من المذبحة إلى ساحة الدعوة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
من المذبحة إلى ساحة الدعوة


بقلم / الأستاذ عباس السيسي


مقدمة

الأستاذ عباس السيسي

بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم – الدعوة إلى الإسلام بالدعوة الفردية حيث أن الدعوة الفردية هى الأساس الطبيعى للاقناع وتكوين شخصية المسلم الذى يقوم عليه بناء الدولة الإسلامية وتطبيق شريعة القرآن، وهكذا بدأ تكوين الرعيل الأول فى دار الأرقم بن الأرقم وحين قال الرسول صلى الله عليه وسلم (اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين، عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام) إنما كان ينشد لدعوته خصائص ومواهب وامكانيات تشد من أزر الدعوة وتساندها، والرسول صلوات الله وسلامه عليه، كان يسعى إلى الناس جميعا فكان يخرج ويعرض نفسه على القبائل، إذ كان من عادة العرب كلما حضروا إلى مكة فى موسم الحج، أن ينتهزوا فرصة الاشهر الحرم فى ذلك الموسم، فيعرضوا بضاعتهم فى أسواق مكة، وكانت أشهر هذه الأسواق ثلاثة: عكاظ ومجنة وذى المجاز))، ورغم تباعد هذه الأسواق عن مكة – فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يغشى هذه الأسواق ليعرض نفسه على هذه القبائل التى حضرت الموسم – يدعوهم إلى الله عز وجل- ويخبرهم أنه نبى مرسل ويسألهم أن يصدقوه ويؤازروه ويمنعوه حتى يبلغ عن الله ما بعثه به .

ومع ما كان فى التجاء وفد المسلمين إلى النجاشى ملك الحبشة وعلى رأسهم عثمان بن مظعون وعثمان بن عفان والزبير بن العوام – من حماية لهم من فتنة كفار مكة إلا أن الأمر فى نفس الوقت كان دعوة .

كما شرع الرسول صلى الله عليه وسلم فى أعقاب صلح الحديبية يكاتب الملوك والأمراء من حوله – فكاتب النجاشى ملك الحبشة – وكسرى ملك فارس – والمقوقس عظيم القبط – وقيصر ملك الروم.

يتبين مما سبق أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتحرك بالدعوة فى شتى المجالات وكل الاتجاهات.

لهذا فإنا شديد الإيمان بالدعوة الفردية، لأنها أصدق وأنجح الوسائل إنتاجا للدعوة وتفهما لها وثباتا عليها – اذ يعتمد الداعية في دعوته الفردية على تأصيل مفهوم الدعوة عمليا وطبقاً لمداخل روحية ونفسية متتبعا الظروف والحوادث التي تقع للشخص كما علمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم (( حق المسلم على المسلم خمس : رد السلام ، وعيادة المريض، واتباع الجنائز ، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس)) – رواه البخاري، فالدعوة بهذه الخطوات التي تأتى مع الأيام هي خطة عمل وأسلوب حركة، تؤدى فى النهاية إلى توثيق الصلة وتبادل الثقة وتدعيم الروابط على أساس من روح الدعوة نفسها، وبهذا تعلن الدعوة بنفسها عن نفسها، ويحس الإنسان أن الدعوة موجهة إليه شخصيا وبالذات فيعرف قيمته فى المجتمع الجديد الذى اكتشف فيه ذاته ووجد فيه سعادته الحقيقية – حين يفاضل بين هذا المجتمع والمجتمع الذى كان يعيش فيه من قبل !

وقد قيل أن (الدعوة إلى الله فن والصبر عليها جهاد) واعتقد أن كلمة (فن) وأن كانت تقرب المعنى فإلى الاذهان – غير أن أسلوب الدعوة إلى الله تعالى ليس مجرد وسائل علمية جافة، وإن كانت كذلك تلتزم بخطة موضوعة محددة الخطوات والمراحل، لكنها فى الصميم الهامات نابعة من القلب فهى أشواق وأذواق والآم ومعاناة – وليس أصدق فى التدليل على هذا المعنى الدقيق مما كان فى قصة الداعية الملهم مصعب بن عمير حين أوفده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة داعيا ونزل عند أسعد بن زرارة يبشر بالدعوة .

فهذا أسعد بن زرارة يقول لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، أى توجه إلى الله باخلاص العمل له وحده، وأخرج حظ نفسك من نفسك فلا تدعى لها فى ذلك فضلا (بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان أن كنتم صادقين) فالصدق والاخلاص والتجرد لله وحده الذى يفتح القلوب (إنما يتقبل الله من المتقين).

يخطب الخطباء ويتحدث المتحدثون ثم ينصرفون ولا شىء بعد ذلك وما تلك رسالة الداعية ومهمته، فلقد كان الإمام حسن البنا يستقر فى مكانه جالسا وسط الجماهير بعد الخطبة فيستقبل الذين تأثروا واستجابوا لدعوته، فيتعرف بهم ويتألف قلوبهم ويحصد الثمرة وتبدأ مرحلة الدعوة الفردية التى يتم بها التبيين والتكوين وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم (لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها ) .

والصفحات الآتية فى هذه الرسالة الموجزة (تجربة للدعوة فى رشيد) هى صورة من صور الدعوة الفردية، مارستها مع نبع إيمانى بأن كل كلمة وكل حركة وكل إشارة وتوجيه ورد فى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هى خطة عمل فى النفس والواقع والمجتمع، وهى معالم وارشادات تفسح الطريق للداعية فى كل المجالات والمشكلات والأوقات، وتعطى صورة للداعية بأن حقل الدعوة يحتاج إلى حرث ثم بذر ثم متابعة ومجال الدعوة يحتاج إلى ذكاء وحذر وصبر وتخطى شراك الأعداء وتوقى الاستدراج للاستفزاز .

وأن أعظم نجاح للداعية هو حين يصنع مع أعداء الدعوة مهادنة كما حدث فى صلح الحديبية، كى يتيسر له مجال الدعوة فى الناس دون عقبات أو حواجز تصد عن سبيل الله، مع عقيدة صادقة بالأمل والدعاء أن يكون فى ذلك فرصة ليفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق، فالأصل فى الدعوة إنها للناس وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعملمنا (اللهم أهد قومى فإنهم لا يعلمون ) .

وستكون المحصلة فى النهاية مع المخلصين (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم ) .

اسأل الله تعالى أن ينفع بها اخوانى أبناء هذا الجيل حتى لا يبدأوا التجربة من فراغ فنحن نقدم لهم محصلة توفر عليهم الكثير (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) .

عباس حسن السيسى

11 ربيع أول 1398 هـ

18 فبراير 1978 م

مفاجأة الافراج

لم يكن موضوع الافراج فى حسن المسجونين من الاخوان المسلمين بالأمر الذى يشغل بالهم.. إذ أن مجرد التفكير فى أمر الافراج يكون ابتلاء ينكد عليهم حياتهم ويضاعف من الآم السجن ويضنى منهم الصحة والعقل، ويصرف جهدهم وتفكيرهم وجل همهم فى انتظار الافراج، كما يرى ذلك فى تصرفات المسجونين السياسين من غير جماعة الاخوان المسلمين ، إذ يترقبون على الدوام الاخبار والانباء التى تبشرهم بنبأ الافراج، فهم يتحسسون ويتشممون ما بين سطور الصحف والمجلات فضلا عما يتطلعون إليه من الأنباء التى تأتيهم فى الزيارات .

وصدق أمير المؤمنين الامام على كرم الله وجهه (( من لهج قلبه بحب الدنيا التاط قلبه منها ثلاث : هم لا يبرحه – وحرص لا يتركه – وأمل لا يدركه )) .

أما الإخوان فإننهم قد عقدوا النية على عقيدة ثابتة لا تتغير ولا تتزعزع، أن الأمر كله لله تعالى، وأن أمر الافراج سيأتى بأذنه وحده وأن الافراج فى تصور المؤمن كالحياة والموت وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت وأن مقتضى الايمان فى حس المؤمن هو الايمان بالقضاء والقدر خيره وشره. لهذا فهم لا يشغلون أنفسهم اطلاقا حتى ولو جاء قرار الافراج واحدى أقدامهم خارج السجن، ف الاخوان ينظرون إلى كل ما حدث وما سيحدث لهم من قتل وسجن وتعذييب وتشريد على أنه أمر من طبيعة الدعوة ولهذا نكان هتافهم (الموت فى سبيل الله أسمى أمانينا ) وهم يكررون على الدوام فى أتون التعذيب (كل مصيبة دون النار فهى عافية) وبهذا الوعى العميق وهذا التبيان للغاية والوضوح هانت الاعوام التى بلغت العشرين عاما فى جحيم عبد الناصر .

ولقد تميز الاخوان المسلمون فى السجون عن غيرهم بهذه العقيدة الثابتة، فلم يجعلوا هدفهم، ورحم الله فضيلة المرشد حسن الهضيبى رحمة واسعة حين بعث لنا برسالة ونحن فى سجن قنا، على أثر تواتر الاشاعات فى أوائل حكم الرئيس محمد أنور السادات بالافراج عن المعتقلين والمسجونين من الاخوان المسلمين قال فى رسالته (أيها الاخوان إذا كان مبلغ همنا هو الافراج عن الاخوان كأفراد 00 فلماذا اذن ادخلنا السجون؟!! لقد ادخلنا السجون من أجل الدعوة! فالاصل عندنا هو الافراج عن الدعوة أولا وقبل كل شىء فالافراج عن الدعوة يمنى ضمنا الافراج عن الاخوان ) .

ولقد حاولت السلطة التى كانت تحكم مصر أن تساوم أفراد الاخوان بين البقاء فى السجن أو الافراج عنهم بشرط التخلى عن الجماعة والعمل للإسلام، فرفض الاخوان التخلى عن عقيدتهم بهذا الافراج المشروط الا افراد لا يتجاوز عددهم أصابع اليد قد سقطوا فى الطريق وقبلوا تأييد الحكومة والتخلى عن الجماعة والعمل الاسلامى – قالوا : سنطيعهم فى بعض الأمر قل : كل الأمر آت أن كنت ذكيا : قالها اخوان لنا من قبل فسقطوا سقوطا مزريا. ومن شروط التأييد أن يتباعد هذا الانسان عن مجتمع الاخوان فلا يتعايش معهم بل لا يصلى معهم أيضاً. ثم يبدأ فى الانحدار إلى الهاوية فيتنازل عن الكثير طمعا فى الاسراع بالافراج عنه، فيطلب منه كتابة تقارير عن الاخوان فردا فردا، ترفع إلى المباحث العامة، ومحاولة فى التقرب من المباحث يتطوع بالكذب وشهادة الزور ولم يحدث أن تم الافراج عن أحد من هؤلاء المؤيدين إلا بعد أن يستخدم أخس استخدام .

فاذكر أن المشير عبد الحكيم عامر بعث يستأذن عبد الناصر فى الافراج عن أحد هؤلاء المؤيدين فسأله عبد الناصر لماذا الافراج عن هذا بالذات؟ فقال له المشير لان هذا الشخص من المؤيدين الذين خدمونا بتقديم المعلومات المفيدة عن الاخوان داخل السجون – فقال له عبد الناصر كيف نفرج عنه وهو يؤدى لنا خدمات كبيرة لا يستطيعها غيره !! أن مثل هذا يجب أن يبقى فى السجن كى يساعدنا ورفض عبد الناصر الافراج عنه!!

نفهذا المؤيد الذى أذل نفسه بصورة مخزية قد وقع فى شرك خطير خسر به كل مقومات وجوده كصاحب دعوة وجندى عقيدة

ومن يهن يهن الهوان عليه 000 ما لجرح بميت أيلام وحين استقرت عقيدة الاخوان على (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فيتوكل المؤمنون) حين استقروا واطمأنوا لهذه العقيدة، فقد وضعوا لانفسهم داخل السجون منهجا طويل الأمد فى الدراسات الاسلامية والعلمية شغلوا بها أنفسهم ووقتهم، حتى أن بعض الاخوة دخل السجن أميا لا يعرف القراءة والكتابة وخرج حاصلا على الاعدادية أو الثانوية

وذات يوم من الأيام الاخيرة من شهر مارس سنة 1974 أصابنى المغص الكلوى وكان لزاما أن أتوجه من سجن مزرعة طره السياسى إلى مستشفى ليمان طره الذى يبعد حوالى خمسة كيلو مترات ، فجهزت لذلك سيارة وحرس بقيادة ضابط وجنديين مسلحين ورجل من المباحث العامة (أمن الدولة)، وتوجهنا إلى المستشفى للفحص والعلاج.. وأن هى إلا أيام حتى تغيرت الأحوال بأمر الله من حال إلى حال

ففى عصر يوم الخميس 11 ربيع الأول سنة 1394 الموافق 4 من أبريل سنة 1974 وبمناسبة ذكرى مولد الرسول عليه الصلاة والسلام أصدر الرئيس محمد أنور السادات قرارا بالافراج عن المسجونين الذى قضوا نصف مدة العقوبة، وحين وصل أمر هذا القرار إلى سجن مزرعة طره كنت أقوم باعداد طعام العشاء للأخوة فى العنبر، وجاءنى الأخ الدكتور حلمى صادق حتحوت يهنئنى بالافراج، ولما كان الأخ حلمى لم يتعود المزاح، فقد نظرت إليه صامتا ما بين مصدق ومستنكر، ولكنه أصر على أن الأمر جاد وبعد لحظات شاع الخبر وتأكدت من هذا النبأ.

ولن أتحدث عن المشاهد التى بدت فى هذه اللحظات بين الأخوة المفرج عنهم والذين جاوز عددهم السبعين، وبين الأخوة المحكوم عليهم بالمؤبد ولم يتموا نصف مدة العقوبة. ولكنى أقرر أن الفرحة عمت الجميع بلا استثناء.

وخرجت مع اخوانى فى حراسة إلى سراى المباحث العامة وهناك التقى بنا المقدم فؤاد علام الذى تحدثي فى هدوء متمنيا لنا حياة طيبة فى ظل الحربية معتذرا عما قد يكون بدر منه من متاعب للآخوان ، فأنتم تعرفون الأمور جيداً ، وقدم لنا بعض نصائحه .

وخرجنا من سراى المباحث فرادى بلا حرس ولا سلاح ولا ارهاب وتوجهت إلى محطة السكة الحديد وأنا فى ذهول، بالأمس القريب كنت محاطا بالحرس المشدد والسلاح المدجج كنت ارهابيا خطيرا مرعبا وبين طرفة عين وانتباهتها أصبحت انسانا عاديا جدا لا سلاح ولا جنود ولا رماح. لم يتغير منى شىء اطلاقاً!! ولن يتغير باذن الله تعالى، فما هى الغاية من هذا الارهاب ومن منا صاحب الارهاب الحقيقى؟ أفتونا يرحمكم الله!!

