مؤتمر قومي لبحث وسائل حمايتها من التزوير

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
بعد انتهاء دور القضاء في الانتخابات مؤتمر قومي لبحث وسائل حمايتها من التزوير


بقلم:القاضي محمود الخضيري


نائب رئيس محكمة النقض ورئيس نادي القضاة بالإسكندرية

قرأت مقال الأستاذ / فهمي هويدي ( ماذا تعنى كلمة الانتخابات ؟ ) والمنشور في جريدة الدستور يوم الخميس 19 / 4 / 2007 والذي روى فيه قصة الحوار الذي دار بين بعض أعضاء مجلس النواب التركي ومجموعة من نظرائهم في مصر حول تزوير الانتخابات في مصر ومدى الدهشة والاستغراب الباديين على الوفد التركي من هذا التزوير وعجبهم من حدوثه في مصر وتساؤلهم حتى اللحظة الأخيرة من الحوار ، هل أنتم واثقون من أن الانتخابات تزور بالفعل ؟! وتعقيب كاتب المقال على هذا الحديث بالقول إن الأتراك لا يعرفون ولا يريدون أن يصدقوا أن الانتخابات يمكن أن تزور في بلد كمصر لكنني أخشى إذا استمر الحال كما هو عليه أن نرى جيلاً من أبنائنا يتساءلون ماذا تعني كلمة الانتخابات ؟ بعد أن فرغت من قراءة المقال انتابني شعور عميق بالحزن والخزي والأسى مما يحدث في بلد الحضارة والمجد والتاريخ العريق ، لا يوجد إنسان مثقف في العالم لا يعرف من هي مصر وما هي حضارتها الضاربة في أعماق التاريخ الإنساني بكل ما فيه من علم وتقدم ورقي ، ومن حق أي إنسان يعرف هذا التاريخ والمجد أن يتعجب ولا يصدق أن مصر هذه هي مصر الآن التي تزور إرادة شعبها وتقضي على حريته وأمله في الرقي والتقدم ، من حقه ألا يصدق أن مصر التي يعرفها هي مصر التي لا يوجد فيها رجل قادر على قيادتها إلى شاطئ الديموقراطية والحرية ، مصر التي صنعت حضارة العالم في الماضي ولازالت تساهم في صناعتها برجالها المنتشرون في جميع بقاع الأرض غير قادرة على أن تنال حريتها وتفك أغلالها وتوحد صفوفها للمطالبة بالحرية والديموقراطية ونزاهة الانتخابات ، من حق الأتراك وغيرهم من الشعوب التي تعرف من هي مصر أن تتعجب وتندهش عندما تعرف أن الشعب المصري محروم من أبسط حقوقه الديموقراطية وهو حقه في أن يختار حكامه وأن يحاسبهم ، بل على العكس هم الذين يحاسبونه إذا حاول أن يمارس حقه الدستوري في نقدهم وتصويب أخطائهم وعزلهم إذا اقتضت الضرورة ذلك .

فساد الانتخابات في مصر وتزييف إرادة الشعب هو حجر الزاوية وأساس كل مشاكل مصر الداخلية والخارجية ولا فائدة من البحث عن أي وسيلة للإصلاح قبل الخلاص أولاً من هذا الفساد ، لا فائدة من بحث فساد التعليم ، ولا فساد الزراعية أو التجارة أو الصناعة أو النظام المصرفي أو الاستيرا د والتصدير أو الصحة أو الإسكان وما إلى ذلك من أوجه الفساد الموجودة عندنا والتي تكاد تقضي على الشعب وتقهره وتحطم كل آماله في الحياة الحرة الكريمة التي يتمتع بها شعوب العالم المتمدن ، لا فائدة من بحث هذه المشاكل ووضع الحلول المناسبة لها لأن هذه الحلول لن تجد الرجال القادرين على وضعها موضع التنفيذ ولا الإدارة الراغبة في حل هذه المشاكل وهو الأساس الذي يقوم عليه التقدم والرقي .

