حتى لا تصبح «أندلس» أخرى!

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حتى لا تصبح «أندلس» أخرى!
اليهود والاقصى.jpg


بقلم : معتصم حمادة

لا يكفي أن نصدر البيانات وأن ننظم الاعتصامات وأن نسير التظاهرات وأن نطير البرقيات احتجاجاً على تهويد القدس. لا بد من معركة شعبية تصون عروبة هذه المدينة ولنا في تجربة بلعين مع جدار الفصل خير تجربة في موقف بدا أنه أشبه برد الفعل على المجازر الإسرائيلية في قطاع غزة، في إطار حملة «الرصاص المصهور» العدوانية، أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قناعته بأن إسرائيل لا تريد السلام، واشترط للعودة إلى طاولة المفاوضات مجموعة من الخطوات، رأى أن على إسرائيل أن تخطوها، في مقدمها وقف الاستيطان وقفا تاما، بما في ذلك المسمى «تلبية للزيادة السكانية».

وبموقفه هذا يكون عباس قد التقى مع مواقف معظم القوى الفلسطينية (إن لم تكن كلها) وقد دعت إلى وقف الاستيطان كشرط للتفاوض مع العدو الإسرائيلي.

ومنذ ذلك الوقت، والمفاوضات معطلة، عباس من جهته يشترط للعودة إليها أن تعترف إسرائيل بما يسمى «حل الدولتين».

وإسرائيل تشترط من جانبها أن يعترف الفلسطينيون مسبقاً، بما يسمى «يهودية الدولة».

ولأن السياسة لا تعرف الفراغ، ولأن ثمة قوى تندفع في اللحظة المناسبة لملء أي فراغ ناشئ هنا أو هناك، فإن المسألة لم تتجمد عند حدود الشرط والشرط المضاد، ولم تقف عند حدود التجاذبات الإعلامية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي . إذ يلاحظ أن إسرائيل، وتحت قيادة حكومة نتنياهو ـ ليبرمان ـ باراك، تجاهلت شروط عباس حول الاستيطان، واندفعت أكثر فأكثر نحو رسم وتخطيط وتنفيذ مشاريع استيطانية ذات طابع جهنمي، تصل إلى حدود هدم منازل حوالي 60 ألف فلسطيني في القدس الشرقية، وهدم أجزاء من الكنائس المسيحية، وتهديد الأقصى بالتدمير من خلال الحفريات التي لم تتوقف تحته.

ولم يبق إيلي يشاي، نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الداخلية الأمر طي الكتمان، بل أعلن أن المخطط يهدف إلى بناء ما أسماه «مدينة داود» ويساوي ذلك في الخطاب الإسرائيلي التقليدي، قيام «القدس الكبرى» عاصمة إسرائيل.

ولا يمكن لهذه المدينة أن تقوم إلا بطرد الفلسطينيين منها، وتوسيع رقعتها لتطال أحياء عربية مجاورة، وهدم العديد من معالمها العربية والإسلامية والمسيحية، في خطوة تبدو أنها محاولة لتزييف التاريخ وتزويره، وفرض الرواية الخرافية الصهيونية، التي تقول أن هذه الأرض هي أرض ميعاد يهود العالم، وليست أرض الفلسطينيين ووطنهم القومي.

تلتقي هذه الخطوات التهويدية، شديدة الخطورة، والمتسارعة، مع ما بدأ بنيامين نتنياهو يكشف عنه، قبل سفره إلى الولايات المتحدة ليعرض على الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما رؤيته للحل، وهي لا تتعدى منح الفلسطينيين حكما ذاتيا محدودا، لا يرقى إلى حدود دولة مستقلة وذات سيادة.

ولا يحتاج المرء ليكون عبقريا ليدرك لماذا ذهب نتنياهو هذا المذهب.

فقد بات مؤكدا أن كل القوى الإسرائيلية، على اختلاف اتجاهاتها، تتفق على ضرورة «الخلاص» من «السكان» الفلسطينيين في الضفة (وفي داخل إسرائيل أيضا إن أمكن) تحت ذريعة الحفاظ على الهوية القومية لإسرائيل باعتبارها دولة يهودية.

