الإخوان والدولة.. أزمة جماعة أم أزمة نظام؟
تأثرت العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وأنظمة الحكم المتعاقبة، بالموقف من القضية الوطنية، في ركنين أساسيين من أركانها، وهما الديمقراطية والإستقلال.
والديمقراطية تعني حق الشعب في اختيار حاكمه ومحاسبته، وصون الحريات وسيادة القانون وتداول السلطة، والإستقلال يعني سيادة القرار الوطني واستقلاله عن أى تدخل خارجي في أى قضية تمس المصلحة العليا للعباد والبلاد.
فيقترب الإخوان من نظام الحكم ما التزم بهاتين القضيتين، ويبتعد عنها بضدهما، 1952، فكانت العلاقة تتوتر بين الاخوان وبين السلطة الحاكمة، كلما زادت درجة الإستبداد السياسي، أو كلما خضعت سلطة الحكم لتدخلات (إملاءات) الخارج..
فلم تكن الأزمة الناشئة بين الإخوان المسلمين وبين أنظمة الحكم المتعاقبة بعيدة عن هذين العاملين، وتصوير الأزمة يبن الإخوان وأنظمة الحكم على أنها كانت نتيجة صراع على السلطة، أو عدم مرونة من الإخوان، تسطيح مخل أو تضليل متعمد.
ولقد مارست أنظمة الحكم المتورطة في جريمتي الإستبداد والتحالف مع المستعمر الأجنبي، في تزوير وقائع التاريخ بهدف تبرئة أنفسهم ووصم مخالفيهم – الإخوان وغيرهم – بأنهم كانوا طامعين في السلطة!
وفي هذه الورقات نشير إلى هذه الحقيقة فيما بعد الحرب العالمية الثانية..
يرفضون الإستبداد ويؤكدون على الشورى
لم يطرح الإخوان المسلمون أنفسهم بديلًا عن السلطة، أو منافسين لها، لكنهم يبذلون النصح والمعونة، ويرفضون الإستبداد، فيطرحون رؤيتهم لنظام حكم يقوم على الشورى ويقبل بآليات الديمقراطية، ويقاومون المستعمر ومخططاته.
ففي عام 1936 يرسل المرشد العام للإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا بخطاب إلى الملك فاروق ورئيس الوزراء (مصطفى النحاس) وملوك وأمراء وحكام بلدان العالم الإسلامي، يحضهم فيها على العودة إلى تحكيم كتاب اللَّه عزّ وجلّ وسنّة رسوله (ص)، ويعرض فيه أبعاد وملامح التغيير الإسلامي على صعيد الفرد والأسرة والمجتمع، وصدَّرها بقوله: (فإنما حملنا على التقدم بهذه الرسالة إلى مقامكم الرفيع رغبة أكيدة في توجيه الأمة التي استرعاكم الله أمرها، ووكل إليكم شأنها في عهدها الجديد، توجيها صالحا يقيمها على أفضل المسالك، ويرسم لها خير المناهج، ويجنبها التجارب المؤلمة الطويلة، ويقيها التزلزل والاضطراب. ولسنا نبغي من وراء ذلك شيئًا إلا أن نكون قد أدينا الواجب وتقدمنا بالنصيحة. وثواب الله خير وأبقى).[١]
ثم يضع حسن البنا قاعدة عامة في تعامل جماعته مع الحكومات، فيقول: (موقفنا من الحكومات المصرية على اختلاف ألوانها، فهو موقف الناصح الشفيق، الذي يتمنى لها السداد والتوفيق، وأن يصلح الله بها الفساد، وإن كانت التجارب الكثيرة كلها تقنعنا بأننا في واد وهي في واد.. لقد رسمنا للحكومات المصرية المتعاقبة كثيرا من مناهج الإصلاح، وتقدمنا لكثير منها بمذكرات إصلاحية) [٢]
إعتبر حسن البنا أن النظام الديمقراطي السليم هو الأقرب إلى النظام الشورى الإسلامي، وإن اعتبر أن الديمقرطية (الغربية) قاصرة وحدها عن تحقيق معنى العدالة والحرية في المجتمع الذي تحكمه، فيقول: أن هذه السياسة الإسلامية نفسها لا تنافى أبدًا الحكم الدستوري الشورى، وهى واضعة أصله ومرشدة الناس إليه فى قوله تعالى من أوصاف المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾[الشورى: 38]، وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾[آل عمران: 159] [٣]
