأيديولوجية )) الإسلامية المتكاملة، وهو تعبير أرجو أن نبتعد عنه جميعاً وإن كنت قد اضطررت لاستعماله.

النقطة الثانية: أنى لست مع أخي الدكتور (( جعفر شيخ ادريس )) فعنوان البحث، كان يمكن أن يكون (( كتاب المعالم في الطريق ــــــــ دراسة تقويمية، وصلة هذا الكتاب بمنهج سيد قطب ، وإنه لمن القصور الشديد، ومن الظلم لــ(( سيد قطب))، هذه ظروف نفسية سيئة جداً في حياة (( سيد قطب ))، هذه الظروف كانت ضاغطة جداً، وأخونا الدكتور عبد الحميد قد كفاني مئونة أن أعدد الكتب الأخرى والمراحل التي تمثلها كتابات (( سيد قطب )). كان يجب أن يتحدث الدكتور جعفر عن القضايا الكبرى منهجياً، ويبين رأى (( سيد قطب )) فيها، رأيه في تطبيق الشريعة، في الحضارة، في التاريخ ، وله فيه كتاب التاريخ فكرة ومناج )) رأيه في الاقتصاد الإسلامي من خلال العدالة الاجتماعية، ومن خلال معركة الإسلام والرأسمالية وما إلى ذلك؛ ثم إن أفكار محمد قطب إلى حد كبير تدخل مع الشهيد (( سيد قطب ))، لأن الشهيد كان يحيل إلى محمد بعض الكتابات التي يريدها، ويعجز وقته عن إسعافه.

فسيد قطب ليس فرداً، بل هو منهج، هذا المنهج له أبعاد، طولية وعرضية.

بقي أن أفسر الحديث الذي أورده أخي الدكتور (( العوا )) أعني قضية: إنكار القلوب التي قال عنها الصحابة، وفي فهمي، أن القضية ليست أنهم أحسوا بفجوة بين حياتهم في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده ـــــــ لا! القضية كما كنت أفهم الحديث، وقد يكون فهمي خطأ أو صواباً ــــــ أنهم يستغربون كيف طاوعتهم قلوبهم فقاموا بدفن الرسول صلى الله عليه وسلم فالقضية ليست لها علاقة أبداً بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مرحلة لا يمكن للصحابة الذين تربوا على يديه أن يتكرروا في التاريخ.

أولاً: إنهم يلومون أنفسهم، كيف هان علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو كيف طاوعتنا قلوبنا حتى ندفن الرسول صلى الله عليه وسلم .

أما قضية ساعة وساعة ولصافحتكم الملائكة والتي قالها الرسول صلى الله عليه وسلم لحنظله، فهي قضية لا علاقة لها بهذا. لأن هذه القضية كلنا يعيشها. فحين يكون أحدنا في المسجد منساباً مع فقيه عالم جذبه، يكون في حالة من الانتشاء الروحي ومن التجاوب النقي تختلف عن حالته عندما يخرج للحياة العامة، والله الموفق.

تعليق الدكتور يوسف القرضاوي:

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: فحديثى هو تعليق على بحث الأخ الدكتور " جعفر شيخ ادريس" ومناقشة الأخ الفاضل الدكتور" محمد سليم العوا"له وذلك حول ما يتعلق بالشهيد العظيم – سيد قطب , وأفكاره وقضية المنهج عنده, خاصة فى كتاب المعالم والحقيقة أن الأمر ليس أمر كتاب " المعالم" فما" المعالم" إلا قبسات من " الظلال" فالأصل هو" الظلال" وليس المعالم" بعض الناس يقولون إن الأمر مجرد هامش على كتاب المعالم ويذكرونه فى الحواشى, والأمر ليس تحشية فى موضع أو موضعين أو عشرة أو عشرتين, أو مئات المواضع هذا فكر يسرى فى الكتب مسرى العصارى فى الأغصان ومسرى الدم فى الجسم, والمسألى ليست كما يقول أخى: الأستاذ " يوسف العظم" إنها تتعلق باتجاهات, وهذا اتجاه, والرجل صاحب اتجاه, وصاحب مدرسة, وهذا الاتجاه يجب أن يقوم, ولا تستطيع أن تهمش إلا إذا كانت المسألة جزئية وإنما هو صاحب أفكار متسلسلة مرتبط بعضها ببعض. الأمة الإسلامية انقطعت من الوجود.

