الإخوان المسلمون.. دوافع النشأة وبواعث التغيير
إن نجاح أية حركة – سياسية أو اجتماعية – في الوصول إلى أهدافها، مرهون بمدى قوة ووضوح دوافع إنشائها في صدور أبنائها، وكذلك مدى إدارك الحركة لـ (تحديات) واقعها، الأولى تهتم بالدوافع المولدة للحركة، والثانية تتعلق ببواعث الإستجابة لهذه التحديات كمًا وكيفًا.
ودعوة الإخوان المسلمين ليست استثناء من هذه القاعدة، فهى لم تكن مجرد ردة فعل على سقوط دولة (الخلافة) العثمانية، أو لموجة التغريب التي اجتاحت بلاد العالم الإسلامي منذ أوائل القرن التاسع عشر. بل كانت فعلًا متناميًا تحركه دوافع السعى إلى تحقيق رسالة الإسلام ومقاصده العليا، لكى تستأنف الأمة الإسلامية مسيرتها الحضارية في العالم.
وما الوهن والضعف الذي دبَّ في الأمة، وما تبعها من غزو إستعماري وموجات تغريب نالت من ثوابت الأمة وهويتها، إلا عَرَض لغياب الإسلام في حياة المسلمين، حتى صارت بلاد المسلمين أشبه بقلعة غاب عنها حراسها فتساقطت أسوار حصونها الفكرية والسياسية والإجتماعية.
وهذا ما استقر في وعى حسن البنا حين ردَّ كل مظاهر الضعف والوهن، إلى غياب (الإسلام) كناظم للأمة في شتى ميادينها السياسية والإجتماعية والفكرية والإقتصادية، ومن ثَمَّ إنشغل حسن البنا بإعادة الإسلام كمرجعية ضابطة في حياة المسلمين..
الإخوان.. ودوافع النشأة والتأسيس
تدل الخبرة التاريخية للعرب والمسلمين، أن وجودهم كأمة ذات سيادة وحضارة، إرتبط بالإسلام، فالعرب قبل الإسلام كانوا قبائل شتى تعيش في حماية غيرها من الأمم، فكان المؤرخون يطلقون على المناذرة تسمية عرب فارس، ويطلقون على الغساسنة تسمية عرب الروم. لكن جاء الإسلام، حرر العرب وجعل لهم شوكة وكيان يحفظهم بل ويدفعهم لينافسوا الأمم الأخرى بإنتاج حضارة عريقة لها مكانتها في التاريخ الإنساني ككل.. يقول د. محمد عمارة: (لقد بلور الإسلام أمة امتلكت دولة، حررت الشرق من قهر سياسي وحضاري واقتصادي وثقافي إغريقي وروماني دام عشرة قرون فقامت في الشرق حضارة متميزة جعلت منه العالم الأول على ظهر هذه الأرض لأكثر من عشرة قرون) [١]
لكن مع أوائل القرن العشرين، جاء حسن البنا فلم يجد المسلمين (أمة) واحدة، ولم يجد لهم (دولة) تحفظ سيادتهم وتذود عن حياضهم، ووجدهم شتاتًا في ذيل في الأمم بعدما كانت عالمًا أول فيها. من هنا تشكل الدافع الأول لدى حسن البنا، ليعيد الإسلام في نفوس وعقول العرب والمسلمين، كما كان أول مرة.
فلقد أدرك حسن البنا أن الوهن والضعف الذي أصاب بلاد العرب والمسلمين، فجرَّأ المحتل الغازي على استباحة أوطانها واستعباد شعوبها، ليس إلا أثرًا عن غربة الدين وغياب الأمة وتآكل الدولة.
