لو أنـك تريثت قليلاً يا دكتور سرور كان أفضل
بقلم:القاضـي/محمود رضا الخضيري
إذا كان البطء في التقاضي عيب كبير يجب الإسراع في التخلص منه حقنا للدماء وحرصاً على الحريات وحفاظاً على الأموال ، فإن السرعة الزائدة في اتخاذ إجراءات التقاضي يمكن أن يخل بميزان العدالة ويتسبب في عدم ثقة الناس فيها وفي الأحكام التي تصدر منها وتصيب الناس بالقلق والخوف من عدم تحقيق العدالة أصلاً ، وهذا أمر خطير يهز الثقة في العدالة وفي القائمين عليها وقد يكون سبباً في انهيار نظام الحكم من أساسه ، جال بخاطري كل ذلك وأنا أطالع خبر رفع الحصانة عن السيد / طلعت السادات – عضو مجلس الشعب – للتحقيق معه في التصريحات التي أدلى بها في إحدى القنوات الفضائية عن ظروف مقتل الرئيس السادات ، وما أثاره سرعة صدور قرار رفع الحصانة عنه من اندهاش وعلامات استفهام ومحاولة الدكتور / سرور تبرير ذلك بأنه استعمل حقه الدستوري في رفع الحصانة بعد أن تأكد من عدم وجود شبهة كيدية في البلاغ ، والغريب أن البلاغ وإعداد مذكرة رفع الحصانة وصدور القرار برفعها كل ذلك تم في خلال ساعات وهي سرعة لم نعهدها في إجراءات التقاضي بصفة عامة خاصة إذا كان كل إجراء من هذه الإجراءات قامت بها جهة مختلفة عن الأخرى ، القوات المسلحة ووزارة العدل ، ومجلس الشعب وعهدنا أن أي خطاب رسمي ينتقل من جهة حكومية إلى جهة حكومية أخرى يحتاج انتقاله إلى أيام وليس ساعات ولو أن هذا الخطاب انتقل بالطرق العادية لاستغرق ذلك أسبوعا أو عشرة أيام على الأقل فضلاً عن المدة اللازمة لبحثه ودراسته وإعداده والتشاور في شأنه أما انتقاله وصدور القرار فيه في ظرف ساعات فهذا ما يدعو إلى الدهشة ويبعث على الريبة والشك ويمكن أن يؤثر على عقيدة المحكمة إذا كانت محكمة عادية وليست استثنائية .
وليست في الحقيقة هذه الواقعة الوحيدة التي تتم بها مثل هذه الإجراءات بهذه السرعة فقد حدث ذلك في قضايا أخرى موجودة في المحاكم وكانت السرعة الغير عادية في اتخاذ الإجراءات أحد الأسباب التي جعلت المحكمة تتشكك في صحة إسناد الاتهام إلى المتهمين والقضاء ببراءتهم بعد أن كانت إحدى المحاكم الاستثنائية قد أدانتهم وقامت محكمة النقض بإلغاء الحكم وإعادته مرة أخرى لمحكمة الاستئناف للمحاكمة أمام دائرة أخرى طبقاً للقانون حيث انتهت المحاكمة إلى البراءة وكان من بين أسبابها السرعة الغير عادية في اتخاذ إجراءات المحاكمة .
العدالة يا سادتي إذا كانت تتأذى من البطء في التقاضي وتأخير حصول الناس على حقوقهم والمساس بحرياتهم ، فإن السرعة الغير عادية تصيب العدالة في مقتل لأنها في النهاية يمكن أن تؤدي إلى ضياع هذه الحقوق والحريات بالإحكام التي يمكن أن تصدر بناء عليها ، لأن العدالة بطبيعتها متأنية متريثة تقوم على الفحص الدقيق للوقائع والأوراق وتحقيق كل دفاع يثار والبحث القانوني العميق والموازنة بين الأدلة ووسائل الاتهام والدفاع والمداولة في كل صغيرة وكبيرة يمكن أن تؤثر في سلامة الحكم ويظل ميزان العدل يتأرجح في عقل وقلب القاضي صعوداً وهبوطاً حتى يستقر فيصدر حكمه عن بصر وبصيرة وروية وتأني وموازنة وتدقيق حتى يكون عنواناً للحقيقة التي لا يستطيع أي إنسان أن يجادل فيها إلا بالطرق المعتادة التي رسمها القانون وبعد انتهاء هذا الجدل باستنفاد طرق التقاضي يصبح الحكم هو الحقيقة التي لا يمكن إثبات عكسها بأي طريق من طرق الإثبات فتستقر الحقيقة وترتاح الضمائر وتطمئن القلوب ويستقر النظام خاصة وأن هذه الحقيقة لا تصدر دون سند بل تستند إلى أسباب تدعمها وأسانيد تأييدها وإجراءات أتاحت لكل طرف أن يقول كل ما يعتقد أنه يؤيد رأيه وطلباته وأن يقدم كل ما لديه من مستندات ووسائل دفاع ولا عذر له أن قصر في ذلك بعد إتاحة الفرصة له ، فبمثل هذه الأحكام يمكن أن يقال أن العدل قد تحقق ، وقد يقول البعض أنه رغم اتخاذ هذه الإجراءات وسلوك كل هذه السبل فإن هناك بعض الأحكام لا تحقق العدالة سواء في الحفاظ على الحريات أو الأموال ، وأقول أن ذلك حق لأن العدل المطلق صفة من صفات الله تعالى لا يتحقق سوى في الآخرة على يد الرحمن جل شأنه أما في الدنيا فإن كل شيء نسبي يتناسب مع قدراتنا التي منحنا الله وهي محدودة تختلف من شخص إلى آخر ولذلك فإن الأحكام يمكن أن تختلف من قاض إلى آخر حسب شخصية القاضي ومدى علمه وخبرته وتريثه ولذلك حرص المشرع على سد هذه الثغرة بإتاحة الفرصة في الطعن في الأحكام حتى يتعدد القضاة الذين ينظرونها وتتنوع ثقافتهم وعلمهم ووسيلة بحثهم وشدة تدقيقهم فإذا أجمعوا على الحكم صار عنوان الحقيقة .
