لا يا عزيزي إبراهيم عيسى

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لا يا عزيزي إبراهيم عيسى .. لن أغفر لك ولا لأي مصري عجزه


بقلم:القاضي محمود الخضيري


لم أكد أفرغ من قراءة رسالة المعتقل حسام الدين سليمان في مقال الأستاذ / إبراهيم عيسى الأسبوعي بجريدة الدستور بعنوان ( هل سمعتم عن شيء أسمه الضمير ) حتى وجدت نفسي أمسك بقلمي لكي أكتب هذا المقال تعليقاً على ما جاء بالرسالة وتعبيراً عن الغضب الذي يثور في داخلي من هول ما قرأت ، حقاً ليست هذه هي المرة الأولى التي أقرأ فيها رسائل من هذا النوع سواء في الصحف أو في شكاوي خاصة ترد إلي باعتباري رئيساً لنادي القضاة بالإسكندرية وفي كل مرة أقرأ فيها رسالة من هذا النوع تتنازعني عوامل شتى من غضب وثورة وتأنيب ضمير وحزن وأسى ، وأسأل نفسي هل من نهاية لهذا العذاب الذي نعيش فيه ويعيش فيه بعض أبناء هذا الشعب الكريم ، أثور وأهدأ وأغضب وأسكت وأحزن ثم أنسى حزني في دوامة الحياة ، وإذا كنا نحزن وننسى فإن من يقع عليهم العذاب لا ينسون ويعيشون في مأساتهم سنين طويلة دون أمل في وضع نهاية لهذا الحزن والألم كما أن عائلاتهم مثلهم ثكلى حزاناً بل أن الثكلى أفضل منهم لأن الميت ينسى بعد حين ونكتفي بالدعاء لله بالجنة أما المعتقلون الغائبون عنا بأجسامهم الحاضرون معنا بأرواحهم ومعاناتهم وتأوهاتهم واستنجادهم بنا دون مجيب فهم معنا في كل وقت نطلب من الله أن يفك أسرهم وأن يرقق عليهم قلوب سجانيهم الذين نزع الله الرحمة من قلوبهم ، وأنا اعترف وأقولها لهم إننا للأسف الشديد لسنا عاجزين عن مساعدتكم ولكننا خائفون من أن نلقى مصيركم وهذا ليس ببعيد على أي إنسان في مصر حتى النخبة الحاكمة لأننا نعلم أن الحاكم الحقيقي لمصر الآن هو الأمن الذي يمكنه أن يزج بأي إنسان في السجن وأن يناله من التعذيب والاعتقال ما نسمع به وأشد ، نعم خائفون وحتى أسر المعتقلون وأهليهم خائفون أيضاً من ذات المصير ، ولكن إلى متى هذا الخوف ؟ إلى أن نصبح جميعاً في السجون إذا استمر الأمر على ذلك ، أليس من الهوان الذي يجب عدم السكوت عليه أن نرى أبناءنا وأخواتنا يلقون هذا المصير والهوان ونحن نكتفي بأن نزرف الدموع والآهات ونسكب العبرات على حالهم دون أن نفعل شيئاً ، نعم يا أخي إبراهيم إن دورك لم ينته عند كتابة هذا المقال ، ودوري لا يجب أن يقف عند قراءته والتعليق عليه ، وكذلك دور القراء والشعب كله وأولهم أسر المعتقلين الذين يعيشون في حالة حزن دائم على أبنائهم وإخوانهم ، بل يجب أن يكون لنا دور آخر في مقاومة هذا القهر ، دور نتخلص فيه من الخوف ونؤمن فيه بأن الله وحده هو المعز المذل الضار النافع القهار المحي المميت ، لا يشاركه في ذلك أحد من البشر ، وأن البشرية كلها لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإذا اجتمعوا على أن يضروك بشيء فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، عندها فقط سنقف جميعاً في صف واحد وعلى قلب رجل واحد ندافع عن أبناءنا وفلذات أكبادنا ضد الظلم والقهر الذي ينالهم وحدهم بل ينالنا معهم ويحرم الوطن من جزء كبير من أبنائه كان يمكن أن يكون لهم دور في بناء نهضته .

أخي إن الأمن يمكن أن يضع آلاف في السجون والمعتقلات ولكنه لا يستطيع أن يضع الشعب كله فيها ، فلم نعرف ولم يذكر لنا التاريخ أن حاكماً استطاع أن يضع الشعب كله في السجون والمعتقلات ، ولكن يضع بقدر ما تسمح به الظروف والخوف والجبن والصمت عن الأفعال الظالمة التي يقوم بها ويقف عندما يشعر هو أن نقطة الخطر قد اقتربت وأن الخطوة التالية يمكن أن تؤدي إلى أن يلقى به هو نفسه في السجن ، والذي يقوم بذلك هو الشعب نفسه ، لم يعرف التاريخ أن شعباً قد غلب عندما أراد ولكن يعرف شعوباً غلبت وقهرت لأنها لم ترد وغلب عليها الخوف ، وقد صدق الشاعر عندما قال :

إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلابد أن يستجيب القدر

ولابـــد لليل أن ينجـلي

ولابد للقيد أن ينكــسر

من هذا المنطلق يا أخي إبراهيم أعتقد جازماً أن لنا دوراً لابد أن نقوم به في هذا الأمر وفي كل الأمور التي تهم مصر وتحقق للشعب ما يصبو إليه من حرية وديمقراطية وتقدم وهو ألا نكتفي بالشجب والاستنكار وسكب العبرات وزفر الآهات ثم الانصراف إلى أحوالنا نأكل أطيب الطعام وننام ملئ جفوننا ونفكر في مستقبل أولادنا وحاجاتهم ، يكفينا أن يقوم مجلس الأمن والحكومات بالشجب والاستنكار وألا نكتفي نحن بذلك ، بل لابد أن يكون لنا دور فعال في مقاومة هذا القهر ، وقد تفتق ذهني إلى المحاكمة الشعبية لكل من يرتكب جرماً كهذا ولا تطاله يد العدالة التي أصبحت الآن عاجزه عن ان ننال أعوان السلطة التي تحمي أعوانها لأنها هي التي تأمرهم بارتكاب هذه الجرائم ولكن يبدو أن ذلك لن يكون كافياً على الأقل في المرحلة الراهنة بل يجب أن يكون لنا دور آخر أشد وأقسى وأكثر فاعلية ، هذا الدور يجب أن تشترك فيه كل رسائل الإعلام وبعض النخبة التي لديها استعداد للتضحية وفي المقام الأول أهالي المعتقلين والمعتقلين أنفسهم بعد تجردهم من الخوف ويكون دور المعتقلين وذويهم بأن يرسلوا إلى وسائل الإعلام ( لجنة الحريات بنقابة المحامين ، جريدة الدستور ... وكافة الصحف المستقلة والحزبية ) باسم المعتقل وتاريخ اعتقاله ومكانه ، مع تجنيد برامج التليفزيون ذات الكثافة في المشاهدين ( العاشرة مساءاً ، 90 دقيقة ، القاهرة اليوم ) في تشجيع الناس على ذلك ويعد أن تتوافر هذه البيانات يدعو أهالي المعتقلين إلى الاعتصام أمام وزارة الداخلية اعتصاماً مفتوحاً يشاركهم فيه بعض النخبة من المثقفين ذوي الضمائر الحية التي لا ترضى بالظلم ، وأن يستمر هذا الاعتصام حتى يتم الإفراج عن جميع المعتقلين أو يحال من ارتكب جرائم منهم إلى محاكمة عادية حتى تنتهي معاناتهم وفي حالة ثبوت وجود معتقلين بغير ذنب يجب محاكمة من قام باعتقالهم مع صرف التعويض الجابر لهم وإلحاقهم بأعمال تعوضهم عن سنوات القهر التي قضوها في المعتقلات بلا ذنب جنوه ، هل عرفت يا أخي إبراهيم عيسى لماذا بدأت مقالي للرد عليك بأني لن أغفر لك ولا لأي مصري عجزه عن الدفاع عن هؤلاء لأن الغفران يكون في حالة عجز من يطلبه عن القيام بأي تصرف لدفع الظلم ولكن نحن جميعاً في حالتنا هذه لسنا عاجزين بل خائفين من غير الله وهذا كفر وإشراك يجب أن نسارع بالتخلص منه قبل أن يداهمنا الموت ولا ندري كيف ندافع عن أنفسنا أمام العزيز القهار الذي سيسألنا يوم القيامة لماذا سكتنا عن هذا الظلم ونحن نعلم به ؟ هل خفنا من غيره ؟ هل خشينا سواه ؟ ألم تعلم مسلماً كنت أم مسيحياً أنه لن يضر أو ينفع سوى الله ؟ هل عذاب البشر أشد من عذاب الله ؟ هل سجن ومعتقل الدنيا أشد من نار يوم القيامة ؟ هل جلادو الدنيا أقسى من جلادي الآخرة ؟ !! .

يا طغاة العصر في كل بلد في العالم تذكروا مصير طغاة العالم وآخرهم صدام حسين ، هل كان أحد يحلم أنه سيلقى هذا المصير يوماً ما ، لم يتمتع أحد بالسلطة كما تمتع ولم ينعم أحد بالحياة كما نعم ولم يطغى أحد كما طغى ولم يتكبر أحد كما تكبر ثم كانت النهاية اختفاء في حفرة القبر أكثر منها اتساعاً ثم محاكمة وإذلال وحكم بالإعدام على مرآى ومسمع من العالم كله ، ثم لا ندري ما الله فاعل به ، وهل يمكن مقارنة ذلك بالزعيم الشعبي ، نيلسون منديلا الذي قضى خمس وعشرون عاماً في السجون والمعتقلات دفاعاً عن حرية شعبه وكرامته ثم خرج منه منتصراً إلى كرسي الحكم الذي لم يستطيع البقاء فيه وتحمل مسئوليته إلا فترة رئاسة واحدة ثم تركه وأخذ يحلق في الأجواء مثل العصفور الحر الطليق ، إن نسيت فلن أنسى أبداً ما شاهدته في الاحتفال الذي أقامته ملكة إنجلترا بمناسبة زيارة نيلسون منديلا عقب خروجه من السجن واعتلائه مقعد الرئاسة في بلاده فلم تكتفي الملكة بتنظيم احتفال رسمي باستقباله كرئيس دولة بل نظمت له احتفالاً شعبياً سار فيه بصحبتها في العربة الحنطور الملكية وعلى الجانبين يقف الشعب الإنجليزي محيياً مرحباً بالبطل الذي كافح وجاهد وضحى من أجل تحقيق الاستقلال لبلده والحرية لشعبه رغم أن هذا الكفاح كان ضد بريطانيا التي تكرمه اليوم وتضعه في مصاف أكبر الزعماء .

غفر لنا الله وصرف عن قلوبنا الخوف إلا منه وجعلنا نلقى مصير نيلسون منديلا وليس صدام حسين .