أبرقت إلى والدى فى رشيد، ووصلت إلى أبى قير ونزلت عند أختى وحضر المهندس زكى طبيخة وابنى عبد المنعم من رشيد ومعهم المرحوم محمد جمعة السيسى فى سيارة المهندس زكى وتوجهنا من أبى قير إلى رشيد

كانت زوجتى فى هذا الصباح تجلس على طشت الغسيل واليوم هو ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم تجلس فى هذا اليوم تستعيد الذكريات والدموع تجرى والدعاء والمناجاة دأبها منذ الاعتقال، تسأل الله تعالى أن يأتى بالفرج، والدموع تختلط بالماء والصابون، وبينما هى فى هذا المشهد السابح الحزين غائبة فى آلامها وأحلامها، إذا باصوات وضجيج فتخرج فزعة على صورة من الفرح والبشر والسرور. مبروك يا ماما بابا جاى الام لا تنطق بل تجرى فى ذهول يا ماما الجرائد كتبت وتلغراف جاء من مصر وبابا موجود فى أبى قير الام تقول ربما تكون اشاعات المباحث !! لم تنفرج أساريرها إلا عند ازدحام المنزل بالزوار والمهنئين

السيارة تقترب من رشيد نبأ الافراج يسرى والناس لا يصدقون – بدأت بزيارة والدى بمنزله، الرجل جاوز التسعين عاما، كانت زيارة حارة وحزينة ثم توجهت إلى منزلى وكانت لحظات أصارح بأننى لم أتنبه لها تماما ولا أستطيع أن أرسم لها صورة، غير أن الأمر كان فوق طاقتى البشرية 00 ليس ذلك لأننى قد التقيت بأهلى وأسرتى وأخوانى؟ لا ولكن كيف حدث الافراج؟ كطيف حدث ذلك بدون مقدمات – كيف حدث هذا فجأة؟

نعم كما قلت من قبل أن أمر الافراج لا يملكه إلا الله تعالى وحده فهو سبحانه الذى يملك كل المقادير (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

ثم كانت استقبالات وحفلات جاوزت كل تصوراتى، حيث قد سبق أن أفرج عنى بعد محنة سنة 1954وعدت إلى رشيد فى يناير 1956 ، فلم يتجاوز عدد الذين استقبلونى فى منزلى عشرة من الاصدقاء جاءوا لزيارتى فى حذر وخوف، مجرد لحظات للوفاء بلا أحاديث أو تساؤلات، وإذا خرجت من منزلى إلى الشارع فنظرات الناس تصوب إلى كالسهام، وقليل من هؤلاء الذين يتشجعون للتسليم والترحيب، بل أن بعض الكلمات المؤذية كنت أسمعها ترون فى أذنى فتبعث فى نفسى الاحزان، الاحزان على هذا التضليل الذى استقر فى الاذهان، وهذا الخوف والفزع الذى قطع الرحم والاوصال. ولم تتغير هذه الصورة المحزنة وهذه المشاعد المؤذية حتى اعتقلت عام 1965 .. ولكن الذى حدث بعد الافراج عنى هذه المرة الأخيرة أكبر من كل تخيلاتى من مشاعر طيبة وحفاوة بالغة وعواطف صادقة .

أمل انطفأ

كان محمد جمعة السيسى طالبا بنهائى كلية التجارة جامعة الاسكندرية ، شاب وهبه الله تعالى كثير من الخصائص الخلقية والاجتماعية والادبية، كان يزورنى ويراسلنى خلال فترة السجن، فأجد فى لقائه فرحة وفى رسائله متعة، فهى تتميز بفهم للدعوة وبأسلوب أدبى رائع مع هواية فى الشعر .

وحين عدت إلى رشيد ازداد منى قربا وازددت منه قربا ورأيت له مجالات واسعة من النشاط والصلات بالشباب مما اطمعنى فى مستقبل أيامه للدعوة .

وفى مساء ليلة القدر من شهر رمضان 1394هـ كان محمد السيسى يسبقنى فى تاكسى من الاسكندرية ليسرع العودة للافطار فى رشيد، وقبل اذان المغرب بقليل كانت السيارة تحترق تماما بمن فيها فى صورة فوق تصور العقول وطاقة البشر .

ومررت على السيارة وشاهدت هذا المشهد الأليم دون أن أعرف أنه شهيد هذا الحادث .

وفقدنا فى غمضة عين فتى من اعز ابنائنا وآمالنا، ولم اكن اتصور ان هذا الحادث الاليم سوف يفجر فى نفسى ينابيع عاطفية حزينة فى صور لقاءات مع اخوانه من الشباب التى لا تزال رابطتنا رابطة الوفاء لهذه الروح الطاهرة وهذه الدعوة الخالدة .

الاصرار على الدعوة

كان لهذا الاستقبال الكريم من اخوانى اهالى وأبناء رشيد وخاصة عنصر الشباب أعظم الأثر فى نفسى لقد أحسست من خلال هذا اللقاء الذى حجزنى فى منزلى أكثر من شهر على التوالى أدركت أن الأرض خصبة والنفوس مشتاقة وأن الفطرة لا تزال طاهرة وأن القلوب حية نابضة وأن كان عامل الخوف لا يزال قائماً ولكن الاقبال كان مشجعاً .

لقد وجدت نفسى وأنا فى لحظة تحول من السجن الرهيب إلى الجو الرحيب كأن أمر التعذيب والتغريب لم يحدث وتذكرت قول زوجتى وهى تقول لى أثناء زيارتها لى فى السجن (بكره تبقى حكايات ) .

لقد شعرت أمام هذه العواطف والمشاعر المتدفقة بالحب والاحترام تلك القلوب التى لا تفتأ تذهب إلى بيوتها لتنام حتى تسرع الخطى الينا فى الصباح – لقد وجدت أن الأمر لا ينبغى أن أن يؤخذ على أنها زيارات ترحيب بى ومجاملة لى ثم تنتهى ! بل يجب أن انتهز الفرصة فأتحدث وأناقش وأربط بين القلوب وأواصل الحركة وأتابع الخطى على الطريق .

ذكرت أنى عاهدت الله تعالى أن أخرج من السجن لاضاعف جهودى فقد وعيت فى السجن دروسا من الندم على ما فات من تقصير فى حق الله والدعوة، لقد قضينا فى السجن عمرا طويلا وبذلنا جهدا ومالا ومشقة وبعداً عن الأهل والولد لقد كان السجن فى خاطرى عقابا لنا على الاهمال فى بذل أكبر الجهد فى كله لعصمنا ذلك من كل المحن وصدق الله تعالى :

((وانفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )) فالانفاق من الدم والمال والوقت إنما هو حماية لنا وللدعوة من اعدائها

ولا أدعى لنفسى فيما سأرويه لاخوانى من تجربة فى الدعوة إلى الله فى رشيد فلولا أن فى رشيد هذه القلوب المؤمنة التى مهدت الطريق وأعانت على الحق ما كتبت هذه الرسالة مناقشات هادئة

كان أهالى رشيد بالجملة يتخيلون أنى قادم إليهم على أربع وأتحدث إليهم فأقول (خمشة وشتة) حتى إذا شاهدونى أمشى على قدمى بلا عكاكيز ورأونى فى صحة وعافية بدأوا يتشككون فيما سمعوا من قبل عن وسائل التعذيب الشنيعة التى وقعت بنا، وكأنى بأعينهم تجول وتبحث وتفتش عن آثار التعذيب، تلك التى أشاعت الرعب والخوف بل قتلت كل الأحاسيس الادمية وهدمت العلاقات الاسرية وفرقت بين المرء وأهله .

وكان هذا الشعور هو المفتاح الأول الذى فتح لى مجالات الاحاديث والاستفسارات عن أحداث السجن الحربى وما فيه أهوال وعن المحاكمات وما فيها من مهازل وتزوير وبهتان ومن خلال الأسئلة والاجابة عليها تفرعت الاحاديث حتى شملت تاريخ جماعة الاخوان ومنهجهم فى صراحة ووضوح وجلاء وكنت الاحظ على وجوه المستمعين دهشة واستغرابا لما يسمعون كما كنت الاحظ اشراقة بعض الوجوه لما أقول

وكنت أتابع الاجابة بكل قوة وبكل ثقة وبكل اطمئنان فلم أشعر أنه قد انتبانى أى شعور من التردد أو الخوف، حين كنت أتحدث إلى الشباب عن أعماق المشكلة الاساسية بيننا وبين السلطة، كنت أعود بهم أولا وقبل كل شىء إلى أنفسهم، فأنقل القضية من معركة بين الاخوان والسلطة إلى قضية بين المسلم نفسه وبين الواقع الذى يعيش فيه حتى أفاق الشباب إلى أن القضية ليست قضية الاخوان وحدهم ولكنها فى الواقع قضية كل فرد منهم شخصيا وبالذات .

وكنت أحاول برق أن اغوص فى أعماق الأخ بالحب الصادق الذى يجد صداه فى نفسه وقلبه يتذوقه حلاوة وسعادة . ثم أعيش معه فى معنى (لا اله إلا الله) أحدثه فى مدلول هذه الشهادة من حيث أنه عقد غير مكتوب بينه وبين الله تعالى. فلو أن انسانا أخذ عليك عقدا عنى وثيقة بمبلغ ألف جنيه مثلا، فأنت بموجب هذه الوثيقة ملزم بالسداد ولو بالقوة، فإذا أقررت بانه لا إله الا الله فإنه يلزم أن تفهم يقينا أنه لا حاكم ولا معبود ولا طاعة ولا شريعة إلا ما شرعه الله تعالى وأنك ملزم ب الجهاد لتحقيق كل ما آمنت به لتكون العبودية لله تعالى وحده فى الطاعة والتشريع والحكم، وفى هذه الحالة وبهذا الفهم تربا بنفسك أن تكون عبدا لعبد مثلك أو اداة لزعيم من الناس قد يخطئ ويصيب فاذا أنت بعت نفسك لغير الله تعالى فإن هذا الانسان لا عجز من أن يعطيك أجرك أو يوفيك حقك ثم أن هذا الاجر لا يفتأ أن يزول أما إذا بعت نفسك لله تعالى فإن الأجر سيكون عظيما يتناسب مع عظمة المشترى.

وشاء الله تعالى أن يكون تاريخ الافراج عنا عقب حرب رمضان ( أكتوبر ) فكنت أعقب على الفرق بين حرب 1967 ، 1973 – فكانت شعارات حرب 1967 على صورة وطبيعة الشيوعيينن والالحاد وقلت أنالجندى قبل المعركة يتعلق بالأوامر والقيادة ويتصور أنه يقاتل فى سبيل الشعارات وفى سبيل الزعيم، يكون دائما هذا هو تصوره فى حالة السلام وقبل الدخول فى أتون المعركة وهولها ونيرانها وبشاعتها التى تذهل العقول فإذا دخل المعركة وأحيط به من كل جانب وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وراح الجندى صاحب الشعارات وعابد الزعامات يجول بناظريه يبحث عن زعيم أو قائد أو زميل ينقذه فلا يجد إلا نفسه فى نفسه والنار والصواريخ والهول الكبير والاشلاء تتطاير وتتساقط من حوله فى هذه الحالة تشف روحه وتتخلص من كل شريك، فلا ملجأ إلا إلى الله ولا منقذ سواه، فلا زعامة ولا قيادة ولا جنود ولا أهل ولا ولد فى هذا الموقف الرهيب الرعيب تنطق الفطرة (الله أكبر الله أكبر) فهو الغاية وهو النهاية وهو الأول وهو الآخر .

وصدق الله العظيم (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون) .

وفى هذا السياق من الترغيب والترهيب انسابت المعانى تشق طريقها إلى القلوب الطاهرة الندية – فتعود وتجود بالعطاء – وكانت الفرصة التى خرجت فيها من السجن فرصة الاجازة السنوية للطلاب – فاعطتنى منحة الاتصال الدائم والمستمر والحديث ساخن والقلوب متفتحة .

وحرصت على أن أحفظ الأسماء بالطريقة التى تعلمناها وأتعرف على أشخاصهم وأحوالهم وميولهم وأنتماءاتهم، وبطبيعة فهمنا لم أتعرض للأشخاص ولا الهيئات ولا للجماعات والجمعيات على اختلاف نزعاتها بظعن أو تجريح. بل كانت مهمتى الأساسية أن أعرض دعوتى بشمولها ووضوحها وأساليبها فى حل المشاكل المحلية والعالمية بأسلوب سهل جذاب0 وعلى كل مستمع أن يحدد موقفه وأن يضع نفسه فى القالب الذى ينطبق عليه دون أن أختم حديثى معهم بما يفيد الموافقة من عدمه حتى لا أجرح شعورهم 00 بل أجدنى فى اليوم التالى أمام مجموعة تواظب على الحضور وأخرى تتخلف إلى حين 00 ولا يمنعنى غيابهم من الاستفسار والسؤال عنهم على الدوام.

وذات مرة كنت مسافرا بتاكسى من الاسكندرية إلى رشيد، والركاب يعرف بعضهم بعضا، فتحدثوا عن عهد عبد الناصر بالطعن والتجريح، وانتظروا منى أن أشاركهم حديثى ولكننى صمت ولم أتكلم، ولكنهم استفزونى بالماضى الاسيف وما صنعه عبد الناصر وزبانيته بنا، فاضطررت للحديث معههم وقلت لهم الوقع أننى سمعت كل ما ذكرتم وتعليقى، أنكم تسبون عبد الناصر بعد موته وأصبح فى حبر كان ولا خوف عليكم الآن أما نحن الاخوان – فلم نسب عبد الناصر بل قاومناه وتصدينا لحكمه وهو حى يرزق. وتحملنا كل ما أصابنا بإيمان وشجاعة، و الاسلام علمنا أن نعف ألسنتنا وأن نكل أمر هؤلاء للعبرة والعظة، فالعرض الموضوعى أجدى من السباب والشتائم .

ولو كان الأمر للهوى والانتقام، لما قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام من وحشى الذى قتل عمه حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه، ولا صر على قتله ولكن شريعة الاسلام تعطى العدل الذى نبشر به للعالم اجمع ليكون دستورا يطمئنمن له العالم على مدى التاريخ إلى يوم القيامة .

وأعود بذاكرتى إلى ما قبل 1965 حيث كنت مسافرا من رشيد إلى الاسكندرية فى التاكسى، وتناقش الناس فى أمر قرارات التأميم، وأنبرى أحد الشباب يمجد فى عبد الناصر حتى وضعه فى صورة آله لن يموت أبدا، كل هذا وأنا صامت لا أتكلم حتى فاض بى ونظر الناس إلى كأنى مهزوم فى معركة، فالتفت إلى هذا الشاب وقلت له بهدوء.. ولكن جمال عبد الناصر يعرتف بأنه سوف يموت وينقضى عهده هذا !! فغضب وقال متحديا – متى قال هذا!؟ قلت ألم تقرأ على كذ المشروعات التى يفتتحها جمال عبد الناصر ، لوحة من الرخام مكتوب عليها أقيم هذا المشروع فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر !! اذن فهو يعلم ويوقن أنه فترة زمنية محدودة – ثم إلى زوال !؟ فبهت الذى ضل ومصمص الناس وهمهموا .

التعارف

أفادنى حفظ الأسماء، فكير من الذين زارونى كانوا يعتبرونها زيارة عابرة أو زيارة مجاملة ثم لا شىء بعدها وكأن شيئا لم يحدث، غير أن الأمر فى ضميرى لن يقف عند هذا الحد، فقد كنت حين أذهب وأعود إلى منزلى أقابل بعض هؤلاء فى الطريق فلا أنتظرهم حتى يلتفتوا إلى بل أسارع فأبداهم بالسلام متجها إليهم بوجهى فى ابتسامة مخلصة ثم اسألهم عن أحوالهم ومتى أسعد برؤياهم وزيارتهم فيعطونى وعدا بالزيارة . بعضهم لم يكن يفكر فى زيارتى، وبعضهم كان يتمناها على استحياء، وبعضهم كان يأتى إلى المنزل ثم يعود حياء وخجلا حيث لم يجد من يشجعه على الدخول .

وكنت حريصا كل الحرص على معرفة كل شخص كما كنت اسأل عن أصدقائه لا تعرف على مدى تأثيرهم فيه أو تأثيره فيهم، فإذا وفقنى الله تعالى بالنجاح نمع هذا الانسان فإنه من السهولة بعد ذلك أن يأتى هو بصديقه الذى يحبه، وكنت أحاول التودد إلى الصديق الممتنع وأعامله معاملة طيبة حتى لا يفسد على صديقه الأول الذى استجاب للدعوة، وكنت أذكر له كلاما طيبا عن صديقه الممتنع حتى يبلغه أياه فينشرح صدره وتزول غشاوات قلبه .

(والكلمة الطيبة وأن لم تشبع للبدن جوعا أو تطفئ له ظمأ فإن بهجة النفس بها خير من عطاء مصحوب بكلمة أذى (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غنى حميد ) .


مشكلة الحب

وفى طريق الداعية تنشأ مواقف واحداث لم ترد على خاطره من قبل فإن هناك صراع يحدث بين شخصينن يربط بين قلبيهما رابطة صداقة وحب وثيق احدهما يؤمن بدعوتنا والاخر يصد عنها فالذى يؤمن بالدعوة يريد أن يرتفع بصديقه إلى مستواه ويحرص على ذلك رغبة فى أن يظل إلى جواره دائما فى معايشته ومصاحبته كما كان ذلك على الدوام ، والآخر يريد أن يشده إليه بالتهوين والتخويف من أمر الدعوة وما سوف يلحقه من أذى، وقد يتناول بعض الأشخاص بالتجريح حتى يقضى على هذه الصلة الجديدة من جذورها، ويظل هذا النزاع العنيف الصامت يشد أحدهما إلى الآخر فإن كانت العقيدة الاسلامية قد تمكنت تماما فى ضمير الأخ الأول فسوف تحسم المعركة ويتحدد الموقف وينتهى الصراع، ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام .

وصادفنى ذات مرة هذا الموقف إذا جاءنى أخ يعرض على أن له صديقا يحبه حبا فوق التصور ويريد أن يجذبه إلى الدعوة وقد تفنن فى كل الوسائل والمرغبات حتى يقنعه فلم يوفق فى ذلك، فقلت له : لا تيأس فإن الدعوة إلى اله لا تقف عند لحظة تصدر فيها حكما نهائيا على أحد من الناس فقد يكون صديقك هذا فى ظروف نفسية لا تساعد على تقبل حديثك، أو قد يكون متخوفا من تبعات هذه الدعوة الاسلامية من حيث تكاليف العبادة من صلاة وصيام وجهاد، أو ما يتوهمه من مستقبل غامض يؤدى بآماله واحلامه العريضة .

فمثل هذا الإنسان وغيره يجب أن تترقب له الفرصة المناسبة التى تكون فيها نفسه مهيأة لقبول الحديث، فقد تصادفه فرصة نجاح فى الكلية فتسرع إليه تهنئه وتحمل إليه هدية، وقد يمرض يوما من الأيام فتشف روحه ويرق قلبه وهنا تكون فرصة مناسبة يتلقى فيها القلب الدواء، وتتدرج معه بعد ذلك حين تدعوه إلى محاضرة إسلامية دن الحاح عليه، وبهذا الأسلوب الذى دعانا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ستجد الفرصة كامنة فى طبيعته، أن الزمن جزء من العلاج وأن اختيار الوقت المناسب والمكان والكلمة المناسبة هو أسلوب الداعية الواعى.

عن أبى ذر الغفارى رضى الله عنه قال – قال رسو الله صلى الله عليه وسلم (ليس من نفس ابن آدم إلا عليه اصدقة فى كل يوم طلعت عليه الشمس – قيل يا رسول الله ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟ قال أن أبواب الجنة لكثيرة، التسبيح والتكبير والتحميد صدقة، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة، وتسمع الأصم وتهدى الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك ) .

وقديما جاء إلى هارون الرشيد رجل يطلب منه صدقة، فلم يعطيه، فذهب الرجل إلى هارون الرشيد فى مكان آخر وكرر عليه الطلب، فقال له الرشيد، ألم تقابلنى من قبل – قال : بلى يا أمير المؤمنين، ولكن بعض الوقت أيمن من بعض وبعض الأرض أيمن من بعض، فأعطاه مبتسما .

وبعد كل هذا الجهد وتلك المعاناة قد أستنفدت وسائلك وقمت بواجبك نحو من تحب، فإذا لم توفق فى ذلك فلا تحسين أنك الذى تهدى الناس.

واقرأ معى قول الله تعالى : (أنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء ) .

أرأيت كيف قال الله تعالى ( من أحببت) هكذا أنت تحبه ولكن لا سلطان لك على قلبه فالقلوب بيد الله تعالى وحده .


البلاغ والفهم

وبدأت فى مرحلة (الفهم) فى جلسات فى منزلى تستمر ليلا ونهارا وقد تستمر أحيانا إلى منتصف الليل وقد يزيد العدد فى الجلسة إلى خمسة وعشرين، وأكرر ما سبق أن ذكرت أن هذه الجلسات وما يدور فيها بعيدة كل البعد عن الطعن والتجريح ولكنها فقط للتصحيح والتوضيح، تصحيح الاحداث التى زورتها وسائل الاعلام وتوضيح مواقف الاخوان منها، ثم شرح دعوة الإخوان منهجهم ووسائلهم وخاصة الاحداث التاريخية الهامة التى تشتغل بال الناس جميعا، فكنت أعرض تاريخ جماعة الاخوان منذ بدأت دعوتهم عام 1928 إلى يومنا هذا، مستشهدا بالواقع من التاريخ الاسلامى وسير الصحابة والتابعين، ثم ألفت انظارهم إلى بعض فقرأت من رسائل الامام الشهيد حسن البنا التى يتابع بها مسيرة الجهاد ، وكنت ألاحظ استغرابا ودهشة تبدو على وجوه الجميع، فإن الحقيقة الصادقة الناطة بالحق كانت بعيدة عن أذهانهم، بل أن عكس هذه الحقائق هى التى كانت راسخة بما كانت تذيعه وسائل الاعلام المسموعة والمرئية وصحافة وكتب ومجلات من سموم وسهام ضد جماعة الاخوان بما يدينها بالاجرام، والله تعالى يعلم أن الاخوان بريئون براءة الذئب من دم ابن يعقوب .

وكتب بعد ذلك أترك لكل شخص أن يعيش بين نفسه وضميره ويقارن على ضوء ما سمعه من رسائل الامام حسن البنا التى طبعت قبل هذه الاحداث بعشرات السنين .

كنت حين اتحدث إلى الشباب، لا أحاول فى ختام حديثى أن أطلب منهم إجابة لاستشف صدى حديثى معهم، فإن هذا ليس من الحكمة، حيث أن الطريق لا يزال طويلا، فمهمتى الآن تقتصر فقط على تصحيح الأفكار والمفاهيم الخاطئة التى ترسبت فى أذهان هذا الجيل الذى عزلته الدولة عن جماعة الإخوان المسلمين بوضعهم فى السجون عشرين عاما، ليحولوا بينهم وبين البلاغ .

موقف للإيمان الصادق

كان من الذين يواظبون على حضور هذه الجلسات طالب جامعى، أراه يجلس يستمع فى أدب وصمت وأستمر على ذلك فترة طويلة، وذات يوم طلب أن يقابلنى على انفراد، وجلس أمامى يتحدث بصوت هادئ متهدج ، قال أنه كان عضوا فى منظمات الشباب وكان يقرأ الكتب التى تهاجم جماعة الإخوان وكان يصدق كل ما يقال عنهم ورغم أن والده أعطاه فكرة طيبة عن الاخوان إلا أنه كان مصرا على كراهيته لهم وقال ورغم أنى عضو نشيط فى منظمات الشباب فلم أسمع تلميحا ضدهم فى الوقت الذى يحذرونى من تواجدى معك .

وأنا اليوم بعد ما فهمت حقيقة الدعوة أشعر بالندم العميق والآسف الشديد لهذا الماضى الذى أدركت بعد ذلك أنه وصمة فى حياتى وأرجو أن يغفر لى ربى ما تقدم من ذنبى، كنت أستمع للأخ الحبيب ودموعى تسبق دموعه، يارب لك الحمد أن سعادتى بهذا اللقاء تعدل الماضى كله، لقد انتصرت الدعوى بهذا القلب أن هذا القلب عزاء كبير بعد محنة طاحنة قاسية، لقد كانت لحظات ربانية مشرقة تشد العزائم وتقوى الهمم وتثبت الاقدام على الطريق، ومضى الشاب فى طريق الدعوة بخطى ثابتة واعية اسأل الله تعالى له الثبات على الحق.

مشكلة الخوف

كما تصور الناس فى رشيد أنى قادم إليهم محطم ومهموم تصورا كذلك أنى سأعود أصم آبكم سأوى إلى بيتى لا أعرف ألأحدا ولا يعرفنى أحد .. ولكنهم فوجئوا بأمر لم يكن يخطر ببالهم.. لقد استمعوا فى أول جلساتهم معى إلى الحق بكل صراحة ووضوح وبكل شجاعة.. كما كان هذا شأننا داخل السجن أيضاً كان حديثى معهم بهذه الصورة يعجل بانصراف بعضهم خوف العواقب الوخيمة التى تسيطر على أفكارهم.

فكنت أعجب كيف يخاف المستمع ولا يخاف المتكلم ! ؟

ورغم أن هذا كان يحدث .. فإن الابتداء بهذه الصراحة وبهذا الوضوح كان من أهم العوامل الجادة فى جذب نوعية الشباب المتوثب والمتطلع إلى بصيص الأمل.. بل لقد كان هذا الأسلوب هو مثار دهشة الناس وتعليقاتهم .. واستطيع أن أقول وأقرر أن فى هذا الشعب خامات ومعادن كريمة تحتاج إلى من يكشف عنها غبار الجاهلية والدعايات العداونية (أن فى هذه الأمة مناجم من قلوب لا يحجبها عنكم إلا غبار الزمن ) .


فتنة الاشاعات

وبعد فترة من الوقت جاوزت ثلاثة شهور فى جلسات مستمرة بدأت بعض العناصر التى كانت تواظب على الحضور وتتشبع بالفكرة، بدأت تتثاقل وتتباعد وتتخلف عن الحضور. أما الإخوة الذين استمروا على المواظبة فقد أبلغونى، أن هناك اشاعات تتردد بين الشباب، أن منزلى مراقب!! المباحث تراقب المنزل والشارع! المباحث تراقب التليفون! أحد الصيادين الذين يصطادون فى نهر النيل أمام المنزل من رجال المباحث!! أحد الذين يحضرون اللقاء يعمل مع المباحث !! وانتشرت الاشاعات فى رشيد وبدأ أولياء الأمور يحذرون أولادهم من الذهاب، بل أن أكثرهم حرم على نفسه مجرد المرور أمام المنزل .

وبدأ بعض هؤلاء إذا سئل عن سبب تخلفه عن الذهاب إلى منزلى، يختلق أسباب بعيدة عن السبب الحقيقى، فلا يقول أنه خائف من المباحث مثلا؟ فيبدو جبانا ولكنه كان يخلق أسبابا كاذبة ليبرر موقفه كأنه يقول مثلا، أن الأخ عباس يتكلم فى السياسة ويجرح الحكومة ويشكل تنظيما؟ .

بدأت أفكر بعيدا عن العصبية.. أن هذه المشكلةن تحتاج إلى أمرين الأمر الأول وهو الأهم – الثبات على موقفى وأسلوبى ومحاضراتى اليومية وأستمرار تواجدى فى المنزل لاستقبال من يحضر من الشباب، ايمانا منى بأنى على الحق وأن طريقى هو الصواب، فقد أبصرنا وسمعنا ولا حجة لنا أمام الله تعالى .

والأمر الثانى –هو البحث فى هدوء عن مصدر هذه الاشاعات دون أن اصنع معه موقفا عدائيا ودون أن اكشف عن اسمه وهويته، حتى لا تتكون جبهة معادية لى تستهوى بعض السذج أو من فى قلوبهم مرض، فتحول دون ابلاغ الدعوة، ويضيع وقتنا فى معارك جانبية.

(ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم) .


تحذير وأرهاب

وجاءنى أحد الإخوة المقربين .. ودعانى إلى جلسة خاصة وعلى وجه علامات القلق، وحدثنى أن أحد معارفه من الذين على صلة وثيقة به، فضلا عن أنه شخصية رسمية، دعاه إلى مقابلة خاصة وحذره من الاتصال بى وأخبره أن المباحث العامة والمخابرات تتباع نشاطى، ورجاه أن يبلغنى هذا الكلام حتى أتوقف عن النشاط.

وبعد أن أنهى حديثه، ولا أدرى ماذا كان يتوقعه منى بعد أن فرش طريقى بالأشواك، فنظرت إليه بابتسامة بددت كل أوهامه، وقلت له – أرجو أن تبلغ شكرى للسيد الفاضل على نصيحته المخلصة، وأرجو أن تبلغه، أننى على يقين أن المباحث العامة تراقبنى جيداً، وهذا هو واجبها ومن حقها ولا دولة بغير وسائل للأمن، وكما أن هناك مباحث جنائية وكذا مباحث مخدرات وكذا مباحث تموين، فإن هناك أيضاً مباحث أمن دولة، فإذا فرضنا أن مباحث التموين دخلت محلا للبقالة فلم تجد عنده أية مخالفة، ماذا تفعل غير أنها تنصرف بسلام؟ كذلك فإنى أتمنى أن يحضر كل جلساتنا رجال أمن الدولة، فنحن لا نقول إلا حقا وخيرا، ولا سبيل لاحد علينا بعد ذلك إلا بالحق.

وكأنى بالشباب قد استيقظ من نومه وأفاق من غفوته فاسترد أنفاسه ولا يزال يواصل الطريق .


تحذير آخر

وبعيدا عن منزلى وعلى موعد وفى أحد المساجد قابلنى أحد الطلاب الذين غابوا عن الحضور، وحدثنى أنه تخلف عن الحضور لأن أسرته حذرته وأصرت على عدم تواجده عندى خوفا على مستقبله ومستقبل الأسرة، وأنه أمام تعنتهم قد امتنع عن الحضور، ولكنه يحرص على مقابلتى ويقترح أن يكون ذلك فى المساجد .

فشكرت له شعوره الطيب، وأفهمته أنه ما دام مؤمنا بالدعوة، فهذا هو المطلوب أصلا، ووافقته على الامتناع عن الحضور عندى حتى لا يسبب متاعب له ولاسرته، وقلت له أننى مطمئن كل الاطمئنان أن الجميع سوف يكونون معنا لو أننا تعاملنا معهم بالحكمة والصبر وبلا عصبية، حتى إذا وجدوا منا معاملة طيبة فسوف يراجعون أنفسهم.

وفى قصة شعب مكة مع الرسول صلى الله عليه وسلم عبرة وذكرى دفعتهم إلى نقض الصحيفة بأنفسهم. متناقضات

فى هذا الجو المشحون بالقلق والشائعات، حدثتنى ابنتى الطالبة بالثانوى فقالت أن بعض زميلاتها من الطالبات بطلبن فى الحاح أن يجلسن معك فى لقاء بالمنزل، فهناك أسئلة كثيرة واستفسارات، فتبسمت ضاحكا من قولها وقلت يا لها من مشكلة جديدة أن الوقت غير مناسب لهذه الخطوة، فأنا لم أنته بعد من مشاكل الشباب وصد تيارات الشائعات المزيفة، فما بالك إذا دخلتا رسالتى إلى الفتيات فسوف أعطى لهؤلاء فرصة لزيادة الاشاعات، والبيئة فى رشيد بالذات تحتاج إلى تحفظ وتريث، فلكل مكان أسلوب وخطة.

لقد رفضت طلب ابنتى حتى يتيسر المناخ المناسب ويوفقنا الله إلى مسجد تلقى فيه الدروس والمحاضرات واعتذرت للفتيات بأسلوب يفتح لهم الأمل ولا يصدهم عن سبيل الله.


أذلة على المؤمنين

فكرت فى الأخوةى الذين تخلفوا عن الحضور، هل اتجاهلهم، واتركهم للنسيان! أم أحاول اللقاء بهم.. فقد لا تكون الاشاعات هى السبب فى غيابهم ولماذا لا أقابلهم وأصحح لهم هذه الاشاعات؟ أن واجبى ورسالتى لا تتوقف على الاحاديث والمحاضرات، فهذه وحدها تعتبر لسان الدعوة – فأين حركة الدعوة ان اعداء دعوتى يرسمون الخطة لقوقعتى وابعادى عن المحيط العام، فكيف أعطيهم هذا السلاح؟ لابد اذن من الاستمساك والصمود والصبر والحركة والذهاب إليهم .

ولكن أقول لنفسى كيف تسعى بنفسك إلى من هنو دونك سنا والمفروض أن الاصغر هو الذى يسعى للاكبر! وكيف لو قوبلت ببرود وامتعاض سواء منه أو من أسرته .. كيف يكون الأمر .

ولكنى عدت بذاكرتى إلى التاريخ الاسلامى أننى أسعى إلى أخى بقلبى، بحبى، باخلاصى.. أسعى إليه أحمل له الحق والخير والنور، أسعى إليه أحمل له دعوة ورسالة هى أكبر منه، أننى أثق فى مستقبل سعيى إليه أنه سوف يعرف قيمة ذلك حين يشرح الله له صدره (اذهبا إلى فرعون أنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى).

وكان هناك شاب تخرج من الجامعة حديثا، وكان من حوله مجموعة تحاول أن تشده إليها وتباعد بينه وبينى، بحجة الحرص على مستقبله ، وغاب الشاب فترة، وتوجست خيفة أن يكون قد تأثر بهم، وعزمت على زيارته فى منزله، واقتربت من المنزل وفوجئت به يقف أمامى، فأستقبلنى ورحب بى.

