عدل القضاة يضاف إلى رصيد الحاكم

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
عدل القضاة يضاف إلى رصيد الحاكم


كتب الخليفة المنصور العباسي إلى قاضيه سوار بن عبد الله قاض البصرة كتاباً يطلب منه فيه النظر في قضية نزاع على قطعة أرض بين أحد قواد جيشه وأحد التجار وأن يحكم بها للقائد ، فكتب إليه القاضي سوار قائلاً : " إن لبينة قد قامت لدي إنها للتاجر وقد دفعت بها إليه ولا يمكنني إخراجها من يده إلا ببينة " ، فكتب إليه المنصور قائلاً : " أقسمت عليك بالله الذي لا إله إلا هو أن تدفع بها إلى القائد " ، فرد عليه القاضي سوار قائلاً : والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجها من يد التاجر إلا بحق " ، فلما جاءه كتاب القاضي صاح الخليفة المنصور قائلاً : " ملأتها والله عدلاً ، وصار قضاتي يردوني إلى الحق " .

وفي أوروبا عندما كان هنري الخامس ملك إنجلترا ولياً للعهد سيق للمحاكمة أحد خدمه المقربين منه فغضب لذلك وتوجه إلى المحكمة مع حراسه مقتحماً قاعة المحاكمة غاضباً طالباً من القاضي إخلاء سبيل الخادم ، وإذ بالقاضي ينظر إليه في هدوء قائلاً : " سيدي تذكر مركزك كولي للعهد ، إنني هنا أجلس مكان والدك الذي تدين له كملك وأب بولاءين وباسمه أتهمك بإساءة السلوك وبأنك لا تقدم بذلك مثلاً طيباً لأولئك الذين سيصبحون يوماً رعاياك ، ولهذا ولما ارتكبته من امتهان للقضاء أمرك بأن تسلم نفسك إلى سجن محكمة منصة الملك ، وأن تظل فيه حتى تحاكم وفق مشيئة الملك " .

|ألقى ولي العهد سلاحه وتوجه إلى السجن تنفيذاَ لأمر القاضي ، ولما علم الملك بذلك جثا على ركبتيه شاكراً الله أن وهبه قاضياً لا يرهب أحداً في إدارة العدل كما وهبه ابناً يخضع لحكم القضاء ,

وفي رسالة الإمام علي ابن أبي طالب – رضي الله عنه - إلى واليه على مصر الاشتر النخصي مبيناً له كيفية اختيار القضاة ومعاملتهم ، قال : " .......... وأفسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس ، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك فيأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك " .

وقال عمرو بن العاص – رضي الله عنه - : " لا سلطان إلا برجال ، ولا رجال إلا بمال ، ولا مال إلا بعمارة ، ولا عمارة إلى بالعدل " وكتب الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز إلى أحد عماله حينما بعث يستأذنه في تحصين مدينته قائلاً : ( حصنها بالعدل ونق طريقها من الظلم ) .

ورحم الله القائد المنتصر صلاح الدين الأيوبي الذي قال مخاطباً قواد جيشه المنتصر على إثر انتصاره على أعدائه وتدعيم أركان حكمه " لا تظنوا أني ملكت البلاد بسيوفكم بل بقلم القاضي الفاضل ( اسم القاضي ) .

أسوق ذلك بمناسبة ما يتعرض له القضاة في مصر هذه الأيام من محاولة قهرهم والسيطرة عليهم والقضاء على ناديهم المحصن الذي يحتمون به من غوائل الدهر وهجوم السلطة التنفيذية ، واستعداء بعضهم على بعض والاستعانة عليهم بمن لا يخاف الله فيهم ولا يرحمهم ، ليس إلا لأنهم وقفوا مع الحق وقاوموا الظلم وحاولوا القيام بما أسند إليهم من أعمال بما يرضي الله ورسوله وقاوموا التزوير وفضحوا المزورين ، وكل ذلك أعمال تحسب لهم لا عليهم وتضاف في ميزان حسناتهم عند الله والناس كما تضاف إلى رصيد الحاكم الذي اسند إليهم هذه المهمة الشاقة وكان يجب على الحاكم أن يتفهم ذلك جيداً وأن يعرف أن ما قام به القضاة في هذا الشأن ليس إلا للمصلحة العامة مصلحة الشعب الذي أولاهم هذه الثقة وهي في ذات الوقت مصلحة الحاكم الذي اختارهم لهذه المهمة وكنا ننتظر من سيادة الرئيس أن يصيح قائلاً - كما فعل الخليفة المنصور - :" ملأتها والله عدلاً وصار قضاتي يردوني إلى الحق " ، أو أن يجثوا على ركبتيه – كما فعل ملك إنجلترا – شاكراً الله على أن منحه قضاة لا يخافون في الله لومة لائم ، أو يسجد لله شكراً على هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه .

النعمة يا سيادة الرئيس لا يجب أن يستقبلها الإنسان إلا بالشكر لله ولمن قدمها إليه لأن الرسول Fيقول : " لم يشكر الله من لا يشكر الناس " ، ومن لا يشكر الله على نعمة ويشكر من قدمها إليه تعرض لزوالها أعزانا الله جميعاً من ذلك ، لم يجد القضاة من حكام مصر من يقول لهم نعم ما قمتم وتقومون به من أعمال في خدمة الوطن والشعب وإن كان ذلك في الحقيقة يأتي من الشعب المقهور الذي يدرك أن القضاة لم يغضبوا لأمر شخصي أصابهم لم يطلبوا زيادة في المرتبات أو سرعة في الترقيات أو زيادة في الميزات المادية أو المعنوية ، كل ما طلبوا به أن يمكنوا من أداء رسالتهم في إحقاق الحق ونصرة المظلوم ومقاومة الظلم والتزوير حتى يرضوا ضمائرهم ويحافظوا على حب الشعب واحترامه لهم ، فهل هذا يمكن أن يؤخذ عليهم وأن يرتد عليهم هجوماً وقهراً ومحاولة إخضاع ، ألم تلاحظ يا سيادة الرئيس أنك لم تزر نادي القضاة منذ توليت السلطة كرئيس للدولة حتى الآن ، ألم تلاحظ يا سيادة الرئيس أنك لم تستقبل أعضاء مجلس إدارة نادي القضاة المنتخب من جموع القضاة منذ خمس سنوات حتى الآن حتى تعرف منهم حقيقة مشاكلهم وحقيقة ما يثار حولهم وحتى يأمنوا اغتيال رجالك لهم عندك ، حتى عند أزمتهم الأخيرة رفضت التدخل بحجة أنها أزمة داخلية لا يجوز لك التدخل فيها كما أشار إليك بذلك من لا يبغي مصلحتك ولا مصلحة القضاة ولا مصلحة الوطن والشعب ، هل تعرف لماذا ؟ لأنك رئيس الجمهورية رب الأسرة ، والمشكلة بين القضاة كما تقول مشكلة داخلية فهل يمتنع الأب عن التدخل في مشكلة بين أبنائه بحجة أنها مشكلة لا يجوز التدخل فيها ، هل رأيت الآن يا سيادة الرئيس أن من أشار عليك بعدم التدخل لم يخلص لك النصح .

الممنوع عليك يا سيادة الرئيس هو التدخل في القضايا لصالح أو ضد أحد الأطراف حتى لا يختل ميزان العدل وتسأل عن ذلك يوم القيامة إذا لم يمكن سؤالك عنه في الدنيا ، هذا هو الممنوع عليك أما التدخل بين الأخوة والأبناء من أجل الصلح ورأب الصدع فهذه مهمة رئيس الجمهورية رب العائلة وراعيها .

يا سيادة الرئيس عدل القضاة وإكرامهم يضاف إلى رصيدك عند الشعب الذي ينعكس عليه ذلك راحة ورضاء بحل مشاكله والحصول على حقه فينام قرير العين وينتج ، وتتقدم البلاد وتزدهر ، ويدعم الحكم ويأمن الحاكم ، وظلم القضاة ومحاولة قهرهم ينعكس على الشعب سخطاً وتمرداً وضيقاً وفقراً وكراهية للحاكم الذي لم يحسن اختيار القضاة ولم يستطع أن يحقق العدل الذي هو أساس الملك .

