محمد مصطفي يكتب: إعادة تدوير الإعلاميين
(12/18/2014)
بما أننا نعيش في أزهى عصور الكفتة، ولدينا علماء فضائيون عطارديون ومريخيون، وخبراء استراتيجيون يفتون في كل شيء، وأي شيء من الإبرة حتى الصاروخ، ومخترعون أصابوا الباحثين في وكالة "ناسا" وأخواتها، بأمراض العته المغولي والهذيان الهستيري، من هول ما يبصرون في الكنانة من ابتكارات لم يأتِ بها الأوائل، ولم ترد في خيالات رواد الفلسفة، وعظماء التاريخ بمن فيهم "نيوتن" الذي صرخ حين سقطت أمامه تفاحة: "وجدتها".
وبما أننا شعب من العباقرة، فالذكاء الفطري متفوق فائق خارق ساحق ماحق، والإنسان المصري قادر قدير، بوسعه أن يجعل من الفسيخ شربات، ويستولد الإسمنت من الأشجار، والماء من جزيئات الهواء، والطاقة من قش الأرز، والبنزين من عصير القصب، والسمن البلدي من فخذ البرغوث، و"احنا اللي دهنا الهوا دوكو"..
وهذه ليست شوفينية أو تعصبًا، فمصر هي الحضارة والعراقة والأصالة والتاريخ والرقي والمجد المبين.. وتلك حقيقة ساطعة ناصعة، فإن أنت تجاسرت وتطاولت ونبست ببنت شفة وتساءلت: كيف يكون لدينا هذا الكم من العباقرة والمخترعين النوابغ في حين أن مناهجنا الدراسية شاخت وترهلت من كل ناحية؟.. إذن فأنت محض خائن عميل تكره الوطن، وتستكثر على شعبك أن يحرز سبقًا، وربما تتآمر مع الأعداء النرويجيين على هدم الدولة.
لا تجادل ولا تناقش يا أخي، فما يقوله الكبار الأكابر هو الحق الذي يمحق الباطل، وليس عليك سوى أن تمهل الدولة وقتًا، حتى تصبح الاختراعات التي أعلنت عن تبنيها حقيقة، وعندئذٍ ستنتهي كل المشاكل، وتغدو الدنيا ربيعًا والجو بديعًا، ويرتفع الدخل القومي المصري إلى درجة أن السويسريين سيسرحون في شوارع وسط البلد بالبطاطا المشوية.. و"زِر البطاطا هو السبب يا ضنايا"!
لكن رغم ماسورة الاختراعات التي أغرقت البلاد والعباد، مثلما مياه الأمطار التي تحدو بالمحافظات الساحلية إلى أن تستغيث بكلمات نزار قباني: إني أغرق أغرق أغرق.. ثمة اختراع يبدو المضي قدمًا في تنفيذه ضرورة حتمية وسيرورة، ألا وهو إعادة تدوير الإعلاميين ممن ينتمون إلى عصر "مبارك الوسخ"، والذين لم يتركوا مساحة بث إلا احتلوها لنثر البذاءة وسكب قلة الأدب على كل من قال: لا في وجه الذين فوضوا ورقصوا وطبلوا وجعلوا البيادة على رؤوسهم، بل والتقطوا معها تماشيًا مع الموضة "صور سيلفي".
هنا "أمنجي" يفخر بأنه من "عسس السلطان"، وهناك أفاق يلوّح بتسريبات نميمة تحتوي على مكالمات شخصية، وإلى جوارهما أصلع كذاب، طالما وصف ثورة يناير بالمؤامرة، فلما سقط المخلوع تحت أقدامها، رأيناه يتثوّر قبل أن يصبح من أبناء المشروع الإسلامي، ليعود بعد الثلاثين من يونيو مجددًا إلى قواعده الفلولية، وعلى رأسهم جميعًا صاحب قناة، حاصل على دكتوراه في "تزغيط البط" وحساب عدد عيدان الفجل في الحزمة الواحدة، ومن وراءهم جوقة بهلوانات بهاليل، يُهرطقون بخرافات الحروب الكونية التي أجهضها الرئيس المشير المدني المنتخب، يوم أسر قائد الأسطول الأمريكي، مثلما كان غزاة بني عبس يسبون حرائر بني ذبيان في حرب داحس والغبراء.. والله أكبر ولله الحمد.
كل هؤلاء عادوا بعد الثلاثين من يونيو، بلا جديد فيما يقولون، يستنسخون الخطاب الشائخ البائخ لدولة المخلوع، فمن ليس معي فهو ضدي، وضد الدولة، فأنا الدولة، والدولة أنا.
نفايات إعلامية، من زمن المخلوع، ووجوه مشوهة من بهاليل فساده وإفساده، صاروا "نور عيني" النظام الراهن، يلتقي بهم، ويتحدثون باسمه، ويعبرون عنه، فأحلام سيادته أوامر، وركلته أو رفسته أو بالعامية "شلوط جنابه" دفعه للأمام، يعيد استخدامهم رغم وساختهم، من دون إعادة تدوير، بينما يكرر اسطوانة مشروخة ومتنطعة: "لا عودة للوراء"، في الوقت ذاته يحاصرنا بالوراء، ويسحبنا إلى الوراء، ويستنسخ كل ما أريقت الدماء لكي يصير وراء.
المصدر
- مقال:محمد مصطفي يكتب: إعادة تدوير الإعلاميين موقع: الشرقية أون لاين
