مشروع "الشرق الأوسط الكبير".. والقضايا القومية!!

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مشروع "الشرق الأوسط الكبير".. والقضايا القومية!!

بقلم:الإستاذ محمد مهدي عاكف

مقدمة

رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله.. سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن والاه..

اجتمعت دول القمة الصناعية الثماني في جورجيا بالولايات المتحدة الأمريكية في الثامن من يونيو الجاري؛ للنظر في اتخاذ موقف موحد بشأن مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي تقدمت به الإدارة الأمريكية للإصلاح- حسب زعمها- لدول العالم العربي والإسلامي، وقد تمحور هذا المشروع حول ركائز ثلاثة رئيسية هي: إقامة الديمقراطية والحكم الصالح، وبناء مجتمعات معرفية وتوسيع الفرص الاقتصادية.

وليس هناك من شك أن هذا المشروع سوف يكون "معركة" بوش الثانية (في حالة فوزه بفترة رئاسة ثانية) بعد "معركة" العراق في فترة الرئاسة الأولى، وقد طالبت قيادات المجموعة الأوروبية- في وقت سابق- بألا يكون المشروع مجرد شعار أمريكي يرفعه بوش في عام الانتخابات الرئاسية، بل يجب أن يكون إستراتيجية أمريكية ثابتة!! وهو ما يعني التوافق الكامل أو بمعنى أدق انصياع المجموعة الأوروبية التام للإدارة الأمريكية في النظرة تجاه دول العالم العربي والإسلامي.

ويسعى مشروع الشرق الأوسط الكبير إلى بسط الهيمنة والنفوذ والسيطرة على دول المنطقة كمقدمة للسيطرة على العالم، وذلك عبر إقامة نماذج ديمقراطية خاضعة للإدارة الأمريكية (كما هو حادث في أفغانستان والعراق)، لا عن طريق استخدام القوة العسكرية الباطشة ولكن عن طريق استخدام القوة الناعمة، من خلال إجراء إصلاحات في النظم السياسية وتغيير مناهج التعليم، وتطوير الخطاب الديني والثقافي، وعولمة (أو أمركة) الإعلام، ولا بأس- عند الحاجة- من التلويح باستخدام عصا العقوبات الاقتصادية.

وتقوم الإدارة الأمريكية بتوزيع الأدوار- كل فيما يخصه- على دول القمة الثماني، مع الوضع في الاعتبار أن تكون هناك أدوار رئيسية وأساسية في المشروع منوطة بالكيان الصهيوني وتركيا، وذلك عن طريق إدماج الأولى في دول المنطقة، وتسويق الثانية على أنها النموذج الذي يمكن أن يلقَى قبولاً لدى دول العالم العربي والإسلامي.

ويرى الإخوان المسلمون أنه من الضروري أن يكون هناك إصلاح داخل الدول العربية والإسلامية، لكنه إصلاح ينبع من داخلها (يتفق مع هويتها وخصوصيتها الثقافية)، لا أن يُفرض عليها من الخارج، وليكن الإصلاح السياسي هو المدخل لذلك، فليس هناك من شك في أن الإصلاح السياسي سوف تنعكس آثاره إيجابًا على كافة أنواع الإصلاح الأخرى: الاقتصادية، والاجتماعية، والعلمية، والتقنية... إلخ.. فنحن في حاجة إلى بناء دول ناهضة قوية قادرة على مواجهة التحديات وإدارة الصراع بشكل صحيح وواعٍ مع المشروع الصهيو أمريكي الذي يسعى إلى تركيع الأمة، وتفكيك المنطقة، وإعادة رسم خريطتها من جديد.

ويؤكد الإخوان المسلمون على أن الحريات العامة وإقامة الديمقراطية (كاملة) وحماية حقوق الإنسان، وإيقاف العمل بقانون الطوارئ، وإلغاء القوانين والمحاكم الاستثنائية، واستقلال القضاء، وسيادة القانون، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تعبر بحق وصدق عن إرادة الناخبين هي مطالب أساسية وضرورية ولازمة لنهضة أي دولة وتقدُّم أي شعب، ومن هنا يجب أن تشرع الحكومات والأنظمة بشكل جاد وفاعل في اتخاذ التدابير والإجراءات المطلوبة نحو الإصلاح.. أولاً لنهضة وتقدم مجتمعاتنا وأمتنا، وثانيًا لقطع الطريق على أصحاب مشروع الشرق الأوسط الكبير من أن يتدخلوا في شئوننا أو أن يفرضوا الوصاية علينا.

