يا قضاة مصر باسم الشعب تحكمون لا باسم الحكومة

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
يا قضاة مصر باسم الشعب تحكمون لا باسم الحكومة


بقلم:القاضي محمود رضا الخضيري

نائب رئيس محكمة النقض ورئيس نادي القضاة بالإسكندرية


لاحظ بعض الزملاء أني كثيراً ما أوجه حديثي ومقالاتي أو كلماتي في الجمعيات العمومية إلى الشعب وعابوا علي ذلك حيث يجب أن يوجه حديثي فقط إلى القضاة لأن الحديث إلى الشعب يجب أن يقتصر على الساسة ومن لهم صلة بالجماهير أما القضاة فهم بحكم طبيعة عملهم لا يجب أن يوجهوا أحاديثهم إلى الشعب لأن هذا يفقدهم حيدتهم وتجردهم ، والغريب في الأمر أن هذا القول قد يروق لبعض القضاة المشهود لهم بالكفاءة والحيدة والنزاهة من أجل ذلك رأيت أن أكتب هذا المقال لتوضيح الأمر للجميع ووضع الأمور في نصابها الصحيح .

تقول المادة ( 20 ) من قانون السلطة القضائية ( تصدر الأحكام وتنفذ باسم الشعب ) ، وتصدر صور الأحكام بعبارة باسم الشعب ، وهذا يعني أن القاضي وهو جالس على المنصة إنما يتحدث ويحكم باسم الشعب ، وقد كان في الماضي إغفال إيراد هذه العبارة في صدرة الحكم يترتب عليه بطلانه إلى أن رأت محكمة النقض تخفيفاً لداوعي بطلان الأحكام بعد صدورها أن إثبات هذا البيان واجب ولكن إغفاله لا يترتب عليه البطلان .

وتنص المادة ( 18 ) من ذات القانون على أن : ( تكون جلسات المحاكم علنية إلا إذا رأت المحكمة جعلها سرية مراعاة للآداب أو محافظة على النظام العام ويكون النطق بالحكم في جميع الأحوال في جلسة علنية ) ، وعلانية الجلسات معناها مراقبة الشعب الذي يحكم القاضي باسمه ونيابة عنه للعدالة ومدى انضباطها واتفاق سلوكها مع ما يجب أن يكون عليه القائمين بها من حيدة بين الخصوم ونزاهة في الحكم وأي خروج على ذلك بتصرف مع أحد الخصوم أو حتى ابتسامة أو عبارة مجاملة يوجهها القاضي إلى أحد الخصوم دون الآخر يمكن أن تخل بحيدته ويجعل حكمه موضع شك ، ولا يكفي أن ينص في القانون على أن القضاة مستقلون لا سلطان لغير ضمائرهم والقانون ، بل يجب أن يشعر الشعب أن القاضي فعلاً مستقل وأن يلمس ذلك في الأحكام الصادرة منه في كل القضايا التي تعرض عليه مهما كان الخصوم ومهما كان نوع النزاع المعروض عليه ومن يتحدث عن استقلال القضاء باعتباره نصوصاً موجودة في القانون دون أن يلحظ الشعب ذلك وتلمسه يتحدث حديثاً نظرياً لا صلة له بالواقع ولا يلقى من الناس أذناً صاغية ولا قلب واعٍ .

الشعب هو إذن من أسند إلى القاضي مهمة قيامه بعمله في إحقاق الحق وإنصاف المظلوم وإعطاء كل ذي حق حقه وهو يراقب العدالة ويحاسبها إن هي حادت عن ذلك ، وهو إن كان لا يملك توقيع عقوبة مباشرة على القضاة إلا أنه يملك حمايتهم إن هم قاموا بمهمتهم ويملك في نفس الوقت سحب الثقة منهم بالتخلي عنهم وتركهم وحدهم يواجهون الغول المسمى بالسلطة التنفيذية وهم لا طاقة لهم وحدهم بمواجهتها والتغلب عليها .

غضب رئيس جمهورية باكستان على رئيس المحكمة العليا فعزله ولما كان للرجل سند شعبي فقد قام الشعب ولم يقعد حتى عاد الرجل إلى مكانه بحكم قضائي بإلغاء قرار رئيس الجمهورية بعزله ، تُرى لو لم يكن الشعب يشعر أن هذا القاضي يحقق له العدالة التي يطمع فيها وهو من القوة بحيث يستطيع أن يقف في وجه السلطة التنفيذية إن هي خرجت على القانون هل كان يمكن أن يكون له هذا الموقف من هذا القاضي ؟ أم كان يفرح بعزله ويؤيد القرار الصادر بذلك رغم علمه بأنه قرار مخالف للقانون ؟؟ 

هذا مثال حدث في أيامنا هذه التي نعيش فيها وليس في الماضي البعيد حتى لا يقول الناس إن هذا كان في الماضي ، أما الحاضر الذي نعيشه فله حسابات أخرى ، حقيقة أنه حدث في بلد آخر غير مصر ولكن نقول أنه قابل للتكرار في أي مكان في العالم وما حدث في أزمة الزميلين هشام البسطويسي ومحمود مكي ليس ببعيد فلا يجادل أحد في أن ما أنقذ مستقبلهما من الضياع هو التفاف الشعب حول القضاة ومناصرتهم في محنتهم لعلمه أنهم إنما يقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون ليس لهدف شخصي ولا غرض خاص بل هو لمصلحة الشعب والعدالة ونزاهة الانتخابات التي هي حقه الطبيعي الذي يستحق التضحية من أجله بالحياة نفسها لا بالمستقبل فقط .