الإدارة القادرة على القيام بالإصلاح لا يمكن أن توجد ولا أن تمارس عملها إلا في جو ديمقراطي يسمح لها بالعمل وإبداء الآراء في حرية دون خوف من إغضاب حاكم أو مسئول تخالفه في الرأي ، عندما أرى أي رئيس دولة حرة يقف مع وزرائه ومستشاريه أو يجلس معهم أكاد لا أعرفه من بينهم إذا كنت لا أعرف صورته معرفة جيدة ، يجلسون في ندية غريبة علينا لأننا اعتدنا ألا نراها في رجال الحكم عندنا وهم يجلسون للحوار في رئيس الدولة ، والسر في ذلك أنهم أتو بطريقة غير الإرادة المنفردة للرئيس كما يحدث عندنا والسبب الثاني أنهم كفاءات تتخاطفها المؤسسات والشركات والهيئات للاستفادة من خبراتها ولذلك فإن تركها المناصب لا يؤثر عليها بل تكاد تقول أن المناصب عندها يمكن أن تمثل عبئاً عليها يضيع عليها فرصة الاستفادة من مواهبها في العمل الخارجي ، وهي تناقش وتختلف ويكون لها رؤية مدروسة في أي موضوع يعرض عليها ويدخل في اختصاصها وسياسة أتت إلى الحكم لتطبيقها وعندما لا تستطيع ذلك تسارع إلى الاستقالة حتى لا تشارك في سياسة لا توافق عليها وتتحمل نتيجة أعمال لم تشارك فيها ، المنصب بالنسبة لها تكليف لا تشريف لم تسع إليه ولا تحرص عليه ، كل ذلك لأنهم نتاج نظام انتخابي حر لا يسمح لغير الكفاءات من الشعب بالظهور ولا يعطي الفرصة لغير من يستحقها دون مجاملة أو عمل حساب لقرابة أو صداقة أو مصلحة شخصية .

إصلاح نظام الحكم إذن هو أول خطوات الإصلاح وأول خطوات إصلاح نظام الحكم هو إصلاح نظام الانتخاب وتخلصه مما يشوبه ويشوب صورته من تزوير إرادة الشعب في اختيار نوابه وحكامه وبدون ذلك لا إصلاح ولا حتى أمل في ذلك وهذا عمل يجب أن يساهم فيه الشعب كله بجميع فئاته ومستوياته ولا تقتصر المساهمة فيه على فئة دون فئة وأي فئة تقصر في المساهمة فيه فهي فئة غير جادة ولا راغبة في الإصلاح والتغيير وأول خطوات هذه المساهمة هي عقد مؤتمر موسع يضم ممثلين لجميع الفئات والنخبة المفكرة في مصر على جميع اتجاهاتها لبحث السبل الكفيلة بوضع نظام انتخابي يكفل للشعب حريته في اختيار حكامه وكيفية التخلص من تزوير الانتخابات والوقوف بقوة إلى جوار ذلك مهما كلفنا ذلك من جهد وتضحية مع توعية الناس بأن هذه أخطر قضية يجب أن تشغل بال مصر في الوقت الحالي وأن أي جهد يبذل في سبيل إصلاح أي شيء في مصر هو جهد ضائع إذا لم يسبقه إصلاح نظام الانتخابات في مصر وأن ما يحدث الآن من ترقيع لهذا النظام هو من أجل تكريس هذا التزوير والعمل على بقائه والمحافظة عليه من أجل إبقاء النخبة الحاكمة في أماكنها وليس من أجل الإصلاح الذي يريده الشعب ويسعى إليه ، لا يجب أن تشغلنا قضية أخرى عن هذه القضية ،

النخبة المثقفة وأصحاب المشاريع والشعب جميعه بكل فئاته يجب أن يكون شغلها الشاغل في المرحلة القادمة هو تحقيق نزاهة الانتخابات وبدون ذلك لا إصلاح ولا تغيير ولا تقدم ولا رقي ، بل تأخر وفساد وضياع للوطن والمواطنين ، هذا المؤتمر يجب أن نسارع جميعاً إلى انعقاده وأن ننبذ خلافتنا جانباً ونوحد صفوفنا وأن نبذل الغالي والرخيص من أجل الوصول إلى هذا الهدف .