واستدرك فقال لى قبل أن أسأله : أن الانفلونزا قد حجبته ومنعته من زيارتى. ولم أحاول أن اشير إلى أى شىء آخر وقلت له : لقد جئت كى اطمئن عليك حين طالب غيابك، وطال الحديث بيننا ثم اعطانى وعدا بزيارتى، وقد وفى بوعده، ثم بعد ذلك تابعت اتصالى الشخصى بكل من تخلف عن الحضور، فكنت أقابل أحدهم أبدأه بالسلام وأسأله عن أحواله دون أن أتحدث فى شىء عن الشائعات من قريب أو بعيد، فإذا تحدث هو فقد أصبح من حقى أن أوضحخ له الأمرو فى غير انفعال وغضب، وهكذا كنت أسعى إلى اخوانى سليم الصدر طيب النفس، فقد تعودت أن أخرج حظ نفسى من نفسى مؤمنا بقول الله تعالى (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) .

وفى الواقع أننى لم يكن يهمنى كثيرا أن يخوض فى حقنا أحد من هؤلاء الذين لم يحضروا عندنا ولم يسبق لهم أن سمعوا منا ولم يفهموا بعد دعوتنا، فهؤلاء مهما قالوا فى حقنا بهتانا وزورا، فإن هؤلاء معذورون بجهلهم، فهم ضحايا حملات افتراءات وتشويهات وسائل الاعلام وارهاب السجون والمعتقلات.

ولكن الذى يؤلمنى جدا هؤلاء الذين سمعوا وتفهموا ثم لووا رؤوسهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا وادعوا زورا بما لم يحدث ولم يرد على خاطر .. هؤلاء فى الواقع والحقيقة سر البلاء ومكمن الداء.

ومع كل هذا فإنى أقابل أحدهم فاهش فى وجهه وابتسم له دون أن يحس بما أعرفه عنه عساه يراجع نفسه متمثلا فى هذا قول الله تعالى (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم).


البحث عن مصدر الشائعات :

فبينما كنت أحاول الرد على الشائعات بالتى هى أحسن والسعى إلى الشباب دون تردد ولا ملل، فى هذا الجو المبلد، كشفت عن صدر الشائعات واستيقنت من ذلك تماما .

ورأيت أن الأمر يحتاج إلى عدم الاعلان عنه واخفاء خصومته حتى لا يترتب على ذلك فتنة أكبر0 وإيمانا. منى أن كل هذا لن يقف أمام فيضان الدعوة التى كتب الله لها الخلود .


الحق يدفع الباطل

تعلمت من مذكرات الإمام البنا أن الحق هو الذى يطرد الفساد، ولا ينبغى للفساد أن يطرد الحق والخير.

فكان لزاما أن لا أخضع لهذه الشائعات الباطلة، وكان لزاما أيضاً أن أدفع بالدعوة قدما، فالعمل والحركة يقتل الفتنة ويعطى للمؤمنين شحنة تثبتهم وتقوى من أزرهم، توجهت إلى الله تعالى أن يلهمنى الوسيلة الناجحة، وأخذت بمشورة الأخوة الذين معى حيث أشاروا أن نتخذ من أحد المساجد الأهلية مركزا للقائنا ومحاضراتنا، واشنرح صدرى لهذا الرأى، واتخذنا من مسجد (الادفينى برشيد) وهو مسجد أهلى مركزا للتوجيه، ودعونا عمن الاسكندرية خطيبا لكل جمعة وبدأ جمهور المسلمين يتزاحم على المسجد حتى لم يبق به متسع لقدم.. وكنت أحيانا أعلق على الخطبة .

واتسع النشاط بحيث دعونا الأخ الدكتور. على جريشة والشيخ محمود عيد والأستاذ مختار عبد العليم لالقاء بعض خطب الجمعة فى مساجد وزارة الأوقاف أيضا ولقد ترتب على ذلك بعض المشاكل حيث عارض فى ذلك فضيلة مقتش المساجد، ووقع جزاءات على أئمة هذه المساجد، لكونهم سمحوا للإخوان بخطبة الجمعة فى مساجدهم وهذا مخالف لتعليمات الوزارة .

وبرز فى الميدان شخصية أخرى وهى شخصية عالم من علماء الأزهر مسئول عن إدارة مساجد رشيد، بدأ هذا الرجل يكشف عن عداوته لدعوة الإخوان . فقد أصدر تعليماته بعدم تواجد شباب الإخوان بالمساجد، وأغلق دوننا حتى تنظيم دراسات لطلاب الاعدادى والثانوى.

وتوجه بعض الطلاب إليه فى مكتبه يطلبون منه أن يحتضن الشباب ويقوم بعمل دراسات أسلامية لهم أو تكليف بعض الآئمة فى المساجد لاعداد دروس فى السيرة النبوية أو الفقه ولكن فضيلة الشيخ صدهم صدا غير جميل، وقال لهم كلاما يدمى القلب ويملأه حسرة على عالم يصد عن سبيل الله !!

تأميم مسجد الأدفينى

وكان مسجد الادفينى هو المتنفس الوحيد لنا فى رشيد، وذات يوم من أيام الجمع فوجئنا بالشيخ يصعد المنبر ويخطب الجمعة، ويعلن فى سرور وفخر أنه سعى لدى وزارة الأوقاف حتى وافقوا على ضم هذا المسجد (الادفينى) إلى الوزارة، وبهذا سوف يقوم بخطبة الجمعة أمام المسجد المعين من الأوقاف 0

وبهذا الأسلوب من صاحب الفضيلة عاد المسجد إلى صورة مساجد وزارة الأوقاف فلم يواظب الإمام على خطبة الجمعة ولدروس، وعاد المسجد إلى الفراغ والإهمال .


إلى الرحلات والزيارات

وخرجنا من حدود رشيد إلى التفكير فى السياحة، فقررنا عمل رحلات وزيارات لإخواننا بديروط ومطوبس وإلى الأخوة فى دمنهور، واستطعنا بذلك أن نعيش بالدعوة ونوسع نطاق حركتها ونجد مجالا آخر نتنفس فيه، وقام المصلون فى مسجد المعلق بدعوتنا لزيارتهم والتحدث إليهم فى دروس بعد المغرب يوما فى الأسبوع فوافقنا على ذلك واستمر اللقاء يثمر ويزداد عدد الرواد، حتى فوجئنا ذات يوم بزيارة الشيخ للمسجد، ورغم أننا قمنا بواجب الاحترام لشخصه لعل الله يشرح صدره، إلا أن الشيخ أبى وأستكبر وتسببب لنا فى مشكلة جديدة، أغلقت دوننا هذا للقاء أيضاً.

وهكذا لم يبق أمامنا فى رشيد لا أن نفكر فى مخرج آخر. فلابد من العمل ولابد من الحركة، فيسجعل الله بعد عسرا يسرا .


الاشتراك فى نادى مدينة رشيد

وتلاشت الشائعات بعد حركة الخطب فى المساجد، ولكن لابد من التفكير للمسقبل لابد من الاحتياط لما هو آت، منزلى أصبح مكانا لا يؤمه إلا الذين وقر الإيمانم فى قلوبهم فهم لا يأبهون بالشائعات ولا يخافون فى الله لومة لائم، ولكنى أطمع فى هذا الجيل الجديد وأريد مجالا مفتوحا يؤمه الناس وهم آمنون مطمئنون فالدعوة ليست وقفا علينا وحدنا .

ومن واجب الداعية أن يهيئ للناس جوا مطمئنا، وفى هذا الجو الذى أحاط بنا من كل جانب، أشار بعض الأخوة إلى فكرة جديدة تخرجنا من هذا الموقف وتتمثل الفكرة فى أن نتقدم كأعضاء مشتركين فى النادى0

ونادى مدينة رشيد هو المكان الوحيد الذى يعبر عن صورة المدينة وقد بنى حديثا على أن يملأ فراغ الشباب الثقافى والفنى والرياضى تحت اشراف وزارة الشباب، وقد استحسن الأخوة الفكرة، وذهبنا وملأنا استمارات العضوية، وأصبحنا أعضاء مشتركين فى نادى رشيد .

ونقلنا مركز اللقاء إلى النادى، وأصبح لنا هناك لقاء أسبوعيا موسعا يلتقى فيه الاخوة على مائدة واحدة وعلى مرأى ومسمع من الجميع، وبدأ بعض شباب النادى ينضم إلى المحاضرات ويسمع منا ويتشجع، وبدأت ادارة النادى تفتح لنا صدرها وتتعاون معنا على النهوض بالثقافة الإسلامية .

وجاءت فرصة ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم فطلبوا منا أن نتولى الاحتفال فقمنا ولأول مرة بدعوة بعض دعاة الإخوان المسلمين وحضر الحفل بعض الإخوة من دمنهور ومطوبس وادكو والمحمودية و الاسكندرية .

ونجح الحفل من كل الوجوه تنظيميا وفكرا، وكان الحفل الأول من نوعه فى نادى رشيد .

وجاء عيد الأضحى المبارك فاقترحنا على النادى أن يقوم الأخوة بعمل يوم ترفيهى فى النادى، وفعلا قام الإخوة بدعوة بعض الشباب فاستعرضوا بعض الألعاب المسلية وبعض النكت المهذبة، ومسابقة فى الشعر والزجل وما إلى ذلك، وعجب الناس كيف أن شباب الإسلام يدخلون فى هذا المضمار فقد كانوا يظنون أنهم أبعد الناس عنهم وأن شباب الإسلام متزمت متعجرف مترهبن. وزلقد سبق أن كون الإخوان فرقة تمثيل على مستوى عال، مثلت على أكبر مسارح القاهرة و الاسكندرية حضرها الأستاذ المرشد العام حسن البنا واذاعتها محطة الاذاعة المصرية وأشرف على تكوين هذه الفرقة الأستاذ عبد الرحمن الساعاتى شقيق الأستاذ البنا ، وقد نجحت نجاحا عظيما وأبرزت على المسرح عظمة الدعوة الإسلامية.

النفوس المريضة

فى كل مجتمع ترى بعض النفوس الشاذة، تلك التى تخاف أن يظهر النور فينكشف الضلال، وهناك فى النادى فئة وللأسف من المثقفين لا هم لهم إلا لعب الطاولة حتى فترة متأخرة من الليل وعلى مدى سنوات متوالية وهم على هذا الحال، ورغم أننا لا نتعرض لهم حتى ولو بالتلميح أملا منا أن الأيام كفيلة بأن تجذبهم إلى الحق والخير.

وتقدم أحد إخواننا إلى جامعةم الكويت كلية العلوم بطلب منحة، ووتافقت الجامعة وتحدد يوم لسفره، فكان من الواجب أن نقيم له حفل توديع بالنادى، وأعددنا المكان وحددنا الزمان، وأعددنا له هدية يقدمها له سكرتير نادى رشيد .

وفى المساء أنتظم الحفل وبدأنا فى القاء الكلمات وفجأة انقطع التيار الكهربائى وأظلم المكان، فانتقل الحفل كله إلى مكان فى نفس النادى ولكن تحت لمبات كهربائية لم تنطفئ، وهذا دليل على أن التيار موجود بالنادى0

وانتقلنا وبدأنا نستأنف الكلمات وسرعان ما انطفأت هذه اللمبات أيضاً وأصبح المكان كله ظلام .

فأرسلنا أحد الإخوة واحضر لنا كمية من الشمع حتى لا يفشل الحفل وفعلا أقيم الحفل على الشموع، ويعلم الله أنها كانت رائعة ومؤثرة جدا، وهكذا تغلبنا على العقبات مهما بلغت بحكمة وصبر واصرار .

ولم يكن يخطر ببالنا اطلاقا أنها عملية مدبرة من أصحاب النفوس المريضة، أنهم يظنون أن مثل هذه الأعمال الصبيانية سوف تدفع بنا إلى أن نترك لهم النادى؟

أنها نفوس لا تعيش إلا فى الأوحال والضلال أنها لا تريد أن ترى هذه السورة المشرقة والايدى المتوضئة، فتشعر بالخجل والضعف والاحتقار، ورغم أننا عرفناهم فيما بعد إلا أننا كعادتنا أخفينا خصومتهم لنا عسى الله أنيفتح بيننا وبينهم بالحق .

وظلت السفينة تسير بعون الله تعالى وها نحن قد ألتزمنا بالعرف السائد وأصبحنا نعمل فى النادى أمام الناس جميعا ومن خلال مؤسسة رسمية وقانونية .


الدعوة حركة

وكان على المجموعة المؤمنة التى انضمت إلى نادى مدينة رشيد، أن تؤدى رسالتها الاسلامية من واقع ايمانها بالعمل الجاد المخلص.

وذات يوم كان أحد الإخوة المدرسين مكلفا من قبل الدولة بعملية التعداد السكانى العام، وكانت منطقة السكان بحى قبلى رشيد من اختصاصه، وفى لقائنا اليومى بالنادى قص علينا ما شاهده من مناظر البؤس والفقر والشقاء فى بيوت أهالى هذا الحى.. ووصف كيف أنه شاهد أسرة مكونة من ستة أفراد يعيشون فى غرفة واحدة وتقع هذه الحجرة فى مواجهة شارع تنبعث منه رائحة الطين المتعفن المتخلف من المياه القذرة التى يلقيها السكان فى الشارع حيث لا توجد مجارى. وأخذ يقص علينا كيف أنه رأى السيدات العجائز وقد افترشن على الأرض الأجولة وتغطين بالبطاطين المهلهلة والثباب الممزقة ولا عائل لهن ولا معين. وذكر كيف أن بعض الناس قد ادخلوا بعض المقابر فى حدود مساكنهم واتخذوها أسرة ينامون عليها. واستمر يروى لنا بعض هذه المآسى التى تدمى القلوب .. والناس فى رشيد من حولهم لا يهمهم إلا أنفسهم وهم فى غفلة سادرين .

وكان لزاما على من سمع هذا الحديث أن يتحرك قلبه حزنا وأسى. فالمسلم يتذوق دائما القبح والجمال يتأثر بالخير والشر، وفى حس المسلم أن الحركة تنتج الحركة، فاقترح الأخوة ولاسيما أن العيد على الأبواب، أن تقوم لجنة الخدمات بالنادى بتقديم المساعدات لهؤلاء الأخوة الفقراء .

وفى الحال وجه النادى نداء فى صورة منشور مطبوع للأهالى يهيب بهم أنيقدموا ما عندهم من ملابس وأغطية وأحذية، فاستجاب أهالى رشيد استجابة مشكورة وزادوا على ذلك بتقديم تبرعات مالية ساعدت اللجنة على شراء كمية من الملابس الجديدة، وقد رأت اللجنة أن يقتصر توزيع هذه الهدايا على حى واحد فقط حتى تعم الفائدة. وقام الأخوة بجهد مشكور فى تنظيم عملية التوزيع حتى لا يحرم أحد، لقد كان عندهم احصاء دقيق بأسماء كل أسرة ونوعيتها وسن أفرادها، فقاموا بتجهيز احتياجات كل أسيرة على حدة ووضعوها فى لفافة وكتبوا عليها الاسم والعنوان، وحين نظموا هذه العملية على الوجه الأأكمل كانوا قد اعدوا حوالى ثمانين لفافة وزعوها على ثمانين أسرة.

وفى مساء يوم وقفة عيد الأضحى المبارك فوجئ أهالى حى قبلى رشيد بمجموعة من الشباب يقومون بتوزيع هذه الهدايا عليهم فى هدوء وبسرعة فلم يغادروا منزلا حتى علا البشر وجوههم، ووجد كل رجل وكل امرأة وكل طفل ما كان فى حاجة إليه .

وأشرقت شمس العيد على الناس بفرحة وسعادة وخماصة الأطفال الذين بدت عليهم علامات الفرح والبهجة0

وكانت مبادرة طيبة اثلجت صدور الشباب وأشعرتهم بأن عليهم واجبات ضخمة نحو المسلمين وأعطتهم درساً فى كيفية الاستفادة بالوقت والطاقات المبددة وأعانت على فعل الخير والمعروف للفقراء 0


ضرب الشائعات

وجاء الوقت المناسب لضرب الشائعات بعد صبر وأناة ومعاناة، وكان هذا فى خاطرى أخطر أنواع الجهاد ، فالصبر، فالصبر الجميل مع معرفة الهدف والغاية ومع العمل لتحقيقها هو أعظم ما تصنعه الدعوة من فقه فى سياسة الدعوة والداعية (فإن منجزات هذا الدين هو تكوين شخصية المسلم ) .