وهو له رايه المتطرف فى مسألة بنى أمية, وعثمان وغيره ورد عليه الأستاذ " محمود شاكر" من قديم فى مسألة الصحابة, ولا تسبوا أصحابى, ورأيه فى المجتمع افسلامى على طول التاريخ, ورأيه فى المجتمع الحالى, وإنه لا يوجد على وجه الأرض مجتمع مسلم قط, فى أى بلد من البلاد, حتى المجتمع الذى يعلن ارتباطه بالإسلام, ويقول إن المجتمع – جاهلى, وكنت أظن أن كلمة مجتمع جاهلى تعنى مثلا جاهلية التبرج, تبرج الجاهلية أو جاهلية الجمية, لا كما يقول الشرك والكفر وهذا فى الظلال فى عشرات المواضع.

ودعونا نتكلم بصراحة: إن من حق الأجيال المسلمة أن تعرف هذا الأمر على حقيقة ولقد كنت لا أعرف هذا, كنت قد قرأت سيد قطب القديم, وسيد قطب مراحل, هناك" سيد قطب" فى المرحلة الأولى, وهى مرحلة الأديب الناقد, الذى كان ينتمى إلى مدرسة " العقاد" وكان مبهورا بلاغة القرآن, وظهر هذا فى كتب التصوير الفنى ومشاهد القيامة فى القرآن, ومرحلة " سيد قطب" المعجب بنظام الإسلام والداعى إلى عدالته ونظامه وخير ما يصور هذا " العدالة الاجتماعية" ومرحلة" السلام العالمى والإسلام" ومرحلة" معركة الإسلام والرأسمالية"وفيها كتب فى التاريخ ( فكرة ومنهاج) ودراسات إسلامية, ومقالات مختلفة"ثم المرحلة الثالثة وهى المرحلة التى بدأت فى السجن ونقول:-الآن – إنها كانت لظروف نفسية معينة- يعيشها هو, ويعيشها المجتمع الإسلامى كله, نتيجة لتسلط الطواغيت وظهور الكفر ووثبة الشيوعيين إلى أجهزة الإعلام وغير ذلك. فى هذا الوقت الذى كان يعذب فيه كل من يدعو إلى الله, ويدعوا إلى الإسلام فى حين تفسح المجالات للآخرين الذين ينكرون الإسلام, جهرة وعلانيةو فى هذا الوقت كتب " سيد قطب" كتاباته, وهى فى الظلال أساساو فاستخرج منها" المعالم" – و سيد قطب " فى هذه الكت مرحلة آخرى, ولذلك حكى بعض الناس أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما كتب كتبه القديمة وأن أحدهم قال له: غذن فأنت كالشافعى, لك مذهبان, جديد وقديم؟ قال: نعم ولكن الشافعى غير فى الفروع وأنا غيرت فى الأصول, أصول التفكير, لأنه بدأ يفكر فى أن المجتمع – الآن – غير مسلم, مجتمع جاهلى والناس غير مسلين ولذلك يقول وإن كانوا يدعون أنفسهم مسلمين أو يسمون أنفسهم مسلمين, أو ما يسمونه العالم الإسلامى, فمثل هذه التعبيرات موجودة منتشرة فى كتبه التى كتبت فى تلك المرحلة وراح الذين تتلمذوا عليه يرددون التعبيرات نفسها. وغنى ما كنت أعرف هذا حتى جاءتنى رسائل تتكلم عن الموضوع الذى أشار إليه الأخ الأستاذ " يوسف " أعنى مسألة معابد الجاهلية, لقد أرسل إلى طلاب يدرسون فى القاهرة من اليمن وغيرها, عما جاء فى الظلال فى سورة يونس( وأوحينا إلى موسى وأخيه ان تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلو) والتى انطلق منها الشهيد قائلا:" اعتزلوا معابد الجاهلية واعكفوا على أنفسكم " وفهم منها هؤلاء أن المساجد التى تتبع السلطات" الجاهلية" ويشرف عليها موظفون إنما هى بيوت للشرك. ولقد اضطررت أن أرد على هذا الكلام وذلك من سنين طويلة, ولكن القضية كلها تتفرع من قضية: هل الناس الذين من حولنا مسلمون أم لا؟