لذلك لم يكن صحيحًا ما ذكره المؤرخ الدكتور عبد العظيم رمضان، وهو يؤرخ لنشأة جماعة الإخوان المسلمين أوائل القرن العشرين، قوله: (وقد نشأت جماعة الإخوان المسلمين أصلا كرد فعل سلفي لحركة التغريب فى المجتمع المصري وهي التي تبدت فى ذلك الحين فى نبذ المرأة المصرية الحجاب وإقبالها على التعليم ونزولها إلى ميدان العمل بل وإلى ميدان السياسة وتنديدها بتعدد الزوجات والمناداة بإلغاء المحاكم الشرعية.. وإقبال الرجل المصري على أساليب الحياة العصرية فى زيه وعادته وتفكيره، وانصراف الشباب المصري عامة عن التعليم الديني فى الأزهر إلى العلوم الحديثة، وظهور تيار التحرر العقلي الذي تبدى فى إعادة النظر فى الأفكار والتقاليد القديمة وتناولها بمفهوم جديد)، وأن هذا التيار من التغريب وجد فرصته في الإنتشار بسبب (الغزو الإستعماري الأوربي للشرق الإسلامي)، ثم يقول: (يتضح من ذلك أن حركة الإخوان المسلمين لم تدفع إليها عوامل سياسية تتعلق بقضايا الاستقلال والدستور أو رفض النظام القائم وإنما دفعت إليها أفكار سلفية تعارض تيار التغريب) [٢]
وقد ردَّ الأستاذ صلاح شادي أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين علي قائلًا: (فإنه من الأمور اليقينية أن حركة الإخوان المسلمين لم تدفع إليها عوامل سياسية تتعلق بقضايا الاستقلال والدستور أو رفض النظام القائم، ولكن دفع إليها إيمان ركيز بأن الإسلام نظام حياة شامل لا يستقيم ظله إلا بالإيمان بالكتاب كله والدولة جزء من منهاج الحياة الذي رسمه الإسلام) [٢]
ولقد ذكر هذا المعنى د. اسحق الحسيني في دراسته عن جماعة الإخوان المسلمين، حين قال أنه عثر على (نواة الدعوة) في مذكرات حسن البنا [٣]
حيث تحدث حسن البنا فيها عن أماله، فقال: (اذا قضيت في تعليم الابناء سحابة النهار ومعظم العام ، قضيت في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم ومسرات حياتهم ، تارة بالخطابة والمحاورة ، واخرى بالتأليف والكتابة ، وثالثة بالتجول والسياحة .. وقد اعددت لتحقيق الاول معرفة بالجميل وتقديراً للاحسان .. ولتحقيق الثاني من الوسائل الخلقية الثبات .. و من والتضحية، وهما الزم للمصلح من ظله، وسر نجاحه كله الوسائل العملية درساً طويلا.. وتعرفاً بالذين يعتنقون هذا المبدأ و يعطفون على اهله ، وجسما تعود الخشونة على ضالته والف المشقة على نحافته ، ونفساً بعبتها الله صفقة رابحة وتجارة بمشيئته منجية .. ذلك عهدي بيني وبين ربي اسجله على نفسي، واشهد عليه استاذي في وحدة لا يؤثر فيها الا الضمير وليل لا يطلع عليه الا اللطيف الخبير، ومن او فى بما عاهد الله فسيؤتيه اجراً عظيماً) [٤]
لم يذكر حسن البنا في آماله، كلام عن إعادة الخلافة أو عن مواجهة التغريب، وإن كان سيذكر كليهما لاحقًا، لكن القضية المركزية التي أخذت منه جلَّ اهتمامه كانت قضية الدعوة إلى الإسلام والتربية عليه..