القضية الفلسطينية

بعد المقاومة الفلسطينية الباسلة التي واجهها الكيان الصهيوني في قطاع غزة بدأت فكرة الانسحاب منه تعاوده مجددًا، وقد اعتمدت حكومته خطةً مؤخرًا تضمنت انسحابًا جزئيًّا من القطاع على أربعِ مراحل، وإن كانت دون جدول زمني، وأن كل مرحلة منها في حاجة إلى قرار من الحكومة، وهو ما يعطي انطباعًا بأن الأمر سوف يمتد لسنوات.. لكن لا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن الهدف الأساسي من وراء خطة الانسحاب هو:

1- التخفيف من حدة الخسائر والتكاليف الأمنية والعسكرية الناجمة عن المقاومة في قطاع غزة.

2- الهروب من قطاع غزة، وتركيز المواجهة بين الكيان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية فقط.

3- السعي إلى توريط مصر في قطاع غزة لأسباب، يأتي على رأسها: التغطية السياسية لعملية الانسحاب؛ حتى لا يستثمر من قبل المقاومة، كما فعل حزب الله بجنوب لبنان، وكي تقوم مصر من جانبها بالضغط على الفلسطينيين (وبخاصة ياسر عرفات) فيما يخص الترتيبات الأمنية في القطاع، وتصفية المقاومة بديلاً عن العدو الصهيوني، وأن تقوم مصر بحماية وتأمين الكيان الصهيوني من أية عمليات استشهادية، ومن ناحية أخرى يقوم الكيان الصهيوني بتسويق فكرة مفادها أن حماس تسعى لإقامة دويلة إسلامية بقطاع غزة، وأن هذه الدويلة سوف يكون لها آثارها وتداعياتها السلبية على المنطقة ككل، وعلى مصر بالذات، وهو ما يجب أن يعمل له حسابه. إن هناك بلا شك مشكلات سوف تواجه مسألة الانسحاب الجزئي الصهيوني؛ من حيث الدور الذي يراد لمصر أن تقوم به، وما هو مطلوب من السلطة الفلسطينية تنفيذه، وعلاقة ذلك بالمقاومة؛ إذ يحاول الكيان الصهيوني- من خلال الإدارة الأمريكية- الضغط على مصر بسلاح التغيير ومشروع الشرق الأوسط الكبير، واتهامها بعدم التعاون مع أمريكا في تهدئة الأوضاع في المنطقة؛ وذلك بهدف دفع مصر للتدخل والمساعدة في تسوية الوضع الأمني في قطاع غزة.

وإذا كان الكيان الصهيوني يريد- حسب خطته- أن يكون له الحق في الدخول والخروج من قطاع غزة وقتما يريد وبالطريقة التي يرى، وعلى القوات الأمنية الفلسطينية أن توفر له الغطاء الأمني، وإذا كان أيضًا يفترض البقاء الضروري لقواته على الشريط الحدودي الفاصل بين قطاع غزة ومصر (محور صلاح الدين)، وأن هذا البقاء هو حاجة أمنية حيوية له.. فإن هذا يعني أن الكيان الصهيوني يستهدف توجيه دور مصر لخدمته، وهو ما يعتبر في التحليل الأخير مكسبًا لرئيس وزراء الكيان الصهيوني.

نحن نحذر أيضًا من أن الدولة الفلسطينية المرتقَبة سوف تكون فقط في قطاع غزة، مع وجود شكل واهٍ وضعيف من أشكال التواصل مع الضفة الغربية، دون أن تكون للسلطة الفلسطينية سيطرة عليها؛ لذا نحن نطالب بعدم التعاطي مع هذا المشروع الذي لا يخدم سوى الكيان الصهيوني في القضاء على المقاومة وتكريس الاحتلال، ونرى ضرورة عودة تنشيط وتفعيل الحوار بأسرع ما يمكن بين الفصائل الفلسطينية وبعضها البعض من جانب، وبينها وبين السلطة الفلسطينية من جانب آخر؛ وذلك من أجل التوصل إلى رؤية سياسية واضحة ترتكز على خيار المقاومة كحل وحيد في مواجهة الاحتلال الصهيوني، الذي لا يتوقف عن مجازره الوحشية، وأعمال التصفية والإبادة وهدم البيوت وتجريف الأراضي الفلسطينية.