والسرعة الغير عادية في اتخاذ إجراءات التقاضي فضلاً عن إنها تفتح الباب للشك والريبة في اتخاذ هذه الإجراءات وتجعل الناس غير مطمئنين للنتيجة التي يمكن أن تسفر عنها والأحكام التي تستند إليها تشكك في مصداقية القائمين بها وفي حيدتهم ونزاهتهم ، وقد حمدت لبعض المسئولين رفضهم اتخاذ قرارات استثنائية هي من سلطاتهم مستندين في ذلك أن اتخاذ هذه الإجراءات يمكن أن تثير الشك في الموضوع المطلوب اتخاذ هذا الإجراء فيه ويسيء إلى المسئول شخصياً وهذا قول حقيقي وإحساس صادق والمسئول الذي يفعل ذلك حريص على مصداقية ونزاهة القرارات التي تصدر عنه ، وليس معنى ذلك عدم اتخاذ أي إجراء استثنائي إذا كان القانون يسمح به بل إن هذا الاستثناء وضع ليطبق ، ولكن مصداقية المسئول الذي يطبقه وحرصه على صحة الإجراءات وسمعته تحتم عليه ألا يتخذه إلا إذا كانت الظروف تحتم اتخاذه والظروف التي نعنيها هنا ليست ظروف شخصية ولكن ظروف موضوعية تتعلق بموضوع يجب اتخاذ هذا الإجراء فيه وإلا ضاع حق أو تأثرت العدالة أو وقع ضرر على الناس أو الوطن لا يمكن تداركه ، أما أن يتخذ الإجراء لظروف شخصية خاصة بأطراف النزاع فهذا ما يعيب الإجراء الاستثنائي بعيب الانحراف في استعمال الحق ويثير الشبهة حوله وينال من مصداقيته .
وعيب عدم التريث هنا في اتخاذ إجراء رفع الحصانة اعتقد أنه لم يلحق رئيس مجلس الشعب فقط بل لحق وزارة العدل أيضاً والتي لم يستغرق نظر الطلب فيها المدة الكافية للدراسة والتأمل وإني أسأل المسئولين فيها كم يستغرق عادة طلب رفع الحصانة في وزارة العدل؟ وهل كان نصيب هذا الطلب من الوقت مثل غيره من الطلبات الأخرى ؟ أم إن الإجراءات بالنسبة إليه كانت أسرع وما سب ذلك وهل كان الطلب من الوضوح والسهولة بحيث لا يحتاج إلى الوقت التي تحتاجه بقية الطلبات ؟ وحتى لو كان هذا صحيحاً فإني كنت أفضل المزيد من التريث والتأني درءاً للشبهة وبعداً عن المظنة خاصة أن الموضوع هام وحساس ومحل اهتمام الرأي العام .
والحقيقة أن العتاب في هذا الأمر يطول كثيراً وزارة العدل لأن القائمين على الأمر فيها هم أولا رجال قضاء اعتادوا في عملهم على التريث والتأني والبحث والدراسة والمداولة وهذه أمور لابد أن تستغرق بعض الوقت وعملهم في وزارة العدل لا يخرجهم عن طبيعتهم القضائية خاصة وأن بحث هذه الإجراءات هو جزء من العمل القضائي والخطأ فيه ينسب إلى القضاة وينال من سمعة القضاء و هيبته والثقة فيه .