فقد كان حسن البنا ينظر للإسلام كطريق وحيد لاسترداد السيادة وتحقيق الإستقلال، إذ يقول: (إن الإسلام في غايته ووسيلته ثورة كبرى، تتضاءل دونها نظرياً وعمليا وتاريخيًا آثار الثورة الفرنسية أو الثورة الروسية.. ثورة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، يزلزل الأوضاع الفاسدة، ويجدد معالم الحياة وأوضاعها ويقيمها على أثبت الدعائم) [٥]
وقد وصف العالم الهندي أبو الحسن الندوي عميد ندوة العلماء بالهند، دعوة حسن البنا بأنها: (جاءت ثورة على الأوضاع الفاسدة والأخلاق الرذيلة وما بلغته الأمة من ضعف وانحطاط)، ثم أشار إلى أهداف جماعة الإخوان المسلمين فقال: (هدف الإخوان يتلخّص في كلمتين: العودة إلى النظام الإسلامي الاجتماعي، والتحرر الكامل من كل سلطان أجنبي)، فأكثر مجتمعاتنا تخضع لتنظيمات وقوانين غير إسلامية، وأكثر دولنا أسيرة للسلطان الأجنبي، ولم تعرف من الاستقلال سوى النشيد الوطني والعلم ومقعد الأمم المتحدة، وليس لشعوبها رأي في النظام الاجتماعي الذي تتبعه أو الإرادة الوطنية المستقلة. [٦]
ويقول حسن البنا: (فنخلص من ذلك كله بتحطيم هذا الوضع الفاسد وأن نستبدل به نظاماً اجتماعياً خيراً منه، تقوم عليه وتحرسه حكومة حازمة) [٧]
يقول الإمام الشهيد في ذلك: "ولكنها مهمة هذا النشء الجديد، فأحسنوا دعوته، وجدّوا في تكوينه وعلموه استقلال النفس والقلب، واستقلال الفكر والعقل، واستقلال الجهاد والعمل، واملئوا روحه الوثابة بجلال الإسلام وروعة القرآن، وجندوه تحت لواء محمد- صلى الله عليه وسلم- ورايته، وسترون منه في القريب: الحاكم المسلم الذي يجاهد نفسه ويسعد غيره. [٨]
ويقول أيضًا: "يجب أن تكون دعامة تلك النهضة: "التربية"، فتربى الأمة أولاً، وتفهم حقوقها تماماً، وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق، وتربى على الإيمان بها، ويبثّ في نفسها هذا الإيمان بقوة، أو بعبارة أخرى تدرس منهاج نهضتها درسًا نظريًّا وعمليًّا وروحيًّا، وذلك يستدعي وقتًا طويلاً لأنه منهج دراسة يُدرس لأمة، فلا بد أن تتذرع الأمة بالصبر والأناة والكفاح الطويل.[٩]
وارتبط في وعى حسن البنا هذا الدافع لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين، بإدراك حقيقة التحديات التي تواجهها شعوب العالمين العربي والإسلامي..
تحديات النهضة وبواعث الحركة
فهذه التحديات وإن لم تكن الدافع لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين، إلا أنها كانت الحافز والباعث على بذل الجهد وصرف الهمة..
فإذا كانت رسالة الإسلام هى الدافع لنشأة جماعة الإخوان المسلمين والوقود الذي يغذي خطاها ويصرِّف طاقتها ويضبط بوصلتها، فإن التحديات هى الباعث المحفز والضابط لترتيب الأولويات على ضوء تحديات المرحلة، سواء كانت داخلية أو خارجية، والتي يمكن إجمالها في:
أولها: الجمود الفكري الذي أصبح قيدًا على أي تحرك من شأنه مواجهة التحدي الحضاري الغربي.
ثانيها: انهيار السلطة العثمانية التي اتخذت من الدين رباطًا قوميًا يربط الأمة الإسلامية، بجانب تراجع القوة العسكرية والمناعة الحضارية لديها؛ فأصبحت تلك الأوضاع ثغرة للتسلل الاستعماري للشرق.
ثالثها: بلوغ الحضارة الغربية مرحلة فتوة الشباب ونضج الحكماء، وسعيها لإنهاء الصراع التاريخي لصالحها باحتواء العرب حضاريًا بالقوة المادية تارة، وبالغزو الثقافي والإغراء الحضاري تارةً أخرى. [١٠]
ونتيجة لحالة الجمود الفكري التي عانت منها مراكز التوجيه والتأثير ومنها الأزهر الشريف، ضعُفت المناعة الفكرية والأخلاقية للمجتمع المصري، واهتزت ثقته في ثوابته وثقافته، فصار المصريون ساحًة مفتوحًة وكلأً مستباحًا لكل فكر شارد جامح، أو مستعمر طامع، وبسقوط رداء الدولة (العثمانية) عن الشعوب، تجرَّأ الغرب الإستعماري على غزو البلاد ثقافيًا وسياسيًا، واستُنبتت نخبة ثقافية وسياسية تدين بالولاء للغرب أكثر من ولائها لبلادها وشعبها، فتنافست أحزابها على كراسي وطن مهترئ وسيادة مستباحة، أكثر مما نافست على البذل والتضحية من أجل ارتقاء الوطن وحماية أمنه وسيادته!
أدرك حسن البنا هذه التحديات جميعًا، حيث شكلت في مجموعها بواعث الحركة وأولويات البذل والعطاء، وذلك بعد أن استوعب ثقافة عصره وجهود سابقيه، في مواجهة هذه التحديات والقيام بما يعالجها ويسد ثغراتها.
