ليس المهم من يصل إلى حكم مصر ولكن المهم كيف يصل
بقلم:القاضي محمود الخضيري
نائب رئيس محكمة النقض ورئيس نادي القضاة بالإسكندرية
سألني صحفي عما إذا كنت أقبل أن يصل رجل مسيحي الديانة إلى رئاسة الجمهورية ، فأجبته بنعم أقبل ذلك وسأكون أول من يسمع ويطيع ما دامت هذه إرادة الشعب ، المشكلة في مصر ليس من الذي يجب أن يصل إلى الحكم ، ولكن المشكلة الحقيقية هي كيف يصل إلى كرسي الرئاسة ، لم تعرف مصر الحرية في اختيار من يحكمها منذ حركة الضباط في 23 يوليو سنة 1952 حتى الآن جميع الاستفتاءات مزورة تماماً ولا تمثل الواقع في شيء حتى هذه اللحظة – وحتى بعد تغيير طريق اختيار رئيس الجمهورية من الاستفتاء إلى الانتخاب فإن هذه الانتخابات كانت صورية غير تنافسية لعدم وجود أشخاص مرشحين يمكنهم منافسة مرشح الحزب الوطني ، مشكلة الشعب مع الحكومة أن الشعب مل التزوير وكرهه ويريد أن يتخلص منه والحكومة أصابها الإدمان من كثرة قيامها بالتزوير ، وأصبحت لا تستطيع أن تقلع عنه لأنها تعلم أن في إقلاعها عنه ضياع مؤكد لفرصتها في البقاء .
قل لي بالله عليك إذا وجد في مصر مسيحي قوي الشخصية مخلص لوطنه محب له ، لديه مشروع لتخليص مصر من مشاكلها وتحقيق الحرية والديموقراطية ، يستطيع أن يقف موقفاً صلباً من أعداء الوطن وعدم الخضوع لقوى الشر الأمريكية ويقول لها لا عندما تتعارض مصالحها مع مصالح الوطن ، تعمل له إسرائيل ألف حساب ويخاطبه الغرب مخاطبة الصديق لا التابع يستطيع أن يخلصنا من تبعية أمريكا والاستغناء عن مساعداتها يقف إلى جوار الحق ويقود شعبه إلى النصر ويحتمي به الجار والأخوة في البلاد العربية والإسلامية ، يستطيع أن يقنع الشعب بأفكاره ومبادئه ويكتسب حبه واحترامه ، هل هذا الشخص إن وجد أولى بكرسي الرئاسة أم المسلم الضعيف الذي يسلم زمام بلده لأعدائه ولا يستطيع رد الإهانة ولا حتى بالقول ، يتسول المساعدات لتوفير قوت الشعب بدلاً من دفعه إلى العمل والإنتاج ، يرى العدوان يقع على إخوانه ولا يستطيع حتى مجرد الاستنكار ، يأمر بتزوير الانتخابات بدعوى أن في الديموقراطية وصول أعداء الغرب إلى الحكم ونحن لا نستطيع أن نستغني عن الغرب الذي يتصدق علينا لكي نعيش .
قل لي أيها القارئ الر شيد أيهما أولى بالوصول إلى الحكم المسلم الضعيف أم المسيحي القوي ؟ أنا لا أقول رأياً فقهياً فلست متخصصاً في هذا الأمر ولكن أعبر عن شعور مواطن مصري يعيش في وطن يعاني ويريد لوطنه الرفعة والحرية والديموقراطية والرفاهية مثل باقي شعوب العالم الحر .
يجرنا هذا الحديث عما يثار اليوم عن تعديل المادة الثانية من الدستور وعلاقتها بالمواطنة والخلاف المحتدم بشأن هذا التعديل سواء بين المسلمين والمسيحيين أو بين المسلمين أنفسهم أو بين المسيحيين بعضهم البعض ، والحقيقة أن معلوماتي المتواضعة في الدين والتاريخ تقول لي أن كلمة المواطنة هذه حديثة العهد بنا لم تعرف إلى في فترات الضعف والتمزق ، ضعف المسلمين وانكسار شوكتهم في العالم وخاصة عندما يحاولون النهوض من كبوتهم وشعور الغرب بأنهم في سبيل لملمة أمورهم وتضميد جراحهم ولم شملهم عندئذ تبدأ سهام الفرقة تنهال عليهم لإبقائهم على حالتهم من الضعف والتمزق مسيحي ومسلم ، مسلم سني أو آخر شيعي ، عربي وكردي ، يقتل بعضنا بعضاً ويحارب كل منا الآخر لطرده من أرضه نتقاتل في سبيل الوصول إلى الحكم أو البقاء فيه ، ولا نتنافس تنافس الشرفاء في الوصول إليه بالتقرب إلى الشعب ومحاولة خدمته وإرضائه ، ويبقى عدونا ينظر إلينا فرحاً مرتاح البال وقد وفرنا عليه الجهد والمال والسلاح الذي كان سيستعمله في سبيل القضاء علينا ويظل ينفخ في النار ويسكب عليها الزيت والمواد المشتعلة لكي يزيدها اشتعالاً .
