حسن الهضيبي الإمام الممتحن

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حسن الهضيبي .. الإمام الممتحن


بقلم/ الأستاذ جابر رزق الفولي

إهداء

إلى من قدم لنا أعز ما يقدمه المؤمن لأبنائه وهي العقيدة الإسلامية الصحيحة.

وإلى من فتح عيوننا على قيمة العمل لدعوة الإسلام ومنزلة العاملين عند الله.وإلى من تعلمنا منه الصبر والمصابرة والاحتساب لله , وأن هذا خلق أصيل لمسلم الحق .

وإلى من غاب عنا بجسده .. لكنه لم يغب عنا بروحه وتوجيهاته.

إلى والدنا لحبيب الذى اختاره الله عزوجل فى دار البقاء , حيث اللقاء مع الأبرار من حملة الرسالات والدعوات ... إليه تهدي هذا الكتاب..

أيمن ... أشرف ... أحمد

جابر رزق

تقديم الأستاذ مصطفى مشهور

بسم الله الرحمن الرحيم

فى الشدائد تعرف معادن الرجال , وهكذا كانت حياة الإمام حسن الهضيبي رحمة الله – مع دعوة الإخوان المسلمين , قاد السفينة بحكمة وثبات وسط صخور متشابكة من داخل الصف ومن خارجه , أكثر من عشرين عام بقليل تعرضت خلالها الجماعة إلى محنتين قاسيتين متتابعتين أو متداخلتين على يد عبد الناصر الذى جرأ غيره من حكام بلادنا الإسلامية على البطش والتنكيل بالإسلاميين عموما والإخوان المسلمين بصفة خاصة أمثال حكام سوريا وليبيا والعراق وتونس والصومال وغيرها.

لقد كان توفيق الله حليف الجماعة حين وقع الإختيار على الإمام الهضيبي كمرشد عام لها بعد اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا . لم يكن معروفا بين الإخوان ولكن أقدار الله كانت وراء اجتماع الكلمة عليه , وما أن مر عام أو يزيد قليلا بعد اختياره حتي حدث انقلاب 23 يوليو وظن الناس وكثير من الإخوان خيرا ولكن الإمام بنظرته الثاقبة كان على غير ذلك. وحاول عبد الناصر إثارة الفتنة فى صف الإخوان ضد مرشدها ولكنه فشل ثم كانت تمثيلية المنشية وما أعقبها من اعتقالات وتعذيب ومحاكمات صورية وإعدامات تحت التعذيب وعلى أ‘واد المشانق وحكم على الإمام الهضيبي بالإعدام ولكن خفف الحكم إلى المؤبد ودخل معنا ليمان طره ولبس سلسلة الحديد فى رجليه , وكان رمزا شامخا للثبات والاستخفاف بالمحنة رغم قسوتها ثم نقل من الليمان إلى سجن مصر ثم أفرج عنه , وكانت توجيهاته للإخوان بالسجون تصلهم بانتظام وتوصيهم بالصبر والثبات وما أن أتم الإخوة المحكوم عليهم بعشر سنوات وبدءوا فى الخروج من السجون حتي بدأ عبد الناصر المحنة الثانية فى عام 56 وأعتقل فيها الإمام الهضيبي مرة ثانية وتعرض للمحاكمة وحكم عليه بثلاث سنوات قضاها فى ليمان طره ثم نقل إلى المعتقل مع الإخوان فكان قدوة للإخوان فى الصبر والثبات رغم تقدمه فى السن وضعف صحته.

ثم كان له دور هام فى حسم قضية التكفير التي اعتنقته بعض الإخوة وكان للبحث الذى أعده الإمام الهضيبي الأثر الكبير فى عدول الكثير ممن تلبس عليهم هذا الفكر عنه والتزام الفكر الصحيح للإخوان المسلمين . وهذا البحث هو الذى طبع فيما بعد تحت عنوان " دعاة لا قضاة " ثم فاصل المصرين على هذا الفكر مفاصله واضحة بأن يبحثوا لهم عن لافتة غير لافتة الإخوان ليعملوا تحتها وبعد موت عبد الناصر الذي كان يصر على استمرار المعتقلين والمحكوم عليهم وراء الأسوار إلى البد ولكن السادات بدأ فى الإفراج التدريجي للأخوة جميعا واستمر الإمام الهضيبي يقود الجماعة ويتحرك بها داخل مصر وخارجها حتي لقي الله فى عام 73 وكان الجو العام الذى تعيشه الجماعة فيه من التضييق ما جعل الإمام الهضيبي يلقي الله دون جو من الإعلام اللائق به وهكذا قضي الإمام الهضيبي بقيادة أهم مرحلة من مراحل الدعوة , مرحلة الامتحان والابتلاء حيث خرجت الجماعة من تلك المحن أصلب عودا مرحلة وأكثر تماسكا وامتدت رقعتها رغم المحن خارج مصر فى دول عربية وغير عربية و ويرجع الفضل بعد الله سبحانه وتعالى فى ذلك إلى التربية التى اهتم بها كلا من الإماميين البنا والهضيبي ثم إلى الحكمة والصبر والثبات التي تميز بها الإمام الهضيبي خلال فترته التي اشتدت فيها المحن على الإخوان.

أما الأخ الكريم جابر رزق رحمه الله الذى كتب فله فى القلب مكانة عزيزة حيث كان رمزا لرجل الإعلام الإسلامي الذى كان يد أكثر من مجلة بكتاباته , كما ألف الكتب حول المحنة ومذبحة طره وها هو يكتب عن الإمام الهضيبي الإمام الممتحن وقليلون من كتبوا عنه فجزي الله الأخ جابر خير ورحم الله الجميع وجمعا بهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فى الفردوس الأعلى ... اللهم أمين ..

مصطفى مشهور

مقدمة

جرت سنة الله فيمن يصطفهم لحما رسالته وفيمن يختارهم لتبليغ دعوته وهداية خلقه أن يصنعهم على عينه ويكلأهم بعنايته ورعايته فيحفظهم من كل ما يشنيهم ويهيئ لهم من الأحوال والظروف والفرص ما يجعلهم بين أقوامهم أولي من غيرهم للاصطفاء والاختيار ..

هذا ما تؤكده سيرة أنبياء الله ورسله والرواد المصلحين والأئمة المجتهدين , والدعاة المجاهدين , وهذا ما سنراه فى سيرة الإمام الممتحن حسن الهضيبي المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين الذى تولي قيادة الجماعة فى أخطر مراحل تاريخها فجاهد فى الله حق الجهاد فصبر وصابر وصمد وثبت ثبوت الشّم الرواسي ... لم يضعف ولم يهن ولم ينهزم ولم تلن له قناة ولم يهتز أما إعصار الطغيان وكان القدوة الحسنة والنموذج الفذ للرجال المؤمنين ( الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)..

نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله , وإن من حق الإمام حسن الهضيبي ومن قبله الإمام الشهيد حسن البنا أن يكون كل منهما أسوة وقدوة ومناورة على طريق العاملين المخلصين..

جابر رزق


أربعة لقاءات

أربعة لقاءات لى مع الإمام حسن الهضيبي رحمه الله عليه محفورة فى ذاكرتي مضي على أول هذه المذكرات أكثر من ثلث قرن لكن صورة اللقاء لازلت أذكرها وكأنها حدثت بالأمس القريب .

اللقاء الأول

كان الوقت بعد صلاة المغرب على سطح العمارة التى كانت تواجه المركز العام للإخوان المسلمين بميدان الحلمية الجديد وكان بها مكتب إداري القاهرة .

أما عن تاريخ اللقاء فكان عقب أحداث احتلال المركز العام للإخوان المسلمين واقتحام منزل المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي من قبل بعض أفراد النظام الخاص ويتحريك من عبد الناصر عن طريق بعض الشخصيات التي كانت له صلة بها .. بهدف إبعاد الأستاذ الهضيبي عن قيادة الجماعة لأنه كان بمثابة العقبة الكئود أمام جمال عبد الناصر .. ولكن خاب التدبير . وفشلت المؤامرة .. وصمد الإمام الهضيبي ورفض رفضا جازما الاستقالة تحت المقتحمين لمنزله , واستطاع جناح آخر من الجماعة أن يجلي المحتلين للمركز العام ويعيد المر إلى نصابه وـأكيدا لاستقرار الأوضاع جددت البيعة للإمام الهضيبي...

كان تاريخ هذا اللقاء هو ديسمبر سنة 1953 , وكنت وقتئذ تابعا لشعبة كرداسة قريتي التي كانت تتبع منطقة بين السرايات , وقد طلبنا عن طريق المنطقة واجتمعنا على السطح وكان المقرئ الذى افتتح اللقاء بتلاوة بعض الآيات هو الشيخ صلاح أبو إسماعيل وقتها كان لا يزال شابا فارع الطول أقل كثيرا فى الضخامة عما هو عليه الآن ..

رأيت الإمام الهضيبي أول ما رأيته يرتدي طربوشه .. ومعطفه الأسود ووقف شامخا .. صامدا .. ساكنا هادئا .. وقورا . ووقف بجانبه الدكتور عبد العزيز كامل وكان فى ذروة تألقه كأحد رجال الدعوة الإسلامية .. فأخذ البيعة للإمام الهضيبي من جميع الحاضرين .. وكانت بيعة للرجل بقيت فى رقبتي حتى لقي ربه..