القاضي لا يمكن أن يحكم باسم الحكومة التي قد تكون هي ذاتها خصماً في القضايا المنظورة أمامه سواء كانت خصماً حقيقياً ينادي عليه بالجلسة أم كانت خصماً مستتراً له مصلحة في الدعوى يمكن أن تحققها عن طريق الحكم الذي يصدر وهذا ما يحدث كثيراً خاصة في قضايا الرأي إذ أن هذا النوع من القضايا الحكومة غالباً هي التي تحركه لما فيها من نقد لتصرفاتها يثير غضبها ويحرك مشاعر الناس ضدها .

الحديث إلى الشعب إذن ليس حديثاً غريباً على القضاة الذين يصدرون الأحكام باسمه وتحت رقابته ولا يحجب الشعب عن هذه الرقابة إلا مراعاة لمشاعره ومحافظة على النظام العام والآداب فيه وحجب الشعب عن مراقبة العدالة في غير هذه الحالات يعرض الأحكام للبطلان وهو بطلان من النظام العام تقضي به المحكمة الأعلى درجة من تلقاء نفسها .

والحديث عن مراقبة الشعب للعدالة يجرنا بالضرورة إلى الحديث عن ما يثار هذه الأيام من تساؤل حول مدى صحة وقانونية التعليق على الأحكام بعد صدورها وفي ذلك نقول أن الأحكام بعد صدورها علناً – حتى في حالة ما إذا كانت الجلسة التي نظرت فيها سرية – تصير ملكاً للخصوم وللشعب الذي صدرت باسمه وهو يملك التعليق عليها وانتقادها بشرط أن يكون من يقوم بذلك يملك معلومات قانونية تتيح له وتمكنه من ذلك وأن يتم النقد بصورة موضوعية تبين وجه العوار القانوني والواقعي للحكم ويقوم بذلك الخصوم في صحف الطعن على الحكم والمتخصصون في القانون في كتبهم ومقالاتهم التي يرجع إليها لمعرفة ما أصاب الحكم فيه وما أخطأ وبذلك نثري الفكر القانوني ونصوب الأحكام والقول بأن ذلك يؤثر على المحكمة قول من لا يعرف كيف يخلص القاضي إلى النتيجة التي انتهى إليها في حكمه إذا أنه يخلص إليها بعد الإطلاع على مستندات الخصوم ومذكراتهم وسماع مرافعاتهم التي يحاول كل خصم أن يقنع القاضي ويؤثر عليه للحصول على حكم لصالحه وصدق رسول الله ( صلى الله عليهم وسلم ) عندما قال ( إنيّ بشر وإنكم تحتكمون إليّ وقد يكون بعضكم ألحن ( أفصح ) بحجته فأقضي له بحق أخيه فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه لأني بذلك أقطع له قطعة من النار ) فالتأثير على القاضي إذن يتم كل يوم ولكن بطريقة موضوعية قانونية لإقناعه بوجهة النظر وهو عندما يصدر حكمه لصالح أحد أطراف الخصومة إنما يصدره متأثراً بوجهة نظره وبالمستندات التي قدمها والأدلة التي ساقها .

هذا هو وجه الصواب فيما يحدث هذه الأيام من تعليق على بعض الأحكام التي رأى فيها البعض أنها تمثل ردة عن الديموقراطية وكبتاً للرأي الحر ، ولن أتناول التعليق على هذه الأحكام لعدم توافر صورة منها تحت يدي وقت كتابة هذا المقال ولو كانت تحت يدي صورة من الحكم لعلقت عليه وأظهرت وجه الصواب والعوار فيه لأني لا يمكن أن أقوم بذلك أخذاً مما نشرته الصحف وكل ما يمكن قوله في هذا الشأن أن هذه الأحكام قد صدمت الشعب صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في الحكم عليها وأنه إذا استمر هذا النوع من الأحكام في الصدور فإن القضاة سيفقدون مصدر حمايتهم والدفاع عنهم وهو حب الشعب واحترامه لهم وأن هذا الوضع سيتسبب في أن يصبح القضاء في وضع حرج مع الحكومة التي ستنتهز فرصة انفضاض الشعب من حول القضاة للنيل منهم والقضاء على استقلالهم .