غياب الحرية.. إهدار للكرامة واستمرار للقهر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقالة-مراجعة.gif
غياب الحرية.. إهدار للكرامة واستمرار للقهر

بقلم:الإستاذ محمد مهدي عاكف

مقدمة

رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين
رسائل.gif

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وقائد الغرِّ المحجَّلين، وإمام المتقين.. سيدنا محمد المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ورضي الله عن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.. وبعد!!

فالمتأمل في أحوال مجتمعنا العربي والإسلامي، بل وعلى المستوى الدولي، يلحظ أن هناك أزمتَين متصاعدتَين ومتداخلتَين في نفس الوقت:

الأزمة الأولى: أزمة إيمان ويقين بالله- سبحانه وتعالى- وتتجلى مظاهرها في فقدان القيم والأخلاق، وانتشار الفساد والانحلال، وتزايد الإحساس بالفراغ والضياع، والنزوع إلى المادية القاسية، والتكالب على الثروة والسلطة، وضعف الوازع الديني، وهذه الأزمة- أزمة ضعف الإيمان- لها أسبابها الواضحة.. من السعيِ الحثيثِ لدى هيئات ومؤسسات وتيارات وحكومات لتجفيف منابع التدين بين الناس، وضربِ مؤسساتِ التربيةِ والتوجيهِ وبناءِ الأخلاقِ من مساجد ومدارس، والسعى لتخريب وتدمير الأسرة، وهي محضن التربية الأساسي التي تمنح الدفء والسلوك الرشيد، ولا حلَّ لهذه الأزمة إلا بمعالجة أسبابِها بكل وضوح وشفافية، وبرغبة صادقة في الوصول إلى علاج ناجع، وحل صريح وسريع!!

وأما الأزمة الثانية: فهي فقدان الأمان والشعور بالخوف.. الخوف من الآخرين ومن المستقبل.. الخوف على الرزق والخوف على الحياة، وأبرز مظاهره استخدام القوة المفرطة في مواجهة الآخرين، واستخدام كل الوسائل- وخاصةً غير الأخلاقية- في السيطرة والتحكم في الآخرين، بما يؤدي إلى ممارسة الاستبداد في أبشع صوره، وما ينتج عنه من سلوكيات الظلم والقهر والعدوان واغتصاب الحقوق والسطو على إرادة المجتمع، وكراهية العدل والمساواة وانتشار المحسوبية والبلطجة.

وأسباب هذه الأزمة- أزمة فقدان الأمن والأمان- واضحةٌ ومعروفةٌ، وهي فقدان العدالة وانتشار الفساد والظلم والقهر والتسلط، ولا حلَّ لهذه الأزمة إلا بأن ترفرف أعلام الحرية الحقيقية فوق ربوع الوطن والأمة.. الحرية التي ينظر إليها الإسلام باعتبارها فريضةً من فرائضه، وركنًا أساسيًّا من أركان نظامه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعقائدي.. يقول الله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: 29).

ظلم وقهر وعذاب

إن غياب الحرية عن بلاد المسلمين منذ عقود طويلة أدى لما نحن فيه من فساد وانحراف، وتخلُّف وانحلال، وظلم وقهر، واغتصاب الحقوق، وخراب الذمم، وتزوير الإرادة، وانعدام النخوة والمروءة، وسوء الأخلاق، ولن تستقيم الأحوال والأوضاع في بلادنا- وفي العالم كله- إلا بعودة الحرية المنضبطة ترفرف على ربوعنا من جديد، وتشكِّل خياراتِنا وطموحاتِنا وآمالَنا وأحلامَنا.. الحرية التي تفتح آفاقَ الإبداع في كل المجالات.. في السياسة والآداب.. في الاقتصاد والتربية.. في الاجتماع والعمران.. في الثقافة والفنون.. وفي العلاقات الدولية والتكنولوجيا.

إن غياب الحرية معناه استمرار القهر والظلم، وعودة زوَّار الفجر ليغتالوا الكرامة وكل المعاني الإنسانية، وفي الأسبوع الماضي وقعت حادثةٌ مؤلمةٌ لواحدٍ من رجال الإخوان المسلمين في مصر، لم يرتكب جرمًا، ولم يخطط لمؤامرة، ولم يخالف قانونًا، فهو الباحث السياسي الذي يعبِّر بقلمه عن أمانة البحث العلمي، ويحدِّد بأدواته البحثية ملامح الأزمة وأبعاد المشكلة؛ حتى يصل إلى النتيجة العلمية التي تساهم في نهضة وطنه وأمنه.