وقال إن: نظام الحكم الذي ارتضته مصر، وأعلنته على رءوس الأشهاد، وسجلته فى دستورها هو النظام الديمقراطي.. والحكم الديمقراطي فى كل قواميس السياسة والسياسيين يعني "حكم الشعب بالشعب"، ومهما اختلف السياسيون على الأشكال والألوان والوسائل التى يتحقق بها هذا الحكم، فهم لم يختلفوا أبدًا على هذه الحقيقة، وهى: أن لب الديمقراطيات الاعتراف بسلطة الشعب، وحقه فى أن يحكم بالنظام الذي يختاره ويرضاه، ولقد نص الدستور المصري فى مادته التاسعة والأربعين بعد المائة على أن دين الدولة الرسمي الإسلام، وكان فى هذا صادقًا محقًا، ومصورًا أدق تصوير لروح الشعب المصري ومشاعره، ومعنى هذا أن الديمقراطية المصرية يجب أن ترتكز على تعاليم الإسلام وأن تستمد منها لتكون ديمقراطية صحيحة، ومن حسن الحظ أن روح الإسلام وتعاليمه لا تتعارض مع روح الديمقراطية الحديثة متى سلمت من الشهوات الحزبية والأهواء الاستعمارية.. وإذا كان هذا النظام هو نظام الحكم فى مصر، فمن هم الذين قلبوه فى الحقيقة، ومازالوا مصرين على أن يظل النظام مقلوبًا إلى الآن؟! [٤]
فاعتراض حسن البنا على الديمقراطية التي كان ينادى بها الغرب – ليس لمضمونها أو جوهرها - لكن للواقع التي كانت تنادي به، حيث كانت ستار لممارسة المستعمر ضد الشعوب بحجة تحول هذه الشعوب إلى الديمقراطية، فنجده يقول: أما أغنية الديمقراطية والديكتاتورية فأنشودة نعتقد أن الحرب الحالية ستدخل عليها ألحانًا جديدة، وأنغاما جديدة، ولن يكون فى الدنيا بعد هذه المحنة ديمقراطية كالتي عهدها الناس، ولا ديكتاتورية كهذه الديكتاتورية التى عرفوها. ولن تكون هناك فاشية ولا شيوعية على غرار هذه الأوضاع المألوفة، ولكن سيكون هناك نظم فى الحكم، وأساليب فى الاجتماع تبتدعها الحرب ابتداعًا، ويخترعها الساسة اختراعا، ثم يضعونها موضع التجربة من جديد. وتلك سنة الله، ونظام المجتمع [٥]
ويساندون الحكومة في أنشطة النفع العام
وفي مسار موازي لهذا النصح، كان الإخوان يساندون الحكومة فيما فيه نفع للناس، وكمثال على ذلك قام الإخوان بتقديم الخدمات الصحية المجانية لأفراد الشعب المصري، والتعاون مع (وزارة الصحة) في مواجهة الكوارث الطبيعية التي حلَّت بالبلاد في تلك الفترة.. حتى بلغ عدد المرضى المتردِّدين على العيادة المجانية للإخوان بالمنصورة خلال شهرَي يونيو ويوليو عام 1938م نحو 2060 مريضًا؛ منهم 1000 طفل، و600 امرأة، و357 رجلاً، و54 مريضًا بالأسنان، و35 مصابًا، وأجرت 14 عمليةً جراحية. [٦]
بل كان الإخوان على دراية بتفاصيل القطاع الصحي في مصر، فقد جاء في توصيات مؤتمرهم السادس في يناير 1941 الذي عقده الإخوان بعد تعنت حكومي واضح: (تقديم الإرشادات الخلقية والصحية والاجتماعية والفنية - متى وجد الفنيون الاختصاصيون في الشعبة - إلى كلِّ مَن يمكن تقديمها إليه من أفراد الشعب، وإنفاذ المشروع الطبي بنشاط، وسيقوم المكتب بواجبه في ذلك بالاتصال بحضرات أطباء الأقاليم، وإرسال أعضاء القسم الصحي به إلى الشُّعَب) [٧]