وقد أشار إلى هذا المعنى الكاتب الأمريكي روبير جاكسون بعدما قابل حسن البنا في مصر عدة مرات عام 1946 - وعرفه عن قرب وعرف تلاميذه – فقال: (لم تكن هناك دعوة ولا نزعة ولا رسالة مما عرف العالم في الشرق والغرب قديماً وحديثاً، لم يبحثها حسن البنا أو يقرأها أو يدرس أصحابها وأبطالها، ونصيبهم من النجاح أو الفشل، ثم يحمل منها ما يصلح لتجربته وعمله في دعوته)، وذكر هذا الكاتب أن البنا تأثر بالصحابة الكرام في فهمه للإسلام، فهو لم يقتنع بما وصل إليه المجددون الإسلاميون قبله، ولم يقنع أن يكون مثلهم، ولكنه ذهب إلى آخر الشوط، فأراد أن يستمد من عمر وأبي بكر وخالد، فأخذ من أبي بكر السماحة، ومن عمر التقشف، ومن خالد عبقرية التنظيم ) [١١]
كما درس حسن البنا الدعوات الإسلامية الحديثة (دراسة عميقة واعية، بعقلية الداعية المؤهل الموهوب، فعرف مواطن القوة في كل منها، وأَلمَّ بمواطن الضعف.. وأخذ بعد ذلك في تحديد خطته، مستلهما توجيــه القرآن وخطوات النبي صلى الله عليه وسلم، غير متجاهل الأوضاع العالمية وواقع الشعب الذي يعيش فيه.. فتجنب في خطته التي رسمها مواطن الضعف في تلك الدعوات وأخذ بنواحي القوة فيها) [١٢]
هذه التحديات مجتمعة وجدت في حسن البنا ورفاقه، أنفسًا معتزة بدينها تواقة لنصرته متمسكة بسيادة بلادها واستقلالها. أنفسًا أنفق عليها حسن البنا عشر سنوات (1928-1938) من عمر دعوة الإخوان المسلمين، من أجل إعدادها وتهيئتها لمواجهة هذه التحديات وعواقبها..
فكان الإخوان صيحة إنذار ودعوة إنقاذ
وقبل أن يحدِّث حسن البنا المصريين عن التحديات التي تواجه بلادهم، إستغرق أول عشر سنوات من عمر الدعوة، في غرس قيم الإيمان والقيام بواجب الدفاع والحماية، كما غرس معاني الثقة والأمل في نفوس إخوانه ورفاقه. فكان هذا الغرس النابت هو الدافع الذي أشعل وقود الحركة والعطاء في مواجهة تحديات المرحلة، فتحققت الإستجابة بعدما توفر الزاد وتعززت المناعة..
فلم تقبل دعوة الإخوان المسلمين بالواقع أو تتعلل به، بل سعت إلى تغييره والإرتقاء به، بما يعيد إلى الأمة أسباب القوة ومظاهر العافية، فبدأ بتعزيز أسباب مناعتها وعالج أدوائها وأمراضها، وذلك بالعودة إلى الإسلام الصافي والتربية على تعاليمه وأحكامه..
فلم تكن دعوة الإخوان المسلمين بأية حال، ردة فعل على عدوان هنا أو هناك، بقدر ما كانت قيامًا بالواجب واستعدادًا للتضحية، دفاعًا عن تاريخ وحضارة..