هذه هى القضية الأساسية التى ينبغى الوقوف عندها . إن الأه الدكتور " جعفر" وقف فى مسائل يمكن أن تؤرل مثل: مسألة جيل الصحابة, فهذا أمر يمكن أن نقول فيها إنه يمكن أن يوجد مث جيل الصحابة أو قريب منه, فهذه قضية حكى الخلاف فيها, بين " ابن عبد البر" والجمهور فى : هل يمكن أن يكون بعض الناس فى عصرنا هذا أو ما بعد عصرنا يساوى الصحابة او لا؟ هل تفضل قرن الصحابة تفضيل للمجموه؟ أو تفضل للجميع أى فرد لكل فرد فرد؟ ابن عبد البر يقول: يمكن أن يأتى بعض الناس فى عصر متأخر مثل الصحابة أو مثل بعض الصحابة, واستثنى طبعا المبشرين بالجنة, والسابقين الأولين،وأهل بدر وأهل أحد ,وأهل بيعة الرضوان , وقال يمكن بعد ذلك أن يأتى ناس أفضل من بعض الصحابة. فهذه قضية معروفة من قديم وهى قضية والمشكلة هى قضية المجتمع الجاهلى وما يترتب عليها: إننا يجب أن نعرض على الناس العقيدة لا نعرض أسس النظام الإسلامىو فهم لم يسلموا, فغكيف تعرض عليهم أسس النظام وتفصيلاته, فالعقيدة أولا. يجب أن يفهموا أن لاإله إلا الله بمعنى الحاكمية, هذا ما يدعوا إيه.

ولذلك كما قال الدكتور " الزحيلى": كيف يمكن – فعلا – الاجتهاد لوضع حلول للمشكلات العصرية للإقتصاد الإسلامى مثل التأمين والبنوك وغي ذلك. هذه الفكرة فى كتاب المعالم" فى عدة صفحات كما ذكر الدكتور " جعفر" وأيضا الحديث عن الفقهاء واستنبات البذور فى الهواء وذكر هذا بتطويل أكثر فى حوالى العشرين صفحة فى " الظلال". وفى كتاب الإسلام ومشكلات الحضارة) تكلم عن هذا أيضا وأعلن أن الذين ينادون بتجديد الفقه الإسلامى, وتطوير الفقه الإسلامى, هؤلاء الناس الطيبون السذج الذين يريدون أن يجتهدوا لمجتمع لم يوجد بعد, وحينما يولد المجتمع الإسلامى يمكن أن نجتهد له وقيل إن الذين يستفتون فى أمور الإسلام كلهم هازلون, والذين يجيبونهم هازلون, وليس من الواقعى ومن الإيجابية فى شىء أن نستفتى الإسلام ونحن نخرج لسانا له.

وهذا فى الحقيقة تجميد وتغيير, فهنالك ناس كثيرون يستفتون, ويريدون أن يعرفوا الحلال من الحرام, يريدون أن يعرفوا, البنوك وما بها فماذا نفعل؟ التأمين ماذا نفعل فيه؟ وهل توجد بدائل شرعية؟ لمذا لا نجتهد كما قال الأخ الدكتور عويس؟ فلماذا لا نضع حلولا؟ إن هذا كله مبنى على فكرة مركزية, هى فكرة أنه لا يوجد مجتمع مسلم, وأن المسلمين الذين يدعون أنفسهم مسلمين, هؤلاء ليسوا مسلمين لأنهم موالون للجاهلية الحديثة. ولذلك يجب أن يقوم كل هذا الفكر؟ إن " سيد قطب" قدم الكثير للفكر الإسلامى, وقدم بعد ذلك دمه وعنقه فى سبيل الله. وهو مجتهد أصاب أم أخطأ. هو مأجور على الإجتهاد ولكنه ليس معصوما كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا النبى صلى الله عليه وسلم ولهذا فمن الإنصاف " لسيد قطب" ومن الإنصاف للفكر الإسلامى, ومن الإنصاف للحركة الإسلامية, ومن الإنصاف للمسلمين, ومن الإنصاف للإسلام نفسه, أن نقوم فكر" سيد قطب" الآن وبعد أن مضت مدة على استشهاده’ لأن أى كلام قبل ذلك ربما أعتبر كأنه انضمام إلى خصوم" سيد قطب" ولكن بعد مضى هذه السنين يمكننا أن نراجع تفكيره, وإنتاجه, ونقومه بميزان الكتاب والسنة, وبميزان الصول التى عندنا ونسأل الله أن يغفر له ويرحمه, ويجزيه خير ما يجزى العاملين المخلصين للإسلامو وأن يغفر لنا جميعا .