وفي عام 1943، قامت فرق الجوالة في الريف المصري بأعمال كنس الطرقات والشوارع وحثِّ القرويين على التردُّد على المستشفيات والعيادات الطبية، وتقديم الإسعافات الأولية.. وفي عام 1945 أنشأ الإخوان قسم البر والخدمة الاجتماعية ومن أغراضه الدعاية الصحية والاجتماعية عن طريق أسابيع الإصلاح. [٨]
وتعاونت جماعة الإخوان المسلمين مع وزارة الصحة المصرية في مواجهة الكوارث الطبيعية، فعندما إجتاح وباء الكوليرا مصر عن طريق جنود الاحتلال، قرَّر مكتب الإرشاد في جلسة 23 سبتمبر 1947م، إرسال خطاب لوزير الصحة، قال فيه حسن البنا: (.. تتقدَّم إدارة الجوالة العامة للإخوان المسلمين إلى معاليكم ليحملوا نصيبهم من هذا الكفاح الوطني المقدَّس، معلنين أنهم يضعون تحت تصرُّف وزارة الصحة 40 ألف جوال من خيرة شباب الأمة وزهرة أبنائها الأطهار، منبثِّين في جميع أنحاء الوادي من كبريات المدن والحواضر إلى صغريات القرى والكفور، كلهم على أتمِّ الاستعداد للقيام بما عُهد إليهم من أعمال لمكافحة هذا الوباء.. ويسرنا إلى جانب ذلك أن نضع تحت تصرف وزارة الصحة 1500 شعبة من دَور الإخوان المسلمين تكون مركزًا للأغراض الوقائية والعلاجية ضد هذا الوباء، ولا سيما في المناطق التي ليس للصحة بها مراكز ثابتة.. ومثل ذلك فعل الإخوان عندما داهم البلاد وباء الملاريا..) [٨]
ولم يسجل التاريخ في هذه الفترة نشاطًا لأى قوة سياسية أو مجتمعية، مماثلًا لما قام به الإخوان المسلمون في هذا القطاع أو في غيره من أنشطة النفع العام، وهذا من أبلغ الأدلة على أن الإخوان المسلمين قوة مساندة ومعاونة للحكومة في الصالح العام، وناصحة لها إذا ما شردت مبتعدة عن مصلحة شعبها وأمتها..
ويقاومون الإحتلال الإنجليزي في مصر
وتتمة للواجب الوطني العام الذي ألزم الإخوان المسلمون به أنفسهم، كان مقاومة المستعمر وفضح مخططاته في تجهيل الشعب المصري والإستيلاء على ثرواته..
فقد جعل حسن البنا من غاياته الكبرى تحرير الأوطان، فقال: (ماذا نريد أيها الإخوان؟ أنريد جمع المال وهو ظل زائل؟ أم سعة الجاه وهو عرض حائل؟ أم نريد الجبروت في الأرض؟... ما نريد شيئاً من هذا أو ما لهذا قد عملنا ولا إليه دعونا، اذكروا دائماً أن لكم هدفين أساسيين:- أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي وذلك حق طبيعي لكل إنسان، لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر. وأن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي وتعلن مبادئه القويمة وتبلغ دعوته الحكيمة للناس) [٩]
بعد عام واحد من تأسيسه لجماعة الإخوان، كتب حسن البنا في مجلة الفتح عن «الجهاد في سبيل الله ومنزلته من الإسلام»، مؤكدا أنه «سر عزة المسلمين الأوائل»، وتوالت بعد ذلك مقالاته وجهوده لتأكيد هذا المعنى وترجمته عمليا في إطار المواجهة مع الاستعمار والصهيونية. ولم يكن خافياً على «البنا» كما لم يكن يخفى على غيره أن مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي قد صارت نهبا مقسما في أيدي الغاصبين، وأن المسلمين «محكومون بالكفار، وقد ديست أرضهم وانتهكت حرماتهم.. إذن فالجهاد عليهم فريضة محكمة وضرورة لازمة».. وعلى ذلك جزم بأنه (يجب وجوباً عينياً لا مناص منه أن يتجهز كل مسلم وأن ينطوي على نية الجهاد وإعداد العدة له حتى تحين الفرصة ويقضي الله أمراً كان مفعولاً)، ووجه بذلك نداءات متكررة للإخوان خاصة، وللشعب عامة، ومن ذلك قوله: «أيها الإخوان: إن الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة يهب لها الله الحياة العزيزة، فاعملوا للموتة الكريمة تظفروا بالسعادة الكاملة، رزقنا الله وإياكم كرامة الاستشهاد في سبيله) [١٠]
