واقعُ الأمةِ بين الاستبدادِ والتسلطِ والأمل في الانتصار

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
واقعُ الأمةِ بين الاستبدادِ والتسلطِ والأمل في الانتصار

بقلم:الإستاذ محمد مهدي عاكف

رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ المرسلينَ، سيدِنا ومولانا محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ.. وبعدُ!!

قدَّر اللهُ لهذه الأمةِ أن تعيشَ في هذهِ المرحلةِ العصيبةِ من التاريخِ تحتِ وطأةِ الاستبدادِ الذيْ جثَم على صدرِها، متمثِّلاً في أنظمةٍ بعُدَت عن جادَّةِ الصوابِ، وكبَّلت شعوبَ المنطقةِ بالقيودِ والأغلالِ، وفي مواجهةِ تَسلُّطٍ خارجيٍّ تمثَّلَ في تواطؤٍ دوليٍّ ضدَّ القضايا العربيةِ والإسلاميةِ، تقودُه الإدارةُ الأمريكيةُ بكلِّ جبروتِها للهيمنةِ علَى مقدَّراتِ الأمةِ وخيراتِها، من خلالِ إستراتيجيةٍ صهيو- أمريكيةٍ، تستهدفُ تفكيكَ المنطقةِ العربيةِ، وإعادةَ رسْمِ خريطتِها من جديدٍ.. ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاً وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (التوبة: 8).

هذهِ السياسةُ التسلطيةُ الخارجيةُ ساعدت الأنظمةَ العربيةَ على الاستبدادِ؛ في مقابلِ تمريرِ مشروعِها الاستعماريِّ إلى منطقتِنا، وسَلْبِ خيراتِنا، ونَهْبِ ثرواتِنا، لذا أصبحَ من سماتِ هذه الأنظمةِ العملُ على غيابِ الحرياتِ العامةِ، وانتهاكِ حقوقِ الإنسانِ، والاستحواذِ على السلطةِِ، وحرمانِ الشعوبِ من المشاركةِ في صنعِ الحياةِ وتقريرِ المصيرِ، بل وحرمانِها من حقِّها في اختيارِ ممثِّلِيها بإرادتِها الحرةِ، وتعويقِ مؤسساتِ المجتمعِ المدنيِّ عن أداءِ دورِها، والتضييقِ والملاحَقَةِ لأصحابِ الدعواتِ المعتدلةِ، وتكميمِ أفواهِ المعارضينَ بشتَّى الطرقِ والوسائلِ، فضلاً عن إفسادِ الحياةِ السياسيةِ والثقافيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعيةِ.

وها هي أمريكا تنشرُ الفوضَى في ربوعِ العالمِ الإسلاميِّ من أفغانستان إلى العراق إلى فلسطين ، عن طريقِ الغزوِ الثقافيِّ والحصارِ الاقتصاديِّ والاحتلالِ العسكريِّ، وبتأييدِها التامِّ للكيانِ الصهيونيِ، في عدوانِه على الشعبِ الفلسطينيِّ، وكذلك في حربِهِ الأخيرةِ على لبنان، تلك الحربُ التي كشفَت عن خبايا الديمقراطيةِ المزعومةِ والمُحافَظَةِ المدَّعَاةِ على حقوقِ الإنسانِ.. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ (الكهف: من الآية 5).

الأملُ في الانتصارِ

وبرغمِ هذا الواقعِ الأليمِ إلا أنه يحْدُونا الأملُ في انتصارِ هذا الدينِ العظيمِ.. ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5) لِوعدِ اللهِ- تباركَ وتعالى- لنا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55).

يقول ابنُ كثير: "هذا وعدٌ من اللهِ تعالى لرسولِهِ- صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ- بأنه سيجعلُ أمتَه خلفاءَ الأرضِ، أي أئمةَ الناسِ والولاةَ عليهم، وبِهِم تَصلُحُ البلادُ، وليبدِّلنَّهم من بعدِ خوفِهم أمنًا وحكمًا فيهم".

وهذا هو ما أكدَ عليه إمامُنا الشهيدُ- رحمهُ اللهُ- في رسالتِه (إلى الشبابِ): "إن العالمَ كلَّه حائرٌ يضطربُ، وكلُّ ما فيهِ من النُّظُمِ قد عجَزَ عن علاجِهِ، ولا دواءَ له إلا الإسلام، فتقدَّموا باسمِ اللهِ لإنقاذِهِ، فالجميعُ في انتظارِ المُنقِذِ، ولن يكونَ المنقذُ إلا رسالةَ الإسلامِ".

