الحاج السيد النفاض وذاكرة الإخوان في المحلة الكبرى
العيش من أجل الدين يعني تفاني الإنسان بكل طاقته لغاية أسمى، حيث قدم التاريخ نماذج عظيمة لأشخاص جعلوا من عقائدهم ومبادئهم محور حياتهم، فمنهم من بذل نفسه في سبيل نشر الحق، ومنهم من ضحى بالدنيا لأجل الآخرة، ومنهم من جعل عبادته وعمله انعكاساً خالصاً لإيمانه.
والحاج السيد النفاوض واحد من الذين باعوا أنفسهم لله وعاشوا على هذه البيعة حتى لقى الله وهو صابر محتسب عام 2017م.
بداية الرحلة
في قرية "محلة أبو علي" التابعة لمركز المحلة الكبرى بمحافظة الغربية ولد السيد النفاض والتحق بكتاب القرية الذي أهله للالتحاق بالمدارس واستكمال تعليمه ليصبح فيما بعد مدير مدارس الجيل بمدينة المحلة الكبرى.
تعرف السيد النفاض على دعوة الإخوان المسلمين في وقت مبكر حيث عرفت محافظة الغربية دعوة الإخوان عام 1935م وكانت أول شعبة للإخوان في المحلة عام 1936م وكان مسئولها الأستاذ إبراهيم أفندي السيد أبو عظمة الموظف بالبريد. وأصبح الشيخ الشيخ زكي الطيلاوي نائب شعبة المحلة الكبرى عام 1940م.
لقد كان لنشاط السيد النفاض رفقة زملاءه أمثال الشيخ يوسف القرضاوي ومصباح عبده وغيرهم السبب في اعتقالهم ضمن محنة عام 1948م في سجن الطور.
يقول القرضاوي: وكان لي كثرة من الأصدقاء في «محلة ابو علي» منهم من لحق بربه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا. منهم: السيد النفاض، ورمزي الدمنهوري، والسيد الغضبان، وعبد القادر عامر، حفظهم الله، ومنهم: حمدي شبند، وعلى خفاجة، وعبد المجيد بقلولة رحمه الله تعالى.
وعن محنة الاعتقال عما 1948م يقول القرضاوي: كانت هذه حياة الإخوان في معتقلهم: علم وعمل، وإيمان وأمل، وحب وإخاء، وتلاوة ودعاء.
وبينما كنا نستمتع مع إخواننا بهذه الحياة الإسلامية الفريدة في الطور، مشاركين في النشاط الإسلامي المتعدد الألوان، إذا بنا نفاجأ بالنداء علينا - نحن طلاب الثانوي- لنقلنا إلى القاهرة، أو قريب منها، وقد قيل: "ربما ليفرجوا عنا؛ فالكبار يبدو أنه سيطول اعتقالهم"، ولم نفرح بهذا الخبر، بل كان وقْعُه علينا وقعَ الصاعقة؛ فما كنا نحب أن نفارق إخواننا وشيوخنا، بل كنا نحب أن نبقى إلى جوارهم، يجري علينا ما يجري عليهم.
وهكذا جمعونا -طلبة الثانوي-: أنا، وأحمد العسال، ومحمد الدمرداش ومصباح عبده، الذين كنا في سجن قسم طنطا، ومن انضم إلينا من زملائنا الطلاب: السيد النفاض من محلة أبو علي، وكمال السيد جروين من كفر طبلوها من معهد شبين الكوم بالمنوفية، ومحمد التاجي من معهد أسيوط الديني بالصعيد... وآخرون لا أذكرهم، وقد كان لمعهد طنطا نصيب الأسد في المعتقلين من الطلاب.
وكانت وسيلة نقلنا سيارة نقل للبضائع (لوري) أُلقينا فيها كأننا أبقار أو أغنام ننقل من بلد إلى بلد! والمسافة طويلة من الطور إلى القاهرة، والطريق غير مُعبَّد، وعلينا أن نجتاز بهذه الوسيلة صحراء سينا، وهي قاسية، شديدة شمسها نهارا، شديد بردها ليلا، ولم يكن معنا من الأغطية ما يكفي ويرد عنا عادية برد الصحراء، وأحسب أننا كنا في شهر أبريل، أو نحو ذلك.