وشكرا. والسلام علكيم ورحمة الله ةبركاته.

تعليق الدكتور عبد الله العجلان:

إن التوجه إلى الأفراد, وإشاعة التربية الإسلامية بينهم هى التى تفزز ما نهدف إليه, فيأتى الهدف تاليا أو يتأتى الهدف بعد التربية وبعد التأسيس أليس هذا أفضل؟ أطرح هذا كسؤال؟ الأمر الثانى أن المنهج فيما تفضل به الباحث الأول جعله يذكر أصول العقيدة( مجملة) إجمالا مختصرا لم يتناول شيئا من تفصيلاتها الأساسية, أليس فى طرح المنهاج سواء أكان منهاج سيد قطب أو غيره من المناهج الإصلاحية لو طرح تفصيلات أساسية وليس تفصيلية, تفصيلا كاملا وأنما تطرح القضايا الأساسية المعروفة عند أهل السنة والجماعة من عهد الصحابة رضى الله عنهم إلى يومنا هذا.

أليس هذا سببا من أسباب الاختلاف فيما بعد؟ وتأجيل التفصيل لهذه الطليعة أو الجيل الجديد إلى ما بعد بداية الدعوة يكون منشأ الخلاف فيما بعد؟ وتأجيل التفصيل لهذه الطليعة أو الجيل الجديد إلى ما بعد بداية الدعوة يكون يكون منشأ الخلاف ولا سيما مع تعدد مشارب المسلمين اليوم فى مسائل ( الفروع).

الأمر الثالث هل ترجع اختلافات الشباب المسلم دوى المشرب الواحد إلى قصور فى المنهج أو قصور فى القيادة؟ أو عيهما جميعا؟

الواقع أن الدعولت الإصلاحية المعاصرة تعانى من بعض الفشل الجزئى وأرجو أن نتخطى هذا الفشل لكن لكى تتخطاه لابد أن تعيد النظر فى الطريقة والمنهاج. ثم إنى أشكر الستاذ السمان على تنبهه إلى الصوفية وأنها ينبغى أن تخلى الساحة للفكر الإسلامى الأصيل الحر, ولكننى أطمئنه, فإنى أعتقد – وأرجوا ألا أكون مخطئا أن الساحة بحمد الله ستكون متروكة وخالية للفكر الإسلامى الأصيل لأنه لم يعد فى ظل هذا العلم, وفى ظل هذا النور, مجال لغير الأصالة. وإنى لا أوافقه فيما ذهب إليه من أن كتب الصوفية تنتشر بين الشباب انتشارا كبيرا بحيث تطغى هذه الكثرة على كتب الفكر افسلامى الصيل. وأعتقد أن العكس هو الصحيح وأن الاتجاه العقلى والفكر الإسلامى الحر المنضبط هو الذى سيسود ويتنامى مستقبلا إن شاء الله.

تعليق الدكتور إبراهيم الكيلانى:

إنى أحب أن أبين نقطتين فى منهج" سيد قطب" رحمه الله:

الأولى: أنه فى طريقه لشرح نظام الإسلام وعرضه له, كان متأثرا تأثرا كبيرا بالأستاذ أبى الأعلى المودودوى – رحمه الله - وهذه ناحية ذكرها" سيد قطب" وتظهر لنا فى كتاباته وهى محاولته عرض الإسلام عرضا كاملا لا عرضه من خلال ردود الفعل من القضايا الجزئية فقطز النقطة الثانية: أنه لم يكن واقفا فى كتباته وفى ظلال القرآن الذى أنهى وختم به حياته الجليلةو لم يكن واقفا عند قضايا العقيدة فقط, وإنما شرح نظام الإسلام وشرح آيات الأحكام, كما شرح آيات العقيدة وآيات الأخلاق, وكتابه" فى ظلال القرآن" وتفسيره الكامل للقرآن الكريم, شاهد على ذلك, " فسيد قطب" فى تفسيره للقرآن الكريم, شرح النظام الإسلامى كاملا, وكان فى القضايا الفقهية منضبطا وحدثنى الأستاذ الشيخ" محمد أبو زهرة"- رحمه الله – تعالى – أن " سيد قطب" كان يرسل إليه ملازم فى ظلال القرآن ليزداد اطمئنانا على الأحكام الفقهية التى يشرحها فى الظلال, وهذا من ورعه, وشدة تمسكه بمنهج العلماء, وبالحكم الفقهى فى عرض هذه الأمور.