ورغم ذلك اقتاده ضباطٌ قساةُ القلوب، غلاظُ الأفئدة، بعد أن أفرجت عنه نيابة أمن الدولة لعدم وجود أدلة- بل لعدم وجود اتهام أصلاً- اقتادوه إلى فرع مباحث أمن الدولة بالجيزة ليتعرض لتعذيب بشع، ويمارسوا معه أحطَّ الأساليب التي يشيب لها الولدان؛ لينتزعوا منه اعترافاتٍ كاذبةً يريدونه أن يعترفَ بها، بعد أن أهدروا كرامتَه، وأهانوا إنسانيتَه.. وهو الباحث المهذب.. ونسوا قول الله عز وجل: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وإثْمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 58) ونسوا قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لزوال السماوات والأرض أهون عند الله من إيذاء امرئٍ مسلم".

النظام لا يريد إصلاحًا

إن هذه الحادثة تدل دلالةً قاطعةً على أن غيابَ الحرية معناه إهدارٌ للكرامة واستمرارٌ للقهر والظلم والاستبداد، وغيابٌ للحق والعدل، وإذا كانت الواقعةُ المذكورةُ وقعت في أحد فروع جهاز أمن الدولة فإن النظام السياسي هو المسئول الأول عن وقوعها، بل شارك فيها بعدم جديته في مواجهة الحوادث التي سبقت وأدت إلى استشهاد عدد من شرفاء الإخوان بين يدي زبانية التعذيب، وبالتالي يتعمَّق لدينا الإحساس بأن هذا النظام لا يريد إصلاحًا حقيقيًا، ولا يرغب في تحسين الأجواء وإعادة الأمور إلى الشعب؛ مما يلقي بظلالٍ قاتمةٍ على المستقبل القريب.

ونحب هنا أن نؤكد أن الإخوان المسلمين هم أصحابُ رسالة، وحملةُ أمانة، يتحملون في سبيلها ما يقدِّره الله عليهم؛ حتى تصل إلى غايتها، وتبلغ أهدافها، وتحقق مقاصدها في إشاعة العدل، واحترام حقوق الإنسان، ومنع الظلم والاستبداد، في ظل مجتمع تظلله روح الشريعة الإسلامية الغرَّاء، وترفرف عليه رايات الأخوَّة والإنسانية والعدالة، ولن تنال هذه الأزمات والمعوقات من عزيمتنا، ولن تُضعِف من إرادتنا، ومنطلقُنا في ذلك هو ما قاله الله عز وجل: ﴿مَعْذِرَةً إلَى رَبِّكُمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الأعراف:164) وقول رسولنا الحبيب- صلى الله عليه وسلم-: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون".

الإمام الشهيد حسن البنا

أيها الإخوان: أذكِّركم بما قاله الإمام الشهيد حسن البنا (رحمه الله) في رسالة بين الأمس واليوم: "وسيتذرَّع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم، وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان، وسيثير الجميع حول دعوتكم غبارَ الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يُظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ويَأْبَى اللَّهُ إلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 32)، وستدخلون بذلك ولا شكَّ في دور التجربة والامتحان، فستُسجنون وتُعتقلون وتُشرَّدون، وتُصادَر مصالحكُم وتُعطَّل أعمالُكم، وتُفتَّش بيوتُكم وتُصادَر أموالُكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت:2)، ولكن اللهَ وعدَكم من بعد ذلك كله نصرةَ المجاهدين ومثوبةَ العاملين المحسنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الصف: 10) ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (الصف: 14) فهل أنتم مصرُّون على أن تكونوا أنصار الله؟!".

أيها الإخوان.. تمسكوا بمنهجكم، والنور الذي تحملونه في قلوبكم وفي سلوككم وأخلاقكم، عضوا عليها بالنواجذ، واصبروا وصابروا ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون، واعلموا أن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرًا، وأن الجهاد طويل وشاق، ويحتاج دائمًا إلى تجديد العزم وشحذ الهمم، وأنتم لها إن شاء الله..

أيها الإخوان.. إن ماضيَكم مشرِّف، وإن حاضركم مضيء، وإن مستقبلَكم لمشرق بإذن الله، ما دمتم متمسكين بدينكم، حريصين على حسن صلتكم بربكم، فإلى الأمام.. والله الموفق والمعين.. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40).