اللقاء الثاني

كان اللقاء الثاني بالإمام الهضيبي بمنطقة الزيتون فى مناسبة إسلامية ربما كانت ذكرى الهجرة .. أ و ذكري مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ... وأقيم الحفل بجوار صيدلية حداد بالقرب من محطة القطار ...وحضر الإمام الهضيبي وكان يرافقه الشهيد سيد قطب ووقف الإمام الهضيبي يلقي كلمته وكان هذا اللقاء أيضا عقب أحداث الفتنة التي وقعت فى أواخر عام 1953 .. وقف أحد الشباب من الذين أوقفوا عقب أحداث احتلال المركز العام واقتحام منزل المرشد , وبدون استئذان قال للإمام الهضيبي : نريد أن نعرف من قتل سيد فايز ؟

[وسيد فايز هذا هو الأخ الذى قتل عن طريق طرد من المواد الناسفة مخفي فى علبة حلوي , وقد اتهم فى قتله قادة النظام الخاص وحصر الاتهام فى الاستاذ أحمد عادل كمال وقتئذ وإن كان الأستاذ محمد حامد أبو النصر المرشد الرابع للإخوان كتب فى مذكراته أن الذي قتل سيد فايز هو أنور السادات...]

كان السائل مستفزا... فحدث هرج.... ومرج , وبالطبع لم يجب الإمام الهضيبي... ولم يلق بالا للسائل ولا للسؤال وسيطر الإخوان المنظمون للحفل على النظام ... وبعد أن ألقي الإمام الهضيبي كلمته تبعه الشهيد سيد قطب فألقي كلمته..

وانتهي الحفل.

اللقاء الثالث

كان فى عام 1966 فى السجن الحربي ....أخرجونا لنتسلم " الإدعاء" علينا فى قضية 1965 قبل المحاكمة بأيام قليلة ... كان الوقت عصرا .. ,كنت المتهم الثاني فى القضية الثانية " تنظيم القاهرة " وكان عددنا أربعة وأربعين متهما , وأثناء تسلمنا للإدعاء نظرت خلفي فرأيت رجلين كبيرين أحدهما الإمام الهضيبي أما الثاني فكان الشيخ محمد الأودن رحمه الله رحمة واسعة وكانا فى القضية الخامسة.

اللقاء الأخير

أما لقائي الأخير بالإمام الهضيبي فكان فى سجن ليمان طرة بعد انتقالنا من السجن الحربي إلى سجن ليمان طره بعد هزيمة يونيو 1967 وقد أودعونا " عنبر الإيراد" وهو أسوأ مكان فى سجن ليمان طره, وقضينا فيه سبعة عشر شهرا لا نتصل بأحد ولا يتصل بنا أحد , وكنا نقيم كل سبعة فى زنزانة عرضها متران وطولها متران وثمانون سنتيمترا وبالطبع معنا فى الزنزانة جردلان أحدهما " للبول " والآخر "" للماء" الذى نشربه ...

كنا ننام فى ضيق شديد " خلف خلاف " كل واحد بجوار أخيه رجلاه عند رأس أخيه ورأسه عند رجلي أخيه!..

المهم كان باب العنبر مغلق علينا طول اليوم وليس هناك وسيلة للخروج من العنبر إلا الذهاب للمستشفي , وكان الذهاب للمستشفي يتم بالدور , وكثيرا ما كان الخروج للمستشفي لا يكون للعلاج ولكن لرؤية الإمام الهضيبي والأستاذ عمر التلمساني ومن معهما من الإخوان الذين كانوا يعالجون فى المستشفي وكان الإمام الهضيبي والأستاذ عمر التلمساني يرحمهما الله رحمة واسعة ينتظران الإخوان وكان الأستاذ عمر نشيطا جدا ونحيفا جد , لا تخلو يده من كتاب , وكان الإمام الهضيبي يجلس فى حديقة الليمان..

فى هذا اليوم خرجت إلى المستشفي وكان معي بعض الإخوان أذكر منهم الأخ إبراهيم شرف عندما خرجنا قصدنا مباشرة إلى الإمام الهضيبي .... كان يجلس فى وسط الحديقة , تناولنا يده وقبلناها وقبلنا جبهته , وكانت ابتسامته تضي وجهه.

أجلسنا حوله وأخذ يسألنا عن أحوالنا داخل العنبر ويسأل عن حال إخواننا .. عشنا لحظات ملأت وجدننا عزما وثباتا وحبا لمرشدنا وقائدنا .. رمز الثبات والصلابة والشموخ .. لن أنسي أبدأ هذه اللمسة التي لمست قلبي ... وقلوب الجميع الإخوان وهى هدية الإمام الهضيبي للإخوان داخل العنبر ... وهي عبارة عن باقة من زهرة التمر حنة جمعها الإمام الهضيبي بيديه ليهديها إلينا.. إلى جميع الإخوان داخل العنبر .. جزاه الله عنا خير الجزاء..

ولد الإمام حسن الهضيبي فى ديسمبر سنة 1891 م فى إحدي قري محافظة القليوبية تسمي" عرب الصوالحة " لأسرة ذات أصول عربية عريقة .. محافظة ومتدينة عرف عن رجالها أنهم أصحاب نجدة وكرم وكان والده شخصية كبيرة مشهورة ووالدته من عائلة كريمة متعلمون وعرب أصلاء ... وكان الأستاذ الهضيبي أكبر ثلاثة من الأبناء الذكور بالإضافة إلى أربع شقيقات. تعلم فى كتاب القرية كبقية أبناء جيله , وحفظ القرآن صغيرا وكان والده يريده- كمعظم آباء ذلك الجيل – أن يكون من علماء الدين فألحقه بالأزهر فدرس فيه عاما واحدا تحول بعده إلى المدرسة الابتدائية فأتم بها دراسته ثم التحق بعدها بمدرسة الخديوية الثانوية حيث نال منها شهادة البكالوريا بعد حصوله على البكالورية التحق الأستاذ الهضيبي بمدرسة الحقوق الخديوية وحصل منها على ليسانس الحقوق سنة 1915 وقد ذكر الأستاذ الهضيبي أنه لم يكن طالبا متفوقا هلال دراسته وكان يتنجب المشاركة فى أية مظاهرة باستثناء مشاركته فى تشيع جنازة الزعيم مصطفي كامل .

وقد انضم الأستاذ الهضيبي إلى جمعية سرية كان قد كونها الزعيم محمد فريد خليفة الزعيم مصطفي كامل للاغتيالات السياسية.

وقد انفرط عقد هذه الجمعية بعد اغتيال إبراهيم الورداني بطرس غالي باشا رئيس وزراء مصر إلا أنه ( كان واضحا أنه يمج العنف واستخدام القوة وقد ظل هذا الجانب فى شخصيته واضحا خلال حياته داخل الجماعة ) وكان يعتقد إن من حق الشعب عندما يحتله جيش أجنبي ان يقاومه بالرصاص ولكنه لا يوافق على أن يقتل الناس خصومهم فى الرأي.

أثناء دراسته فى مدرسة الحقوق الخديوية كان من بين الطلاب الذين صدرت ضدهم قرارات بالفصل لمدة عام واحد بسبب عدم حضورهم إلى مدرسة الحقوق لاستقبال السلطان حسين كامل , كما أنه رافق وفد الطلاب الذين ذهبوا لمقابلة سعد باشا زغلول وكيل الجمعية التشريعية وقتئذ ليطالبوه بالتدخل لإلغاء قرارات الفصل التي صدرت ضد الطلاب الذين لم يحضروا لاستقبال السلطان حسين كامل احتجاجا منهم عليه لقبلوه الحكم تحت حماية المستعمرين الإنجليز.

عمل الأستاذ الهضيبي بعد تخرجه من مدرسة الحقوق الخديوية بالمحاماة وقضي سنوات التمرين فى مكتب الأستاذ كامل حسين رحمه الله وكان من كبار المحامين فى ذلك الوقت وفى مكتب الأستاذ حافظ رمضان المحامي الشهير.

بعد فترة التمرين فتح مكتبا له فى مدينة القناطر ولكن م يحالفه النجاح فى هذه المدينة فانتقل إلى مدينة سوهاج ولم يكن يعرف فيها أحدا وقد حقق نجاحا كبيرا فى هذه المدينة النائية عن قريته فحقد عليه أحد المحامين فاستأجرا أحد الأشقياء ليقتل الأستاذ الهضيبي , وتربص الشقي بالأستاذ الهضيبي فضربه ضربة بالسيف تلقاها عنه وكيله المسيحي مفتديه بنفسه , وقد أصيب الوكيل المسيحي فعلا .

تردد الأستاذ الهضيبي فى قبول الوظيفة القضائية التي جاءته دون سعي منه فى أول الأمر ولكن أحد زملائه المحامين أشار عليه بقوله :

أنت لست محاميا عاطلا... ,تستطيع أن تترك الوظيفة فى أى وقت تشاء إذا لم تعجبك وتعود محاميا ناجحا مرة ثانية ..

فقبل الوظيفة ... وكان ذلك عام1924 تقريبا.. بدأ قاضيا فى مدينة قنا ثم انتقل بعد ذلك إلى نجع حمادي ثم إلى المنصورة ثم إلى المنيا ثم انتقل إلى أسيوط فالزقازيق فالجيزة عام 1933 حيث استقر سكنه بعد ذلك فى القاهرة .