وإنما الذى أريد أن أبينه للإخوة الكرام أننا يجب أن نفهم كلام " سيد قطب" من خلال منهجه لا أن نفهمه من خلال كلمات مبعثرة هنا وهناك" فسيد قطب" رجل دعوة يسعى لإقامة حكم الله فى الأرض, وكان يرى كفرا بواحا منتشرا فى المجتمعات الإسلامية, كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( إلا أن تروا كفرا بواحا) فاستحلال الربا , والخمر والزنا, والقمار, وتعطيل شريعة الله, ماذا يسميها الفقيه المسلم, الذى يقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أليست هذه كفرا بواحا؟ نعم, وباتفاق فقهاء الإسلام, إنها كفرا بواح. فعندما يقول: إن المجتمع الذى يستحل حرمات الله فى مجتمع جاهلى كافر, إنما يهنى أنه استباح حرمات الله تبارك وتعالى. ولم يقل: إن الذين فى هذا المجتمع كفار,

وقد سألت عن هذه القضية. الأستاذ " " محمد قطب" قال : إن " سيد قطب" لم يقل المسلم( الفلانى) كافر إلا أن يستحل هذا حرمات الله, وكذلك المجتمع كله بصفة بهذا الوصف فله دليله من القرآن الكريم. إن سيد قطب" فى ظلاله" لم يخالف مصدرا قطعيا, ولم يخرج عن العقائد الصلية للمسلمين, ولم يخرج عن اصول التفسير المعتمدة عند رجال التفسير, وبالتالى فهو قد التزم بالعقائد الإسلامية والتزم بقواعد الفقه الإسلامى, وأصول شرح القرآن الكريم, ولم يقدم فقيه من الفقهاء شرحا لمواد الفقه, والنظرية الإسلامية ولأحكام الإسلام كما شرحها سيد قطب .

فهو لم يقلل من شأن الفقه, وقد شرح فقه القرآن الكريم وربما أتصور أن سيد قطب نتيجة لتأثره الكبير بالأستاذ المودودوى كان يرى هذا العالم الذى حدثنا عنه الأستاذ المودودوى فى أحد كتبه وفى إحدى محاضراته والذى كان قد مضى فترة طويلة من عمره وهو يتحقق مسألة قياس المسافة بين المنبر النبوى وبين قبر الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول الأستا" المودودوى" كان أولى بهذا العالم بدل أن يبذل جهده فى هذه المسألة – مع أنها قضية علمية قد تفيد فى نواح – أن يبذله فى قضايا أكبر وأهم فهو يريد منالفقهاء أن يكونوا علماء عصرهم, فى الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر, وغقامة حكم الله, لأنه لا معنى لأن أتحدث عن أحكام الإسلام, وأن أضع قانونا ندنيا وقانونا جنائيا, وأغوص فى هذه الأمور ثم أجد أن النظام نفسه يمشى فى طريق إبادة القيم الإسلامية, والحياة الإسلاميو والقضاء على الإسلام كله, فهذه الناحية هى التى انتبه إليها " سيد قطب" وكأنه يدعو العلماء لأن يكونوا رجال حركة ورجال فكر وألا يضيعوا جهودهم فى بحث المسائل النظرية والمجتمع يتخاطفه الملحدون, أو الغربيون والمبشرون وشكرا

تعليق الدكتور محمد سعيد البوطى:

بسم الله الرحمن الرحيم لقد كنت أوثر ألا أتكلم. ولكن عرض ما دعانى إلى الكلام وسأبدأ بالنقطة الثانية: التى نبهتنى إليها كلمة أخى الدكتور" زيد الكيلانى" وإنى لا أرى أن نحاول تبرئة الستاذ" سيد قطب" من الخطأ, وأن نحاول أن نجعل مكانته التى تبوأها دون تكلف منا, محاطة بهالة العصمة. فموضوع التفريق بين المجتمع والفرد فكرت فيه كثيرا, ومنذ امد طويل, واتهمت نفسى بعدم الفهم: غذ كيف يمكن أن نقول" إن هذا المجتمع مسلم لكن أفراده غير المسلمين؟ أو أن نقول: إن هذا المجتمع مجتمع كافر ولكن أفراده مسلمون؟ فالمجمتع فى الحقيقة هو الفرد المتكرر, وإذا أسقطنا الأفراد من المجتمع فالمجتمع وعاء فارغ.

