منطق القوة الغاشمة والهوى الجموح وآثاره

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
منطق القوة الغاشمة والهوى الجموح وآثاره

بقلم:الإستاذ محمد مهدي عاكف

مقدمة

رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

منطق القوة الغاشمة والهوى الجموح وآثاره

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد!!

فإن أيام رمضان تنقضي سراعًا، وتتفلَّت من بين أيدينا تباعًا، فالسعيد من ظفر بخيرها وبركاتها ورحمتها وغفرانها، ونأمل مواسم النصر فيها، وقد أظلَّتنا ذكرى غزوة بدر ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ (الأنفال: 41).. فاللهم كما فرَّقت فيه بين الحق والباطل، فنصرت أهل الحق وأنزلت الصَّغار بالمبطلين هيِّئ لأمتنا اليوم فرقانًا تَنصر فيه حقَّها؛ حتى ترى أن لا ملاذَ لها إلا إسلامُها، وتخذل فيه عدوَّها بعدما انتفش باطلُه واستعظم هواه.

لقد أنزل الله الحقَّ والهدى، وجعل به صراطَه المستقيمَ الذي به يُسعد الناس في دنياهم وآخرتهم، وبغيره يضلون ويتيهون ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ (يونس: 32) ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (142)﴾ (طه).. غيرَ أن الباطل قد تزيَّن لأهله، وزيَّنوه للخلق، فأضحى هواهم ومبتغاهم ومنتهى أملِهم ومحطَّ رجاهم.. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ﴾ (القصص: 50) بل غَدا إلهًا يُعبد ويُطاع ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23).

إن المنطق الذي يحكم العالم اليوم هو منطق القوة لا العدل، والهوى لا الحق، ولن يقوم نظامٌ على ذلك طويلاً، ولم يستقِم فيما مضى على نحوٍ من الأنحاء.. لقد صرخ فرعون مستعليًا ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: 51) واتهم موسى ومَن معه بالفساد في الأرض ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: 26) فماذا كانت عاقبته؟!

وقال قوم لوط- يتواصَوْن بباطلهم في مواجهة الحق والطُّهر الذي يحمله رسولُهم ومَن معه-: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (الأعراف: 82) فاختل الميزان، وغَدا الطُّهر جريمةً تستحق النفي والإخراج..!! فماذا كانت عاقبتهم؟!

وقال كفار قريش- يعاندون محمدًا صلى الله عليه وسلم في حمى الطيش وغرور القوة-: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأنفال: 32) فكيف كانت نهايتهم؟!

وحين يستعلي منطق القوة الغاشمة والهوى الجموح في عالمنا اليوم فتشقَى به البشرية كلها يُصبح لزامًا على أصحاب الحق أن يتصدَّوا له، وهم حين يفعلون ذلك إنما ينتصرون لا لذواتهم فقط ولا لحقِّهم فحسب، بل لبقاء البشرية نفسها وسعادتها بعدما عانته من شقوة وعذاب.

ومن منطق القوة الغاشمة والهوى الجموح أن تَفرض أمريكا وحلفاؤها على العالم تلك الصراعات الدامية في الوقت الذي تجأر فيه آلاتُ إعلامِها الجبار بحقوق الإنسان وقِيَم الحرية، ولسنا نستحضر هنا مشهد أفغانستان والعراق و فلسطين وغيرها فحسب بل إن ساحة المعاناة لَتمتد إلى العالم الرحيب.