وصبرنا على هذه الرحلة القاسية المضنية؛ فقد كنا شبابا، وكانت أجسامنا تحتمل هذا العناء، واستعنَّا بأدعية السفر التي كنا نحفظها: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد، اللهم هوِّن علينا سفرنا واطوِ عنا بُعْدَه، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى".
كان أول من أفرج عنهم في محنة عام 1948م هم الطلبة حيث يقول القرضاوي: ولم تمضِ أيام حتى جاء أول كشف يتضمن أسماء المفرج عنهم، الذين يمثلون الفوج الأول، وكان اسمي ضمن هؤلاء، ومعي عدد من الزملاء: محمد الدمرداش، مصباح عبده، السيد النفاض، وعدد من الإخوان من مختلف المديريات. حيث قضينا ليلة في قسم الخليفة وبعد هذه الليلة المتعبة في قسم الخليفة، نُقلنا إلى طنطا، وأُخذ علينا تعهد ألا نمارس أي نشاط سياسي، ثم فُكَّ أسرنا، وذهب كل منا إلى موطنه أو منزله.
وبعد الخروج من الاعتقال ساهم السيد النفاض في نشر دعوة الإخوان المسلمين وهو ما يؤكده الدكتور القرضاوي بعد عودة الجماعة عام 1952م بقوله: كان مسجد آل طه مصدر إشعاع وإحياء، وكانت سنوات حافلة بالنشاط والعطاء، وكان من بواعث إنعاش الإخوان ونموّهم في منطقة المحلة وما حولها وظهور عدد من الدعاة الشباب، أمثال: مصباح عبده، والسيد النفاض، ومحمد حوطر، وعبد الستار نوير، وعبد الوهاب الشاعر... وغيرهم، ممن أصبحوا بعد ذلك نجومًا زاهرة في سماء الدعوة.
تعرض الحاج السيد النفاض للمحنة في عهد عبدالناصر لكنه بعد خروجه في عهد السادات سارع للمساهمة في إعادة إحياء الجماعة مرة أخرى حيث تم اختياره ضمن أعضاء مجلس الشورى العام للجماعة كما أختير كمسئول عن مكتب الإخوان في محافظة الغربية.
كما كان له نشاط واضح من أجل غزة حيث شارك في التظاهرات التي حاشدة خرجت من مسجد الباشا (عبدا لحى خليل )بميدان البندر وأطلق المتظاهرون هتافات و صيحات غضب منددة بالتقاعس عن نصرة أهل غزة عام 2008م حيث تحدث الشيخ السيد النفاض مسئول الإخوان بالغربية عن المقاومة مطالباً الشعوب بتقديم الدعم لها ونصرتها ، مشدداً على أن من يعاون الاحتلال فهو خائن ، كما استنكر النفاض تقاعس الحكام ، وطالبهم بالقيام بمسئولياتهم تجاه المقاومة ودعم صمودها وقد شارك عدد من نواب الكتلة البرلمانية في التظاهرة التي سيطرت حالة من الحزن على مشاعر المشاركين فيها ، ودعا المتظاهرون في نهاية وقفتهم إلى فتح معبر رفح بشكل نهائي ، وطرد السفير الإسرائيلي ، وسحب سفير مصر.
وفي 4 مايو 2011م افتتح فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع، المرشد العام للإخوان المسلمين وبرفقة الحاج السيد النفاض مسئول إخوان الغربية دار الإخوان المسلمين بالغربية
وفاته
ظل ثابتا على دعوته حتى توفاه الله يوم 14 مايو 2017م حيث دفن بعد صلاة العصر من فى مسجد السلام بقرية "محلة أبو علي" التابعة لمركز المحلة الكبرى بمحافظة الغربية