واستطاع حسن البنا في سنوات معدودة، تعبئة الشعور الوطني المناهض للإنجليز في مصر، خاصة بين شباب الجامعات المصرية، ففي 9 فبراير 1946، قام الإخوان – بالمشاركة مع القوى الوطنية - بمسيرة سلمية من جامعة القاهرة إلى قصر عابدين ليؤكدوا موقفهم الرافض للمفاوضات مع بريطانيا إلا أن قوات البوليس هاجمت المسيرة وهي تجتاز كوبري عباس، ووقعت المذبحة الشهيرة «مذبحة كوبري عباس» في ذلك اليوم، وبعدها بأيام قلائل سقطت حكومة النقراشي في 14 فبراير 1946، وكلف صدقي باشا بتأليف وزارة جديدة. [١١]
وما حدث في هذا اليوم، كان تكرارًا لما حدث قبل عشر سنوات على نفس الكوبري عام 1936، ولكن الفرق بينهما كان في شيء واحد هو أن الذي أمر بضرب الطلبة بالرصاص فوق كوبرى عباس سنة 1936 كان إنجليزياً، في حين أن الذي أمر بضربهم بالرصاص فوق نفس الكوبرى في هذه المرة كان وياللأسف مصرياً تبرأ منه مصريته! وهو عبد الرحمن عمار بك، وكان المنفذ مصرياً أيضاً هو اللواء سليم زكى باشا، وقد أصيب 160 طالباً إصابات شديدة، وفقد 28 طالباً حيث كانوا يلقون بأنفسهم من فوق الكوبرى فى النيل من شدة الضرب بالرصاص [١٢]
الكاتبة صافيناز كاظم تحكي عن ذلك اليوم، إذ كان أخوها الأكبر من ضمن الطلبة المتظاهرين، فتقول: كان (محمود فهمي النقراشي، رئيس الوزراء ووزير الداخلية في آن واحد، كان هو المسؤول عن إصدار الأمر بفتح كوبري عباس في 9 فبراير 1946 لإغراق مظاهرة احتجاج قادها طلبة جامعة فؤاد ضد الاحتلال الإنجليزي رافعين شعار «الجلاء بالدماء».. وأن الإخوان وحزب الوفد كانوا يمدون الطلاب المعتقلين بالغذاء وهم في السجن.. وكيف أن غالبية الناس كانت متعاطفة مع قاتل النقراشي – فيما بعد - نتيجة هذه الحادثة) [١٣]
فأيهما أقرب لتحقيق المصلحة الوطنية؟ الإخوان المسلمين الذين حركوا المظاهرات في أنحاء القطر المصري ضد الإحتلال؟ أم حكومة النقراشي التي فتحت الكوبري على الطلاب المتظاهرين في أحداث كوبري عباس؟
ويقاومون المشروع الصهيوني في فلسطين
وخارج حدود الوطن، كان الإستعمار يعيد ترتيب أوضاع المنطقة العربية، بما يجعلها أسيرة في يده حتى بعد رحيل جنوده عنها، وهذا ما فطن له الإخوان المسلمون والعديد من الوطنيين المخلصين الذين لم يتلوثوا بالتبعية للمحتل الأجنبي..
فحين جاء شهر مايو 1948، أعلن الإنجليز إنهاء وجودهم في فلسطين، ليعطوا الفرصة للمشروع الصهيوني أن يتمدد منطلقًا من فلسطين إلى أنحاء العالم العربي، فأعلن حسن البنا إستعداده لإرسال عشرة آلاف متطوع إلى فلسطين لمواجهة هذا المخطط، فماذا كان موقف الحكومة المصرية (حكومة النقراشي) آنذاك؟
إختارت حكومة النقراشي إعلاء مصلحتها الحزبية والمتحالفة مع الإنجليز، على المصلحة الوطنية!
فرفضت السماح للإخوان بالدخول إلى فلسطين! لكن الإخوان نجحوا في التسلل إلى فلسطين، واشتبكوا مع العصابات الصهيونية في صحراء النقب، وحققوا في ذلك نجاحات كبيرة، وبعد شهرين من المعارك التي ذاقت فيها العصابات الصهيونية الأمرين.. طلبت الحكومة من الإخوان سحب قواتهم من النقب، وبطبيعة الحال رفض الإخوان، فلجأت الحكومة إلى قطع الإمدادات والتموين عن المجاهدين!