العراق

وفيما يخص العراق فإن الإخوان المسلمين يؤكدون على أن الاحتلال هو المصيبة الكبرى، وأن ما حدث للعراق من فوضى ونهب وسلب طال كل شيءٍ حتى التراث الثقافي النادر، ومن إهدار لكل القيم الإنسانية (على نحو ما فعلته قوات الاحتلال بالسجناء العراقيين في سجن أبو غريب، ومن تفكيك لمؤسسات الدولة ومحاولات تقطيع أوصال الشعب العراقي، نقول إن هذا كله مرتبط بالاحتلال ومترتب عليه، وهو ما يدعونا إلى المطالبة بضرورة إجلاء قوات الاحتلال فورًا، ونحن واثقون من أن الشعب العراقي قادرٌ- بإذن الله- على إدارة شئونه بنفسه، والوقوف بصلابة أمام محاولات بثِّ الفرقة بين صفوفه، وأن ما تردد من أن الجلاء الفوري لقوات الاحتلال سوف يؤدي إلى فراغ، وإشاعة للفوضى ووقوع البلاد في أتون حرب أهلية، وإلى تقسيم العراق.. هو زعم قُصِد به إيجاد مبرر لاستمرار الاحتلال.

إن مقاومة الاحتلال حق مشروع لكل الشعوب، فرضه الإسلام وحثَّ عليه، وكفلته القوانين والمواثيق والأعراف الدولية وحضَّت عليه، ومن هذا المنطلق فإن الإخوان المسلمين يؤيدون المقاومة العراقية- وكل مقاومة- ضد أي محتل غاصب، ويعتبرونها تعبيرًا عن حيوية الشعب العراقي الأبيِّ، الذي يرفض الذلة والمهانة والخضوع والاستكانة، وإن الشعوب الحية (كما في فلسطين والعراق) هي القادرة على الوقوف في مواجهة التحديات واسترداد الحقوق المغتصبة، وهي القادرة أيضًا على تحقيق النهضة والتقدم والرقي.

إن الحكومة الانتقالية الجديدة والتي ستباشر مهامَّها أول الشهر القادم ليست بعيدةً عن السيطرة والهيمنة الأمريكية (من حيث السيادة والقدرة على اتخاذ القرار)، ويجب ألا ننسى أنها حكومة معينة وليست منتخبة، وأنها لن تستطيع أداء المهام المنوطة بها في ظل الاحتلال؛ لأنها محدودة الصلاحيات، فضلاً عن الفترة الزمنية القصيرة التي سوف تمكثها؛ لذلك فإننا لا نتوقع أن تلبِّي الحد الأدنى من طموحات الشعب العراقي.

ويهيب الإخوان بالعلماء العراقيين اليوم من سنَّة وشيعة، والقيادات المخلصة والواعية من أهل العراق من عرب وأكراد العمل- أكثر من أي وقت مضى- على إذكاء روح الوحدة بين صفوف الشعب العراقي؛ ذلك لأن هذه الوحدة هي الآن من أعظم الفرائض.

السودان

لقد نبه الإخوان المسلمون كثيرًا إلى أن السودان يمثل بوابةَ إفريقيا، وأنه العمق الإستراتيجي لمصر وسلة القمح للأمة العربية والإسلامية، وأن أي خلل في العلاقة بين السودان ومصر (على وجه الخصوص) سوف تكون له تداعياته السلبية على الأمن القومي العربي، لكن السياسة المصرية- للأسف- لم تعطِ المشكلة السودانية حقَّها من الاهتمام والفعالية كما يجب، وهو ما أعطى الفرصة لأن يتم توقيع اتفاق السلام السوداني بين الحكومة ومتمردي الجنوب في نيروبي (إعلان نيروبي) وليس في القاهرة، وأن تجري المفاوضات على أساس مبادرة الإيجاد وليست المبادرة المصرية الليبية.

