أذهبوا وراقبوا لعلكم تتعلموا

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أذهبوا وراقبوا لعلكم تتعلموا


بقلم:المستشار/ محمود الخضيري


نشرت جريدة المصري اليوم بعددها الصادر يوم الأحد الموافق 10 أغسطس سنة 2008 بالصفحة الأخيرة خبرا بأن المعهد الجمهوري الأمريكي يدعو خمسة وعشرين منظمة حقوقية مصرية للاشتراك في مسابقة لمراقبة الانتخابات الأمريكية وقلت لنفسي بعد قراءة الخبر ترى لو أن ذلك حدث عندنا ودعونا منظمات حقوقية أمريكية أو غير أمريكية لمراقبة الانتخابات عندنا فماذا سيكون موقف كتاب السلطة ورجالها من هذا الخبر، بالطبع ستطلع علينا الأقلام المأجورة وكلاب السلطة تتهمنا بأننا نستعدي الأجنبي للتدخل في شئوننا الداخلية أما في أمريكا وغيرها من بلاد العالم الحر فإن هذا الأمر شيء عادي يحدث في كل انتخابات، وأمر هذه الدعوة ليس قاصرا على مصر فقط بالطبع ولكنه يشمل جميع منظمات المجتمع المدني في العالم وهذا بالإضافة إلى الرقابة الدولية التي يقوم بها رجال تابعون للأمم المتحدة، هل تعرف أخي القارئ لماذا يعتبر هذا الأمر أمرا عاديا في أمريكا وغيرها من البلاد الحرة ويعتبر مستهجنا من البعض عندنا؟ الأمر بالطبع يتعلق بمساحة الحرية المتاحة وعدم الخوف من اكتشاف ما يحدث في الانتخابات من تجاوزات، ففي حين أن هذه البلاد الحرة لا تجرؤ حكومتها على مجرد التفكير في تزوير الانتخابات وإذا حدث شيء من ذلك وتم اكتشافه فسيكون مصير من قام به الإعدام السياسي بالإضافة إلى ما يمكن أن يناله من عقاب جنائي لأن الرأي العام فيها لا يتحمل وقوع مثل هذه التجاوزات التي تغتصب حقوقه وتعتدي على إرادته وحريته في اختيار حكامه، أما عندنا فإن ما يحدث من تجاوزات علنية ترصدها أجهزة الإعلام العالمية وتراها أعين الناس وتلمسها أيديهم فإنه لا يكون هناك من رد فعل سوي بعض الحناجر تصيح مستهجنة وبعض الفكاهات اللاذعة تطلق تهكما على ما يحدث ثم ظهور المسئولين لنفي وقوع التزوير وظهور رئيس الدولة يطلق على ما يحدث من تزوير تجاوزات تهوينا من شأنها باعتبار أن ما يحدث مجرد لمم لا ينال من نصاعة الانتخابات ونزاهتها لأنها أسفرت عن فوز أنصار الحزب الحاكم وهذا في نهاية الأمر هو المهم حتى تتمكن الحكومة من إنفاذ سياستها في جميع أمور الحكم ويصفوا الجو للحاكم لكي يفعل ما يريده ومنه بالطبع اختيار من يخلفه طبقا للخطة التي وضعها منذ زمن ويعمل سريعا على تنفيذها مهما كانت العواقب.

أعجب كثيرا ممن يستهجن الرقابة الدولية على الانتخابات ومن يستهجنها لا يخرج الوضع بالنسبة له عن أمرين

أولهما أنه جاهل بمعنى الرقابة الدولية وهو فقط يكتفي بقراءة أقوال من يصفها عن جهل أو سوء نية بالتدخل الخارجي ويردد هذا القول بغير تفكير، ويستند في رفضه لهذه الفكرة بأن هناك إشراف قضائي على الانتخابات عندنا وهو يغني عن أي شيء أخر رغم أنه يعلم أن هذه الإشراف قد صار إشرافا صوريا لا قيمة له وأن القضاة قد اصبحوا مجرد عدادين للأصوات التي تم تزويرها وهذا ما قلنا من قبل إنه يسبب حرجا للقضاة ويجعلهم في موقف المحلل وهو التيس المستعار كما وصفه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ولذلك ندعو إخواننا إلى الاعتذار عن هذا العمل حتى لا يضعوا أنفسهم في هذا الوضع المشين.

أما ثاني المعارضين للرقابة الدولية على الانتخابات فهو إنسان مغرض يعلم أن هذه الرقابة الدولية ستكشف تزوير الانتخابات أمام العالم بطريقة يصعب الدفاع عنها أو إنكارها وهذا بالطبع سيؤثر على مدى احترام العالم لمصر وكيفية التعامل مع حكومتها حتى لو كانت حكومات العالم الحر ترغب في ذلك حرصا على مصالحها لأن حكومات هذا العالم الحر تعمل حسابا لشعوبها وهذه الشعوب تعودت على الحرية والديموقراطية وتكره وتحتقر من يقوم بتزوير الإرادة حتى إذا كانت هذه الإرادة إرادة شعوب أخرى مقهورة لا تملك الدفاع عن نفسها وكثيرا ما رأينا فيها المظاهرات تخرج للمطالبة باحترام حرية وحقوق شعوب أخرى لأن الحرية والديموقراطية أصبحت لغة عالمية تعرفها جميع شعوب العالم غير أن هناك شعوبا تستطيع أن تعبر عن رأيها بحرية وأخرى مقهورة تنام وتصحوا على منظر جنود الأمن المركزي في كل مكان وعصا أمن الدولة تداعب الناس حتى في الأحلام.