هناك قضية لا يستطيع أشد المعارضين ولا أكبر المنافقين ولا أكثر الموالين لنظام الحكم المجادلة فيها وهو أن تزوير الانتخابات آفة يجب القضاء عليها ، وإذا كانت الحكومة قد استطاعت عن طريق رجالها في السلطة التشريعية استبعاد دور القضاة في الإشراف على الانتخابات بحجة النأي بهم عن مشاكل هذا الإشراف الذي يعرضهم للمشاكل وهم أصحاب المنصة العالية التي يجب أن تتفرغ للفصل فيما يعرض عليها وتختص به من منازعات وهي في الحقيقة كلمة حق أريد بها باطل وإن كان الحديث عن ذلك أصبح غير مجد نظراً لدسترة هذا الاستبعاد ، فإن الأمل لا يزال موجوداً في تحقيق هذه النزاهة عن طريق الإشراف الدولي الذي تحدثت عنه في مقالات كثيرة سابقة ورغم ذلك لم أسمع لهذا الحديث صدى يتفق مع أهميته خوفاً من الاتهام باستعداء الأجنبي وهذه جريمة لا يجب أن نقع فيها رغم أن هذا الإشراف الدولي نظام تعرفه جميع شعوب العالم المتقدم وغير المتقدم وآخرها موريتانيا التي كان بها ثلاثمائة مراقب دولي لمراقبة انتخابات الرئاسة التي جعلت هذا الشعب البسيط يحصل على حقوق محروم منها شعب مصر ذي السبعة آلاف سنة حضارة كما يحلو لحكامنا التباهي به دون خوف او وجل من أن يحاول أحد بيان مدى التناقض بين هذا القول وما يحدث من تزوير لإرادة الشعب ولا أعرف من أين تأتيهم هذه القوة والجرأة على ذلك .

يا مثقفي مصر ويا أصحاب الكلمة الحرة ويا عقل مصر المفكر الواعي هل آن الأوان لأن نقف صفاً واحداً تجاه تزييف إرادة الأمة ومنع تزويرها حتى تخلصوا ضمائركم أمام الشعب وأمام الله وأمام أبنائكم وأحفادكم الذين ينتظرهم مصير مؤلم في ظل هذا النظام الذي لا يرعى الله في مستقبل هذا الوطن ولا يعمل إلا لحساب بقائه في الحكم أطول مدة ممكنة ونقله بعد ذلك إلى ورثته أو أصدقائه المقربين .

هل لنا أيها السادة المفكرون أن نسارع إلى عقد هذا المؤتمر وتوحيد صفوفنا والعمل بجد وإخلاص من أجل مستقبل هذا الوطن ، والخلاص من العار الذي يلحقه بنا تزوير الانتخابات وما نجم عنها من تأخر ومشاكل تكاد تقضي على كل أمل يحلم به أبناؤنا في العيش ووجود مكان لهم بين شعوب العالم المتقدم .

هل لنا أن نسارع بذلك ونضعه موضع التنفيذ حتى لا تفقد كلمة الانتخابات معناها لدى أولادنا ويصبح معناها تزوير الإرادة ، أما كفانا أكثر من خمسين عاماً تزويراً حتى أصبح من الأمراض المتوطنة في مصر والأكثر سوءاً هو أننا لا نريد ولا نعمل من أجل الخـلاص منه بـل أن بعضنا يريـده ويدافع عنه دفاعاً مستميتاً لا فرق فـي ذلك بين حاكم يريد الحفاظ على بقائه فـي السلطة وغيره ممن يطمع أن يجد لـه مكان فيه ولو كان يشغل منصباً آخر أقل بريقاً وميزة حتى وإن كان أكثر احتراماً في نظر الشعب .

معروف لدى الجميع أن من يريد إبقاء نظام فاسد أن يجد له مستفيدون منه يحرصون على بقائه حتى وإن كان في ذلك ضياع للوطن وهو قمة الحمق لأن البلد إذا ضاع ضاع بخيره وشره وقانا الله شر ذلك .