تدرج فى مناصب القضاء فكان مديرا إدارة النيابات فرئيس التفتيش القضائي فمستشارا بمحكمة الاستئناف فمستشارا بمحكمة النقض .

ومما يروي عن الأستاذ الهضيبي رحمه الله رحمة واسعة انه كان أول من كسر تقاليد الانحناء بين يدي الملك عند حلف اليمين القانونية التي يؤديها القضاة أمامه قبل تولي مناصب المستشار إذ كانت دفعته حوالي عشرة سبقه منهم خمسة لم يترددوا فى الانحناء عند حلف اليمين رغم تهامسهم بالتذمر من هذا التقليد المهين , حتي إذا جاء دور الأستاذ الهضيبي الواهن البنية الصامت اللسان فاجأ الجميع بأن مد يده لمصافحة الملك وأقسم اليمين منتصب القامة مرفوع الجبين بصورة أنعشت الإباء فيمن يعده فأدي يمينه قائما عالي الرأس وهو يقول لنفسه :

- إذا شنقوا الهضيبي فليشنقوني بعده!

وتبعها سائر المستشارين فصافحوا الملك وأقسموا اليمين دون خضوع أو انحناء ثم حدث بعد ذلك أن جاء محمد صبري باشا أبو علم وزيرا للعدل وذكر لبعض المقربين إليه أنه يريد أن يعاونه فى الوزارة رجل محايد يستطيع أن يصحح أى اتجاه يصدر من وزير العدل متأثرا بحزبيته كسكرتير لحزب الوفد .

وقد أجمع من استشارهم فى هذا الأمر على اختيار الأستاذ الهضيبي كرجل محايد ومستقل الرأى لا تأخذه فى الحق لومة لائم ولا يخش أحدا إلا الله.


بين الإمام الشهيد حين النبا والمستشار حسن الهضيبي

بعث المستشار حسن الهضيبي برسالة إلى الإمام الشهيد حسن البنا . وذلك تعقيبا على مقاله الذى نشر تحت عنوان " ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد" وقد جاء فى هذه الرسالة :

حضرة صاحب الفضيلة المرشد العام الأخ الشيخ حسن البنا... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد

فقد قرأت اليوم – 3 ديسمبر 1947 – مقالكم الثاني " ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد" وقد استوقفني منه عبارة جاءت فى مقام الرد على اعتراض افترضتموه من يجهل حقيقة الإسلام وما فيه من مرونة فى الأحكام تتسع لما يجد من الأحداث ومؤدي هذه العبارة أن تاريخ التشريع الإسلامي يحدثنا أن ابن عمر رضي الله عنه كان يفتي فى الموسم فى القضية من القضايا برأي ثم تعرض عليه فى الموسم القابل فيفتي برأي آخر فيقال له ذلك فيقول :" ذلك ما علمنا , وهذا على ما نعلم .. الخ".

كما يحدثنا أن الشافعي رضي الله عنه وضع بالعراق مذهبه القديم , فلما تمصر وضع مذهبه الجديد نزولا على حكم البيئة وتمشيا مع مظاهر الحياة الجديدة من غير أن يخل ذلك بسلامة التطبيق على مقتضي القواعد الإسلامية الكلية .. الخ.

وقد يتوهم من هذه العبارة أن ابن عمر والشافعي رضي الله عنهما أخضعا حكم الدين لأحكام الزمان ومعاذ الله أن يكون الأمر كذلك . فإن أحداث الزمان يجب أن تخضع لكتاب الله وسنة رسوله مهما تراءى للناس أن الدنيا لا تحتمل هذا الإخضاع فالدين هو السنة التي وضعها الله للناس كما وضع السنن الكونية الأخري كالشمس والقمر والحيوان وكل ما فى السماء وما فى الأرض وما عليها .

وفى ظني أن ابن عمر لم يغير فتواه نزولا على حكم الحوادث بل لأنه ازداد بصرا بحكم الدين فى المسألة لذلك قال : ذاك على ما علمنا وهذا ما نعلم " كما أظن من استقراء سابق لى بسبب تغير رأي الشافعي بين قديمه وحديثه أنه حين جاء إلى مصر سمع من رواة الحديث بمساجد الفسطاط ما لم يكن قد سمع بالعراق فأقام عليه رأيه الجديد وكان رضي الله عنه يقول :" إذا صح عندي الحديث فهو رأيي".

هذا ولا منازعة فى أن على المسلمين أن يجتهدوا فى استنباط أحكام لم تكن من قبل ؟ بل لكل مجتهد أن يستنبط ما يهديه الله من أحكام الدين لجميع الحوادث جديدها وقديمها . وهذه هى المرونة التي جعلها الله من خصائص الدين الإسلامي ولله الحمد والمنة .

فبودّى أيها الأخ الكريم لو أعدت النظر فى هذه الجملة بما يزيل الشبهة أو لعلي مخطي , وأنتم بذلك أعلم مني بلا ريب .

ولقد كنت أود أن أفضي إليكم بهذا الحديث فى زيارة لولا أن انحراف صحتي فى الأسبوع الماضي لازال منه بعض الأثر . وأسأل الله تعالي أن يعينكم وأن يهدي أمة محمد إلى العمل بكتاب الله وسنة رسول الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

من المخلص حسن الهضيبي

وقد عقب فضيلة الإمام حسن البنا على رسالة الأستاذ المستشار حسن الهضيبي فى العدد رقم 488 من جريدة الإخوان والصادر بتاريخ 4 ديسمبر 1947 م فقال :" إنا لنشكر لحضرته هذه الغيرة الجليلة على دين الله والدقة الجميلة فى البحث والتمحيص . وجميل جدا أن نري من كبار رجال التقنين المصريين من يحمل مثل هذا القلب المؤمن والذهن الصافي المستنير مع الدأب على الدرس والإلمام بكل أطراف الموضوع فجزي الله الأستاذ حسن الهضيبي عن الدين والحق والعدالة خير الجزاء وأكثر فينا من أمثاله وما ذكره فى خطابه حق لاشك فيه , والذي أردته بكلمتي هو الإشارة إلى مرونة التشريع الإسلامي.

إن العرف والاجتهاد قاعدتان من قواعده فيما لا نص فيه . أما حيث يكون النص فلا اجتهاد معه طبعا.

حسن البنا

الهضيبي فى ركب الإخوان المسلمين

" لا يعلم إلا الله متي أعود إن قدر لى أن أعود , فإن احتجتم فى غيابي إلى رأي فالتمسوه عند حسن الهضيبي المستشار بمحكمة النقض فإني أحسبه مؤمنا هادئا صائب الرأي"

اصطبغت شخصية الأستاذ الهضيبي بالصبغة الإسلامية منذ صباه الباكر , فقد حفظ القرآن فى كتاب القرية وهو ابن العاشرة كما سبق أن ذكرنا وهيأه لذلك للالتحاق بالأزهر الذى لم يكن يقبل وقتئذ غير حافظي القرآن, وبقي فى الأزهر عاما واحدا تحول بعده إلى الدراسة فى المدارس المدنية ولكن من الصعب أن نتصور أن الفتي حسن الهضيبي قد أدار ظهره للقرآن بعد تركه للأزهر لأن حفظ القرآن عند أبناء جيله كان أمرا عظيما لا يفرط فيه بسهولة والمحافظة عليه لم تكن أمرا صعبا خاصة على من كان يعيش فى مثل بيئة الفتي حسن الهضيبي...

بل إن حياة الأستاذ الهضيبي كلها تدل دلالة قاطعة على أن الرجل كان مولعا بالقرآن ... يتلوه ... ويتدبره ... ويتفهمه .... ويجيل النظر فيه ... يتمثله فى خلقه وسلوكه.. يدل على هذا كثرة استشهاده بآياته وما كتبه فى مجلة " الإخوان المسلمون" من مقالات تحت عنوان " هذا القرآن" على مدي عامل كامل , والمر الذى يؤكده كل الذين عرفوا الأستاذ الهضيبي قبل اتصاله بجماعة الإخوان المسلمين وتعرفه على الإمام الشهيد حسن البنا , . أنه لم بكن فقط مسلما فى نفسه بل كان أيضا من المهتمين بقضايا الإسلام والمسلمين ,ويبذل قصاري جهده من أجل تطبيق شرع الله والانتصار له.. وللرجل مواقف تؤكد هذا يرويها شهود ثقاة ويحفظها له تاريخه فى القضاء .

وقد كان هذا الأمر بمثابة العامل المشترك الذى جمع بينه وبين الإمام الشهيد حسن البنا على الصورة التي عرفت عنهما رغم فارق السن بين الرجلين فقد كان الإمام الهضيبي يكبر الإمام الشهيد حسن البنا بخمسة عشر عاما تقريبا . فهو من مواليد عام 1891م فى حين أن الإمام الشهيد حسن البنا من مواليد عام 1906م وكذلك الفارق الاجتماعي , فالإمام الهضيبي كان علما من أعلام القضاء فى حين أن الإمام الشهيد حين البنا كان مدرسا ابتدائيا ولكن هذا كله لم يحل دون إقبال الإمام الهضيبي على ألإمام البنا ... هذا الإقبال المنفرد بهذه العاطفة التي لا علم لها مثيلا إلا تلك التي تربط بين الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله وبين الإمام الشهيد حين البنا.