جاء شهر رمضان المبارك وتقدمت إدارة النادى تطلب منا، الاحتفال بذكرى غزوة بدر وفتح مكة، وتدارسنا معهم أهم عناصر الحفل وهم الخطباء، فالنادى يحرص على أن يكون الخطباء غير معروفى وهم الخطباء، فالنادى يحرص على أن يكون الخطباء غير معروفى الانتماء إلى الإخوان أو على الاقل من الذين لا يثيرون المشاكل، وكنا نحن أحرص منهم على ذلك، وكنت أنا شخصيا أنبه كل خطيب إلى هذا المنهج وهذا السلوك، وكنت أيضا فى هذه الظروف لا أفضل هتافات الإخوان المسلمين فى مكان يعتبر مؤسسة حكومية، وكنت على بينه من بيئة رشيد وظروفها.

فعرضنا بعض أسماء الخطباء الذين يمكن دعوتهم من خارج رشيد، وأخيرا اتفق على دعوة الدكتور السيد على السيد وكيل مجلس الشعب ، وبالطبع فإن له صفة رسمية وله صلة ب الإخوان المسلمين ، واتفق أيضا على دعوة الدكتور على جريشة وقد سمع الناس عنه كثيرا ووافق الاثنان على الحضور، واستقبلا أحسن استقبال، ونجح الحفل نجاحا كبيرا والحمد لله .

ودارت الشائعات فى رشيد مدارا جديدا – فلم يعد الناس يقولون أن الأخ عباس مراقب وأن منزله مراقب وأن تليفونه مراقب، وما إلى ذلك .

ولنطفأت فتنة الشائعات إلى غير رجعة بأسلوب التى هى أحسن وبقى لنا الحق والخير أن مع العسر يسرا

لم يكن يخطر ببالى أن نتائج الحفل الذى أقيم بالنادى وحضره الدكتوران السيد على السيد وعلى جريشة سيكون له أبعاد ونتائج أبعد مما كنت أطمع فيه ففى نفس اليوم راعنى أن عددا من الناس يتقدمون بطلبات وشكاوى للدكتور السيد على السيد ، كذا تجمهر الناس حوله وقام بزيارة مسجد سعد زغلول وهو أكبر مسجد فى رشيد (360عمود) وطلبوا منه مساعدتهم فى تعميره، كذا تقدم بعض الناس فى التعرف على الدكتور على جريشة وتحسسوا عنده بعض الخدمات .

ولم يغادر الدكتور السيد على رشيد ، حتى برزت فى مجالات الدعوة صورة جديدة من العمل المفيد، فقد بدأت تنهال الطلبات الشخصية والمصالح الفردية والخدمات فكان من واجبى أن أعاون فى أدائها بالاتصال بكل من أعرفه من الإخوان فى المصالح والشركات، وما غير ذلك حتى فى البلاد العربية، واتسع نطاق الخدمات بصورة لم تتوقف إلى الان.

نصيحة وتحذير

وبدا الاخوة يتحدثون معى بشأن أصحاب المصالح والخدمات فيقولون لماذا تجهد نفسك فى سبيل أناس مثل هؤلاء، أنعم لا يأتوننا إلا لمصالحهم الشخصية والمنافع الذاتية وهم يعيدون عن الدعوة ولا شأن لهم بها، وبعضهم من الذين كانوا يحاربون الدعوةوالدعاة، وهم عبد أن يحققوا أغراضهم سوف لا تراهم ولا تسمع لهم ركزا .

وكنت أقول أن من واجب الداعية أن يقدم الخير للناس كل الناس والله تعالى ينادينا ( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) ونحن نصنع المعروف مع غير المسلمين (وأن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) فكيف بالمسلم الذى يقصدك إيمانا منه بمروءتك وصدقك ووفائك، ولقد سبق أن المشركين كانوا يودعون أماناتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ينكرون عليه دعوته ويجاهرونه بالعداء ومع كل هذا لم يمتنع عن مساعدتهم فلعل الله تعالى يحدث بعد ذلك أمرا – فيفتح بيننا وبينهم بالحق ويؤلف قلوبهم ويشرح صدورهم (وما يدريك لعله يزكى).

ورسول الله صلى الله عليه وسلم – جعل قضاء حاجات الناس من أعظم الوسائل التى تقربهم من فهم الدعوة بأساليب عملية صادقة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يضع أيدينا على أسلوب جذب القلوب بوسائل نابعة من اخلاص الداعية.. عن أبى ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا ليس من نفس ابن آدم عليها صدقة فى كل يوم طلعت عليه الشمس، قيل يا رسول الله ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟ قال : أن أبواب الجنة لكثيرة – تالتسبيح والتكبير والتحميد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم، وتهدى الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ساعديك مع الضعيف فهذا كله صدقة منك على نفسك.

وقد بعث الحسن البصرى قوما من أصحابه فى قضاء حاجة لرجل فقال لهم – مروا بثابت البنانى فخذوه معكم، فأتوا ثابتا فقال أنا معتكف، فرجعوا إلى الحسن فأخبروه فقال – قولوا له يا أعمش أما تعلم أن مشيك فى حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة – فرجعوا إلى ثابت اعتكافة وذهب معهم0


حفل شاى بجمعية الشبان المسلمين ب الاسكندرية

وبدأ العام الدراسى الجديد، وسيعود الاخوة الطلاب إلى الاسكندرية لمواصلة الدراسة بالجامعة، وقد أحسست أنهم قد تركوا فراغا كبيرا فى حركة الدعوة فى رشيد كما كنت أرغب فى أن أقوم بعملية ربط بينهم وبين طلاب الجامعة حتى يغذى بعضهم بعضا بروح الدعوة الإسلامية، وحتى تظل روح الدعوة حية فى نفوسهم أينما ذهبوا فلا تخبوا ويكونوا نواة طيبة للدعوة الإسلامية فى الجامعة .

وحدث أن الأخ المهندس حلمى حتحوت المعبد بكلية الهندسة وكذا الأخ الأستاذ عبد المنعم عبد الرؤوف عرفات المدرس بالثانوى قد حصلا على الماجستير وكلاهما من صفوة الإخوان .

لهذا فقد فكرنا فى إقامة حفل شاى كبير يضم الإخوة طلاب رشيد وبعض طلاب الكليات مع الأخوين حلمى حتحوت و عبد المنعم عرفات ، تكريما لهم وفرصة للتعارف بينهم .

وفى صالة مكتبة جمعية الشبان المسلمين بالشاطبى ب الاسكندرية أعدت موائد لحفل الشاى يتسع لمائة، وفى الموعد المحدد امتلآت الصالة بالمدعوين. فى مقدمتهم الاساتذة الدكتور أحمد السيد درويش رئيس جمعية الشبان المسلمين ب الاسكندرية والأستاذ محمود محمد عبد الحليم والأستاذ مختار عبد العليم والدكتور عمر الجارم والأستاذ حسن شهاب شاعر رشيد وكلاهما القى قصيدة تحيى روح الشباب وتحثه على الاستمساك بالعقيدة الاسلامية كما تشيد بأمجاد مدينة رشيد، وتحدث فضيلة الشيخ محمود عيد حديثا حماسيا وكذا الأستاذ مختار عبد العليم المحامى الذى تحدث للشباب عن الدعوة وقدم الأخ صلاح الجعفراوى كلمة شباب الإسلام برشيد وكذا الأخ عباس السيسى ثم كانت كلمة الختام للدكتور أحمد السيد درويش الذى كان كريما وموفقا فرحب ب الإخوان وتحدث عن دعوتهم وجهادهم، وانتهى الحفل بنجاح وتوفيق وبقيت آثاره الطيبة تشحذ الهمم وتدفع بالدعوة إلى الأمام.

محنة المرض ومنحة اللقاء

وشاء الله تعالى أن احتاج إلى حقنة فى العضل.. ترتب عليها خراج داخلى متشعب واضطررت لدخول المستشفى الأميرى العام ب الاسكندرية ، وقام الأخ الدكتور سعيد عبيد بعملية فتح الخراج الذى ترتب عليه بقائى فى المستشفى ما يقرب من شهر، وتوالت الزيارات يوميا فى مواعيد الزيارة الرسمية وغير الرسمية،ت ورأيت الأخوة من رشيد ومن الجيل الجديد يتوافدون للزيارة فى عاطفة عذبة رقيقة أعباء السفر من رشيد رغبة فى الوفاء للحب الذى أفعم هذه القلوب، يجلسون إلى جوارى فى عاطفة صادقة ادرك من نظراتهم معنى السعادة وحلاوة الحب.

يجلس أحدهم إلى جوارى ليقول لى أرجو أن تسامحنى فيما قد يكون بلغك من أمرى، فلقد كنت لا أعرب حقيقة الدعوة، كنت نهبا لكل ما كان يقال فى رشيد من شائعات !

فأقول له لقد كنت أعرف كل ما يقال وما تقول أنت شخصيا وكنت أقابلك أكثر من مرة فهل لاحظت على تغييرا فى سلوكى معك؟ فيقول والله لقد كان هذا السلوك منك يدهشنى ويحيرنى فكنت أعتقد أنك لا تدرى شيئا عما قد حدث منى. فأقول له : يا أخى أن الأصل فى الحب أننا نسعى بالحب إلى الناس، فإذا كرهناهم أن تسببنا فى أن يكرهونا فكيف يكون السبيل إلى قلوبهم بعد ذلك؟

كان مرضى مؤلما جدا فقد كانت فترة الغيار تصل إلى نصف ساعة وكان طول الفتيل ستة أمتار وكنت أخرج من حجرة الغيار فاقد الوعى والحركة، ومع هذا الألم الشديد والعذاب، فإنى أحتسبها عند الله تعالى الذى أختارها لتكون فرصة أدرك من خلالها قيمة ما وصلت إليه الدعوة فى رشيد، لقد كانت محنة أعقبتها منحة من الله تعالى ( حين رأيت) فى رشيد دعوة وانصارا، وبهذه المشاعر الطيبة تلاشى أثر المرض وبدل الله الأحزان والآلام إلى سعادة وانشراح .

مسجد أبى بكر الصديق

وفى طريقى إلى منزلى لاحظت وجود قطعة أرض على هيئة مثلث أمام مستشفى رشيد المركزى، وخطر ببالى لو يقام على هذه الأرض مسجد فإن موقعها رائع، وبحثنا المشروع مع الأخوة وثبت لنا أن هذه الأرض من أملاك السكة الحديد واتصلنا بالسكة الحديد عن طريق من نعرف من الرجال الصالحين، ثم تسليمها إلى جمعية المحافظة على القرآن الكريم ليقام عليها ( مسجد أبى بكر الصديق رضى الله عنه ) ولا يزال المشروع فى انتظار أن يتحقق لنا أمل آخر وهو رفع شريط السكة الحديد الملاصق لأرض المسجد، حتى يتسع المكان لمشروع مسجد وصالة محاضرات ومكتبة إسلامية على الأرض التى مساحتها 650مترا والله الموفق والمستعان0


العواطف والمشاعر

لقد بدأت مرحلة جديدة تشق طريقها فى رفق ولين لقد أحس الأخوة شعوراً جديدا وحياة جديدة، لقد انطلقت العواطف المكبوتة تعبر عن نفسها فى صورة هذا التلهف على اللقاء وهذا والسهر فى جلسات طويلة، لا أحد يفكر فى الذهاب إلى بيته والاطمئنان، الشعور الذي يربط بين القلوب قد وثقها الحب والإيمان، النظرات التى كانت معتمة بدأت تضىء وتلمع بالمعانى الرقيقة، العبارات التى كانت تتردى فى الوحل والطين بدأت تتطهر وتنتقى الفاظها فى باقة من الورد، الجلسات التى كانت تدور فى القيل والقال وضياع الوقت فى مالا يفيد صارت جلسات للعلم والفقه والعمل والأمل .

لقد ولد الشباب من جديد، عرف ربه فعرف غايته وادرك سر وجوده، فتغيرت الصورة والتصور وبدأت رحلة جديدة اكتشف بها نفسه فأراد أن يعوض ما فات ويلحق بما آت (وربك يخلق ما يشاء ويختار).

لقد تفتحت القلوب على عواطف حية ندية وبدأت الأرواح تتجانس وتتعانق وبدأت الأشواق تهفو وتزداد … لقد استيقظت فى النفوس كوامن الحق والخير وتسامت الأمال والأعمال، وتعانقت القلوب والضمائر على دعوة ومنهج ورسالة .


انتخابات مجلس إدارة نادى نادى رشيد

وأعلن نادى رشيد عن إجراء انتخابات لمجلس الإدارة، وبدأ دورنا يظهر فى هذه الانتخابات، حيث أن مجموعتنا هى أكبر مجموعة على قلب رجل واحد فى الجمعية العمومية، وتقدم بعضنا لعضوية مجلس الإدارة، وبعد أن أغلق باب الترشيح، أكتشفنا أول خدعة جاهلية من الأعضاء السابقين، ذلك أنه بعد اغلاق باب الترشيح قيل لنا أن قانون الجمعيات لا يسمح بترشيح أى عضو لمجلس الإدارة إلا إذا مضى عليه عامان وهو مشترك فى النادى، والذين تقدموا لعضوية مجلس الإدارة مضى عليهم حوالى عام فقط وبهذا يسقط حقهم فى الترشيح؟

فقلنا لهم ولماذا لم تخطرونا بهذا القرار أثناء التقدم وقبل غلق باب الترشيح حتى يمكننا ترشيح غيرهم ممن ينطبق عليهم هذا القرار ؟

ولكنهم كانوا يبيتون هذه النية من قبل ليحولوا دون تعطيم مجلس الإدارة بالعناصر الإسلامية التى توهموا أنها سوف تعزلهم عن مراكزهم0.

وحاولنا معهم بكل الوسائل أن يعيدوا فتح باب الترشيح من جديد ولكنهم قرروا بالإجماع أن القانون صريح فى عدم إمكانية فتح باب الترشيح من جديد .

وجاء يوم الانتخابات وحضرت من دمنهور لجنة من مديرية الشباب، وبدأت الجلسة صاخبة وكاد المجلس أن ينتهى بالفشل دون إجراء الانتخابات .

وسأل أحد الإخوة مندوبى مديرية الشباب بعد أن شرح لهم ما حدث من إدارة النادى بشأن الخداع فى عملية الترشيح لمجلس الإدارة، فسأن هل من الممكن اعادة الاعلان عن الترشيح من جديد على ضوء المعلومات الجديدة والتى كانت خافية على الأعضاء من قبل ؟

وكانت المفاجأة الخطيرة، أن أجابوا جميعا بأن القانون يسمح بذلك طالما أنمه لم يبين ذلك بوضوح لكل الأعضاء، وضجت الصالة لأول مرة بالهتافات (الله أكبر ولله الحمد) وسقط فى أيدى المدبرين، وانتصر الحق علىالباطل.

وأعيدت الانتخابات بعد شهر ونجحت القائمة التى رشحناها والحمد لله رب العالمين.

وبرزت شخصية الدعوة الإسلامية فى نادى رشيد بل نجح التخطيط والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة وأصبحت الحرية المتاحة والقانون عامل مؤثر فى خدمة الدعوة على الإخلاص والصواب.


رحلات الجماعات الإسلامية

تعتبر رشيد أكثر بلاد محافظة البحيرة استقبالا للرحلات السياحية حيث أنها تقع على ضفة نهر النيل وشاطء البحر المتوسط وبها متحف وكذا أماكن أثرية إسلامية وموقع سياحى جميل يسمى (أو مندور) ومصيف رشيد، وكثرا ما تقوم بالزيارات وفود الجماعات الإسلامية بالجامعة وينتهز الإخوان فى رشيد فرصة هذه الزيارات للتعرف بأشخاصها حيث كانوا يتسقبلونهم ويعدون لهم برامج الرحلة ويزاملونهم.

وكانت صورة شباب الجماعات الإسلامية مشرفة وملفتة للأنظار، فصبغت الجو فى رشيد صبغة إسلامية شجعت الناس على الرضا والاطمئنان وافادتنا على شيوع قيم الإسلام وتقاليده بين الشباب والاقتداء بهم، وكانت زيارات الفتيات المسلمات وهن يرتدون الزى الاسلامى أكثر إثارة حيث كن يأتين إلى رشيد فى جماعات كبيرة ملفتة للأنظار .