لقد أنفقت أمريكا على الحرب ضد المسلمين في العراق وأفغانستان قرابةَ ثلاثمائة مليار دولار، وبلغ ضحايا هذه الحرب في العراق وحدَها ما يزيد على مائة ألف كما قالت مجلة (لانست البريطانية)، وهي التي قتلت في حرب الخليج الثانية (ما سُمِّي بحرب تحرير الكويت) مائة ألف جندي عراقي- بحسب تصريح قائد حربهم هناك الجنرال شوارسكوف- ومعظم هؤلاء لقي حتفَه وهو منسحب على غير هُدى وبغير نظام ودون قتال، بعد ما ألقت القوات الأمريكية وقتها على العراق 88.500 طن متفجرات، أو ما يعادل 4425 قنبلةً ذريةً بحجم تلك التي أُلقيت على هيروشيما، ثم فرضت الحصار الجائر على شعب العراق قبل اجتياحه، فبلغ ضحايا الحصار نحو مليون عراقي وأكثر من نصف مليون طفل طوال عشر سنوات!!

أما ضحايا الشعب الأفغاني فلا يهتم أحد بإحصائهم، لكنَّ نحو سبعة ملايين أفغاني تتهددهم المجاعة الآن، منهم أربعة ملايين معرَّضون للموت جوعًا خلال الشتاء القادم..!!

والنتائج رغم هولها لا تخصُّ البلدَين المنكوبَين وحدهما، فما أنفقته أمريكا على الحرب هناك كان يكفي لإطعام جياع العالم كله لمدة ثماني سنوات، أو تمويل برامج مكافحة الإيدز في العالم كله لمدة 19 سنة..!!

الحيلولة بين العالم الإسلامي وأسباب القوة

وبينما يعترف بعضُ فضلاء الغرب بفضل العالم الإسلامي قديمًا على أوروبا ودوره في نقل الحضارة والعلم والنور إليها بعد قرون من الهمجية والظلام.. إذا بمنطق القوة الغاشمة الأمريكي يجتهد كل الجهد في الحيلولة دون امتلاك العالم الإسلامي لأسباب القوة من جديد؛ فأمريكا التي تبلغ ميزانية وزارة الدفاع فيها قرابة 400 مليار دولار هذا العام تُشنُّ حربًا سياسيةً وإعلاميةً واقتصاديةً وعلميةً ضاريةً ضد إيران؛ لتحُول دون تطوير برنامجها النووي السلمي، وتهدد ليلَ نهارَ بشنِّ الحرب عليها للحيلولة دون تحقيق ذلك، بينما تقف صامتةً بل متواطئةً مع الكيان الصهيوني الذي يمتلك أكثر من مائتي رأس نووي مصوَّبةً إلى عواصم البلاد العربية والإسلامية.

ولم يكن مستغرَبًا على أولي الألباب تلك العناية الأمريكية بتدمير الجامعات العراقية أول حربها هناك، وقصف دور الكتب ومراكز البحث بل المتحف العراقي والآثار التاريخية، ثم تعقُّب العلماء العراقيين بالسجن والاضطهاد حينًا وبالإغراء المادي للانتقال إلى أمريكا حينًا آخر، ثم بالقتل إن لم يُجدِ هذا ولا ذاك..!!

الحرية الأمريكية

والساسة الأمريكيون يُكثرون من أحاديثهم ودعاياتهم حول حقوق الإنسان وحريته، وبخاصةٍ في عالمنا العربي الإسلامي، وهو جانب جديرٌ بالعناية حقًّا بعدما تعرض له الإنسان في عالمنا من قهرٍ وهدمٍ على يد أنظمة حاكمة مسعورة، طالما بذلت لها أمريكا الدعم والمساندة ضد شعوبها وآمالها، غير أن حديث الحرية الأمريكية الموعودة نفسه يبدو هزليًّا إزاء استمرار الدعم الأمريكي لأنظمة التسلط والقهر عندنا، وتأتي الممارسة الأمريكية نفسها تجاه شعوبنا وعدوانها المستمر عليها لتُضيف على المشهد مزيدًا من الهزلية والعبث، وما خبر معتقلات جوانتانامو وأنين المعذبين في سجن "أبو غريب" بالعراق منا ببعيد..!!