عرفته من غرس يده

يقول الإمام حسن الهضيبي حول علاقته بجماعة الإخوان المسلمين والإمام الشهيد حسن البنا :

عرفته أول ما عرفته من غرس يده , كنت أدخل المدن والقري فأجد إعلانات عن الإخوان المسلمين " دعوة الحق والقوة والحرية فخلت أنها إحدي الجمعيات التي تعني بتحفيظ القرآن والإحسان إلى الفقراء ودفن الموتي, والحث على العبادات من صوم وصلاة وإن هذه قصاراها من معرفة الحق ... والقوة ... والحرية فلم أحفل بها..

ويضيف رحمه الله :

ثم التقيت يوما بفتية من الريف أقبلوا على – على غير عادة الأحداث مع من هم أكبر منهم سنا ومركزا – يحدثونني . فوجدت عجبا ! فتية من الريف لا يكاد الواحد يتجاوز فى معارفه القراءة والكتابة يحسنون جلوسهم مع من هم أكبر منهم فى أدب لا تكلف فيه ولا يحسون بأن أحدا أعلى من أحد , ويتكلمون فى المسألة المصرية كأحسن ما يتكلم فيها شاب متعلم مثقف, ويتكلمون فى المسائل الدينية كلام الفاهم المتحرر من رق التقليد ويبسطون الكلام فى ذلك إلى مسائل مما يحسبه الناس من صرف المسائل الدنيوية , ويعرفون من تاريخ الرسول – وتاريخه الرسالة – ما لا يعرفه طلاب الجامعات.

فعجبت لشأنهم وسألتهم :

- أين تعلمتم كل هذا؟

- فأخبروني بأنهم من الإخوان المسلمين وأن دعوتهم تشمل كل شئ وتعني بالتربية والأخلاق والسياسة والفقر والغني والاقتصاد وإصلاح الأسرة , وغير ذلك من الشئون صغيرها وجيلها.

من ذلك الوقت تتبعت حركة الإخوان المسلمين وصرت أقرأ مطبوعاتهم وأتصل بهم دون أن أعرف الداعية إلى ذلك ... ولكني عرفته من غرس يده قبل أن أعرف شخصيته .

كان يوم خرجت أنا وبعض زملائي لمشية العصر على حافة النيل فوجدنا جميعا من الجوالة سألناهم ن شأنهم فعلمنا أن حسن البنا سيلقي خطبة فى حفل الليلة فوافينا الحفل وسمعنا حسن البنا . وقد تعلقت أبصارنا به ولم نجد لأنفسنا فكاكا من ذلك وخلت – والله – أن هالة من نور أو مغناطيسيا بوجهه الكريم فتزيد الانجذاب إليه .

خطب ساعة وأربعين دقيقة وكان شعورنا فيها شعور الخوف من أن يفرغ من كلامه وتنقضي هذه المتعة التي أمتعنا بها ذلك الوقت.

كان كلامه يخرج من القلب إلى القلب شأن المتكلم إذا أخلص النية لله.

وما أذكر أني سمعت خطيبا قبله إلا وتمنيت على الله أن ينتهي خطابه فى اقرب وقت .(( يقول الإمام الهضيبي : لقد استمعت فى حياتي لكثير من الأحاديث وفى كل مرة كنت آمل أن ينتهي الحديث أو الخطبة سريعا إلا أنني فى هذا المرة كنت اخشي أن ينهي حسن البنا خطبته , ومرت مائة دقيقة وقد جمع فى راحتي يديه قلوب المسلمين المنصتين وكان يهزها كيفماء شاء , وانتهت الخطبة وأعاد إلى مستمعيه قلوبهم فيما عدا قلبي الذي بقي فى يده )).

هذا ما قاله الإمام الهضيبي رحمه الله عند بدء معرفته بجماعة الإخوان المسلمين وتعرفه على الإمام الشهيد حين البنا ومعاشرته له مما يدلنا على عميق الصلة التي ربطت بين الرجلين وإن لم يعلم بها إلا أفراد قليلون ممن كانوا لصقين بالرجلين كالأستاذ إسماعيل الهضيبي نجل الإمام الهضيبي ذكر أن رأي الإمام الشهيد حين البنا مرات وهو يتردد على منزلهم للقاء الإمام الهضيبي وذكر الأستاذ جمال فوزي رحمه الله أن الإمام الشهيد حين البنا أرسله أكثر من مرة برسائل سلمها للأستاذ الهضيبي والتقي الإمامان البنا والهضيبي بمنزل الخ جمال لمدة تزيد على الساعة .

وروي الأستاذ صلاح شادي أنه رافق الإمام الشهيد حين البنا كان يلتقي بالإمام الهضيبي ويقضي معه أياما عديدة فى قريته " عرب الصوالحة" فة شبه " أسرة" إخوانية يتدارسان فيها الإسلام وقضايا المسلمين , ومشكلات الدعوة الإسلامية ويتناقشان معا ول قضايا الساعة .

وكان الإمام البنا يطلع الإمام الهضيبي على مختلف الأنشطة داخل الجماعة والجهود التي يبذلها فى الأقاليم والمشكلات التى تواجه جماعة الإخوان المسلمين وهناك ما يدلنا على أن الإمام الشهيد حين البنا قد أفضي للإمام الهضيبي برأيه فى كثر من الشخصيات الإخوانية داخل الجماعة وكأن الرجل – الإمام الشهيد – كان يعد الأستاذ الهضيبي ليكون حليفته إذا ما قدر الله ذلك .

وفى الشهور العصبية التي عاشها الإمام الشهيد حين البنا بعد الحوادث الفردية التي قام بها بعض أفراد من النظام الخاص على غير ما أراد الإمام الشهيد كحادث الخازندار وحادث النقراشي ,والمواجهة الشرسة التي قامت بها حكومة السعديين واعتقال جميع الإخوان الذين يحيطون بالإمام الشهيد , وتركه وحيدا محروما من أقرب الناس إليه تهيئة لمسرح جريمة اغتياله. كان الشخص الوحيد الذى يلتقي به يستشيره ويستفصحه هو الإمام حسن الهضيبي , وكان كثيرا ما يتم لقاء الرجلين فى جمعية الشبان المسلمين تحت سمع وبصر رجال الشرطة وجواسيسها.

وقد جاء فى شهادة الأستاذ محمد الليثي رئيس قسم الشباب بجمعية الشبان المسلمين أمام محكمة الجنايات فى أثناء نظر قضية اغتيال الإمام البنا :

ولما أحس البوليس السياسي بأن الشيخ البنا يتردد على الجمعية أخذ يراقبه لمعرفة المتصلين به .... وكنا قد اتفقنا على رموز للتفاهم بها حتي ن حدث أن حضر الأستاذ الهضيبي ونظرا لعدم معرفتي به أنكرت معرفتي بالشيخ البنا لاعتقادي أنه من البوليس السياسي و وعرفت أخيرا من الشيخ البنا أنه هو الأستاذ الهضيبي".

وجاء فى شهادة الأستاذ مصطفي مرعي المحامي فى ذات القضية وأمام نفس المحكمة عندما وجه الأستاذ عبد القادر عودة أحد أعضاء هيئة الدفاع فى قضية الإمام الشهيد حسن البنا سؤالا إلى الأستاذ مصطفي مرعي :

- ألم تفهم الأسباب التي من أجلها كان الشيخ البنا يمهلك فى الرد عليك؟

- مصطفي مرعي : كان لديه مستشار .

- المحكمة : من المستشار ؟

- مصطفي معي : الأستاذ الهضيبي.

ويقول الأستاذ محمود عبد الحليم فى كتابه " الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ " الجزء الثاني :

" فلقد قرأنا فى ثنايا أحداث الأيام السوداء من عهد إبراهيم عبد الهادي أن الأستاذ الهضيبي كان الرجل الوحيد الذى كان بجانب الأستاذ الإمام فى أشد الأيام حلوكة وأن الأستاذ الإمام قد اتخذه صفيه ومستشاره وموضع سره فقد كانا يجلسان معا فى دار جمعية الشبان المسلمين على انفراد ويبدو أن الأستاذ الأمام قد أفضي إليه بكل ما نده وشرح له جميع المواقف وحلل له كل الشخصيات بدليل أنه منذ أول يوم فوتح فيه فى خلافه الأستاذ الإمام تحدث ن بعض شخصيات الإخوان حديث العليم الخبير مع انه لم يسبق له الاتصال بهم !

- بل إن الإمام الشهيد حين البنا قد أوصي الإخوان بالرجوع إلى الإمام الهضيبي فى حالة غيابه ليستشيروه...

يقول الأستاذ حسن العشماوي رحمه الله:

- " كنت عام 1949 وكيلا للنائب العام بالمنيا فى صعيد مصر وقدمت من مقر عملي إلى القاهرة يوم 2 فبراير سنة 1949 بناء على طلب الإمام الشهيد وكان رحمه الله فى ذلك الوقت ضعيفا مرهقا ومع ذلك كان مستبشرا ينتظر – كما قال – إحدي الحسنين إما نصرا بانفراج الأزمة التي وقع فيها الإخوان أو شهادة يلقي بها الله راضيا مرضيا .