هذا بالضبط ما يحدث الآن ، هناك من يريد أن يشغلنا عن عدونا الأول إسرائيل وحليفتها أمريكا فيصور لبعضنا أنه مهضوم الحق ضائع لا يستطيع العيش مع أغلبية مسلمة لا ترعى حق المواطنة فيه وتحرمه من بعض حقوقه التي يجب أن يحصل عليها والتي يستأثر بها المسلمون ، ولا يكتفي بذلك بل يصور للسُنة أن الشيعة هم الخطر الحقيقي على الإسلام وبلاد المسلمين وليس إسرائيل وأمريكا ، ويحثهم ويستغل المتعصبين من كل دين وملة في تنفيذ سياسته فنتصارع ونقتتل ويظل عدونا مرتاح البال يرقبنا ويرسم الخطة المقبلة لبقائنا على تمزقنا ، لم أصدق أذناي عندما كنت أصلي في أحد المساجد الصغيرة وسمعت شاباً ملتحياً يقسم بالله في كلمة ألقاها بعد الصلاة أن الشيعة أشد خطراً على الإسلام من إسرائيل وأمريكا ولم يقل لنا الشاب الحصيف كيف ذلك ولكنه أكتفي بالقسم وكأن القسم كاف لإقناعنا بذلك وهو يردد ما تقوله أمريكا .
الشرقيون والمستنيرون من كل جانب مسلم أو مسيحي سني أو شيعي عربي أو كردي هم الأداة للقضاء على هذه الفرقة ، والجهال والأغبياء والمتعصبون هم وقود الفتنة ورجالها ، كلما قرأت كلمة " المواطنة " تذكرت فتح عمرو بن العاص لمصر وما كان عليها أهلها من إضطهاد ديني من الرومان وهم أهل ديانة واحدة مع اختلاف الملة ، وأتذكر عقاب عمر بن الخطاب أمير المؤمنين لأن عمرو بن العاص حاكم مصر الذي أهان الشاب القبطي الذي تسابق معه فسبقه وإنهال عليه ابن عمرو ضرباً واشتكي الشاب القبطي أمره إلي عمر بن الخطاب الذي بعد أن مكن القبطــي من بن عمرو قال له قولته المشهورة متي إستعبدت الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ، كما أتذكر الحروب الصليبية التي خاضها الغرب المتعصب ولا أقول الغرب المسيحي لأن الديانة المسيحية هي أساس التسامح والمحبة ، وأتذكر أن من قضى عليها وأعاد السلام لربوع الشرق والغرب معاً هو صلاح الدين الأيوبي الكردي المنشأ ولا أخفي أني كلما تذكرت صلاح الدين الأيوبي دعوت الله أن يرسل إلينا كردياً آخر مثله يخلصنا مما نحن فيه ، وقد كان هذا شعور كل عربي مسلم أو مسيحي سني أو شيعي في حرب لبنان الأخيرة مع إسرائيل فلا أحد ينكر أن العرب جميعاً عدا الحكام طبعاً كانوا يدعون بالنصر له ولجنده وقد استجاب الله لدعائهم وبقى أن يستجيب الله لباقي الدعاء والكل يعرفه .
ابقوا على المادة الثانية من الدستور كما هي أو عدلوها أو حتى ألغوها فلا يوجد مصري مسلم أو مسيحي يعرف لها قيمة ولا يشعر بفائدة في وجودها وكل ما يعرفه أنــه يريد انتخابات حرة تمكنه من أن يقول رأيه بحرية فــي اختيار نوابه وحكامه ، يريد لقمة نظيفة خالية من التلوث ، يريد حرية وديموقراطية لا يفاخر فيها مسئول بعدم احترام القانون وعدم تنفيذ الأحكام وتزوير الانتخابات ، يريد أن يرى سجوناً ليس فيه إلا من يحكم عليه بحكم عادل من قاض طبيعي يريد بلداً بلا معتقلات وقضاء يصون حقه ويحفظ حريته ، يرد حاكماً يخاف من الشعب ويعمل لإرادته وغضبه ألف حساب .
معاناة المسلمين في ظل هذه المادة أكبر بكثير من معاناة غيرهم وقد يكونون في ظل تعديلها أو إلغائها أكثر حرية ونيلاً للحقوق وليس العبرة بالمواد التي يتضمنها الدستور أو القانون ولكن العبرة بالواقع الذي نعيش فيه والمقدرة علي تغييره عندما يتصادم مع مصالحنا.
عجيب أمر من يتحدث عن الدولة الدينية ومعلوماتي تقول أن الإسلام لم يعرف هذه الدولة مطلقاً سواء في نهضته أو في كبوته وان من عرفها هو الغرب في العصور الوسطى وتخلص منها ولا خوف من عودتها مرة ثانية وأن ما هو قائم في إيران الآن أمر غريب عن الإسلام وحتى الدولة الإيرانية نفسها في سبيل التمرد عليها ، وهل من يطالب بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية في بعض الأمور هو داعية للدولة الدينية .
ما أحب أن أقوله أن القوانين المطبقة الآن في مصر مأخوذ الكثير منها من مبادئ الفقه الإسلامي والباقي معظمه لا يتعارض معه وأن النذر اليسير الباقي رهن بتوافر الظروف الملائمة لتطبيقه ، وأنا ضد تطبيقه الآن حتى لا يساء تطبيقه وتأتي النتائج مخيبة للآمال فنسيء لهذه المبادئ بدلاً من أن نحسن تقديمها للناس في صورة تقنعهم بها ، هل عرفت الآن أيها الصحفي المشاغب ، لماذا لا أرفض أن يصل مسيحي إلى كرسي الرئاسة في مصر ولماذا أن المهم ليس من يصل إلى هذا الكرسي ولكن المهم كيف يصل .