هذهِ المبشراتُ التي وعَد اللهُ بها هذهِ الأمةَ يجبُ أن تدفعَها إلى المزيدِ من العملِ الدؤوبِ في كلِّ جوانبِ الحياةِ، لتقويمِ ما اعوَجَّ منها، وإصلاحِ ما فَسَدَ فيها، وبناءِ ما تهدَّمَ من أركانِها، فلا بدَّ لنا أن نخرجَ من سجنِ التخلُّفِ إلى باحةِ التقدُّمِ، وأن ننموَ نموًّا حقيقيًّا، بشريًّا، ومعنويًّا، وماديًّا، وأن نجنِّدَ كلَّ طاقاتِنا لتنميةٍ شاملةٍ للحياةِ وللإنسانِ.

- ففي الجانبِ السياسيِّ: علينا أن نقاومَ الاستبدادَ والطغيانَ، ونرسِّخَ دعائمَ الشورَى والحريةِ، ونرعَى حقوقَ الإنسانِ، ونربِّيَ الناسَ على ضرورةِ التناصحِ وفرضيةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، وأن نضعَ من الدساتيرِ ما يُفصِّلُ الحقوقَ والواجباتِ، ويميِّزُ بين السلطاتِ، ويقيمُ دولةَ المؤسساتِ، ويسوِّيْ بينَ الناسِ في الكرامةِ والحريةِ وتحمُّلِ المسئوليةِ.

- وفي الجانبِ الاقتصاديِّ: علينا أن نأخذَ بالإدارةِ الحديثةِ، وأن نقومَ بالتخطيطِ الجيِّدِ وأنْ نعملَ على زيادةِ الإنتاجِ، وترشيدِ الاستهلاكِ، وعدالةِ التوزيعِ.

- وفي الجانبِ الاجتماعيِّ: علينا أن نقوِّيَ الإخاءَ بين الأفرادِ، والتعاونَ بينَ الطبقاتِ، والتضامنَ بينَ الشعوبِ، وأن نقرِّبَ المسافاتِ بين الأغنياءِ والفقراءِ، وأن نقيمَ الحياةَ الأسريةَ على أسسٍ مكينةٍ، تظلُّها السكينةُ والمودةُ والرحمةُ.

- وفي الجانبِ الثقافيِّ والعلميِّ: علينا أن نتحرَّرَ من آثارِ الغزوِ الفكريِّ، والاستعمارِ الثقافيِّ، في مجالِ التربيةِ والتعليمِ والإعلامِ، وأن نمتلكَ التقنيةَ الحديثةَ بكلِّ كفاءةٍ واقتدارٍ.. هذا ما نحملُه بين جوانِحِنا، وندعو كلَّ البشرِ إلى الأخذِ بِهِ؛ من أجلِ رقِيِّ البشريةِ وازدهارِها.

- ونقولُ لحكامِنا وحكوماتنا: إن تفريطَكم في حقِّ أمتِكُم، وتخاذلَكُم عن نُصرةِ قضايا العروبةِ و الإسلامِ سوفَ تكونُ له آثارُه وتداعياتُه، ليسَ على شعوبِكم فقطْ ولكنْ عليكم أيضًا، واعلَموا أنكم ستقفون بينَ يدَي اللهِ- عزَّ وجلَّ- القادرِ القاهرِ، المعزِّ المذلِّ، وسيَسألُكُم ماذا قدمتم لشعوبِكُم؟ وماذا فعلتُم فيمَن اعتدَى على أعراضِكُم ومقدساتِكم؟! فحاسِبوا أنفسَكم قبلَ أن تُحاسَبوا وأعدُّوا الإجابةَ ليومٍ لا ينفعُ فيه مالٌ ولا بنونَ، إلا مَن أتَى اللهَ بقلبٍ سليمٍ.

وما زالَت الفرصةُ أمامَكم لكي تتصالَحوا مع شعوبِكم، وتَنحازُوا إليها.. أعلِنوها صراحةً أنكم ضِدَّ المشروعِ الصهيو أمريكيِّ، الذي يستهدفُ تركيعَ الأمةِ، وتوهينَ عقيدتِها، وإفسادَ أخلاقِها، والقضاءَ على خصوصيتِها الثقافيةِ، وطمسَ معالِمِ تراثِها الحضاريِّ، فضلاً عن نهبِ خيراتِها وسلبِ ثرواتِها.

أعيدوا النظرَ في علاقاتِكم مع الإدارةِ الأمريكيةِ والكيانِ الصهيونيِ على أساسِ المصالحِ العُليا لأمتِكم.. أعلِنوا أنكم مع شعوبِكم ضدَّ التدخلِ الأجنبيِّ.. استعِينوا بعدَ اللهِ بشعوبِكم، ولا تستَقْووا بالأجنبيِّ الذي سرعانَ ما يَخذلُكم بعد أن يَستنفِدَ أغراضَه منكم.. فهذا خيرٌ لكم وأتْقَى.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).

وصلَّى اللهُ على سيدِنا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