وعلى ذلك فهذه الكلمة لا ينبغى أن يقال, وهذا الشعار لا ينبغى أن يرفع, على جلالة قدر الرجل. فالجتمع مسلم لأن أفراده أو فى أفراده الكثيرين من المسلمين. واكبر دليل على الخطأ الذى ينطوى عليه هذا الشعار الواقع الذى أفرزه هذا الشعار نفسه. فانظر إلى الشباب الذين تأثروا بهذا الكلام! فى أى واد ساروا؟ وفى أى متاهة ضاعوا؟ كم من شباب رأيناهم آثروا, ليس العزلة كما قال المتحدثون بل آثروا الانقطاع عن الجمعات. لا الجماعات, وعندما ناقشت كثيرا منهم. قالوا: نحن فى عصر جاهلى, وهذا المسجد بإمامه وخطيبه والذين فيه لا يمثلون المجتمع الإسلامى. إذن هؤلاء الشباب لم يفهموا المجتمع بالشكل الذى فهمه أخى وصديقى الدكتور" زيد الكيلانى"! نعم وحسن الظن فى الناس خير من التورط فى إساءة الظن بهم. وهذا شرط أساس فى مد الجسور المتواصلة بيننا وبين الآخرين فى نطاق الدعوة إلى الله عزوجل وهذا يذكرنى بالكلمة التى قالها أخى.. .. عندما قال إن هذا العمل كفر, ولكن لا نسمى العامل كافرا, كيف هذا يا أخى؟ هل يوجد عمل من دون عامل؟ العمل عرض, ولا يستقيم العرض إلا بجوهر كما قالوا.

ولذلك نحن لا نكفر العمل حتى نكفر العامل, ويكفينا أن نقول: إن هذا خطأ يستأهل التوجيه والإرشاد. النقطة الثانية: وقد كنت أوثر ألا أتحدث عنها, وهى إشارة الأستاذ السمان لموضوع التصوف ومشكلة غقبال كثير من الناس عليه على الرغم ما فيه من خرافات.. والذى جعلنى أعود إلى هذه النقطة بالكلام, تعليق أحد الإخوان بأن هذا التصوف الذى يتحدث عنه مآله إلى الزوال, وأن الناس ستخلوا رؤوسهم من مشكلاته, لسوف يستدبرون ويجعلونه وراءهم ظهريا. أقول يا أخى الكريم: أما ما فى التصوف من خرافات وبدع ونحو ذلك فيجب تمزيقه, ويجب الترفع عنه, وواقع الترفع له شرط وهو انغماس الناس فى بدع التصوف ولكن من أين جاء التصوف؟ ومن أين جاءت هذه الجرثومة؟ جاءت هذه الجرثومة من حاجة المسلمين إلى أن يشبع وجدانهم الإسلامى بالحقيقة الإسلامية إلى جانب إشباع العقل. ونظروا فلم يجدوا دعاة االمسلمين قد وضعوا امام وجداناتهم الغذاء السليم, وفانحطوا فى الغذاء غير السليم, فإذا شئنا أن نصد الناس, عن التصوف الذى أصفه فعلا بما هو واقع فى كثير من مجتمعاتنا اليوم الضحالة والخرافة ونحو ذلك فلنضع البديل أمامهم كما فعل – ابن تيمية – رحمه الله فيما سماه علم" السلوك".

ولكن غذا كنا نشغل أنفسنا بالحديث عن البدع, ث@����������8غل أنفسنا بعد ذلك بالاتباع, والاتباع له مجال فكرى, ولع مجال آخر قلمى, مجال التزكية, مجال التطهير, مجال تطهير الباطن مجال الإخلاص, مجال مراقبة الله عزوجل, وكل هذا مما أجمعت عليه الأمة فإن المسلمين سييقطون فى هذه المتاهات, ولا اقول هذا متشائما, بل تلك هى الرؤية التى أراها أمامى ولسوف تبقى المشكلات الأخرى دون حل الآن الإخلاص لم يوجد, لأن حظوظ النفس هى المتحكمة فينا, وسبيل ذلك كله, إنما هو هذا الغذاء الذى نحن فى أمس الحاجة إلى من يضعه أمامنا. الحمد لله رب العالمين. تعليق على مناقشات من المباحث: الدكتور جعفر شيخ ادريس : لقد عجبت لبعض الإخوان الذين طلبوا منى أن أتحدث عن كل فكر" سيد قطب" لأن طريقتى فى البحوث التى تقدم للمؤتمرات, أن أتكلم عن جزئية واحدة فأنا لا أكتب كتابا وإنما أكتب بحثا فى حدود عشرين صفحة, ولقد دلتنى تجربتى على أنه إذا كان البحث أكبر من ذلك فإنه لا يقرأ وأنا فى البحث أتحدث عن قضية جزئية, هى المنهج, والمنهج فى كتاب المعالم" وأما: ولماذا كتاب المعالم"؟ فلآنه كما قلت أكثر الكتب الإسلامية انتشارا وأكثرها تأثيرا.