وهكذا انتقل حسن البنا من ردة الفعل إلى الفعل، فكانت دعوته دفقة حياة في قلب جسد ممدد على الأرض، وقد تناوشته السهام من كل جانب، يقول الطاهر مكي: (لم تكن جماعة الإخوان يومها مجرد تجمع ديني أو سياسي، أو هما معًا، وإنما قوة ظاهرة، تسيطر على الشارع والمصنع والجامعة، ويحكم حركتها نظام دقيق وتوجه أمورها إدارات متخصصة، وهى أول مؤسسة في مصر اهتمت بالعالمين العربي والإسلامي باطِّراد، وفى ضوء منهج محكم، وأقامت لذلك إدارة متخصصة تتبع مشاغله وهيئاته، وتغذى كفاحه بما تستطيع) [١٣]
لقد كان حسن البنا يؤمن إيمانًا عجيبًا بقدرة الإسلام على إحداث التغيير المرجو، فيقول: إن (مهمة الرسالات في كل عصر قلب النظام دائما! وتغيير الأوضاع عامة، وتوجيه الناس إلى شيء جديد، وانتشالهم من كل ما هم فيه.. وسنقوم بقسطنا من هذا التغيير إن شاء الله، وسيغير الله بنا هذه النظم وتلك الأوضاع، ولتعلمن نبأه بعد حين» [١٤]
وقد شرع حسن البنا في ترسيخ مفهومه عن العودة بالناس إلى الإسلام وبناء المجتمع على قواعده وتعاليمه خلال أول عشر سنوات من دعوته (1928-1938)، فحارب حسن البنا في نفوس المسلمين أسباب الضعف والوهن، وعمد إلى تربيتهم على عدم اليأس أو الشعور به، مهما كثرت الخطوب عليهم والمحن فقال: وفيم اليأس وقد وعدنا الله النصر، وكتب على نفسه المؤازرة للهداة والمرشدين. وانظر ذلك جليا فى ثنايا الكتاب العزيز فى تضاعيف صفحاته ومرامى سطوره وآياته ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾[النحل: 128] [١٥]
وقال: (وأحب أن تعلم – يا أخى – أنّنا لسنا يائسين من أنفسنا، وأنّنا نؤمل خيرًا كثيرًا، ونعتقد أنّه لا يحول بيننا وبين النجاح إلاّ هذا اليأس، فإذا قوي الأمل في نفوسنا فسنصل إلى خير كثير – إن شاء الله - لهذا نحن لسنا يائسين، ولا يتطرّق اليأس إلى قلوبنا والحمد لله. وكلّ ما حولنا يبشِّر بالأمل، على الرّغم من تشاؤم المتشائمين، ولن تظل هذه القيود قيودًا أبد الدهر فإنما الدهر قُلَّب، وما بين طرفة عين وانتباهتها يُغير الله من حال إلى حال، ولن يظل الحائر حائرًا فإنما بعد الحيرة هدى، وبعد الفوضى استقرار، ولله الأمر من قبل ومن بعد) [١٦]
كما ضبط حسن البنا بوصلة إخوانه على حب الدين والتمسك بأهدابه والدعوة إلى تعاليمه وآدابه، فقال: (أحب شيء إلى نفسي التجديد المعتدل النافع، بشرط أن نحفظ على الشرق إيمانه وعاطفته، ونجنبه جحود الغرب وماديته، وأن نتمسك بعقائد الإسلام ونعمل بشرائعه و آدابه) [١٧]
ثم دعا حسن البنا إلى العمل والحركة والتضحية والبذل، وضرب مثالًا لذلك بنفسه، فذكر في احدى مقالاته المنشورة عام 1934، أي بعد مُضي نحو عام من إقامته في القاهرة، أن فكرة الإخوان إنتشرت فيما يزيد على خمسين بلداً من بلدان القطر المصري، وقامت في كل بلد من هذه البلدان تقريباً بمشروع نافع او مؤسسة مفيدة. ففي الإسماعيلية أسَّست مسجد الاخوان وناديهم ومعهد حراء لتعليم البنين ومدرسة أمهات المؤمنين لتعليم البنات، وفي شبراخيت أسست مسجداً ونادياً ومعهداً للبنين وداراً للصناعة يتعلم فيها طلبة المعهد الذين يستطيعون إتمام التعلم، وفي المحمودية البحيرة قامت بمثل ذلك فأنشأت منسجاً للنسيج والسجاد الى جوار معهد تحفيظ القرآن، وفي المنزلة دقهلية أقامت معهداً لتحفيظ القرآن.. وقل مثل ذلك او بعضه في كل شُعبة من شُعَب الإخوان المنتشرة في انحاء القطر من إدفو الى الإسكندرية. [١٨]