ولعل نتنياهو يعتبر الحكم الذاتي هو الحل الذي يمكن إسرائيل من إخراج الفلسطينيين من تعدادها السكاني، فتحافظ على الأغلبية اليهودية، كما أنه هو الحل الذي يمنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، تفتح شهية الفلسطينيين ـ كما يقول نتنياهو نفسه ـ لطلب المزيد،

وفي مقدمة هذا المزيد من المطالب التمسك بعودة اللاجئين إلى إسرائيل، الأمر الذي يراه نتنياهو مشروعاً فلسطينيا للاستيلاء على إسرائيل من الداخل، بعدما فشلت القوى الفلسطينية من الاستيلاء عليها من الخارج. هذه هي الرسالة التي سوف ينقلها نتنياهو إلى أوباما، وسوف يقنعه «بعدالتها» و«صوابيتها» وسوف يدعوه لدعم إسرائيل في موقفها هذا، وليس مستبعدا أن يصل الطرفان إلى «تسوية» في الرواية، بحيث يلتقيان على حل هو أكثر من حكم ذاتي محدود وأقل من دولة فلسطينية مستقلة، خاصة وأن الحديث الأميركي عن الدولة لم يتسم بالوضوح الكافي بحيث قدم حلا يوفر شروط الاستقلال والسيادة للدولة الفلسطينية التي بشر بها بوش الابن (ثم أخل بوعوده) وورثها عنه باراك أوباما.

إذن نحن أمام مشهدين اثنين متناقضين المشهد الفلسطيني الذي يطلق شروطه، منتظرا الرد.

والمشهد الإسرائيلي الذي لا يعبأ بالاشتراطات الفلسطينية، بل يرد عليها ببناء مشروعه السياسي والاندفاع قدما على طريق تنفيذه، وتحويله من مشروع نظري إلى واقع عملي.

الخطة الخاصة ب القدس «الكبرى» لا تطال القدس وحدها بل تطال الضفة الفلسطينية كاملة، وترسم علامات استفهام كبيرة، وكبيرة جدا حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني حتى أن البعض أصابه اليأس، فاندفع في الهروب إلى الأمام مطالبا بدولة واحدة (تجمع بين إسرائيل والمناطق الفلسطينية المحتلة) بديلا للمشروع الوطني: «الدولة المستقلة كاملة السيادة في الضفة والقطاع، بحدود الرابع من حزيران (يونيو) وعاصمتها القدس، وضمان عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم».

السلطة الفلسطينية قررت، ردا على المشاريع الإسرائيلية لتهويد القدس، تشكيل لجنة طوارئ لبحث الموضوع ومتابعته سياسيا ودبلوماسيا.

الجامعة العربية سوف تدرس الأمر في الاجتماع الوزاري القادم وربما تدعى لجنة القدس المنبثقة عن القمة العربية للاجتماع لبحث الموضوع.

مع ترحيبنا بهذه الخطوات، نقول بوضوح: هذا غير كاف ونضيف أنه إذا لم يصطدم المشروع الإسرائيلي بعراقيل ميدانية، فإن كل هذه التحركات السياسية العربية وغيرها لن تلجمه ولن تعطله.

المطلوب خطة للتصدي للمشروع الإسرائيلي توضع في خدمتها كل الإمكانات المتوفرة.

ونعتقد أن الجعبة الفلسطينية زاخرة بهذه الإمكانات. بحيث تتحول قضية الدفاع عن القدس إلى قضية شعبية من الطراز الأول، لا يقتصر عبؤها على أبناء القدس، بل يصبح هذا العبء واجبا من واجبات كل فلسطيني في الضفة، كما في مناطق 48، كما في مناطق الشتات و قطاع غزة.

البيانات والتظاهرات والاعتصامات والمذكرات وبرقيات الاحتجاج، كلها خطوات جيدة، لكنها خطوات غير كافية التجربة أكدت أن التصدي الميداني هو الحل.

هذا ما أكدته تجارب القرى الفلسطينية التي تصدت لجدار الفصل بصدور أبنائها مما أرغم المحكمة الإسرائيلية على التدخل لصالح هذه القرى.

ولم يعد يجدي الحديث عن الانقسام باعتباره يضعف الحركة الشعبية الفلسطينية.

لم يعد سراً القول إن العودة عن الانقسام قد تتطلب وقتا غير قصير، ولا يعتقد أحد أن بإمكان القدس وباقي ملفات المشروع الوطني أن تنتظر ريثما تتفق الحركتان، فتح وحماس، في حوارهما الفاشل.

لم يعد يكفي التغني ب القدس عاصمة للثقافة العربية بل يجب صون القدس العربية حتى لا تتحول في ظل السياسات المتبعة، وبعد فترة من الزمن، مجرد ذكرى نقف على أطلالها كما يقف البعض في ذكراه على أطلال الأندلس.


المصدر