- وجلست إليه جلسة طويلة ذكر فيها عزمه على السفر وطلب إلى أن أستعد للاستقالة من عملي والاشتغال بالمحاماة وانهي حديثه قائلا:- لا يعلم إلا الله متي أعود إن قدر لى أن أعود فإن احتجتم فى غيابي إلى رأي فالتمسوه عند حسن الهضيبي المستشار بمحكمة النقض فإني أحسبه صادقا صائب الرأي ويضيف الأستاذ حسن عشماوي رحمه الله:

- وكان وداع – استشهد بعده بعشرة أيام وعلمت بالخبر فعدت فورا إلى القاهرة عاقدا العزم على ألا أعود إلى عملي . وكيف أعمل لحكومة قتلت رجلا ا، يقول ربي الله!

- عدت إلى القاهرة فلقيت منير" الدلة" وصال" أبو رقيق" وعبد القادر" حلمي" وكان ثلاثتهم مصطفي السراح وكانوا رغم الحادث الخطير متمالكين لأعصابهم كما بدا لى... واتفقنا على أن أقابل المستشار حسن الهضيبي ألتمس عنده الرأي فى أمور ثلاثة :

- ماذا نفعل ؟

- وكيف نتصل بالمسئول عن الانفاق على عائلات الإخوان المعتقلين؟

- وهل أستقيل الآن من عملي فى النيابة العامة كوصية الإمام الشهيد ؟وكان أول لقاء لى مع المستشار إذ فاجأته بالزيارة فى منزله مساء يوم 17 فبراير عام 1949 وقدمت نفسي كوكيل للنائب العام , وزميل لابنه و وواحد من الإخوان .

لم أكن قد التقيت به من قبل وإن كنت رأيته على منصة القضاء صامتا مسندا ذقنه إلى كفه . منصتا إلى المتخاصمين لا ينم وجه عن شئ , وسمعنا عنه كثيرا وقرأنا أحكامه. وكان لقاءا عسيرا دخل على – وهو لا يعرفني من قبل – مرتديا عباءته .. وجلس جلسته التي رأيته عليه فى المحكمة .. واستمع إلى حديثي ثم أصدر حكمه فى نقاط محددة :

- إنه ليس عضوا فى جماعة الإخوان المسلمين .

- إنه صديق محب لحسن البنا يقدره ويعتبره مجدد الدعوة الإسلامية لهذا القرن .

- إنه يعتبر قتل حسن البنا جريمة فى حق الإسلام سيحمل وزرها من فعلها ومن أرادها ومن رضي عنها .

- إنه ليس على استعداد للحديث معي أو غيري فى أى أمر من الأمور بل إنه يعجب كيف دخلت منزله وأنا موظف حكومة برغم أن منزله مراقب منذ استشهاد المرشد؟!

وعبثا حاولت أن أحمله على الحديث او على مجرد الثقة بى فاستأذنت فى الانصراف وذكرت له – وأنا واقف على السم – حديثا جري بينه وبين المرشد حين زاره يوم أول فبراير .. فأمسك بيدي التي بسطها مسلما وقال :

- من أعلمك هذا الحديث؟

- أعلمني إياه الإمام الشهيد ..

- صدقت ... لقد كنا وحدنا... اجلس ماذا تريد ؟...

- وجلست وأعدت أسئلتي ..

- وسمعت إجاباته – كما اعتاد على ما يبدو – أحكاما موجزة قاطعة :

- المسئول عن الإنفاق على العائلات ( فلان) وسأبلغه ان يتصل بمن ذكرت وسيتعاون معه .

- لا تستقل الآن وإلا لفت إليك الأنظار وأضررت بنفسك وبغيرك ممن لا نعرف ولم تفد دعوتك شيئا. - ألزموا الهدوء , وإياكم والتهور.

- لا تلجوأ الجريمة بالجريمة .

- ووجدت نفسي أسأله – دون مقدمات – ترى من يخلفه رحمة الله؟

- فأطرق ثم أجاب :

- فى الليلة الظلماء يفتقد البدر إن الدعوة أوسع نطاقا من مصر ... لماذا ألا يكون واحد مثل عمر الأميري مثلا!!

- على كل.. البركة فيكم .. وعليكم بشخص من صفوفكم

- وسألته متطفلا :

- أتحملها أنت ؟

- فأجاب:

- لا... ليس مثلي لها .

- وتركته وانصرفت .. وأنا أردد " هو لها ... ليته يقبلها ... أو يحمل على قبولها حملا"

- ولقيت من أوفدوني فأعلنت لهم ما رددته فى نفسي ... ولكن لم يكن ذلك الوقت بما فيه من هول وإشفاق – وقت تفكير فى اختيار مرشد – كان لابد أولا من الاتصال بمن فى السجون والمعتقلات نحاول تخفيف الوطأة عليهم وعلى أنفسنا ومنع الفرقة بيننا وبينهم .

- تختم هذه الفقرة بالتأكيد على أن صلة الأستاذ الهضيبي بجماعة الإخوان المسلمين لم تكن عادية , وإن لم تأخذ الصورة التنظيمية التي حالت الوظيفة القضائية دونها بل يقينا ا، العلاقة التى كانت تربط بين الإمام الشهيد حسن البنا والأستاذ حسن الهضيبي كانت علاقة خاصة جدا بلغت من العمق الدرجة التي لم تبلغها أية علاقة أخرى جمعت بين الإمام البنا وأى أحد آخر سواء داخل الجماعة أو خارجها أا الذين كانوا يعرفون هذه العلاقة فهم قليلون , وكان الأستاذ حسن العشماوي والأستاذ منير دلة رحمهما الله من بين هؤلاء الذين يعرفون عمق هذه العلاقة ويقدرون شخصية الأستاذ الهضيبي حق قدرها يعرفان مدي ثقة الإمام الشهيد حين البنا بإيمان الرجل ورجاحة عقله وعميق فهمه وصدق نصيحته وحسن شورته.

الهضيبي خليفة البنا

" إننا نعلم ما تعانيه , ولكن الدعوة ا‘ز علينا وعليك من أن نتركها بلا قيادة وقد اتفقنا على أن تكون قائدها , وإذا كنا قد بايعنا على افتدائها فتفتديها انت كذلك, والله قادر على شفائك إذا استجبت لدعوته , ولن نخرج من هذا المكان إلا بنزولك على رأي الإخوان الممثل فينا"

يوسف طلعت بعد ارتكاب جريمة العصر التي خططت لها القوي الصليبية الاستعمارية وانجلترا وفرنسا وأمريكا , واتفق سفراء انجلترا وفرنسا والقائم بالأعمال الأمريكي فى اجتماعهم بفايد وانتهوا إلى قرار بالقضاء على جماعة الإخوان المسلمين وأبلغوا قرارهم إلى رئيس لوزراء السعدي وقتئذ محمود النقراشي الذى أصدر قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين واعتقل جميع الإخوان جميع الإخوان خاصة المجموعة لتي كانت تحيط بالإمام حسن البنا وتركه وحيدا حتي يكون صيدا سهلا, لكن شاء الله أن تكون نهاية النقراشي قبل نهاية الإمام البنا وبدون علم منه فخلفه فى رئاسة الحزب وفى رئاسة الوزارة وفى حمل وزر تنفيذ الجريمة إبراهيم عبد الهادي , وقام بالتنفيذ مجموعة من شرار خلق الله من ضباط ومخبري وزارة الدخلية عاش الإخوان المسلمون أول محنهم الكبري التي استمرت عشرين شهرا كاملة قضوها بدون مرشدها ربما كانت " أحلك أيام قضتها الجماعة على الإطلاق فى تاريخها الطويل وهو تواجه بضراوة وشراسة تستهدف استئصال شافتها واقتلاعها من الجذور, فجلّ الإخوان المسلمين فى السجون والمعتقلات .. حتي المجاهدين منهم الذين سطروا أروع البطولات وتصدورا للعصابات الهصيونية الصهيونية على أرض فلسطين لم يسلموا من الإعتقال فقد جمعوا من الميدان ووضعوا فى معسكر اعتقال هناك ... وأمام المحاكم أكثر من قضية متهم فيها الإخوان بسبب حوادث فردية ارتكبها أفراد من النظام الخاص ..

لم يكن هناك – والإخوان على هذا الحال – وقت للتفكير فى اختيار مرشد جديد يخلف الإمام الشهيد حسن البنا وإن اشرأبت رءوس بعض الإخوان مستشرفين اختيار الإخوان واحدا منهم ليكون مرشدا جديدا للجماعة.

كان الأستاذ حسن العشماوي رحمه الله هو أول من فكر فى شخصية الأستاذ الهضيبي ليخلف الإمام البنا بخمسة أيام فقط , وكان رد الأستاذ الهضيبي على هذا العرض قوله :

-لا... ليس مثلي لها..

لكن الأستاذ حسن العشماوي رحمه الله خرج من عند الأستاذ الهضيبي وهو يردد فى نفسه : هو لها .. ليته يقبلها .. أو يحمل على قبولها حملأ.