وكانت رحلات الأطفال وهى ما يسمى بمدارس الجمعة والتى جعلت مراكز تواجدها فى مساجد الاسكندرية ، كانت زيارات الأطفال إلى رشيد واستعراضها فى الشوارع وعمل حلقات فى الحدائق يلقون فيها الاناشيد الإسلامية مثل طلع البدر علينا، وأناشيد الصلاة، ثم القيام بعمل تمثليات صغيرة تهدف إلى التوعية الإسلامية، كان لهذه الرحلات أعظم الأثر فى إحياء روح الدعوة الإسلامية وتشجيع الأهالى على دفع أولادهم للذهاب إلى المسجد .

فتنة جماعة التكفير والهجرة

وبينما الدعوة تشق طريقها وتواصل سيرها، بعد أن بددت الشائعات وازالت كثير من العقبات، بينما بدأت النفوس تستقر إذا بحادث خطف الشيخ محمد حسين الذهبى قد فجر الماضى الاسيف وأثار من جديد الخوف والتردد فى بعض النفوس وبدأت الصحافة تشارك فى إثارة الفتنة والايحاء بخطورة التطرف الدينى، وبدأت صور الشباب الملتحقى تتصدر الصحف بتهكم وازدراء، وبدأت الإذاعة فى تشويه السلوك الإسلامى وكذا بدأ أولياء الأمور يحذرون أبناءهم من الذهاب إلى المساجد ويأمرونهم بحلق لحاهم والبعد عن التجمعات الإسلامية.

وقد نسيت وسائل الإعلام والصحافة أنها منذ أيام كانت تندد بشدة بعهد عبد الناصر الذى كبت الحريات وعذب شباب الإخوان المسلمين ، فضلا عن اعتراضهم بأن هذه الأحداث كانت ملفقة ومدبرة، كما كشفت التحقيقات ذلك بصراحة ووضح كما كتب فى ذلك بكل وضوح الأستاذ مصطفى أمين فى جريدة أخبار اليوم يحذر من التمادى فى اتهام الجماعات الإسلامية ويذكر بما حدث للإخوان المسلمين من اتهامات ثبت بطلانها.

ولقد قام شباب الجماعات الإسلامية وبخاصة فى جامعة الاسكندرية بمسيرة إسلامية منظمة وعظيمة يستنكر حادث اغتيال الشيخ الذهبى ويشجب استعمال العنف فى الدعوة إلى الله تعالى، ويحذر اعداء الإسلام فى كل وسائل الاعلام من استغلال هذا الحادث ضد الفكر والسلوك الاسلامى الصحيح.

وبقدر ما أثارت فتنة جماعة التكفير والهجرة من مشاكل وجددت من إشاعات، بقدر ما أعطتنا الفرصة لتوضيح حقيقة تفكير جماعة التكفير والهجرة، كما أتاحت لنا الفرصة لشرح الفكر الإسلامى الصحيح على ضوء ما جاء فى الكتاب والسنة، وعلى ضوء معايشتنا لهذا الفكر حيث بدأ معنا داخل السجون والمعتقلات على أثر أهوال القتل والتعذيب بما خلق من مشاعر البغض الشديد والمقت للحكام واذنابهم فى هذا العهد، بما ترك فى نفوس الشباب بأنهم ليسوا من الإسلام فى شىء بل أنهم متآمرون على نسف الإسلام ودعاة الإسلام من الوجود.

وكانت فتنة التكفير والهجرة فرصة للتوسع فى شرح عقيدة جماعة الإخوان المسلمين على ضوء ما جاء فى رسالة (العقائد) وسالة (التعاليم) وشرح منهج الإخوان فى الدعوة والحركة من رسالة (المؤتمر الخامس) للإمام حسن البنا ، وكذا كانت فرصة لشرح أهداف ومخططات أعداء الإسلام فى الداخل والخارج.

وكانت رسالة (دعاة لا قضاة) للإمام حسن الهضيبى المرشد العام للإخوان المسلمين قد صدرت فى نفس الوقت فأفادتنا فى توضيح القضية حيث أنها كانت قد وضعت فى الأصل للرد على تفكير جماعة التكفير .

وكان أهم ما توسعت فى الحديث فيه هو أن رسالة المسلم فى هذا المجتمع ليس هو الحكم على الناس، فليست هذه مهمتنا ولسنا فضلا عن ذلك مؤهلين للحكم فيها. ولكننا نعتقد أن مهمتنا هى تعريف الناس بالإسلام الصحيح، وأن التجربة قد أفادت أن المسلم حين يتعرف على الإسلام الصحيح فإنه سرعان ما يكون مع الحق، وأن التقصير يسند فى الأصل إلى تقاعس الدعاة وعدم معرفتهم بالوسائل الناجعة للدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة.

ولقد كان لثبات شباب الدعوة الإسلامية أمام أحداث الفنية العسكرية وجماعة التكفير والهجرة أثره الطيب فى تفويت أغراض أعداء الدعوة الإسلامية .

كما أن هذه الأحداث فتحت عيونهم وأفهامهم على ما يحاك ضد الإسلام وأيضاً على المنهج الحركى الواعى المدروس الذى لا يقع فى الشراك التى توضع لهم فى الطريق حتى تعوقهم عن بلوغ غايتهم وآمالهم الإسلامية .

لا هجرة بعد الفتح

وفى جو فتنة التكفير والهجرة، نرى أنه من واجبنا كدعاةت أن نبين للشباب الغيور على دينه تهافت الدعوة إلى الهجرة الجماعية التى قامت على حكم فاسد بتكفير مجتمعات المسلمين ولا حل إزاء أوضاعها الجاهلية غير الهجرة والانفصال عن هذه المجتمعات ومقاطعة المساجد والمدارس والمعاهد وترك الوظائف فى الحكومة والشركات !! نقول :

كانت الهجرة إلى المدينة فرضا قبل فتح مكة، وكان من لم يهاجر من المؤمنين، لا ولاية بينه وبين أخوانه من المهاجرين والانصار، وكان ذلك حتى يتجمع المسلمون فى المدينة ليكونوا قوة تأخذ على أيدى أعدائهم، وتمكن لدينهم بين الناس فلا يصدهم عنه طاغية أو مستعل فى الأرض.

هذه الهجرة قد فرضت على المؤمنين فرضا، وأكرهتهم ظروف مختلفة على ترك ديارهم وأموالهم وأهليتهم، وهم مع هذا كانوا فرحين بها مستبشرين لأنهم ينصرون الله ورسوله، ويجاهدون فى الله حق جهاده0

إن الجاهلية قد ناولت الدعوة الإسلامية مناوأة حاقدة باغية لا تعرف رحمة ولا عدل ومكث الرسول فى قومه ثلاث عشرة سنة يذكرهم ويدعوهم إلى الاسلام، وهم لا يزدادون إلا عتوا واستكبارا.. فكانت الهجرة أمرا لا مفر منه ولا سبيل إلا إليه حتى لا يستمر الشرك بصلفه وطغيانه وعناده، يضع الأشواك والعقبات فى طريق دعوة التوحيد.

وأثمرت الهجرة ثمراتها المباركة، فقامت فى المدينة أول دولة إسلامية حققت فى أمد وجيز أعمالا خالدة، كانت قمتها فتح مكة فى العام الثامن بعد الهجرة وتطهير البيت الحرام من الاوثان والاصنام.

وبعد فتح مكة ودخول الناس فى دين الله أفواجا، وبعد أن دالت دولة الشرك والبغى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا )) رواه مسلم.

وقد أخذ دعاة الهجرة ببعض الأقوال فى شرح هذا الحديث، تذهب إلى أن المراد بنفى الهجرة هو نفى الثواب العظيم الذى أعده الله للمهاجرين الأولين، فمن هاجر بعد الفتح فثوابه لن يكون كثواب هؤلاء المجاهدين السابقين، ومعنى هذا أن الهجرة الجماعية باقية إلى يوم القيامة، وأن النفى فى الحديث ليس منصبا على وقوع الهجرة بعد الفتح، ولكن على الثواب الذى يناله المهاجرون.

ولا نرى فيما ذهب إليه أصحاب هذا القول فى تأويل الحدجيث حجة تطمئن إليها النفس وينزل عند حكمها العقل، فظاهر الحديث واضح الدلالة فى نفى الهجرة بعد الفتح، وحمل هذا النفى على معنى خاص دون دليل قاطع لا يمكن التسليم به، ونود أولا أن نذكر أن الهجرة قبل الفتح كانت جماعية شملت المؤمنين كلهم، بحيث عد المؤمن الذى لم يهاجر خارجا عن المهاجرين فلا تربطه بهم روابط المؤاخاة والموالاة، وأن الهجرة كانت تحولا جماعيا من وطن إلى فرارا من الارهاب والاعنات، فهل تظل مثل هذه الهجرة الجماعية ويظل التحول الجماعى من وطن إلى وطن قائما بعد الهجرة وبعد أن أصبح للمسامين وفرة وشوكة ودولة ؟

قد يقولون أن الظروف التى أضطرت المسلمين قبل الهجرة قد تحققت فى عصرنا هذا، فأصبحت الهجرة فرضا على المسلمين .

ومثل هذا القول لا يقوله إلا من يريد أن يعطل فريضة الجهاد الماضية والصبر على تكاليف الجهاد والدعوة، فما قال الرسول الكريم هذا الحديث إلا لنفى كل الأسباب التى أدت إلى الهجرة قبل الفتح من الضعف واقلة وتحكم الطغاة .

إن هذا الحديث يرشد المسلمين إلى حقيقة يجب أن تكون ماثلة أمام كل مسلم حتى لا ينسى رسالته فى الحياة كداعية مجاهد، وحتى يكون دائمات صورة حية للإنسان الكريم العزيز، الذى يخوض غمرات الشدائد ذيادا عن كيانه ووجوده ودفعا لكل اثم أو ضيم يناله .

وهذه الحقيقة التى يرشد إليها الحديث هى أن المسلم لا يفرط فى وطنه ولا يستسلم لليأس والقنوط، وعليه أن يتخذ العدة التى تكفل له الحياة التى خلق من أجلها أمر بالحفاظ عليها والموت دونها، وهى حياة العزة والكرامة ((ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) .

إن الهجرة فرضتها ظروف معينة وقد ذهبت تلك الظروف بعد الفتح، فإذا تحققت بعد ذلك للأمة الإسلامية فباثم ما اجترحت أيديهم وما فرطوا فى أمر أنفسهم ودينهم، ذلك الدين الذى يدعو إلى القوة والخير فى كل مجالات الحياة حتى يكون دائماً للمسلمين منزلة القيادة التى أرادها الله لهم.

يقول الرسول الكريم : (( الجهاد ماض إلى يوم القيامة)، و الجهاد فى سبيل الله ما كان ماضياً إلى يوم القيامة إلا لدفع كل اعتداء تتعرض له الأمة الإسلامية وما نال هذه الأمة فى تاريخها القديم والحديث من ظلم واضطهاد حتى طردت من الأندلس بعد أن عاشت هناك نحو ثمانية قرون، وحتى طردت من فلسطين وقامت فيها دولة من اللصوص والعصابات تخطط فى حقد وكيد لقيام اسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، ما حدث كل هذا إلا لأن المسلمين نسوا أن دينهم دين قوة فى العقيدة والبدن والعدة والوحدة 0

إن الأمة الإسلامية صاحبة رسالة خالدة، ولن تستطيع حمل هذه الرسالة إلا إذا كانت قوية يخشى بأسها.. وكيف تسترد قوتها ومجدها وشبابها المؤمن قد أصيب بشرود الوجدان وزعزعة الفكر وبلبلة القيدة؟! وتروج بينه دعوات هروبية انساحبية ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه العذاب؟

أن الحديث الشريف حين ينفى الهجرة بعد الفتح فإنه ينفى كل الأسباب التى أدت إلى الهجرة قبله، ويشير إلى ما يجب أن تكون عليه الأمة الإسلامية من القوة والإعداد للجهاد، فى كل وقت حتى تفدع عن أرضها الغزاة، وحتى تكون علي أهبة الاستعداد للنفير وحمل السلاح إذا ما اعتدى على بلد مسلم (وإذا استنفرتم وأما ما بقى من أنواع الهجرة، فهى الهجرة الفردية أطلب العلم والتفقه فى لادين والفرار بالعقيدة من الأذى والاضطهاد.

فالهجرة من أجل العلم باقية ودائمة ولا يسوغ لعاقل القول بغير هاذ، لأن الاسلام دين العام والمعرفة والنظر والتدبر، حيث كان أول أمر فى الاسلام هو الأمر بالقراءة .

وأما الهجرة الفردية خوف الفتنة فى الدين فإن العلماء يقولون ببقائها، فلا جدال فى أن المسلم يرفض المهانة والذلة فى دينه ودنياه ويجود بكل ما يملك فداء لعقيدته وكرامته، ومن هناك فإنه لا يقبل أن يحيا بين قوم ينالون من حريته وقيامه بفرائض الصلاة والصيام والزكاة والحج .

إن الهجرة الباقية إلى يوم القيامة هى هجرة المساوئ والتوبة منها لا هجرة الأوطان والتخلى عنها، فقد روى مسلم فى كتاب ((الإمارة)) من صحيحة عن أبى عثمان النهدى أن مجاشع بن مسعود السلمى قال : جئت بأخى ((أبى معبد)) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((قد مضت الهجرة بأهلها)) قال مجاشع: فبأى شىء تبايعه؟ قال : على الاسلام و الجهاد والخير، قال أبو عثمان النهدى: فلقيت أبا معبد فأخبرته بقول مجاشع فقال : صدق0

وروى من حديث فضالة بن عبيد بن فاقد أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى حجة الوداع: (ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم؟ من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد؟ من جاهد نفسه فى طاعة الله، والمهاجر؟ من هجر الخطايا والذنوب)) – أورده الامام أحمد فى مسنده ج6 ص21 .

وعن أبى هند البجلى قال : كنا عند معاوية بن أبى سفيان وقد غمض عينه، أخذته سنة من النوم، فتذاكرنا الهجرة والقائل منا يقول قد انقطعت، والقائل منا يقول لم تنقطع، فانتبه معاوية، ما كنتم فيه فأخبرناه – وكان قليل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – فقال تذاكرنا الهجرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ((لا تنقطع الشمس من مغربها)) – الفتح الربانى ج20 ص296 .

إن الهجرة من مكة إلى المدينة قد انقطعت، ولا تعد سابقة للمسلمين فى هجرة أوطانهم إذا تعرضوا للاضطهاد، فالأولى لهم أن يصبروا على تكاليف الدعوة إلى هذا الدين والتذكير به والأولى بهم أن يستجيبوا لنداء ربهم ((يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)) ولا يلتفتوا لأى دعوة تشذ بفهمهم لهذا الدين والاستقامة عليه .

إن الهجرة فى وقت البعثة كانت لها ظروفها الخاصة التى لا يجب على الأمة الإسلامية بعد الفتح أن تتعرض لها، فقد مضى الرسول الكريم وقد سلم المسلمين أمانة دولة قوية الأركان متينة البنيان وواجب المسلمين هو السهر عليها والدفاع عنها عن طريق هجرة الضعف العقلى والعلمى والحربى، وهجرة الضعف الخلقى والنفى والجسدى.

التكبير والتهليل

وفكر الإخوة فى رشيد أن يحققوا سنة العيد فى التكبير والتهليل، فتواعدوا فى صلاة الفجر فى مسجد النور، وبعد الصلاة خرجوا فى صفوف ولم يكن عددهم أكثر من ثلاثين أخا وأخذوا يجولون شوارع المدينة وهم يهتفون الله أكبر الله أكبر .. لا إله إلا الله والله أكبر – الله أكبر ولله الحمد .. وكان لهذا أثره الكبير فى صحوة الناس ونشوتهم .. واعطت هذه المسيرة فرحة وشعوراً فياضا ببهجة العيد 00

وفى العام التالى خرجت هذه المسيرة من مسجد زاوية الباشا ولكن العددكان قد جاوز الثمانمائة وكان نصر الله عظيما وفتحه مبينا .