كل الظروف من حولنا تقول أن هناك من أوقع بين القضاة وبينك وأننا صد الحكم رغم أننا جزء منه ، والحقيقة أننا فقط ضد الظلم وضد التزوير وضد القهر نقاومه بكل ما أوتينا من قوة وسنظل نقاومه حتى آخر حبة عرق أو نقطة دم أو نبضة قلب ، لن يثنينا عن ذلك وعيد أو تهديد ، ومهما كان اغتيال رجالك لنا عندك ومحاولتهم إظهارنا بأننا فئة مشاغبة لابد من قهرها والخلاص منها وعدم الاستجابة إلى مطالبها في الضمانات التي تطالب بها حتى تستطيع أداء رسالتها في إحقاق الحق ودفع الظلم ومعاقبة الظالمين ، لابد من قهرها حتى يتمكنوا من تنفيذ رغباتهم الغير مشروعة في التزوير والبقاء في الحكم بلا سند شعبي يرغب في بقائهم ، سنظل نكافح ونناضل إلى أقرب الأجلين إما تحقق الحرية والعدل أو الفناء في سبيل ذلك لأن صاحب المبدأ لا يعرف إلا هذين الطريقين فقط ونرجو من الله أن نكون منهم .

قانون السلطة القضائية يا سيادة الرئيس لم يجف المداد الذي عدل به وأغلب بنوده لم توضع بعد موضع التنفيذ وقد جرى تعديله الأخير بسرعة مريبة بعد تأكيد منك ومن بعض من بيدهم الأمر أنه لا يوجد نية للتعديل فماذا حدث ، وهل كان الأمر سيتأثر كثيراً لو أنك طلبت الاجتماع مع من يهمهم الأمر من القضاة لتطلع على الحقيقة قبل أن تتخذ قرار في أمر هام سبق أن وعدت يعدم اتخاذ قرار فيه وصدّق القضاة وعدك باعتبارك ولي الأمر الذي بيده كل شيء في هذا البلد فماذا يحدث يا سيادة الرئيس ، لا يمكن لأحد أن يصدق أنك تعد وتنكس في وعدك بهذه السرعة المريبة ، فما هو الأمر وهل هناك قوى تعمل من وراء ظهرك وتلتف على أوامرك ورغباتك وتسبب لك الإحراج مع الشعب ، أم أن هناك أموراً خفية لا نعلمها ولا يجب الإطلاع عليها رغم أن الشعب هو في النهاية صاحب القرار في كل الأمور الهامة .

العمال يا سيادة الرئيس يؤخذ رأيهم في كل أمر يتعلق بشئونهم ، فما بال القضاة هذا وضعهم ، ورجالك لا يعترفون بأي تجمع شعبي رغم انه الممثل الحقيقي للفئة التي يمثلها ولا يعترفون إلا برأي ذوي المناصب الإدارية رغم أن رأيهم لا يمثل الحقيقة ولا يمثل إلا مصلحتهم الشخصية التي يضعوها فوق كل مصلحة .

يا سيادة الرئيس القضاء في محنة والقضاة في ضيق شديد مما يحدث عليهم من تعدي على سلطاتهم واختصاصاتهم ، قضاء عسكري موازي للقضاء العادي في الاختصاص أمر مفزع لهم ولجميع الشعب ، تضييق في الحريات والحقوق العامة بحجة حماية الوطن من شعبه المقهور المسالم الذي يعاني أصلاً من المعتقلات والسجون والتعذيب ، المشاكل كثيرة والشعب في ضيق والمستقبل مظلم ، فهل تُرى يُسعدك أن تحكم شعباً هذا شانه .

وأختم حديثي بطرفة آمل ألا تتحقق في مصر ، يحكى أن بومة ذهبت لتخطب لأبنها فطلبت أم البومة العروس ألف خرابة مهراً لابنتها فردت عليها البومة أم العريس قائلة : " أدعي الله معي أن يبقى لنا حاكماً ، وأنا أعطيك بدلاً من الألف خرابة ألفان " .

انتهت القصة ووصلت الرسالة .