ونتيجة إشتداد المعارك مع العصابات الصهيونية، طلبت قيادة الجيش المصري تطوع المزيد من شباب الإخوان في المعارك لمهارتهم وصمودهم في القتال.. لكن الغريب أن النقراشي (رئيس الحكومة) رفض الطلب ووقف ضده بقوة! [١٤]
برغم أن التيار العام في البلاد كان مؤيدًا بقوة لما قام به الإخوان المسلمون، إذ كان (إجماع الجماهير في الشارع المصري والطلبة في المدارس والجامعات والعلماء والأحزاب والبرلمان والجماعات الدينية، على مساندة القضية الفلسطينية، وبذل الجهود لجمع التبرعات والتطوع في الجيش للمشاركة في الحرب من أجل نصرة فلسطين) [١٥]
وكان الإخوان (قد سبقوا الجيش المصري في الدخول إلى فلسطين منذ الثورة العربية الكبرى هناك بين عامي 1936-1939م، وذلك على مستوى التدريب، ثم شرعوا في الدخول للقتال بأنفسهم متسللين في بدايات عام 1947م وقبل معارك مايو/أيار عام 1948، لا سيما بعد رفض حكومة النقراشي طلبهم الرسمي للقتال. وكان هذا التدخل منهم عامل ضغط على الحكومة المصرية بزعامة الملك نفسه الذي رأى أنه بات لزاما عليه التدخل للحفاظ على صورته وهيبته.. لكن القوات العربية مجتمعة لم تكن كافية للرد على العصابات الصهيونية، فما جرى كان مجرد تظاهر عربي عسكري وقرار مرتجل في إدخال قوات يعلم رؤساؤها أنها كانت غير كافية) [١٦]
وبينما كانت الجيوش العربية في أضعف حالاتها، وخاصة الجيش المصري الذي شارك بثلث قواته تقريبا، كان متطوعوا الإخوان المسلمين يحققون تقدما كبيرا في قتال العصابات الصهيونية، حيث (حقَّقوا انتصارات مذهلة على العدو الصهيوني.. خاصة في "التبة 86"؛ حيث نجحت كتائب الإخوان المسلمين في سحق القوة الصهيونية المسيطرة على التبة بعد أن فشل الجيش المصري في استردادها.. وكان الضابط معروف الحضري أحد قيادات كتائب الإخوان المسلمين في فلسطين قد نجح في اختراق الحصار المفروض على كتيبة الجيش المصري المحاصر في الفالوجا، والذي كان من بين أفرادها جمال عبد الناصر؛ حيث نجح الحضري في توصيل الإمدادات إلى كتيبة الجيش المصري المحاصرة) [١٧]
وكان الفارق ضخم بين آداء الجيوش العربية في المعركة وبين آداء الإخوان المسلمين فيها، ويكفي أن تعلم أن (أن جيوش الدول العربية الست دخلت الحرب والعرب يسيطرون على 73٪ من الأرض وحصة الإسرائيليين لا تتجاوز 27٪ وحين انتهت الحرب كان الطرفان قد تبادلا الحصص لصالح الإسرائيليين بطبيعة الحال) [١٨]
وقد أدى ذلك إلى إرتفاع شعبية الجماعة في مصر والعالم العربي وخاصة بين أفراد الجيش المصري وقادته، مما أزعج القوى الإستعمارية التي لم تتعود على مثل هذه المقاومة من الشعوب.
وبدلًا من أن تقف حكومة السعديين (حزب الأقلية) داعمةً للمتطوعين في حرب فلسطين، تحولت إلى أداة في يد المستعمر الإنجليزي لتعويق هذه الجهود!
فازداد التوتر بينها وبين الإخوان، خوفًا من هذه الشعبية المتزايدة لجماعة الإخوان، خاصة بعد الدور الإسنادي الذي قام به متطوعوا الإخوان للجيش المصري، وشهد به العديد من قادة الجيش المصري، وحاولت تلك الحكومات الإدعاء بأن هذا الخوف مرجعه إلى إمكانية قيام الجماعة بالاستيلاء على السلطة! وانساق بعض الكتَّاب والباحثين خلف هذا الإدعاء مع الأسف!