منظر المرشح الأمريكي للرئاسة وهو يجوب البلاد طولا وعرضا يعرض نفسه على الناس ويحاول اجتذاب حب الشعب له، ووسائل الإعلام تتتبع حياته منذ نعومة أظافره وحتى قبل ذلك عن طريق ماضي عائلته وثروته وملابسه وسقطات لسانه ولسان من يعاونه، ومدى انزعاج المرشح من كلمة قالها صديق له يمكن أن تؤثر على حب الناس واحترامهم له، كل ذلك يجعل الإنسان يشعر أن تسميه شعوبنا بشعوب العالم الثالث أو الشعوب المتخلفة أمر تستحقه بلا شك حيث أنه لا إرادة ولا حرية ولا رغبة في أن يكون لنا شيء من ذلك، حكامنا يحتقروننا رغم أنهم منا ويقولون أننا لم نصبح بعد جديرين بالحرية والديموقراطية لمجرد أنهم غير راضيين علينا كأنهم ليسوا أبناءنا أنفقنا عليهم من أقواتنا وعرق جبيننا حتى يصبحوا رجالا نزهو ونفتخر بهم ولكنهم عندما شبوا عن الطوق وصاروا رجالا تعالوا علينا واحتقرونا وصرنا في نظرهم جهلة متخلفون لا نستحق الحرية والديموقراطية


وانطبق علينا وعليهم قول الشاعر

اعلمه الرماية كل يوم

فلما إشتد ساعده رماني

التفكير في الإصلاح السياسي في مصر في ظل ظروف تزوير الانتخابات أمر مستحيل وهو كمن يحرث في البحر، كيف يمكن أن نصل إلى رأي راجح في وسائل وسبل الإصلاح وصندوق إبداء الرأي معرض للعبث به وهو في أيد غير أمينة؟ كيف يمكن معرفة ما إذا كانت الأغلبية مع النظام الرئاسي أم البرلماني؟ وكيف نعرف ما إذا كان الناس مع نظام الاقتصاد الحر أم مع غيره من الأنظمة الاقتصادية؟ وكيف نعرف رأي الناس في نظام التعليم في مصر وسبل إصلاحه؟ وكيف تعرف رأي الناس فيما يشاع عن أن في مصر فساد وطرق إصلاحه؟ وكيف نعرف رأي الناس فيما إذا كان يجب إطلاق حرية اختيار الأحزاب أم أنهم يفضلون وضع قيود وشروط لذلك؟ كيف يمكن معرفة ما إذا كان الناس مع مبدأ الفصل بين السلطات وحدود هذا المبدأ؟ كيف نعرف رأي الناس في استقلال القضاء وسبل تحقيق ذلك وما إذا كان الناس يشعرون أن القضاء في مصر بوضعه الحالي مستقل أم لا؟ كيف نعرف كل ذلك وغيره كثير في ظل تزوير الانتخابات التي لا تقول إلا رأيا واحدا هو ما تراه الحكومة التي لا تريد ةأن تبارح مكانها حتى يحين الأجل الذي في نظرهم لن يحين فقد نسى المسئولون عندنا الموت وصار بالنسبة لهم فكرة سخيفة لا ينبغي الالتفات إليها أو التفكير فيها.

لا أمل في الإصلاح قبل القضاء على تزوير الانتخابات واعتبار ذلك جريمة خيانة عظمى يعاقب مرتكبها بالإعدام والشعب وحده هو القادر على أن ينفذ ذلك بوعيه وحرصه على الدفاع عن كرامته وحريته وإرادته في اختيار حكامه .

كانت تركيا على شفى انهيار اقتصادي وسياسي حتى أتى حزب العدالة والتنمية إلى الحكم فأنقذها من ذلك في مدة قليلة لم تزد على خمس سنوات أصبحت فيها تركيا بلدا تقف في مصاف البلاد الكبرى اقتصاديا وسياسيا بسبب سياسة الحزب الذي وصل إلى الحكم عن طريق انتخابات حرة نزيهة وحصل على أغلبية لم يسبق أن حصل عليها حزب من قبل حتى أن المحكمة الدستورية لم تجرؤ على إصدار الحكم بحله رغم أنها فعلت ذلك مرات مع أحزاب أخرى ولم يكن ما وصلت إليه تركيا إلا بفضل نزاهة الانتخابات أما عندنا فإن الإصلاح يحتاج إلى خطوة تسبقه وهي القضاء على تزوير الانتخابات وتحرير إرادة الشعب حتى يختاز حكامه بإرادته الحرة فيصل إلى الحكم أصلح الناس وأقدرهم على خدمة الشعب ومن يثبت أنه غير جدير بما وصل إليه يتم استبعاده في الانتخابات التالية وبذلك يمكن أن يأخذ الشعب المصري مكانه بين شعوب العالم الحر المتقدم ويتخلص من المشاكل التي تحيط به من كل جانب وتكاد تقضي على كل أمل له في الإصلاح والتغيير.