وعندنا رجع من عند الأستاذ الهضيبي إلى من أوفدوه إليه يومئذ وهم : الأستاذ مني دلة رحمه الله و والأستاذ صالح أبو رقيق والأستاذ عبد القادر حلمي أعلن لهم ما ردده فى نفسه ولكن لم يكن الوقت وقت تفكير فى اختيار مرشد جديد لأن الإخوان كانوا لا يزالون فى السجون والمعتقلات وكانت المحنة لا تزال فى عنفوانها...

وفجأة.. فى صيف 1949 سقطت حكومة إبراهيم عبد الهادي و وبدأ الإفراج عن المعتقلين , واستمرت عملية الإفراج حتى أغلق المعتقل أبوابه فى فبراير عام 1950 ومن خروج الإخوان من المعتقل وهم يجتمعون ويتباحثون ويتساءلون :

- من سيكون مرشدا؟!

- كان هناك أربعة من الإخوان مرشحين لتولي منصب " المرشد " هم: الأستاذ عبد الرحمن البنا شقيق الإمام الشهيد حسن البنا.

- الأستاذ صلح عشماوي – رحمه الله – وكان وكيلا للجماعة واحد قادة النظام الخاص.

- الأستاذ عبد الحكيم عابدين – رحمه الله – وكان سكرتير عام الجماعة وهو زوج أخت الإمام الشهيد .

- الشيخ أحمد حسن الباقوري الذى كان الإمام الشهيد قد كلفه برعاية شئون الإخوان طالما هم فى المعتقلات.

- دعا الأستاذ منير الدلة – رحمه الله – الإخوان الأربعة : الأستاذ عبد الرحمن البنا, والأستاذ صالح عشماوي والأستاذ عبد الحكيم عابدين , واالشيخ احمد حسن الباقوري للقاء فى منزله وطلب منهم أن يختاروا واحدا منهم أو من غيرهم لكي يقدموه إلى الإخوان مرشدا جديدا خلفا للإمام الشهيد حسن البنا حتى لا يكون هناك مجال لاختلاف وسط الإخوان .

- وفى نهاية اللقاء ظهر بوضوح أنهم لم يتفقوا على واحد منهم وعلى أثر ذلك اقترح عليهم الأستاذ منير الأستاذ المستشار حسن الهضيبي وعرفهم بعلاقته بالدعوة من قديم وصلته الوثيقة بالإمام الشهيد وأوضح لهم أسباب عدم ظهوره فى تنظيمات الإخوان .

- لم يرفض الإخوان الأربعة اقتراح الأستاذ منير دلة ولكنهم أرجئوا البت وإبداء الرأي حتى يلتقوا بالأستاذ الهضيبي ويتعرفوا عليه ويدرسوه من قرب , وانتهي اللقاء عند هذا الحد وتمت عدة مقابلات بين هؤلاء الإخوان الأربعة وبين الأستاذ الهضيبي مجتمعين فى صحبة الأستاذ منير ثم منفردين للتعرف عليه ومعرفة علاقته بالدعوة دون أن يفاتحوه فى الغرض من هذه الزيارات والمقابلات.

يقول الأستاذ حسن العشماوي رحمه الله:

- لازلت أذكر سؤالا وجهه إلىّ الشهيد محمد فرغلي يوما إذ قال أسألك بالله : أيهما اقدر عليهما محمد العشماوي أ حسن الهضيبي ؟ فقلت : يعلم الله أنه ليس على وجه الأرض أحبّ إلى من أبي وليس عندي منزلة أكبر من منزلة المرشد العام , ولكني أشهد الله أن الهضيبي أقدر عليها .

- فقال : اذا لا محل للتفكير فى غيره وجزاك الله خيرا.

- وعقد الاجتماع موسع فى منزل الأستاذ منير الدلة رحمه الله ولم يكن هناك مرشح غير الأستاذ الهضيبي واتفق المجتمعون على البدء فى الخطوتين التاليتين:

1- الحصول على ترشيح الهيئة التأسيسية له رسميا .

2- الحصول على موافقة الأستاذ الهضيبي.

وفعلا وافق جميع أعضاء الهيئة التأسيسية على ترشيح الأستاذ الهضيبي مرشدا عاما للإخوان المسلمين .

وذهب الأستاذ منير الدلة ومعه أربعة من مكتب الإرشاد يحملون قرارا من مكتب الإرشاد , وموافقة الهيئة التأسيسية ويعرضون عليه الأمر . فرفض الأستاذ الهضيبي وأصر على الرف واعتذر لحالته الصحية وشاع نبأ رفضه بين الإخوان فراحوا يتوافدون على الأستاذ الهضيبي فى منزله جماعات أفراد يلحون عليه أن يقبل ويبايعونه رغما عنه لكنه أصر على الاعتذار وكان لهذا أسوأ الثر فى نفوس الإخوان.

وشاء الله أن تلتقي مجموعة من الإخوان من مختلف المحافظات بمدينة الإسكندرية وكان الوقت صيفا وكان الأستاذ الهضيبي يقيم فى منزل بالمندرة , وكان عدد الإخوان هؤلاء غير قليل فقد كانوا نحو العشرين من بينهم الأستاذ عبد العزيز عطية والشهيد عبد القادر عودة والأستاذ محمود عبد الحليم والشهيد يوسف طلعت والدكتور عبد العزيز كامل , وقد ذهبوا جميعا إلى الأستاذ الهضيبي واستقبلهم هو وأبناؤه بالترحاب ثم أخذوا فى الحديث معه فتكلم الأستاذ عبد العزيز عطية والشهيد عبد القادر عودة وسرحا الظروف المحيطة بالدعوة وشدة حاجتها إلى قيادة وتحدث كثير من الحاضرين من مختلف المحافظات معبرين عن رغبة إخوانهم فى قيادته.

ثم تكلم الأستاذ الهضيبي فشرح حجته وأنه لا يستطيع أن يتسلم قيادة دعوة أقرب معاونيه فيها متفرقوا القلوب والأهواء . ثم إنه مريض ولا يستطيع تحمل مسئولية دعوة كهذه وهو فى الحالة التى عليها.

يقول الأستاذ محمود عبد الحليم الذى حضر تلك الجلسة :

" وكانت بعد ذلك هدأة هى هدأة الخيبة واليأس التي أحس الجميع بمرارتها فى حلوقهم وإذ بنا نسمع ونحن فى هذا الحال نسمع صوت أخ لنا ينطلق صارخا باكيا هو الأخ الكريم يوسف طلعت يقول للأستاذ الهضيبي : إننا نعلم ما تعانيه ولكن الدعوة أعز علينا وعليك من أن نتركها بلا قيادة وقد اتفقنا على أن تكون قائدها وإذا كنا قد بايعنا على افتدئاها فلتفتديها أنت كذلك. والله قادر على شفائك إذا استجبت أنت لدعوته .ولن نخرج من هذا المكان إلا بنزولك على رأي الإخوان الممثل فينا".

وقد كانت لكلمات الأخ يوسف طلعت ولدمعه المنهمر فعل السحر فى قلب الأستاذ االهضيبي وقلوب الحاضرين حيث انهمرت دموعهم ووجدا أنفسهم قد انتقلوا فى جو روحي غامر لم يملك معه الأستاذ الهضيبي إلا أن يبتسم والدموع قد انتقلوا فى جو روحي غامر لم يملك معه الأستاذ الهضيبي إلا أن يبتسم والدموع تترقرق فى عينيه ويقول :" لقد نزلت على رأيكم وأسأل الله أن يعنني".

وقمنا جميعا نعانق كل منا أخاه ,وكانت جلسة قصيرة عابرة ولكنها كانت جلسة تاريخية فاصلة لها ما بعدها"

" قلت لعبد الناصر: نحن علي يقين من أن الأستاذ الهضيبي رجل طاهر وعظيم , وشخصية ليست بالسهولة التي تستطيع أن تغيرها, لأنه ليس رئيس مصلحة حكومية تستطيع أن تغيره بقرار".

الأستاذ محمد حامد أبو النصر المرشد العام الرابع للإخوان المسلمين

الأستاذ محمد أبو النصر المرشد الرابع للإخوان المسلمين من مواليد منفلوط بأسيوط عام 1913, تعرف على الإمام الشهيد حسن البنا فى عام 1933, وبايعه على المصحف والمسدس, وكانت بيعته هى أول بيعة للإخوان المسلمين فى صعيد مصر . وتدرج فى العمل من خلال صفوف الجماعة إلى أن اختير عضوا بمكتب الإرشاد عن منطقة الصعيد لمدة عشر سنوات أيام الإمامين الشهيد حسن البنا والأستاذ حسن الهضيبي وكان – أمد اله فى عمره – أحد ثلاثة شاركوا فى الحوار الذي تم بين الإخوان المسلمين ورجال حركة يوليو [ هو والشهيد محمد فرغلي والشهيد عبد القادر عودة].

وقد أعتقل الأستاذ محمد حامد أبو النصر فى عام 1954 عقب تمثيلية المنشية وحكم عليه بالإعدام , ثم خفف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة , وكان من آخر الإخوان الذين خرجوا من السجون فى السبعينات .

وعقب وفاة المرشد الراشد الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله – فى رمضان عام 1406هـأجمعت قواعد الإخوان المسلمين وقياداتها فى مصر والعالم أجمع على اختيار الأستاذ محمد حامد أبو النصر – بصفته أكبر أعضاء مكتب الإرشاد سنا – ليخلف الأستاذ التلمساني فى قيادة دفة الجماعة .