وبرغم أن ثورة 1919 أحدثت تغييرات جذرية في المجتمع المصري، حيث أُدخلت الأمة (الشعب) كقوة ثالثة مؤثرة وفاعلة بين السلطتين، الشرعية (الملك أو القصر) والفعلية (الإنجليز) [١٩]
إلا أن هذا التغيير (الشعب)، لم يتحول فعليًا إلى قوة حقيقية قادرة على الفعل والتأثير، إلا بعد أن تلقَّى بعضًا من أبنائه الوعى والتربية اللازمين بجهود حسن البنا والإخوان المسلمين، (وانتشرت أطايب ثمار هذه الجماعة في كل حدب وصوب ، ووصلت إلى كل يد من أبناء الشعب الذين أدركوا صدق هذه الجماعة و إخلاصها ، فسارعوا بالانضمام تحت لوائها . وبدأ حزب الوفد يفقد المئات من أنصاره و مؤيديه ، خاصة بعد معاهدة 1936م فتراجعت على إثر ذلك شعبيته كثيرا، ويحلل الأستاذ جمعة أمين الوضع السياسي في ذلك الوقت فيقول : لكن سرعان ما انصرفت الجماهير عن حزب الوفد بعد معاهدة 1936م مع الاستعمار وبدأت تتطلع إلي قيادة جديدة وتنظيمات سياسية أخري .ولم يكن لأحزاب الأقلية أي توجه شعبي علي عكس الإخوان التي حرص مؤسسها من أول يوم علي دعوة الجميع حتى أصحاب المقاهي من عامة الشعب إلي فكرته وتعريفها بحقها ، وإيقاظ الإيمان في قلوبها . فانتشرت الدعوة في أوساط فئات الشعب المختلفة ، وانجذب إليها العمال ، والطلاب والمثقفون الساخطون علي سياسة الوفد وأحزاب الأقلية معا ، مما أدي إلي توسيع قاعدتها الجماهيرية في وسط الشعب المصري. [٢٠]
وهكذا ركز الإخوان المسلمون خلال أول عشر سنوات من عمرهم (1928-1938)، على بناء الدافعية لدى أفرادهم ومنتسبيهم، ووضوح بواعث الحركة والجهد لمواجهة تحديات المرحلة وتحقيق أهدافها.
- ↑ محمد عمارة – الإستقلال الحضاري https://h1.nu/1xCdH
- ↑ ٢٫٠ ٢٫١ عبد العظيم رمضان – ردود وتساؤلات
- ↑ إسحق الحسيني - الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية
- ↑ حسن البنا – مذكرات الدعوة والداعية
- ↑ نقلا عن كتاب (الفكر السياسي للإمام حسن – إبراهيم البيومي غانم)
- ↑ محمد عبد الرحمن المرسي – الثورة في فكر حسن البنا https://www.ikhwanonline.com/article/235714
- ↑ رسالة المؤتمر السادس
- ↑ رسالة الإخوان تحت راية القرآن
- ↑ مذكرات الدعوة والداعية https://www.ikhwanonline.com/article/97158
- ↑ محمد عمارة – العرب والتحدي
- ↑ روبير جاكسون – الرجل القرآني
- ↑ محمود عبد الحليم - أحداث صنعت التاريخ – الجزء الثاني
- ↑ الطاهر مكي - صورة إنسانية بعيدة عن السياسة "حسن البنا كما عرفته https://www.ikhwanonline.com/article/243204
- ↑ حسن البنا – واجبات الإخوان في العادات والملبس والمظهر – مجلة النذير نقلًا عن كتاب (الفكر السياسي للإمام حسن البنا – إبراهيم البيومي غانم)
- ↑ مجلة الفتح: العدد (100)، السنة الثانية، 25 ذو الحجة 1346ه- 14 يونيو 1928م https://www.ikhwanonline.com/article/248505
- ↑ رسالة دعوتنا – 1935
- ↑ مجلة الفتح الأسبوعية، في -١٦٣-٣ - ٥ ديسمبر ١٩٢٩ نقلًا عن الفكر السياسي عند الامام حسن البنا – إبراهيم البيومي غانم
- ↑ رسالة هل نحن قوم عمليون؟ نقلًا عن (الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية)
- ↑ طارق البشري، مقدمة عن ثورة 1919، فصلية قضايا ونظرات، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، العد 12، يناير 2019، ص 27 نظام ثورة يوليو والإسلاميون: ستون عامًا من الشد والجذب
- ↑ جماعة الإخوان المسلمين وحزب الوفد .. حقائق من أسطر التاريخ https://h1.nu/1sm7v