طلع البدر علينا

وفى صباح يوم الهجرة لعام 1398هـ خرجت من زاوية الباشا مسيرة من تلاميذ المدارس الاعدادية والابتدائية فى رشيد يتغنون بنشيد طلع البدر عتينا وقد ساروا فى شوارع المينة فاستقبلهم المسلمون أحسن استقبال، وكان ذلك اشعارا عظيما بمطلع العام الهجرى الجديد وفى نهاية المطاف وزعت على التلاميذ بمطلع العام الهجرى الجديد وفى نهاية المطاف وزعت على التلاميذ الهدايا والحلوى ورشح عشرة منهم لزيارة معالم الاسكندرية على نفقة الجمعية، وستبقى هذه المسيرة فى ضمير الفتية لن تنسى.


لا تغضب لا تغضب !!

أصدر اتحاد طلاب جامعة القاهرة رسالتهم الشهرية وعنوانها (اسلامنا) للامام الشهيد حسن البنا ، وانتهز الاخوان فى رشيد الفرصة وقاموا بتوزيع مجموعة منها (هدايا) فقام أحد التلاميذ بالقاء بعض الفقرات من هذه الرسالة باذاعة المدرسة فى فترة الصباح. وما كاد ينتهى حتى ثار عليه أحد المدرسين، ودخل أحد الفصول وهو غاضب وواجه التلاميذ قائلا – أنتم عارفين مين رئيس الاخوان فى رشيد!؟ فأجاب التلاميذ بأنه الحاج عباس السيسى . فقال لهم هل تعرفون أن عباس السيسى كان صول فى الجيش – وأنه حكم عليه بالسجن خمسة وعشرين عاماً!؟ ثم علق بما شاء من كلمات أخرى!! وبلغ حديثه هذا بعض زملائه من المدرسين من الاخوان فاصطدموا به فى مناقشات حادة انتهت فى مكتب الأستاذ ناظر المدرسة .

وفى المساء قابلنى الإخوة المدرسين وابلغونى هذا الخبر فى حدة وانفعال ولكنى هدأت من غضبهم وقلت لهم إن الأستاذ المدرس لم يتجاوز الحقيقة فقد قال – اننى كنت صولا فى الجيش – وهذا حق وقد حدث بالفعل. وقال إننى قد حكم على بالسجن خمسة وعشرين عاما لأنى من الإخوان المسلمين – وهذا حق أيضاً، غير أنه أراد أن يشرفنى فأضاف عشرة سنوات بدلا من خمسة عشر عاما وهو نص الحكم الذى ربما كان يجهله قالوا ولكنه كان يريد التشهير ويقصد الإساءة!؟

قلت لهم إننا نتعامل مع الناس بظاهر أحوالهم ولا نحاسبهم على نياتهم ونتلمس لهم الاعذار حيث أنهم لم يتذوقوا طعم دعوتنا بعد، وواجبنا مع مثل هؤلاء أننجادلهم بالتى هى أحسن، فإن استجابوا فتلك أمنيتنا والا فالزمن جزء من العلاج، وخير لنا أن نتجاهل سيئاتهم ونعاملهم بالحسنى فإنهم اخوان لنا فى الدين لا يعطلونا عن أهدافنا.

وخير وسيلة للرد على هؤلاء الاجتهاد فى جذب أكبر عدد ممكن من التلاميذ إلى المسجد فكلما زاد عدد المؤمنين بالدعوة قل عدد المعارضين لها .

وبعد فترة من الزمن شاء الله أن يحصل أحد أقارب الأستاذ على درجة الدكتوراه وكان من المقربين إلى قلوبنا، وكان من واجبنا أن نكرمه، فأقام له الإخوة حفل شاى كبير فى نادى مدينة رشيد حضرته مجموعة كبيرة من أهله واخوانه، وكنت أتمنى أن يحضر هذا الحفل – لتكون فرصة مناسبة يتعرف فيها علىحقيقتنا وحقيقة دعوتنا. فهذا أسمى ما نتمناه لكل مسلم .

مع زاوية مسجد الباشا

كان للوالى محمد على باشا فى رشيد مصانع للطرابيش والسفن ومضارب للارز، حيث كانت رشيد فى عهد محمد على فى مقام العاصمة الثانية للدولة، وأقام الوالى محمد على فى منطقة هذه المصانع (زاوية) سموها زاوية الباشا، ليتمكن العاملون من أداء الصلاة وتهدمت هذه الزاوية ومضى على صورتها هذه أكثر من سبعين عاما، حتى زحف العمران فى هذه المنطقة فساهم أهل الخير فى تعميرها حتى عادت إلى بهائها من جديد.

وكان لزاما على شباب الدعوة الإسلامية أن يشارك فى النشاط الإسلامى بها ولا سيما إنها زاوية أهلية ليس لوزارة الأوقاف عليها من سبيل، أو بمعنى أخر ليس لمفتش الأوقاف عليها من سلطان.

وبدأنا فى اعداد خطيب للجمعة من كل أسبوع يحضر من الاسكندرية لهذا الغرض الكريم، وضاق المسجد على سعته بالرواد الذين يتشوقون إلى هذا النوع الجديد من الدعاة الذين يشبعون تطلعاتهم الروحية والحيوية.

وجاء شهر رمضان المبارك فبدأ الشباب يفكر فى عمل نشاط اجتماعى لمساعدة الفقراء فأعلن عن مشروع لجمع الملابس والأموال ونجح المشروع، ثم أعلن الشباب عن الاعتكاف فى الشعر الأواخر من رمضان فى المسجد، وما أن أعلن عن هذا الأمر بين الناس حتى برزت مشاكل جديدة لفرط البعد بين تطبيق السنن الإسلامية وبين نسيانها أو تجاهلها. فالأول مرة يسمع الناس عن الاعتكاف، ومعناه المكث فى المسجد بنية الذكر والعبادة بل أن بعض الناس استنكروا الطعام فى المسجد، وكان لابد من علاج هذا الأمر بالحكمة والصبر.

فكان لزامان أن نقابل كل معترض على انفراد ونحدثه عن هذه السنة من واقع تاريخ الاسلام وعمل الرسول صلى الله عليه وسلم وكنا نقول له أنه لا مانع عندنا منت التحاكم إلى مشايخ وأئمة المساجد، وكنا ندعوه كى يتناول معنا طعام الافطار فى المسجد وكان هذا الصنف من الناس عنيفا فى المناقشة باخلاص حرصا منه على ما اعتاد من صور إسلامية نشأ عليها .

واستطعنا بالحكمة والحسنى أن يتم الاعتكاف بالصورة التى جمعت القلوب.. وتطورت الأمرو حتى صار هؤلاء الأخوة الكرام، يرسلون يوميا الطعام والحلوى للأخوة المعتكفين.

وكان بعض الأخوة من جماعة أبو العزايم وهى طريقة صوفية، قد تبرع فى مشروع تجديد هذا المسجد وجاءوا المسجدج ليقيموا حلقة ذكر على طريقتهم المعروفة واعتبروا ذلك حقا لهم .

وكان جميلا من شبابنا أن يفقهوا رسالتهم فهم قوم على فقه ووعى بحركة الدعوة الإسلامية التى تجمع ولا تفرق ولا تجعل من الجهل ببعض حقائق الدين والخلافات فى الفروع خصومة وبغضاء وفرقة .

وعلى ذلك رحبوا بهم وتحدد يوم فى الأسبوع لعقد جلساتهم ولا يزال الأمر يسير على هذا المنوال فى أخوة ومودة حتى تخلفوا هم عن المسجد ولم يعودوا يترددون عليه . الآذان الواحد وقراءة القرآن

وكان من الصعب على الناس أن يتقبلوا صلاة الجمعة بدون قراءة سورة الكهف كما تعودوا ذلك على مدى حياتهم، ولكن شبابنا عالجوا هذا الأمر علاجا حسنا واعيا، حيث استحضروا عشرات المصاحف الشريفة، وكل داخل إلى المسجد يستطيع أن يجد مصحفا يتلو فيه القرآن، وأنه لمظهر مطمئن خاشع حين تدخل المسجد فتجد عشرات الشباب يمكسون بالمصاحف يتلون كتاب الله، وبهذا استقر الأمر على ذلك بموافقة الناس وعدم اعتراضهم حيث أنهم وجدوا بديلا مقنعا لا يدع لهم حجة يحتجون بها.

وجاء دور الاذان الواحد بعد أن يصمد الخطيب على المنبر، وقد تهيأت النفوس بهذه المقدمات كلها فلم يعترض الا نفر قليل استطاع الشباب بأسلوبهم الحكيم أن يفهموه ويقنعوه، فيلتزم ويسير مع الجماعة.

دروس التقوية للطلاب

وبدأت مرحلة جديدة وناجحة إذ نظمت دروس تقوية لطلاب المدارس الثانوية والاعدادية فى المسجد وهو لا شك عمل اسلامى كبير، وهو بعد ذلك رصيد للدعوة الاسلامية فى مستقبل أيامها المباركة باذن الله وأمر يوافق رغبة أولياء أمور الأخوة الطلاب .

وتكملة للعمل من خلال الحكمة والصبر والقانون فقد أنضم الأخوة جميعا تحت لواء الجمعية الاسلامية للتربية الدينية المشهرة برقم 284 ومقرها زاوية الباشا والتى قد تم تأسيسها عام 1974 .

ولا تزال القافلة تسير وفى الطريق الكثير، ولكن لابد أن يكون فى حس الداعية أن الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة أشقى وأتعب وأشد، ولكنها فى النهاية أقوى وأنجح واحد .

وأعظم ما ينبغى أن يكون عليه الداعية المسلم هو أن يفقه حركة الدعوة، وذلك بمعرفة طبائع الناس وطبيعة البييئة وظروف المكان والزمان وعقد النية على مواصلة الجهاد بالبلاغ والبيان والمودة والحب، ثم الصبر علىاخلاق الناس والجهل بالدعوة وأن يستفيد بالمظروف والحداث وليحولها لتكون عونا له وحتى لا تنقلب عليه .

وفى قول الله تعالى ( قل هذه سبيلى ادع إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين) فى فقه هذه الآية الكريمة منهج الدعوة والداعية .

لقاء الفتيات

سبق أن ذكرت أن بعض الفتيات طلبن مقابلتى للاستفسار عن بعض الأسئلة حول الدعوة، وقد اعتذرت عن هذا اللقاء نظرا لأن الظروف لم تتهيأ بعد فى رشيد .. ومضت الأيام وأخذت الدعوة طريقها إلى القلوب والبيوت وشغلت عقول النساء والفتيات وهيأ الله للدعوة بعض الأساتذة المدرسين فأخذوا بأيديهن إلى الله .. وأصبح الجو ملائما والوقت مناسبا والمسجد جاهزا والرغبة ملحة فقامت الجمعية الاسلامية للتربية الدينية بعمل دعوة عامة لنساء وفتيات رشيد لمحاضرة فى المسجد يحضرها الأخ الأستاذ محمد عبد المنعم وبعض الأخوات من الطالبات بجامعة الاسكندرية .

وجاء وقت المحاضرة بعد صلاة العصر وأشفقنا أن لا يستجيب إلا القليل.. ولم تمض لحظات حتى امتلأ المسجد بالنساء والفتيات. ونجح اللقاء والحوا فى تنظيم لقاء أسبوعى.. واستجابت الجمعية على أن تنظم محاضرة فى كل شهر .

وفى اللقاء الثانى جاء أكثر السيدات والفتيات بصورة جديدة غير الصورة التى كانوا عليها فى اللقاء الأول، لقدجئن هذه المرة باللباس الاسلامى ( الحجاب) ولم تمض أسابيع حتى انتشر الزى الاسلامى بصورة مشرقة ورائعة. وكان من المتوقع أن تبدأ مرحلة جديدة من المناقشات المتنوعة داخل البيوت وتستجد بعض المشاكل الخاصة بشأن ارتداء الزى الاسلامى – وكنا نتوقع الكثير كما حدث فى المرحلة الأولى مع الشباب، ولكن نحمد الله تعالى أن المرحلة الأولىالتى قطعناها مع أبناء رشيد الكرام كان أساسها قويا بحيث قامت عليه المرحلة الثانية بأمن واقتناع وثبات.

ولا تزال المحاضرات تسير بانتظام والاقبال يزيد والقافلة تسير بعين الله ورعايته

مجلة الدعوة ووسائل الإخوان

كان لاستئناف صدور مجلة الدعوة فى هذا الوقت أثره الكبير فى المساعدة على ايجاد مناخ طيب من نفحات الحرية التى أتاحت للناس فرصة للقراءة والاطلاع على ماضى الدعوة وحاضرها كما أعطتنا وسيلة صالحة لعرض الدعوة والرد على ما أثير حولها من مشكلات وشبهات .

لهذا فقد انتهز الأخوة فى رشيد فرصة عودة مجلة الدعوة وبعض رسائل الامام الشهيد حسن البنا مثل رسالة المأثورات ورسالة المؤتمر الخامس والرسائل الثلاث فقاموا بتوزيعها هدايا على كل المستويات فى رشيد . وقد أوجدت هذه الحركة صلة مودة ومجال للمناقشة والفهم والارتباط .

فقه الدعوة

جاءت إلى رشيد مجموعة من طلاب الجماعة الإسلامية بالجامعة، وأعددنا لهم رحلة نيلية بالاتوبيس النهرى إلى مسجد (أبو مندور) وهو مكان سياحى رائع يقصده الزوار من كل مكان، وقبل أن يغادر الاتوبيس النهرى الشاطء، جاء بعض الطلاب ومعهم بعض الفتيات، وطلبوا أن يصحبوهم فى الرحلة، ولكن شباب الجماعة الاسلامية رفضوا باصرار، بحجة أن معهم فتيات متبرجات وعبثا حاولوا اقناعهم بالذهاب معهم ولكن دون جدوى، فانتقلوا بأتوبيس أخر وذهبوا إلى (أبو مندور) وتقابلوا هناك بعد أن لمزوا شباب الجماعة الإسلامية بالرجعية والانانية والتعصب، وشاركهم فى هذا الشعور عامة الناس الذين لا يعرفون عن الاسلام إلا اسمه!!

ولما ذهب الأخوة إلى مسجد (أبو مندور) حان وقت الصلاة وأذن المؤذن وترقب المصلون أن يلبى هذا الشباب الملتحى نداء الله ويدخلوا للصلاة، ولكن أحدا منهم لم يأتى إلى المسجد والسبب طبعا أن مسجد أبو مندور به (قبر) وهم يحرمون الصلاة فى المساجد التى بها قبور، والناس بالطبع لا يوجد عندهم هذا الفقه ولم تسبق إلى أذهانهم مثل هذه الأحكام الفقهية بل ربما صح فى حسهم من تمام بركة الصلاة أن تكون فى مسجد به قبر ولى من أولياء الله الصالحين!!

وكان لعدم مشاركتهم الناس فى الصلاة اسوأ الأثر، ومجالا للمناقشة والجدل. ولو كان هذا الشباب غير ملتح ما نقص عملهم هذا من شأنهم شيئا، فإن كثرا من الشباب يؤم هذا المكان وليس فى ذهنه أن يصلى، كما ليس فى ذهن الناس أن يستنكروا ذلك عليهم !!

وعاد الشباب من رحلتهم وجلست معهم فى نادى مدينة رشيد جلسة بسيطة هادئة. وطرحت عليهم هذه القضايا بمنطق الحكمة التى عناها الله تعالى قوله (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن).

قلت إن الذين أنعم الله عليهم بالإيمان بهذا الاسلام يجب أن يفهموا، أن هذا الدين ليس وقفا وحكرا عليهم، فبهذا يقفلون الباب وينطوون على أنفسهم كأن الاسلام جاء لهم وحدهم !!

إن هذا الاسلام دعوة للناس جميعا والذين يدخلون هذا الدين يعتبرون أنفسهم من أول يوم دعاة.. بالفهم والسلوك والقدوة (لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة) وصدق الله العظيم فى وصف خير الدعاة بقوله ((ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك)) والداعية بالنسبة للمجتمع الجاهلى طبيب ومدرس ومرب.

وغاية الداعية أن يجمع للاسلام أنصارا حتى تتكون القاعدة الاسلامية الكبرى.

فلابد اذن ان نفقه قول الله تعالى ((اذهبا إلى فرعون أنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) فما بالكم بالذين جاءوا إليكم سعيا.. وليس فيهم تجبر أو طغيان أنها فرصة نادرة كان من اليقظة والفطنة استغلالها.