قلت للسيد محمد حامد أبو النصر : أرجو أن تحدثني عن متي وكيف تعرفت بالأستاذ الهضيبي رحمه الله...

فقال: بعد استشهاد الإمام حسن البنا أخذ الإخوان يبحثون عمن يخلف الإمام حسن البنا ويتولي منصب المرشد العام , ولما كنت أقيم فى الصعيد ( فى منفلوط محافظة أسيوط) فلا أعرف تفاصيل الأحداث التي انتهت إلى اختيار الأستاذ الهضيبي رحمه الله ولكن جاءني أحد الإخوان وقال لي:

نحن نأخذ بيعة من الإخوان للأستاذ الهضيبي مرشدا وخلفا للإمام حسن البنا ولم تكن لى أية صلة بالأستاذ الهضيبي قبل اختيار الإخوان له مرشدا ولكني عرفت أنه كان على اتصال وثيق بالإمام الشهيد حسن البنا . فقد كان الإمام الشهيد حسن البنا على صلة بشخصيات كبيرة ولم يكن البنا يعرف هذه الشخصيات وكان الإمام الشهيد حسن البنا لا يذكر أسماء هذه الشخصيات الكبيرة خاصة تلك التي تتوالي مراكز حساسة فى الدولة لحكمة يراها . وكان الأستاذ الهضيبي إحدي هذه الشخصيات غير المعروفة لدي الإخوان .

عندما عرض على أمر اختيار الأستاذ الهضيبي توقفت قليلا وقلت :

إنني لا أعرفه حتي أبايعه .. لابد أن أعرفه ثم أبايعه . وفعلا تمت المعرفة وتمت البيعة مني له, وإن كنت واحدا من أواخر الإخوان الذين بايعوا الأستاذ الهضيبي وقد علم الأستاذ الهضيبي بموقفي هذا , ووافق على ضرورة التعرف والتثبت من حقيقة الشخص الذي سيبايع حتى تكون البيعة صحيحة.

ويضيف السيد محمد حامد أبو النصر:

قبل تولي الأستاذ الهضيبي قيادة الإخوان كنت عضوا فى مكتب الإرشاد لمدة لا تقل على عشر سنوات ولكن فى الفترة الأولي للأستاذ الهضيبي لم أكن عضوا فى مكتب الإرشاد , واخترت عضوا فى مكتب الإرشاد ابتداء من ديسمبر عام 1953.

وقد حدث فى تلك الفترة مشاكل داخل الجماعة ومشاكل خارجها , ولاحظت على مواقف الأستاذ الهضيبي أنه كان عطوفا على الإخوان ورءوفا بهم يفتح قلبه لهم ويعطيهم الفرصة لمراجعة أنفسهم . وطبعا عرف الإخوان الضغوط التي مورست عليه كى يستقيل وحادث احتلال منزله واحتلال المركز العام لتحقيق هذه المؤامرة وقد شكل من لجنة تضم : الشهيد محمد فرغلي والأستاذ عمر التلمساني .... وأنا , وتحدثنا مع الإخوان الذين شاركوا فى هذه المؤامرة , ووضعنا النقاط على الحروف ,وعرفنا الأشخاص الذين كانوا وراء تدبير هذه المؤامرة وقد صفح الأستاذ الهضيبي عن الجميع.

ولكن هذه العملية أعطت فرصة لخصوم الإخوان ليختاروا من بين الإخوان بعض المناوئين للأستاذ الهضيبي وحاولوا احتواءهم وقد لعب جمال عبد الناصر الدور الأكبر فى هذا ولكن الله سبحانه رد كيده إلى نحره لأنه سبحانه أقوي من كل قوي . وبقيت الجماعة قائمة رغم الانسلاخات التي تمت بسبب كيد عبد الناصر للأستاذ الهضيبي وسرعان ما التأم الصف وظلت الجماعة بقوتها ووحدة تماسكها وعظمتها حتي حلت المحنة بالإخوان ...

سألت السيد محمد حامد أبو النصر عن موقف الأستاذ الهضيبي من حركة الجيش ... فقال :

" لقد بدأت أحداث حركة الجيش فى الفترة الأولي من تولي الأستاذ الهضيبي قيادة الجماعة ولم أكن – كما سبق أن قلت – عضوا فى مكتب الإرشاد فى تلك السنوات فلم أكن قريبا من الأحداث ثم عندما الاعتقال الأول فى يناير عام 1954 اعتقل نصف أعضاء مكتب الإرشاد مع الأستاذ الهضيبي وبقي النصف الآخر لم يعتقل وكنت واحدا منهم.

وكذلك لم يعتقل الشهيد عبد القادر عودة , وسعي الشهيد عبد القادر فى الاتصال بجمال عبد الناصر للتعرف على أسباب الاعتقال , وحدد جمال عبد الناصر موعدا للشهيد عبد القادر عودة وقال له " أحضر معك أبو النصر ".

صاحبت الشهيد عبد القادر عوده فى ذهابه لقاء جمال عبد الناصر باعتبار أنني" بلدياته " وخرجنا من لقاء عبد الناصر ونحن على يقين من نقمة جمال عبد الناصر على الأستاذ الهضيبي ورغبته الشديدة فى تغييره.

قلت لجمال عبد الناصر: تغيير المرشد أمر مستحيل لأن المرشد ليس مرشدا للإخوان المسلمين فى مصر وحدها ولكنه مرشد الإخوان المسلمين فى العالم كله . ولسنا نحن فقط الذين يستطيعون تغيير المرشد أو تبديله فهذا أمر لابد أ، تكون له مبررات قوية . فماذا فعل الأستاذ الهضيبي حتى نقف منه هذا الموقف ؟!

- فقال جمال عبد الناصر :" علشان هو اتصل بالإنجليز".

فقلت:" إن كان الأستاذ المرشد اتصل بالإنجليز فاعرض القضية بأكملها أمام الهيئة التأسيسية , وإذا تأكدنا من أن مرشدنا ليس أهلا ليكون مرشدا لنا فسوف نحل مشاكلنا بأيدينا نحن. ولكننا على يقين من أن الأستاذ الهضيبي رجل طاهر وعظيم , وشخصية ليست بالسهولة التي تستطيع أن تغيرها . لأنه ليس رئيس مصلحة حكومية تستطيع أن تغيره بقرار تصدره.

- قال عبد الناصر : أنا سأحاكمه وأحاكم الإخوان

- قلت : حاكم من تريد لكن أن نترك الرجل ونتخلي عنه بدون وجه حق فلن يحدث هاذ لأن الرجل نظيف ويسلك بنا المسلك الطيب, وسلوكه معكم أ،ت أيضا وربما وصلتك معلومات غير دقيقة ولا تمثل الواقع فتطلب منا أن نغير المرشد وإذا غيرنا المرشد تصبح الجماعة فى يدك . نحن مستمسكون بالمرشد إلى أقصي مدي وقلت لعبد الناصر : إن أى اعتداء على المرشد لن نسكت عليه وإذا أصيبت فيه شعره لن نسكت , فابتسم عبد الناصر ابتسامته الصفراء المشهور بها ثم أخذ يتحدث عن بعض الشخصيات الكبيرة فى الجماعة ويجرحها, وكان يهدف من حديثه هذا تشويه صورة هذه الشخصيات فى أذهاننا بهدف التشكيك فى الجماعة ذاتها.

- ثم قلت لجمال عبد الناصر : الأفضل أن نتعاون معا ونسير.

فقال جمال عبد الناصر : ان نتعاون إلا إذا خلعتم الهضيبي .

فقلت : مستحيل أن نخلع المرشد . هل سيحول المرشد بينك وبين تنفيذ مشاريعك؟! إننا يمكن أن نبحث عن صورة للتعاون خصوصا وأن الإخوان قد أدوا واجبهم تجاه المعركة .

- فسألني عبد الناصر : هل لك اقتراحات معينة ؟

قلت : يمكن أن تشكل لجنة من ثلاثة أنت تختارهم من أعضاء مكتب الإرشاد بشرط أن يوافق عليهم المرشد , ويكون هؤلاء الثلاثة حلقة الإتصال بينك وبين الجماعة . وطبعا المشاريع التي لا تتعارض مع الإسلام سوف يوافقون عليها , وتترك الإخوان يربوا الأجيال الصاعدة من أبناء الشعب ويبشروا بالدعوة.

- فقال عبد الناصر : أوافق على هذا الاقتراح ولكن بشرط إقالة المرشد .

- قلت : لماذا إقالة المرشد ؟! هذا غير ممكن .. المرشد هو التاج الذى نضعه على رؤسنا والرجل لم يقل فيه أحد شيئا . إنك متهم المرشد فما هو دليلك على هذا الاتهام ؟!

- فقال : إن رجال السفارة البريطانية جلسوا يضحكون ويقولون إن الهضيبي بكرة يأتي للوزارة.

- فقلت: مالنا ونحن ورجال السفارة ... وقولهم أن الهضيبي سيشكل الوزارة؟!

- نحن لسنا طلاب حكم ... نحن نريد أن نربي الشعب وأن نرجعه إلى الالتزام بالإسلام والشعب قادر على أن يختار حكامه , والحكم ليس بغيتنا.

