مقارنات

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقالة-مراجعة.gif
مقارنات

بقلم:الدكتور :محمد بديع

المقارنة الأولى

المقارنة الأولى التي تواردت إلى ذهني تحت وطأة حصار أهلنا في غزة، والألم الذي يعانونه والأسى الذي نشعر به لعجزنا عن عونهم وإنقاذهم.. قارنت هذه الظروف بما تم في شِعب أبي طالب لما حاصرت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، وإذا ببعض أهل مكة من غير المسلمين يتعاطفون معهم ويدخلون الشعب؛ كي يشاركوهم فيما يتعرضون له، وبعضهم كان يضع الطعام والشراب على جمل ويوجهونه إلى الشعب ثم يضربونه؛ فينطلق ويوصِّل الطعام والمؤن للمحاصَرين؛ دون أن يعرف أحد من الذي أرسله؛ فهل قست قلوبنا لدرجة أن نرى ما يحدث لإخواننا في غزة ولا نحرِّك ساكنًا؟!

وقارنتُ بين الوثيقة الظالمة التي علَّقوها في الكعبة وقتها، وسجَّلوا فيها دسترة الظلم والقهر: لا يبيع لهم أحد، ولا يشتري منهم أحد، ولا يزوجهم أحد، ولا يتزوج منهم أحد، وهنا تتجلَّى إرادة الله الذي لا يقع في ملكه إلا ما يريد، وتتجلَّى أيضًا حكمته فيما حدث.

لقد تعاطفت القبائل مع هؤلاء المحاصَرين، وتنادى بعضهم لكي يذهبوا إلى الكعبة لتمزيق الوثيقة الظالمة (أي لإلغاء هذا الدستور المقنِّن للطغيان)، وكأن هذا الابتلاء الذي وقع على المسلمين حفَّز كل مَن في قلبه خيرٌ كي يرفضَ الظلم ويعلنَ موقفه بكل شجاعة وجرأة؛ لأن الهدف الذي تنادَوا من أجله- وهو تمزيق الصحيفة- لم يحدث؛ فإن الله أرسل عليها "الأرضة" ولم يبقَ فيها إلا "باسمك اللهم"، وهذا هو ما سيحدث بإذن الله كنتيجة حتمية لحصار غزة الظالم.

المقارنة الثانية

المقارنة الثانية.. حال أهل الدثور على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل دثور هذه الأيام؛ الذين استغلوا ثروتهم في احتكار السلع وإشعال نار الغلاء؛ ليكتويَ بها الفقراء والمعدمون ومحدودو الدخل؛ الذين يصرخون ليل نهار فلا يغيثهم أحد، حتى وصل بهم الأمر إلى الانتحار.

أما أهل دثور الرعيل الأول فاسمعوا ما قاله عنهم فقراء زمانهم، ليس ما قالوه هم: "يا رسول الله.. ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم"، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟! إن بكل تسبيحه صدقة.. إلى آخر الحديث من أبواب الصدقات التي بغير المال ولكنها تحصد الحسنات حصدًا، ولما سمع الأغنياء بالحديث نفَّذوا ما فيه أيضًا فنالوا أجر الصدقات بالمال والصدقات بغير المال؛ فذهب الفقراء مرةً أخرى يشتكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليس حقدًا على ما عند الأغنياء من مال، وليس صراخًا من احتكار الأغنياء للسلع؛ لأن أغنياءهم لم يكونوا مثل أغنيائنا..

فها هو عثمان بن عفان في وقتٍ كانت السلع التموينية فيه شحيحةً والأسعار في غلاء، وإذا بتجار المدينة يعرِضون عليه سعرًا عاليًا؛ ثلاثة أضعاف ثمنها (أي أرباح 300%)، وإذا به يتصدق بالقافلة كلها لفقراء المسلمين مجانًا ويقول للتجار: لقد بعتها لمن اشتراها بعشرة أضعاف ثمنها، وقد ربح البيع.. ربح البيع، فهنيئًا لهم رضا ربهم وجنة عرضها السماوات والأرض، والويل كل الويل للمحتكرين المطرودين من رحمة الله، وشتان بين الحالين والفريقين!!.

رد على أحد الإخوة المدونين

سألني أحد الشباب صاحب إحدى المدونات وقال لي: إلى متى ستظل تتحدث وتكتب مقالات أشبه بخطبة الجمعة، ولا فائدة من ورائها؛ لأنك لا تناقش حلولاً لمشكلات الشباب وأهمها البطالة واليأس المحبط.

فقلت له إن كل أحاديثنا لا بد أن تنبع من القرآن والسنة؛ فمن قال به صدق، ومن حكم به عدل؛ فيه حكم ما بينكم، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.

ثم ها هو نموذج من الفقر والخوف والترقُّب لا يوجد مثيل له في عالمنا.. هذه حال سيدنا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عندما خرج من مصر مهدَّدًا، فخرج منها خائفًا يترقَّب، جوعان عطشان، ليس معه كساء وليس له مسكن ولا مأوى ولا أهل، ولا عمل يتكسب منه، وسار على قدميه أيامًا طويلةً من مصر إلى فلسطين، ولما بلغ أرض مدين وجد فتاتين تريدان أن تسقيا حيواناتهما، ولكنَّ الزحام شديد!.

وها هو سيدنا موسى عليه السلام في أصعب ظروف اجتماعية واقتصادية يمكن أن يمر بها إنسان، ولكنه وجد فتاتين في أمسّ الحاجة إلى الشيء الواحد الوحيد الموجود عنده؛ شهامة وقوة وأمانة المؤمن، بينما هو محروم من كل ما عندهما؛ من مال وأهل ومسكن وحيوانات ومواد غذائية؛ فلم يبخل عليهما بما عنده، وهو يؤمن بأن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، فماذا كانت نتيجة عون الله؟ لقد حُلَّت جميع مشكلاته؛ فقد اتفق على عقد عمل لمدة عشر سنوات، وتزوَّج ابنة شعيب عليه السلام (على أقوال)، ووجد السكن والأمن والأمان والحياة الكريمة؛ أي أن كل فقير ومسكين وعاطل وبائس ومحتاج؛ عليه أن يبحث عن محتاج يحتاج لمعونته في شيء أو مجال يستطيع أن يعاونه فيه.

هذا عن الجانب والدافع الإيماني في القضية؛ أما حديث المشروعات متناهية الصغر فأرجو أن يرجع الأخ المدوِّن إلى حديثي تحت هذا العنوان في أرشيف (إخوان أون لاين)؛ ففيه توجيهاتٌ نبويةٌ شريفةٌ حول هذا الموضوع العصري أيضًا؛ فهو عليه الصلاة والسلام القائل: "ما تركت أمرًا فيه خيركم إلا وأمرتكم به، وما تركت أمرًا فيه شرّكم إلا ونهيتكم عنه".

المصدر