تصورا لو انكم قبلتم مشاركتهم لكم فى الرحلة .. ثم سمعوا منكم هذه الاناشيد الاسلامية المؤثرة وهذه الدعوات المأثورة الطاهرة وشاهدوا منكم هذه المعاملة الاخوية الباهرة وهذا الحب والتكافل فيما بينكم.. مع التلطف معهم بل واكرامهم وحسن استقبالهم والتعرف عليهم وتوديعهم0

إن هذا التصرف الحكيم لو تم لكان له أعظم الاثر فى نفوسهم.. بل سوف يحملون هذا الصنيع ويتحدثون به إلى غيرهم ولربما فتح الله على أحدهم فيكون معكم وهو ربح لو تعلمون عظيم !

وإنهم رقم هذا الذى حدث منكم فقد ذهبوا إلى مسجد (أبو مندور) كما أرادوا، ولكنهم فى هذه الحالة ناقمون عليكم وعلى دعوتكم، وبهذا التصرف منكم أصبحتم دعاة ضد الدعوة من حيث لا تشعرون!!

وذكرت لهم قصة قد حدثت لى منذ أيام، إذ ذهبت إلى مصيف رشيد لزيارة بعض الأخموة، وفى طريق عودتى، رأيت رجلا ومعه فتاة ينتظران على الطريق، فأوقفت السيارة إلى جوارهما ودعوتهما للركوب فاستجابا وعند محطة الوصول شكرانى بامتنان وسرور وتعرفت بالرجل وتعرف بى – وكان لهذا التصرف أثره الطيب فى نفسيهما وعاد على الدعوة بالكلمة الطيبة وهذه هى رسالة الداعية . القبور فى المساجد

ونعود إلى الحديث عن امتناعكم عن الصلاة فى المساجد التى بها قبور، فلا شك أن الصلاة فيها (منهى عنها) ولكن المسلم حين يريد أن ينهى عن منكر إنما يفعل ذلك بشرط أن لا يرتكب منكرا أشد منه، وهذا الذى حدث ربما كان يؤدى إلى فتنة !!

أننا إذ نؤمن بكراهية الصلاة فى المقبرة، تعذر هؤلاء فقد ورد فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ما يجيز الصلاة فى المقبرة على أقوال فقهاء الحنابلة والحنفية والمالكية. فالحنابلة يقولون أن الصلاة فى المقبرة، وهى ما احتوت على ثلاثة قبور فأكثر فى أرض موقوفة للدفن باطلة مطلقا. أما إذا لم تحتو على ثلاثة بأن كان بها واحد أو اثنان فالصلاة فيها صحيح بلا كراهية أن لم يستقبل القبر والا كره. والحنفية قالوا : تكره الصلاة فى المقبرة إذا كان القبر بين يدى المصلى بحيث لو صلى صلاة الخاشعين وقع بصره عليه. أما إذا كان خلفه أو فوقه أو تحت ما هو واقف عليه فلا كراهية على التحقيق. وقد قيدت الكراهية بأن لا يكون فى المقبرة موضع أعد للصلاة لا نجاسة فيه ولا قذر والا فلا كراهة. وهذا فى غير قبور الانبياء فلا تكره الصلاة فيها مطلقا. والمالكية قالوا : الصلاة فى المقبرة جائزة بلا كراهية أن أمنت النجاسة .

اليس من الحكمة أن تؤدى الصلاة فى نفس المسجد بعيدا عن اتجاه القبر؟ اليس من الحكمة أن نوضح للناس مفهومنا من خلال هذا الموقف بالتى هى أحسن فى محاضرة بالمسجد فيستفيد الناس علما ونستفيد نحن بهذه القلوب؟

أليس من الحكمة أن نعمل عملا اسلاميا واسعا يوحد صفوفنا ويؤلف قلوبنا ويؤهلنا بشريعة الله تعالى ويؤمئذ سوف لا تجد مسجدا به قبر !

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم خير داعية إلى الإسلام – كان يصلى فى جوف الكعبة وفيها الاصنام العديدة، ولم يئنه عن الصلاة فيها وثن أو يشغله شاغل – فقد صنع الرسول من الجاهلين جيش الهداة – ثم فتح الرسول بالمهتدين دول الطغاة – فحطم الاصنام وأقام دولة القرآن .

نسأل الله تعالى أن يجعلنا جنود عقيدة مجاهدين لا طلاب فاسقة مجادلين .

الوقوف والقيام اكراما للقادم

ذات يوم زارنى بعض الأخوة من الشباب، وبعد لحظات زارنى ضيف يعتبر استاذا لهم فى الكلية، وبعد أن القى السلام مد يده يصافحهم، فصافحوه جميعا وهم جلوس فتسبب ذلك فى حرجى الشديد!؟ فابتسم الأستاذ ولم يمكثم كثيرا وانصرف .

وتوجهت بحديث لطيف إلى الأخوة – فقلت لهم .. إن لذى حدث الان من عدم قيامكم لاستقبال الزائر، قد ترتب عليه عدة أمور – الأمر الأول أن الزائر لم يجد الايناس الذى يشجعه على الجلوس فترة أوسع، والأمر الثانى أنه قد يسبق إلى ظنه أنه غير مرغوب فى تواجده معنا، والأمر الثالث أنه ربما يسبق إلى ظنه أيضاً أن هذا الاجتماع غير عادى فيؤوله كيفما شاء .

إن هذا الموقف يمكن حدوثه فيما بيننا نحن الذين تعارفنا فتآلفنا فتحاببنا، ولسنا فى حاجة إلى مرحلة المؤلفة قلوبهم، وليست الاخلاق الإسلامية موقوفة على مواقف معينة بقدر ما هى شيم عامة تنبئ عن روح هذا الدين.

ورسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال ( لا تطرونى كما اطرت النصارى المسيح بن مريم، ولا تعظمونى كما كانت تعظيم الاعاجم ملوكها) فالاطراء المنهى عنه فى الحديث الشريف مقيد وليس على اطلاقه، والتعظيم المنهى عنه فى الحديث أيضاً مقيد بقوله (كما كانت تعظم الاعاجم ملوكها)) حيث كان الاعاجم يعتقدون أن دماء الآلهة تجرى فى عروق ملوكهم فكانوا يعظمونهم تعظيم العبيد للآلهة ومن هنا جاء النهى على هذا النحو .

الم تسمعوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم (قوموا إلى سيدكم) حين دعا الرسول عليه الصلاة والسلام سعد بن معاذ رضى الله عنه ليحكم فى مواليه من يهود بنى قريظة، وحينما سمع المهاجرون قول الرسول عليه الصلاة والسلام ( قوموا إلى سيدكم) قالوا إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم (الأنصار) وانما الانصار فقد قالوا: قد عنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم (المسلمين) .

فمن الذى قال للمسلمين قوموا لسيدكم، أليس هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هؤلاء الذين قاموا؟ أليسوا هم الصحابة الاجلاء الاطهار الابرار الذين رفعوا الراية وحملوا عبء الدعوة !؟

يقول الامام النووى فى تعليق على هذا الحديث : ((فيه اكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا ، هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام. قال القاضى : وليس هذا من القيام المنهى عنه، وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قياما طول جلوسه. قلت القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاء فيه أحاديث، ولم يصح النهى عنه شىء صريح )) – النووى على مسلمم ج12 ص93 0

ومن الاحاديث الثابتة الدالة أيضاً على ذلك، ما جاء فى حديث كعب بن مالك المتفق عليه، وهو يقص خبر تخلفه عن غزوة تبوك، قال فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقانى الناس فوجا فوجا يهنئونى بالتوبة، ويقولون لى لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله جالس حوله الناس، فقام إلى طلحة بن عبيد الله رضى الله عنه يهرول حتى صافحنى وهنأنى، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره – فكان كعب لا ينساها لطلحة.

ومن ذلك أيضاً ما رواه الترمذى وأبو داود والبخارى فى الادب المفرد عن عائشة رضى الله عنها قالت : ما رأيت أحدا من الناس كان أشبه بالنبى صلى الله عليهع وسلم كلاما ولا حديثا ولا جلسة من فاطمة، قالت وكان النبى صلى الله عليه وسلم إذا رآها اقبلت رحب بها ثم قام إليها فقبلها، ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها فى مكانه، وكانت إذا أتاها النبى صلى الله عليه وسلم رحبت به ثم قامت إليه فقبلته .

واعلم أن هذا لا يتنافى مع ما صح عن رسول الله عليه وسلم أنه قال: من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار. لان مشروعية اكرام الفضلاء وتوقيرهم لا تستدعى السعى منهم إلى ذلك أو تعلق قلوبهم بمحبته، ببل أن من أبرز صفات الصالحين والفضلاء أن يكونوا متواضعين لاخوانهم زاهدين فى طلب هذا الشىء. أرأيتم إلى الفقير المحتاج؟ أن الأدب الاسلامى يوصية ويعلمه الترفع عن المسألة واظهار الفاقة والحاجة للناس، ولكن هذا الادب الاسلامى نفسه يوصى الاغنياء بالبحث عن هؤلاء الفقراء المتعففين ويأمركم باكرامهم واعطائهم من فضول أموالهم .

فلكل أدب ووظيفة، ولا ينبغى أن نخلط بينهما، أو ننسخ الواحد بالاخر فإن ذلك من أسوأ مظاهر التسرع والجهل.

لقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

( لا تزال أمتى بخير ما رحم كبيرها صغيرها، وإذا ما وقر صغيرها كبيرها) وحين أسلم أبو قحافة أصطحبه أبنه أبو بكر الصديق رضى الله عنه إلى بيت رسلو الله صلى الله عليه وسلم ليعلن اسلامه – فحين رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمين . خرج إليهما وهو يقول لآبى بكر ( أما خليت بين الرجل ونحن نأتيه ) وكان أبو قحافة والد أبو بكر الصديق كفيفا.

وصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال ( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ) وقال (الحياء من الايمان ) وقال ( الحياء خير كله ).

غير أن من أهم ما ينبغى أن نعلمه فى هذا الصدد أن لهذا الاكرام المشروع حدودا إذا تجاوزها، انقلب الأمر محرما واشترك فى الأثم كل من مقترفه والساكت عليه .

فمن ذلك ما قد تجده فى مجالس بعض المتصوفة من وقوف المريدين عليهم وهم جلسو، يقف الواحد منهم أمام شيخه فى انكسار وذل إلى أن يأذن له بالجلوس، ومنه ما يفعله بعضهم من السجود على ركبة الشيخ أو يده عند قدومه عليه، أو ما يفعله من الحبو إليه عندما يغشى المجلس. ولا يخدعنك ما قد يقال من تسويغ ذلك من أنه أسلوب منت التربية للمريد؟ .. ف الاسلام قد شرع مناهج وأساليب للتربية وحظر على المسلمين الخروج عليها، وليس بعد الأسلوب النبوى فى التربية من أسلوب يتبع .

موقف مع الصور

حدثنى أحد الاخوة أن زئرا من الشباب جاءه فاستقبله مرحبا به فى حجرة الجلوس، وعاد ليقدم له التحية، فرآه غاضبا مهموما، وحين استفسر منه عن السبب؟

قال له : أننى مستاء لوجود هذه الصور المعلقة فى هذه الحجرة، الم تعلم أن الصور حرام؟

فقلت له أنى أعلم أن المقصود بالصور المحرمة هى تلك التى على شكل الاصنام والتماثيل التى يقدسها الناس، وكذلك الصور العادية للأولياء والزعماء التى يفتتن بها، أما الصور الشخصية أو العلمية أو الاخبارية أو الصور الجنائية التى تساعد على اكتشاف الجرائم فى السلم والحرب، فإنها توزن بقدر ما تؤدى من خير أو شر، مثلها الافلام التى تعرض على الشاشة والتليفزيون سواء بسواء.

وقلت : أنه قد تعددت الاحاديث الصحيحة الصريحة فى الحكم بتحريم التصوير وصنع التماثيل واستعمال أى شىء منها إذا كان فى ذلك تصوير لحيوان أو طير أو نحو ذلك مما تسرى فيه الحياة ولكن ورد استثناء لهذا الحكم بالتحريم وثبتت أدلة تبيح بعض الوان التصوير مثل :

تصوير ما ليس فيه روح أو استعمال صوره، والصور المقطوعة التى نقص منها مالا تقوم به حياة الحى، وما كان رقما فى ثوب ولعب البنات .

ومما تجدر الاشارة إليه أن الصور الفوتوغرافية ليست محرمة، لأنها كما قال العلماء حبس لخيال الإنسان لا انشاء صورته، إذا أن هذه الصور عبارة عن إبراز الخيال، فهى من صنع الإنسان، وشبهة التحريم أقل سمو، والقول بجوازها ليس هناك ما يمنع منه إلا كانت الحرمة لامر عارض كابراز عورة أو وضع غير لائق عن طريق هذا التصوير.

هذا ونحب أن نلفت إلى أن ما اجمعت النصوص على تحريمه واتفق العلماء مجتمعين علىأنه المقصود بما ورد من النصوص فى التنفير من التصوير والحكم عليه بالتحريم، وهو التماثيل: أى الصور المجسمة وما كان له ظل.

يراجع كتاب فتاوى شرعية للشيخ مخلوف ج1 ص186 وكتاب البدعة للشيخ عزت عطية ص463.

وعبثا حاولت أن أقنعه أن يفرق بين الحالتين وانقلبت الزيارة إلى مناقشة وجدال ومراء، ثم انصرف تاركا خلفه مشكلة .

واقول لو أن كل مسلم تعرف على آداب الزيارة لما حدثت مثل هذه المشاكل الخلافية فالضيف والضيافة لهما أصول ولهما آداب، وليست الصور التذكارية المعلقة فى حجرات الاستقبال ألا واحدة من صور الحياة التى يعيشها المجتمع البعيد عن روح الاسلام .

وإن كان بعض الأمر يحتاج إلى نصيحة لازمة، فإن للنصيحة أيضا أسلوب، فيجب أن تكون فى الوقت المناسب والمكان المناسب، وأن تكون مع هذا تلميحا لا توضيحا وتصحيحا لا تجريحا، وأن تكون عاقبتها خير ومفيدة.

هذا فضلا عن أن الإنسان يدخل بيت أخيه ليسره فلا يضره، ولكل فى بيته شئون على قدر فقهه والتزامه، بآداب الاسلام .

نهذا فضلا عن أن الإنسان يدخل بيت أخيه ليسره فلا يضره، ولكل فى بيته شئون على قدر فقهه والتزامه بآداب الاسلام .

لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وأن قيل لكم أرجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم) .

إن الاسلام ينظم حياة المسلم فى كل مجالات الحياة وكل شئونها بحكمة ودقة ورقة أيضاً لقوم يفقهون . وبعد .

شاء الله تعالى قبل أن أختم هذه السطور من هذه المرحلة من (تجربة الدعوى فى رشيد) أن أسجل فيها حقيقة لطيفة مؤنسة – يثبت الله بها قلوبنا وإيماننا وخطواتنا على الطريق 0

فالقارئ الكريم يجد فى السطور الأولى من هذه الرسالة كيف أو أولياء أمور الشباب كانوا يمنعونهم من حضور أحاديثنا واجتماعاتنا – واليوم وبعد أربعة أعوام من العمل فى صبر وحكمة، قد تغير المناخ وانتهت هذه المرحلة بسلام. وأصبح الشباب يقبل على الدعوة بكل ثقة واطمئنان – بل يتحمل أعباء العمل الاسلامى الجاد المنتج بعزم وقوة .

وأصبح أولياء أمور الشباب هم الذين يوصننا بأبنائهم خيرا، ويرجعون الينا فى حل مشاكلهم، وأصبح المجتمع فى رشيد يتعاطف مع الدعوة ويؤمن بها. ويحسون بعاطفة ندية تلطف حياتهم وتعطيهم الأمل الباسم المشرق فى مستقبل أكثر أمنا وإيمانا ورضوانا من الله .

وحين أختم كلماتى هذه مكتفيا بهذه المعانى فانى على يقين بأن الله تعالى سيتم نوره علينا حتى نعلم دعوتنا ونبلغ غايتنا فى خطوات وئيدة صابرة ولكنها بعون الله مثمرة منتجة – راسخة وثابتة . حتى إذا تكون الجيل المأمول، جيل رجال الحق والقوة والحرية – فيؤمئذ تشرق على رشيد المجاهدة طليعة تحمل العبء وتحقيق الأمل فى ظل الاسلام العظيم .