- قلت للأستاذ أبو النصر : ما رأي الأستاذ الهضيبي فى حركة 23 يوليو ؟

- فقال : فى ذلك الوقت علمت أن بعض قادة الجيش أرادوا القيام بحركة ضد جمال عبد الناصر ولكن الأستاذ الهضيبي قال: نحن لا نريد أن نساهم فى إقامة مجزرة نتحمل فيها المسئولية وكل أملنا أن يحفظ الله هذا البلد , وكان الأستاذ المرشد يؤكد دائما على مسامع كل المحيطين به هذه العبارة أنا برئ من دم جمال عبد الناصر.

وعن الأستاذ الهضيبي داخل السجن يقول السيد محمد حامد أبو النصر:

التقيت به فى ليمان طره بعد المحاكمات فكان مثالا رائعا للثبات وعدم الإكتراث بالأحداث وكان الإخوان يترسمون خطاه ويقتدون به فى اللام وتعففه عن طلب أى شئ من إدارة السجن كان كالجبل الأشم شامخا عالي النفس مرفوع الرأس . كان بعض الإخوان يطلبون منه أن يقول كذا أو يطلب كذا ... لكنه كان يقول خلينا بعيدين . نحن دخلنا السجن فى سبيل الله وعلينا أن نصبر ونتحمل كل ما نصاب به فى سبيل الله فكان مثلا عاليا لجميع الإخوان.

ويضيف السيد محمد حامد أبو النصر:

أعتقد أن اختيار الأستاذ الهضيبي مرشدا للإخوان فى هذه الفترة كان من تدبير الله وحكمته ورحمته فقد اختار الله الإمام حسن البنا ليضع الأساس ويربي جيلا من الإخوان يقيم صرح الجماعة على أكتافه .

ثم اختار الله الأستاذ الهضيبي لهذه الفترة العصبية لصلابته وثباته وحكمته واتزانه ونزاهته ولو قدر أن اختارا الإخوان شخصية أخري من الشخصيات المتهافتة لكانت الجماعة قد انتهت وعفا عليها الزمن .

لقد كان الأستاذ الهضيبي رجلا مؤمنا غاية الإيمان , فلم يتزحزح عن الموقف الإسلامي قيد أنملة , وهذه أكبر نعمة أنعمها الله على الإخوان المسلمين أ، مرشدهم قوي وحازم وصلب أمام الأحداث لا يتضعضع ولا يضعف ولا يلين . رحمه الله وتقبله فى الصالحين..

الحقيقة أن الأستاذ الهضيبي كان قاضيا فى كل ما يتناوله من أمور ... عندما تعرض عليه مشكلة من المشاكل ينظر إليها بعين القاضي وكانت العدالة صفة من صفاته البارزة ... وكان عميق التذوق للحق , وكان موقفه دائما مع الحق مهما أوذى فى سبيله ..."


اللواء صلاح شادي

الأخ اللواء صلاح شادي واحد من الرعيل الأول الذى رباه الإمام الشهيد حسن البنا وتوليي قسم الوحدات الذى كان يشرف على الإخوان فى جهاز الشرطة والفنيين فى الجيش , وهو واحد من رجال الصف الأول الذين كانوا قريبين من الإمام الشهيد حن البنا حتي استشهاده , وكان أيضا ن القريبين للإمام الهضيبي.

دخل الأخ اللواء صلاح شادي السجن عام 1955 وحكم عليه بالإعدام , وثم خفف إلي السجن المؤبد [25سنة]. أفرج عنه عام 1975 وكان واحدا ممن ثبتهم الله فصبروا ولم يعطوا الدنية فى دينهم .. ولا زال بفضل الله على الطريق وهو واحد من (... رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه , فمنهم من قضي نحبه , ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا.

قلت للأخ صلاح شادي :

متي و كيف تعرفت على الإمام الهضيبي؟

فقال: كان أول تعرف بالإمام الهضيبي رحمه الله رحمة واسعة – من خلال زيارة له فى صحبة الإمام الشهيد حسن البنا فى بلدة الأستاذ الهضيبي ( عرب الصوالحة) وكان يقام هناك معسكر الإخوان, وكانت هذه هى المرة الأولي التي رأى فيها الأستاذ الهضيبي وقد وضح لى من خلال الزيارة أ، الإمام الشهيد يري فى الرجل خيرا كثيرا وأنه متفهم للدعوة الإسلامية تفهما كاملا ويعي جيدا ما تفرضه هذه الدعوة على من يتصدي لحملها ويدرك أن جماعة الإخوان هي التي تضطلع بهذا العبء الكبير ,وأنه يعتبر نفسه جنديا ن جنود هذه الدعوة وقد نذر نفسه لله عزوجل والعمل على إعلاء كلمته وفى بداية اللقاء كنت أظن الرجل منطلق الحديث بمعني أنه يملأ المجلس بحديثه , لكن تبين لى أن الرجل قليل الكلام فى بساطة , ولكن فى عمق وأصالة وقد كان الإمام الهضيبي مختلفا عن الإمام البنا فى ظاهر الأمر , فعلي حين الإمام البنا خطيئا مفوها ومحدثا بملك القلوب كان الإمام الهضيبي قليل الكلام يسمع أكثر مما يتكلم وقد كان هذا الاختلاف أحد المتاعب التي واجهت الإخوان فى الأيام الأولي التي اختير فيها الإمام الهضيبي مرشدا للإخوان , ولكن بعدها توالت الأحداث وكشفت المواقف عن شخصية الإمام الهضيبي . سرعان ما تربع على قلوب الإخوان فألفهم وألفوه ودرجوا على أن يروه على هذه الصورة وأن يتعاملوا على ما يرونه منه. وأذكر فى هذا المجال أن الإخوان كانوا باستمرار يقارنون بينه وبين الإمام البنا فكانوا يقولون له : كان الإمام البنا فى مثل هذا الموقف يفعل كذا ويقول كذا, الإمام الهضيبي يقول لهم : أنا حسن الهضيبي ولست حسن البنا !

ولكن المنطلق الذى كان ينطلق منه الإمام الهضيبي هو ذات المنطلق الذى ينطلق منه الإمام حسن رغم اختلاف الشخصيتين . فهما نموذجان فريدان للرجل وللدعاة !!

واعتقادي ان الله سبحانه وتعالي قد اختار الإمام حسن البنا فى مرحلة معينة يكن يصلح لها إلا هو وادخر الإمام الهضيبي لمرحلة لم يصلح لها إلا هو أيضا, كان الإمام الشهيد حين البنا يري فى الإمام الهضيبي رجلا فيه أصالة , وفيه إدراك سليم للأمور , وفيه عمق البصيرة وعلى بصيرة , ولم يخطر على خاطري فى هذا اللقاء أن يدخر هذا الرجل ليقود الدعوة فى حقبة من أخطر الحقب التي مرت بها الجماعة ولقد أخبرني الإمام الشهيد حسن البنا أن الإمام الهضيبي كان يحضر أحاديث الثلاثاء بالمركز العام للإخوان بصورة منتظمة , وأحيانا يصعد إلى حجرة الإمام البنا ليسلّم عليه , وكنا نراه بعد ذلك . وكان الإمام يستقبله ويسلم عليه بحفاوة كبيرة .

ولأن الإمام الهضيبي كان يعمل فى سلك القضاء ,وكان محظورا عليه الارتباط بأى حزب سياسي أو أية هيئة شعبية فلم يكن الإخوان يعرفون الإمام الهضيبي , وقد كان الإمام الشهيد حسن البنا يعتبره جنديا مجهولا , ومن الأخفياء الأتقياء.

كيف اختير الإمام الهضيبي مرشدا للإخوان المسلمين ؟

يقول اللواء صلاح شادي :

عندما استشهد الإمام حسن البنا كان هناك أربعة أشخاص مرشحين لتولي قيادة الجماعة هم الأستاذ عبد الرحمن البنا شقيق الإمام الشهيد والأستاذ صالح عشماوي وكيل الجماعة والأستاذ عبد الحكيم عابدين سكرتير الجماعة, والشيخ أحمد حسن الباقوري الذى كان الإمام البنا أوكل إليه أمور الجماعة أثناء المحنة . ولكن الأربعة لم يستطيعوا الإتفاق على اختيار أحد منهم , مما جعل كبار الإخوان يفكرون فى البحث عن شخص يلتقي عليه جميع الإخوان , ولا يكون موضع تنازع أو اختلاف . وهنا عرض مكانته منه ويعرفون طريقة الأستاذ الهضيبي فى تناوله للأمور كما يعرفون شجاعته وموافقة فيما يتصل بعمله . ولم يكن جمهور الإخوان يعرفون الأستاذ حسن الهضيبي , ولا يعرفون علاقته بالإمام الشهيد حسن البنا ولكن القريبين من الإمام حسن البنا هم الذين كانوا يعرفون الأستاذ الهضيبي ويعرفون مكانته من الإمام الشهيد ويعرفون أمانته وثقته فى ربه وشجاعته , وكان الاختيار موفقا فقد اتضح انه أصلح الأشخاص للقضاء على الفرقة والتنازع داخل الجماعة , ولما طرح اسمه على الإخوان كان هناك أخذ وعطاء بين الإخوان حول اختيار الرجل وحول الفائدة التى يمكن أن تعود ع