ثم تأتي الممارسات الأمريكية والغربية ضد المسلمين المقيمين هناك وفرض مزيد من القيود على تحركاتهم وحرياتهم- بزعم التخوُّف من الإرهاب- لتُضيف مزيدًا من الألم والسخرية المريرة، وتكشف حجم الزيف والنفاق.

من آثار منطق القوة والهوى على عالمنا

والحق تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيْبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: 25)، فلما ساد منطق الظلم والهوى عانى العالم بكله بأشكال شتى، فالعالم الذي يضم نحو 15 مليون لاجئ و27 مليون نازح داخلي نتيجة الحروب الداخلية، ويموت فيه 24 شخصًا كل دقيقة جوعًا هو الذي يصل إجمالي تجارة السلاح العالمي فيه- تبعًا لإحصائية سنة 2000م- ما يتجاوز 800 مليار دولار سنويًّا، وحجم مبيعات المخدرات (غير القانونية التي تجيزها الحكومات!!) إلى 400 مليار دولار سنويًّا، وتنفق فيه دول العالم النامي سنويًّا 221 مليار دولار على شراء وتكديس الأسلحة ونفقات الحروب، بينما 900 مليون شخص من مواطني تلك الدول أميُّون لا يستطيعون القراءة والكتابة..!!

ثم جاءت موجة الكوارث الطبيعية التى يبتلى الله بها عباده لتضيف مئات الألوف إلى الضحايا الذين يحتاجون الدعم والمساندة.

وقد شهد العالم بعد الحرب العالمية الثانية نحو 159 حربًا أخرى، منها عشرةُ حروب كانت نصيب دول العالم، 90% من ضحاياها مدنيون.

وامتد منطق القوة الغاشمة ليفرض ظلاله الكئيبة وتأثيراته الوبيئة على المنظمات المفترض أن البشرية قد أناطت بها تحقيق العدل العالمي .. فأضحت الأمم المتحدة ومنظماتها مطيةً للإرادة الأمريكية، توجهها حيث شاءت، وتذهب بها حيث أرادت.

وبعد..

أيها المسلمون.. تلك صورةٌ مختصرةٌ لبعض معاناة البشرية بعيدًا عن دينكم وهديِ ربكم ونورِ قرآنكم، فماذا أنتم فاعلون؟! لقد وصف الله تعالى هذه الأمة قائلاً: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110)، وجعلها الأمةَ الشاهدةَ على العالمين ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: 143).

إن تقصيرَنا في أداء تلك الرسالة وتبليغ تلك الدعوة- وقبل ذلك كله إعطاء القدوة الصالحة والأسوة النافعة للعالمين- أمرٌ لا يعود علينا وحدَنا بالشقاء في الدارَين، بل إن العالم كلَّه يدفع ضريبةَ سيطرة قوة البغي ومنطق القوة وجموح الهوى، بعيدًا عن الإسلام الذي تحاربه قوى الشر، بجهالة حينًا وبإصرار وعلم أحيانًا.

إن أولى خطوات الطريق أن نعود إلى ديننا إيمانًا وفهمًا وعملاً ودعوةً وصبرًا ومصابرةً وجهادًا، وأن نقيم في داخلنا دولة العدل وفسطاط الحق، وأن ننتزع حرياتنا كلها التي خلقنا الله بها من أيدي الطغاة والمتجبِّرين، فالعالم لن يسمع موعظةً من أسير مرتهن مهان، وأن ننهض إلى العمل الجادِّ الذي لا هوادةَ فيه، الذي يُعيد مجد الأمة وعزَّها.. ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (فاطر: 17) وأن نُجيد ترتيب أولويات عملنا؛ حتى نجعلَ من نيل الحرية قمةَ تلك الأولويات، ومن التكافل بين المؤمنين ورعاية المنكوبين في كل مكان ومن أي جنس أو دين- ونحن في شهر التكافل والمرحمة- علامةً ومنارةً على الطريق.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).

وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.