لقد تم هذا الإعلان في تغييب كامل للعرب والجامعة العربية، وعلى النقيض تم في ظل سيطرة وهيمنة أمريكية وغربية كاملة، وهو ما جعل الحكومة السودانية تقف وحيدةً في الميدان، في مهبِّ الريح، تعاني من ضغوط كثيفة تهدد بتدخل عسكري في غرب السودان (دارفور) إن لم تقدم تنازلات ما كان متمردو الجنوب ليحلموا بها، ورغم توقيع الاتفاق إلا أنه لا زالت هناك قضايا موقع خلاف بين الطرفين، تتعلق بتوزيع الوظائف الوزارية والحكومية في منطقتي النوبة وجنوب النيل الأزرق، وما يخص العاصمة الوطنية والقوانين التي تحكمها، وأيضًا تمثيل الجنوبيين في المجلس التشريعي المستقبلي، وهذا كله يمثل تحديات ضخمة لهذا الاتفاق، وبالتالي فإن الأيام المقبلة تستدعي حذرًا ويقظةً واهتمامًا من مصر بضرورة الوقوف إلى جوار السودان، ولو أدى الأمر أن تنشأ مجموعة تضم وزراء الخارجية والاقتصادية والتخطيط والزراعة والموارد المائية، خاصةً بشئون السودان.

نعم نحن ضد الحرب، ومع الحفاظ على وحدة السودان وهويته وانتمائه العربي، لكن يجب أن لا نغفل أن السودان مقبل بعد الاتفاق الذي وُقِّع على مخاطر ومشكلات كبيرة، خاصة برتيبات وقف إطلاق النار الدائم، وتدابير وآليات تنفيذ الاتفاق، بما في ذلك مسألة قوات السلام الدولية، وتمركُز قوات المتمردين، طبعًا بخلاف ما يمكن أن يصدر في أي لحظة من أطراف جنوبية لا تعترف ابتداءً بالاتفاق.

ونعود ونكرر مجددًا أن معالجة الدول العربية والإسلامية للمشكلة- بل المشكلات السودانية- لم تكن على المستوى الذي يحقق إيجابيةَ التواجد والفعالية والاستمرار؛ بحيث تضْمن بقاء الطرفين، أو بمعنًى أدق الأطراف مرتبطون بها، وعدم إعطاء الفرصة لأي قوى أخرى أجنبية للتسلل واستغلال الظروف لغير صالح العروبة والإسلام.

خاتمة

في مقابل الاجتماع الذي تم لدول القمة الصناعية الثماني في جورجيا بالولايات المتحدة الأمريكية والذي سيُستكمل في الأسابيع القادمة في القمة الأمريكية- الأوروبية في بروكسل وقمة حلف الأطلسي في إسطنبول فشل القادة العرب في قمة تونس (22-23 مايو 2004م) في التفاهم والتنسيق على آلية واحدة تعبر عن موقف عربي مشترك تجاه مسألة الإصلاح، ويرى الإخوان ضرورة أن يسير الإصلاح في الدول العربية الإسلامية جنبًا إلى جنب مع الاهتمام بالقضايا القومية، وفيما يتعلق بمسألة الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة نرجو أن تعود الفصائل الفلسطينية إلى تواصل الحوار فيما بينها، ونربأ بالحكومة المصرية أن تقع في شرَك شارون الذي يسعى جاهدًا إلى توريطها من خلال الترتيبات الأمنية المزمع عقدها في القطاع على حساب المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

وفيما يخص مستقبل العراق فإنه لا بديل عن ضرورة إنهاء الاحتلال فورًا وترك العراقيين ليديروا شئونهم بأنفسهم، ولن تكون حكومة العراق- بسيادتها المنقوصة وفترتها المحدودة- قادرةً على تسيير دفة الأمور في البلاد، وتحقيق الأمن والاستقرار، والحفاظ على الحد المطلوب من الحياة الحرة الكريمة للشعب العراقي، وحتى قرار مجلس الأمن الصادر في 8/6/2004م تضمن انتقال الإشراف على العراق شكليًّا إلى الأمم المتحدة، وهو ما يعني أنه لن تكون هناك ولاية بأي صورة للحكومة الانتقالية، أو المنتخبة مستقبلاً- إن حدثت انتخابات- على قوات الاحتلال.

أما السودان الشقيق فقد آن الأوان لكي ينال اهتمامًا جادًّا وفاعلاً من الدول العربية والإسلامية؛ حتى يستطيع تجاوز مشكلاته والحفاظ على وحدته وهويته وانتمائه، وإن لم تعالَج هذه المشكلات قبل فوات الأوان فسوف يكون لها تداعياتها، ليس فقط على مستوى السودان وإنما على الأمن القومي العربي، وهذا ما يصبُّ في خندق المشروع الصهيو أمريكي.

(فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (غافر: 44)، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21)..

ولله الأمر من قبل ومن بعد، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.