كما شعرت قوى الإستعمار بأن جماعة الإخوان المسلمين تشكل تهديدًا وجوديًا عليها، ليس فقط لشعبيتها أو لدورها المتميز في مقاومة المشروع الصهيوني، لكن كذلك لأنها مثَّلت التجسيد الحي للهوية المصرية الأصيلة، والتي بذل الإستعمار جهودًا كبيرة من أجل طمسها في وعى المصريين والتشكيك بمدى جدواها في مقاومة مشروع الإستعماري، سواء في وجهه الصريح (الصهيونية)، أو في وجهه المستتر (العلمانية).
فاستخدم الإستعمار الإنجليزي نفوذه لدى حلفائه النافذين داخل الدولة المصرية، حتى تمكن من استصدار قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1948، وتبع ذلك قيام رجال الحكومة المصرية باغتيال حسن البنا في فبراير 1949، والزج بأفراد الجماعة في المعتقلات، وإنزال صنوف ألوان العذاب البدني والنفسي بهم..
وكانت التحقيقات التي فُتحت بعيد استيلاء الجيش على الحكم في يوليو 1952 بأمر محمد نجيب، تشير بوضوح إلى أن القرار بتصفية حسن البنا قد اتخذ في مكتب إبراهيم عبد الهادي رئيس الوزارة، مما يعني أنه كان قرارا رسميا بتوجيه من السفارات الأجنبية، وليس مجرد كيد حزبي، على أنه لم يثبت في التحقيق أن القصر كان متورطا أو على علم مسبق بالجريمة. [١٩]
ففي خلال هذه الفترة (1928 – 1952)، لم تتوتر العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وبين حكومة (مصر)، إلا عندما تحولت الحكومة إلى أداة في يد المستعمر الأجنبي، الذي وجد في جماعة الإخوان خطرًا يهدد مشروعهم الإستعماري!
فمَن كان في أزمة، النظام؟ أم الإخوان المسلمون؟ الإخوان المسلمون قاموا بواجبهم الوطني في إسناد ومساعدة الحكومة في مشروعات النفع العام، ثم قاموا بواجبهم الوطني ضد الإحتلال الإنجليزي في مصر، والمشروع الصهيوني في فلسطين؟ أم حكومة النقراشي التي أطلقت الرصاص على الطلاب المتظاهرين في أحداث كوبري عباس؟ واعتقلت المجاهدين من جبهة القتال في فلسطين، بعد أن حلَّت جماعة الإخوان المسلمين داخل مصر؟!
- ↑ مجموعة الرسائل – رسالة نحو النور
- ↑ مجموعة الرسائل – رسالة المؤتمر الخامس
- ↑ مجموعة الرسائل - رسالة مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين عام 1937م
- ↑ مجموعة الرسائل - رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي
- ↑ مجلة الشهاب، العدد (2)، السنة الأولى، 1صفر 1367ه-14 ديسمبر 1947م، ص(27-32). نقلا عن، الديمقراطية في فكر حسن البنا https://2u.pw/ElDQ3u
- ↑ دور الإخوان في إصلاح المجتمع ومحاربة الفساد https://www.ikhwanonline.com/article/36761
- ↑ رسالة المؤتمر السادس
- ↑ ٨٫٠ ٨٫١ دور الإخوان في إصلاح المجتمع ومحاربة الفساد https://www.ikhwanonline.com/article/36761
- ↑ مجموعة الرسائل – رسالة بين الأمس واليوم
- ↑ إبراهيم البيومي غانم - الفكر السياسي للإمام حسن البنا – ص 396
- ↑ إبراهيم البيومي غانم – الفكر السياسي للامام حسن البنا – ص413
- ↑ أحداث صنعت التاريخ – ج1 ص366
- ↑ الشرق الأوسط – صافي ناز كاظم - حكايتي مع محمود فهمي النقراشي https://2u.pw/azCKqz
- ↑ أحداث صنعت التاريخ – ج1 ص 498
- ↑ رسالة ماجستير تشيد بدور الإخوان في حرب 48 https://www.ikhwanonline.com/article/37468
- ↑ قراءة في أوراق النكبة.. مَن الذي أفشل الجيش المصري في حرب 1948؟ https://2u.pw/prAd0u
- ↑ رسالة ماجستير تشيد بدور الإخوان في حرب 48 https://www.ikhwanonline.com/article/37468
- ↑ فهمي هويدي - مصر وفلسطين..من يدافع عن من؟ https://2u.pw/OZxgAWn
- ↑ حسن البنا.. الشيخ المرشد الذي أيقظ الشرق وأرعب الاحتلال والنظام https://2u.pw/Yn8kHk