لهذا اهتممت به, وكما قال بعض الإخوان , فإنه يمثل مرحلة من مراحل " سيد قطب" ومن خصائص" فى هذا الكتاب, أنه ينتقد نفسه أو ينتقد المراحل التى مرت والتى تحدث فيها عن العدالة الاجتماعية, ومعركة افسلام والرأسمالية , وأنا لا أوافقه على ذلك, بل أعتقد أن هذه الكتابات كانت مهمة لما يسميه هو قضية العقيدة. كنت قبل أن أقرأ كتب سيد قطب , منضما إلى جماعة سلفية وكنت أعرف عنها, تفاصيل العقيدة, وما أظن أنه كانت لى مشكلة, ولكن حينما واجهت الشيوعيين وقالوا لى إن الإسلام ليس فيه نظام اقتصادى الخ.. أصارحكم وأنا طالب بالثانوية آنذاك شعرت بالزعزعة والذى رد اليقين والإطمئنان هو كتابات سيد قطب فى تلك المرحلة. فالذى أنتقده عليه أنه ظن أن الدخول فى هذه التفاصيل ( من اقتصاد وغيره) لا يكون إلا لشىء عملىللدولة لكنه مهم من الناحية الفكرية, كما دلتنا تجربيتنا فأنا لا أتحدث عن كل ما كتب سيد قطب وإنما أتحدث عن قضية واحدة فى كتاب واحد.

المسائل التى لم أتعرض لها, تعرضت لبعضها فى بحث آخر, لم أرد أن أكررها هنا, مسائل كثيرة أيضا تحتاج إلى أن نتعرض لها, واقول لكم أيضا إن هذا الكتاب نحن ناقشناه فى السودان منذ سنتين طويلة لأن السودان فى ذلك الوقت كان ينعم ( بالديمقواطية) ومن دون البلاد العربية الأخرى كما أظن, وكان رد فعل الكتاب واضحا عند الناس, وكانوا يناقشونه لذلك قضيت شهرين فى جلسات عامه كهذه فى الجامعة نناقش كتاب معالم على الطريق" وما أستطيع أن اصف لكم, كيف كان رد فعل الطلاب عندما أقول لهم: إن سيد قطب". أخطأ هنا وأخطأ هناك, حتى أن أحدهم قال لى بعد أن كبر وتخرج من كلية الشريعة: إنه فى البداية ما كان يقبل شيئا مما قلت, لكنه بعد التفكير وبعد أن مر بخبرات كثيرة قبل بعض ما قلت, ثم إن هذا أصبح له منهجا, واصبح لا يقبل الكلام الذى يقال له فى الكلية إلا بدليل. قلت له: لقد قلت لنفسك: ما دام" سيد قطب" قد أخطأ فمن مالك؟ ومن الشافعى؟ وغيرهم؟ ومع كل هذا فلا ينبغى أن نقلل من تأثير " سيد قطب " سواء تأثيره بشخصه أم بكتبه بخاصة كتاب " المعالم".

أما مسألة الصحابة فلم أذكرها لأنها مسألة أقرها ولقد أقرها الدكتور القرضاوى حيث قال:

إن بعض الأفراد وصلوا إلى هذه الدرجة ولكن قد يؤخذ عليه المنهج, لنه علق هؤلاء الشباب بشىء لا يمكن أن يصلوا إليه. وهذا يصيبهم بشىء من الإحباط. أما مسألة المجتمع الإسلامى" فسيد قطب" يعتقد أن الشىء المثالى هو الذى ذكره القرآن, وأنه هو الصورة الوحيدة, وكل ما نقص عنها فليس بإسلام, وهو بذلك علق الشباب بصورة مثالية, لا يستطعون أن يصلوا إليها, وأعطاهم صورة للمجتمع الإسلامى أو نظام الحكم الإسلامى لا زالت مؤثرة فى كثير من الناس, وكل شىء ينقص عنها فهو ليس إسلاميا, وبذلك لا توجد حكومات إسلامية ولا مجتمع إسلامى منذ عهد الخلفاء الراشدين كما يرى كثير من الناس. وأقول : إن هذا ضار, من ناحية المنهج, لأن سؤال ميئسا وملحا سيظل يسأله الإنسان لنفسه, من أنت ؟ ومن هؤلاء الذين يستطيعون أن يحققوا فى القرن الخامس عشر مالام تستطع أن تحققه كل أجيال المسلمين طول هذه المدة مع كل ما نعرف فيها من قمم شامخة فى العلم وفى السلوك؟ وأظن أن الذى نهتم به ينبغى ألا يكون تبرئه" سيد قطب" مما قال. أنى لا ادرى ماذا كان يعنى بالضبط, ولكن كلماته إذا أخذناها على ظاهرها تدل على ما قلت.

وأهم من ذلك أن الناس فهموا من هذه الكلمات هذه المعانى التى ننتقدها وفهموها على غير تواطؤ بينهم فقامت عندنا جماعات فى السودان فى الستينيات تقول مثلما قالت جماعات فى مصر وفى اليمن من غير اتصال بينهم ولا تعارف. وكان الجامع بينهم هو هذا الكتاب. أما مسألة معابد الجاهلية, فأذكر أن بعض هؤلاء , الذين كانوا يأتوننى, كانت أهم قضية يتحدثون معى فيها, هى اعتزال معابد الجاهلية يعنى " المساجد" فقلت لهم: والله إنكم شياطين, فأرجى عمل عندى. هو أن أذهب إلى المسجد. وأنتم لا تقولون لى: اترك الجامعة أو اترك السوق, وإنما تقولون: اترك المسجد باعتباره من معابد الجاهلية.

فتلك ظاهرة فهمها الناس من فكر" سيد قطب" وتهمنا فى تصحيح مسار الحركة الإسلامية. وأفرر أن " سيد قطب" لم ينكر الفقه, ولم ينكر السنة, ولكنه كان يقول: فى هذه المرحلة الأولية ينبغى ألا نهتم بالفقة, نعم .. إنه تأثر بأبى الأعلى,ولكن تأثره بأبى الأعلى كان بالكتابات الأولى. لهذا الأخير, فلأبى الأعلى كتاب اسمه منهاج الانقلاب الإسلامى: وهو أيضا صورة مثالية لا يمكن أن تتحقق, ولكن لن أبا الأعلى كان يقود حركة ويعمل ويواجه الناس, الأمر الذى لم يتح للأستاذ " سيد قطب" الذى ظل طوال المدة مع كتبه ومع فكره: من أجل ذلك فقد غير كثيرا من هذه الأفكار المثالية ومنهاج الإنقلاب الإسلامى الذى كنت أحفظ بعض عباراته وكنت متحمسا لها مثل: إن الناس الموجودين الآن فى هذا المجتمع لا يصلح أحدهم لأن يكون جنديا فى المجتمع الإسلامى, وهذه الصورة مثالية من الذى أخذها سيد قطب عنه كما أخذ مسألة تفسير لا إله إلا الله.

فسيد قطب لا يقول – فقط – إن المجتمع الذى يستحل ما حرم الله كافر لأن هذه مسألة معروفة وما كانت تثير جدى ولكنه يقول كلاما خطيرا , خاصة إذا أخذنا كلماته بظاهرها, وأظن أن مشكلة سيد قطب أن دراساته الأولى كانت فى النقد الأدبى: يباح للإنسان الآسترسال وأن يقول ما شاء من الكلمات , لأنه شىء لا ينبغى أن يبنى عليه عمل وإنما هو يتذوق نصا أمامه فهو أولا لم يكن فقهيا, لم يكن فيلسوفا, لم يكن منطقيا لم يكن قانونيا,تلك كانت دراساته الأولى, لهذا فإنى أحذر من أخذ كلماته على ظاهرها ولكننا لا نستطيع أن نقول لكل الناس: افعلوا هذا, خاصة فى مثل قوله:

إن وجود الأمة المسلمة يعتبر قد اقطع منذ قرون كثيرة فالأمة المسلمة ليست أرضا كان يعيش فيها الإسلام, ليست قوما كان أجدادهم فى عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامى.