سيد قطب رائد العدالة الاجتماعية
المقدمة
الدور الذى قام به سيد قطب فى الدفاع عن حق الجماهير فى حياة حرة كريمة، فى وقت تراجع فيه الكثير من المثقفين عن آداء ذلك الدور، جعل من سيد قطب رائدا للعدالة الاجتماعية فى نظر الكثير من العلماء والزعماء والجماهير العربية والاسلامية، وكانت انتفاضة تلك الجماهير فى العالمين العربى والاسلامى دليل على تقديرها لذلك الدور الذى قام به سيد قطب، سواء فى ميدان العدالة الاجتماعية أو فى ميدان مواجهة الاستعمار وفضح خططه، وميدان الدفاع عن إستقلال الهوية العربية والاسلامية.
فلقد عاش سيد قطب فى عصر اشتدت فيه الغارة على الشعوب العربية والاسلامية التى شنها الاستعمار من أجل السيطرة على البلاد ونهب ثرواتها وسلب مقدراتها، ولم يكن الاستعمار ليستطيع ذلك، الا من خلال إشاعة نمط معين من الثقافة والسلوك بين أهل تلك البلاد
- فينشغلون بتلبية شهواتهم ورغباتهم الضيئلة القصيرة، فينشأ بينهم التنازع والخصومة، فينشغلون بأنفسهم عن عدوهم، فلا يقاومون احتلال أو يسعون الى استقلال.. وهكذا حلقات توصل الى حلقات، في دائرة مفرغة، ما تكاد تنتهى حتى تبدأ!
يقول جمال حمدان:
- (تعرضت مصر بعد الحرب العالمية الأولى لمؤثرات ذات تأثير مباشر على تقاليد المجتمع، فقد وفدت مع الجيوش الأجنبية مجموعات غير قليلة من أجناس أخرى تخصصت في الترفيه عن الجنود، وباسم الترفيه انتشرت بارات الخمر ونوادي القمار ودور البغاء، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ورحل الجنود الأجانب، استمرت وسائل الترفيه منتشرة في أنحاء مصر تعمل عملها بين طبقات المجتمع المصري وذلك لاختفاء العنصر الذي قامت من أجله) (1)
هذا ما حدث في مصر عندما كانت تحت حكم أبناء محمد على، فغرقت البلاد في الديون، وصار حكامها ألعوبة في يد محتليها، وغابت بين الناس روح الكفاح والجهاد، بعد أن أُحكمت حلقات الخراب الثلاثية (الفساد والاستبداد والاستعمار) حول رقبة ومعصم الشعوب العربية والاسلامية.
وكان المرجو والوضع هكذا أن ينتفض المثقفون وأهل الفكر والرأى لاستنقاذ البلاد وأهلها من هذا السواد الحالك والظلام الدامس، لكن أحدا لم يجرؤ على المغامرة فيتقدم، الا واحدٌ منهم فقط فعل ذلك، فقد شخص الداء ووصف الدواء في صراحة وشجاعة منقطعة النظير، ذلك الواحد كان هو أعظم مفكرى عصره، الأديب الثائر والمفكر المجاهد، الشهيد سيد قطب.
فقد اهتم سيد قطب بتفكيك تلك المنظومة بعد أن لفت الأنظار اليها في شجاعة لم تتوفر لكثير غيره، بدايةً من الكتابة في الصحف والمجلات، ثم الانتساب الى حزب الوفد، حتى انتهى به المقام الى جماعة الإخوان المسلمين.
سيد قطب رائد العدالة الاجتماعية
برغم أن سيد قطب اهتمَّ في بداية حياته العملية بالكتابةِ في الصحف، والتى كانت أدبية بالاساس؛ حيث خاض معارك أدبية في ثلاثينيات القرن العشرين حتى أصبح ناقدًا أدبيًا يُشار إليه بالبنان. الا أنه في نهاية العقد الثالث تحول إلى الكتابة عن هموم المجتمع وأوجاعه، حيث صار بكتاباته من أبرز كُتَّاب مجلة "الشئون الاجتماعية" التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية.
تشريح المجتمع المصري
كان سيد قطب يرى أن سطوة الاحتلال وضعف الحكام وسياسات التغريب، أوصلت الوضع الاجتماعي في مصر في نهاية النصف الأول من القرن العشرين، إلى درجة من الفساد الاخلاقى والاجتماعى والسياسي، يستحيل معها استمرار المجتمع في تماسكه وتلاحمه والقيام بوظائفه
فقد تلاشى الشعور بالكرامة الإنسانية، وتعفن الضمير، وانعدم التضامن الاجتماعي، والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، وانتشر بدلا من ذلك الجوع الذي يهدد الملايين بالموت، وسيطر احتكار المال والأرض والحكم من قبل زمرة قليلة من المستغلين
فصار المصريون مجتمعا طبقيا موزع بين:
- 1) طبقة رأسمالية: تعيش مترفة فلا تقوم بأي عمل مثمر، انما هى عالة على المجتمع، تستغله وتستعبده بدون حياء، ومن جهة أخرى، تمشى في ركاب المستعمر الغربي تنفذ غاياته ومطامحه. وهي تتكون من الحكام والإقطاعيين وأصحاب المال، الذين يحتكرون الوظائف الحكومية الهامة من سياسية وعسكرية، ويملكون نصف الأرض الصالحة للزراعة، وتمتص جيوبهم أكثر من ثلث الدخل القومي بالرغم من أن عددهم لا يتجاوز الألفين.
- 2) طبقة الفقراء والمعدمين: وتتكون من العمال والفلاحين والمتعطلين، وتمثل الأغلبية الساحقة من المجتمع المصري، وهي تُستغل بدون رحمة أو شفقة من لدن الطبقة الأولى (الرأسمالية) التي تجني ثمرة جهدهم.
- 3) فئة الخدم: وهى فئة ليست من الأولى (الرأسمالية) ولا كذلك من الثانية (الفقراء)، لكنها تعيش خادمة للطبقة الأولى طامعة في الفتات الساقط من موائدهم، وهم الذين تخلوا عن حريتهم وشرفهم، وهي فئة منحطة لأن طبيعة الخدمات الشخصية التي تؤديها قذرة وسافلة.
بين تشخيص الداء ووصف الدواء
- دعى سيد قطب للارتقاء بالقرية وتقريب الفوارق بين الطبقات، وفرض الضرائب التصاعدية على الأغنياء مع دعم الاحتياجات الأساسية للفقراء وربط الأجور بالأسعار، ومحاربة الغلاء المصطنع، وجشع التجار، واقترح إعطاء المواطنين حق الضبطية القضائية، وبذلك كان أول مَن دعا إلى ضرورة إشراف الدولة على الأسعار حماية للفقراء.
- طالب بإصدار مشروعات قانون النقابات وقانون عقد العمل وقانون آخر يضع حدًا أدنى للأجور مع تعديل الحد الأقصى لساعات العمل وتعديل قانون إصابات العمل وكانت دعوته عام 1941م. وقد اعترفت الحكومة بالنقابات العمالية في 6 سبتمبر عام 1942م وصدر القانون رقم 72 لسنة 1946م الخاص بتنظيم ساعات العمل في المحال التجارية ودور العلاج والقانون 106 لسنة 1948م للتوفيق والتحكيم في منازعات العمل ثم قانون عقد العمل الجماعي، مما يعد تنفيذًا لاقتراحات قطب وغيره من المصلحين.
- وتعرَّض سيد قطب لمشكلة الهجرة من الريف إلى المدينة والتي ناقشها في الأربعينيات ونادى بضرورة حلها عن طريق توفير فرص العمل في الريف والتوسع في استصلاح الأراضي وتوفير الخدمات لأهل الريف مع الاهتمام بالصناعات الزراعية وتحسين السلالات الحيوانية، كما طالب بالإسراع في إصدار قانون التأمين على الماشية، وهي مقترحات تسعى الدولة لتطبيقها اليوم في محاولةٍ منها لسد الفجوة الغذائية.
- نشر سيد قطب في مجلة الفكر الجديد عام 1948م، نماذج لقوانين دعا الدولة إلى الأخذ بها، منها قانون بفرض الضرائب التصاعدية على الأغنياء وآخر يحدد الملكية الزراعية بمائة فدان. (2)
الدعوى الى العدالة الاجتماعية
في هذا الواقع كتب سيد قطب كتابه (العدالة الاجتماعية في الإسلام) والذي صدر عن "دار نهضة مصر للنشر" في 1949 ضمن سلسلة "هيئة النشر لخريجي الجامعات"، هو كتاب سيد قطب الأكثر نجاحا في فترة حياته. وما بين نشره للمرة الأولى في 1949 وموت قطب في 1966، أعيد طبعه ست مرات، وكان سيد قطب يقول في كتابه أن "البطون الخاوية لا تعرف معان سامية، فهي تسحب الناس نحو الاستعباد العقلي وتقودهم مباشرة إلى الحظيرة الشيوعيّة كما حذّر في كتابه "معركة الإسلام والرأسماليّة".
والغريب أن كتاب سيد قطب حول (العدالة الاجتماعية في الإسلام) لقى ترحيبا واسعا ليس فقط من المتدينين، انما كذلك من الشباب المفتون بالنموذج الشيوعى، فقد نُقل عن (عز الدين إسماعيل) والناقد والاديب فيما بعد، وكان حديث التخرج وقتها، إنه شعر باندهاش شديد
حين صدر كتاب سيد قطب، فقد وجد تهليلًا له من بعض الكتاب الشبان، خاصة اليساريين منهم، إلى حد القول إن ذلك الكتاب سيقود ثورة اجتماعية وأن كاتبه هو فولتير مصر، واعتبار البعض الكتاب "مانيفستو مصرى وعربى"، وهكذا قورن الرجل بفولتير وماركس معا (3)
الفارس فى مواجهة الفساد
وبينما كان نقَّاد الفنِّ يُشيدون بموقف نجيب الريحاني حين تهكَّم على الباشوات في أحد أفلامه، كان سيد قطب يكتب مقالا بعنوان (أولاد الذوات وبناتهم هم نتن الأرض ولعنة السماء) مجلة الفكر الجديد، العدد 7، فبراير 1948م، وأخرى بعنوان (ليس الشعب متسولاً، فردُّوا له حقوقه وهو غني عن برِّكم) مجلة الفكر الجديد، العدد 10، مارس 1948م
كانت مقالات سيد قطب تلقي حُمَمًا على القصر والحكومة، فلم يتحملا ذلك؛ ولم يكن أمامهم إلا إبعاد سيد قطب عن مصر أو إعتقاله، ولأن اعتقاله كان صعبا حينها بسبب احترام القانون إلى حد ما في مثل حالته ككاتب كبير، إضافة إلى علاقته ببعض الوزراء، وبرئيس الوزراء حينها محمود فهمي النقراشي
فقد اختاروا إبعاده فى بعثة تعليمية (مفصلة)، ومما ذلك ما نُقل عن الدكتور الطاهر مكي، أنهم طلبوا من سيد الاطِّلاع على مناهج ونظم التعليم في أمريكا بوصفه يعمل بالتفتيش الفني بوزارة المعارف، ولم يكن مقيَّدًا هناك بجامعة معيَّنة أو زمن معيَّن، فتركوا له الحرية في مجال الدراسة وميدانها وتخصُّصها وزمانها ومكانها. (4)
مواجهته للفساد الاخلاقى
ولم ينسى سيد قطب الجانب الاخلاقى..
- فيكتب مقالا في مجلة الرسالة يهاجم فيها تقليد الغرب فيقول: (ففي مصر اليومَ دعوة حارة ومخطرة معًا، إلى تقليد الغرب، والجري وراء الغرب، وإن كان الغرب نفسه لا يعرف اليومَ وِجهتَه، وهو شارد كالضالِّ في متاهات الحياة، فكأننا سنجري وراء من يجري وهو لا يعرف مبتغاه) مجلة الرسالة، عدد 17، بتاريخ 15/9/1933م
- وهاجم ملابس النساء على الشاطئ في الإسكندرية في مقال بعنوان "صراصير" بمجلة الرسالة فيقول:
- (إنني لا أرى هنا عرائس ولا حتى شياطين.. إن العرائس والجنِّيَّات لأطيافٌ هائمة طليقة، خالصة من الضرورات والقيود؛ ولكني أُحِسُّ هنا ثقل الضرورات وصلصلة القيود. هنا أجساد تشدُّها الغريزة، هنا لحم، لحم فقط يكاد يتجرَّد من الروح، لحم قذر رخيص، هنا صراصير!
- محالٌ أن تقنعني أن هذه التي تتخلع مع زميلاتها، وهي تقطع (البلاج) ذهابًا وإيابًا بلباس البحر (المايوه)، وكل ما فيها جسد يتخلج بالغريزة الهابطة، وأن هذا الفتى الذي يتدسس بالنظرة الخائنة إلى مواضع الضرورة في هذه الأجساد المتخلِّجة، بينما يلقي بنظره متباهيًا على مواضع الحيوانية في جسده (بالمايوه)، محال أن تقنعني أن هؤلاء أو هؤلاء، عرائس البحر، أو حتى شياطين!
- ان الشيطان أنظف وأرشق وأخفُّ، وأكثر انطلاقًا من القيود.. هنا لحم، لحم فقط، لحم رخيص! رخيص.. فكثير من هذه الأجساد العارية يفقد حتى قيمة اللحم العزيز، لست أشك الآن في أن الملابس من صُنع حوَّاء؛ فهذا التستُّر وهذا الخفاء هما مبعث الفتنة والأشواق -حتى الجسدية- وحين يتجرَّد الجسد نفسُه يموت!
- ولكن المرأة في هذا الجيل تفتقد حتى فِطنة الغريزة وسلامتها، إنها الشهوة المريضة، شهوة الحيوان الضالِّ الهزيل، لا الحيوان الفارِهِ الأصيل!… ربَّاه! أتكون هذه هي مصر وأنا لا أدري؟! إنني رجل متخلِّف، لستُ -مع الأسف- من "التقدُّميين" في هذا الجيل! ولكن لا؛ إن مصر لشيءٌ آخَرُ، وإلَّا لانهارت إلى الحضيض، مصر لا تزال أمَّة، ولن تقوم أمَّة على هذا الأساس المنهار!
- إنما هي حفنة من الرقعاء الذين لا أعراض لهم، ظلُّوا يهتفون للمرأة بهذا النشيد، وأوتي بعضُهم أقلامًا وصُحفًا، فلكي يرتعوا في كلأٍ مباح، ومن أجل هذا الغَرَض الصغير؛ حاولوا إتلاف أمة، وإضاعة شعب؛ ولكن لم يستسلم لهم إلا عدد محدود، عدد يطفو على سطح المجتمع كما تطفو الجيف فيتمتَّعن بنشر أسمائهن ونشر صورهن، أما الحرائر فهن هناك في البيوت
- لا تقع عليهن أنظار هؤلاء الرقعاء، ولا عدساتهم المصوِّرة، ولا تلوك الألسنة أسماءهن في هذا الجيل! وأحسستُ أني أختنق داخل الجدران، فخرجتُ، خرجت إلى البحر والليل، لا أحد هنا على (البلاج). أيها البحر، إنك هنا الشيء الوحيد النظيف (مجلة الرسالة، العدد 682، بتاريخ 29/7/1946م)
- وكتب في مجلة الرسالة مقالاً بعنوان "سوق الرقيق" يقول فيه:
- "ولكن أهذه محنة روَّاد البلاج وحدهم في هذه الأيام؟ كلا! إنما هي محنة هذه الإنسانية التي غفلت عن نفسها لتسمع صوت الآلات، محنة هذه الحضارة المادية الواردة من أوربا، التي فتنت الناس عن أنفسهم بما أبدعته من وهج وبريق وضجيج! كم أمقت هذه الحضارة الأوربية وأحتقرها، وأرثي للإنسانية التي خُدعت بها، فأوردتها التهلكة.. بريق وضجيج، ومتاع حسيٌّ غليظ، وفي هذه الضجة تختنق الروح، ويخفت الضمير، وتنطلق الغرائز والحواسُّ، سكرانة معربَدة تهيِّجها الأنوار الحمراء، كالديكة (مجلة الرسالة، العدد 685، بتاريخ 19/8/1946م)
- وهناك مقال بعنوان (مدارس للسخط) يشير إلى الحالة الثورية الفكرية التي وصل إليها سيد قطب، فيفكِّر فيه بصوت عالٍ أنه لا بدَّ من تغيير كل شيء وإصلاحه حكَّامًا ومحكومين ونُخبة وهلمَّ جرًّا
يقول:
- (قال لي صاحبي: أما تفتأ هكذا ساخطًا على جميع المظاهر والأوضاع؟ أَرِحْ أعصابك يا أخي، ودع الخلق للخالق، إنه لا فائدة، لا فائدة من كل هذه الصرخات! قلت لصاحبي: أمَّا أنا فسأظلُّ ساخطًا، أعلن سخطي على كل شائهٍ من المظاهر والأوضاع، ولن أدع الخلق للخالق؛ لأن الخالق هو الذي يقول: "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"، ويصف قومًا ضعفوا واضمحلُّوا، فيقول عن سبب الاضمحلال: "كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ".
- وأما إنه لا فائدة هناك، فأنا لست يائسًا ولا متشائمًا، واعتقادي الكامل أن هذا الكون الوسيع لا يُضيع صوتًا واحدًا ينطلق فيه بدعوة الحقِّ، ولا بد أن يردِّد صدى هذا الصوت في يوم من الأيام، طالت أو قصرت به الأعوام.
- وقلت لصاحبي: إنه لو وُكل إليَّ الأمر لأنشأت ضعف هذه المدارس التي تُنشئها الدولة لأعلِّم فيها هذا الشعب شيئًا واحدًا، هو السخط! السخط على الأوضاع والمظاهر الشائهة التي تسيطر على حياة هذا الجيل في كل اتجاه؛ فالسخط هو دليل الحيوية الكامنة، والرضى بهذه الحال المائلة هو نوع من اليأس والتشاؤم يقتل الأمم أو يؤدِّي بها إلى الاضمحلال. أجل، لو وكل إليَّ الأمر لأنشأت مدرسة للسخط على هذا الجيل من رجال السياسة في هذا البلد، أولئك الذين يتخاصمون فيتشاتمون
- ويتَّهِم بعضهم بعضًا بكل كبيرة: بالخيانة، بالرِّشوة، بفساد الذمَّة… إلى آخر هذه الجعبة من الشتائم والتُّهم النكراء، حتى إذا ارتفعت لهم تلك العصا السحرية، عصا دار الحماية التي هي دار السفارة، أو دار السفارة التي هي دار الحماية، نَسُوا كل ما قيل، واتَّحدوا وائتلفوا، وصافح بعضهم البعض، وابتسم بعضهم لبعض، وأثنى بعضهم على بعض، والشعب ينظر ويَعجَب: أما أن يكون الجميع كاذبين في الماضي، أما أن يكون الجميع كاذبين في الحاضر، وهم في كل الأحوال لا يؤمَنون على مصير هذا الوطن، وتلك ذممهم وهذه ضمائرهم، كلهم جميعًا بدون استثناء!
- ومدرسة للسخط على أولئك الكتاب والصحفيين…
- ومدرسة للسخط على أولئك الوزراء…
- ومدرسة للسخط على أولئك الباشوات وغير الباشوات…
- ومدرسة للسخط على أولئك الأرستقراط الذين يَعلَمون من هم…
- وأخيرًا مدرسة للسخط على هذا الشعب الذي يسمح بكل هذه المساخر، ويتقبَّل كل تلك الأوضاع، دون أن ينتفض فينبذ هؤلاء وأولئك جميعًا! مدارس للسخط! ما أحوجَ الشعبَ منها إلى الكثير، إنه لأحوجُ إليها من الطعام والشراب؛ فمن ينشئها؟!
- أينشئها هذا الجيل من الشباب المائع المسترخي إلا النادرَ القليل؟ كلا! إنما تنشئها الأقلام المخلصة، الأقلام التي تواجه الحقائق، ولا تنفر منها، ولا تخشى عاقبة الجهر بها، الأقلام التي لا تيأس ولا تملُّ، ولا تؤمن بأنه لا فائدة.
- وإنها لفريضة على كل صاحب قلم، ولن تضيع صرخة واحدة في الهواء، فالهواء أحفظ للأصداء، والأجواء حفية بالدعاء، ومن لم توقظه الدعوة، فلتوقظه الصيحة، ولا يأس مع الحياة (مجلة الرسالة، العدد 691، بتاريخ 30/9/1946م) (5)
أفكار سيد قطب أيقونة الثورة
كانت كتابات سيد قطب هي أيقونة الثورة ونشيدها، فكتاباته وأشعاره دُرست في مدارس الدولة المصرية، واستمر هذا من بداية حركة الضباط الأحرار الى عام 1965م
يقول عادل حمودة:
- (وفي ذلك الوقت – أي بعد الثورة – كانت كتاباته – أي سيد قطب – ومؤلَّفاته توزَّع على المدارس التابعة للوزارة بأمر كمال الدين حسين، كما أن أناشيده الوطنية كانت تدرَّس للتلاميذ في دروس المطالعة؛
- ويؤكِّد ذلك ما جاء في رسالة عبد الحكيم عامر إلى كمال الدين حسين بعد أحداث 1965م؛ فقد أرسل كمال الدين حسين إلى عبد الحكيم عامر رسالة يتشكَّك فيها أن يكون ما نُسب إلى سيد قطب صحيحًا، ورفض أن يكون متآمرًا متطرِّفًا، فكان أن قال لعامر - عبارته الشهيرة التي قالها للسادات بعد ذلك- عبارة: "اتق الله"، وكان أن ردَّ عليه عامر في رسالة أخرى، قال فيها: "أيريد سيد قطب الذي كنتَ توزِّع كتبه أن يصنع من نفسه نبيًّا ينزل عليه الوحي".
- وهذه الفِقرة من الرسالة توضِّح إلى أيِّ مدى كانت الحكومة تهتمُّ بنشر أفكاره ومؤلَّفاته، وتقرِّرها على المكتبات المدرسية وحصص القراءة الحرة. وقد ظلَّت مؤلَّفات وأناشيد سيد قطب في المدارس الحكومية حتى بعد القبض عليه سنة 1954، ولم يبدأ التخلُّص منها إلا بعد عشر سنوات بعد أحداث [[]]، فكان أن جُمِعت مؤلَّفاته من المدارس، ونُزعت صفحات الأناشيد
- وتشكَّلت لجان خاصة للتنفيذ، وقَّع أفرادها على محاضر رسمية رُفعت لجهات الاختصاص العليا، كما أن "دار المعارف" الدار التي كانت تَنشُر كتبه تولَّت من نفسها جمع ما في مخازنها ومكتباتها من نُسخ، وأحرقتها، وكان تصرُّفها شاذًّا وغريبًا بالقياس إلى تصرُّف جهاز الأمن الذي صادر الكتب التي كانت في بيوت المتَّهمين، وسلَّمها إلى دار الكتب، التي لم تُحرقها، وإن ألقتها في مخازنها الرطبة بعد أن حوَّلتها إلى "عُهدة" توارثها عدد كبير من صغار الموظَّفين (عادل حمودة، سيد قطب من القرية إلى المشنقة، ص117-118)
كما تحدث الشهيد سيد قطب في كتابه (معركة الإسلام والرأسمالية) عن الفساد والاقطاع في مصر وفى العالم العربية كأقوى ما يكون الحديث. وكانت أوقات صدور نسخ الكتاب وإقبال القراء عليها دلالة لا يغيب مغزاها عن المتابع..
فأول طبعة من الكتاب كانت في عام 1950 حيث سيطرة رجال القصر والاقطاع من باشاوات تلك الحقبة وكانت الطبعة الثانية من الكتاب في شهر أبريل 1952، اى قبل ثلاثة أشهر من قيام حركة الجيش والتي تحولت بعد ذلك لانقلاب عسكرى، وكأنها منشورا ثوريا وأنذرا بقرب انفجار شعبى هادر. حتى أن بعض الكتاب شبه سيد قطب بـ (ميرابوا الثورة الفرنسية) اعترافا بدور سيد في الهاب المشاعر وإشاعة روح التمرد والثورة على الأوضاع الفاسدة آنذاك.
وكانت الطبعة الثالثة من الكتاب في عام 1966 اى بعد استشهاده، ونفذت هذه الطبعة من الكتاب بعد إعدام الرجل، دلالة على تأييد الجماهير لسيد قطب واحتجاجهم الصارخ على إعدامه. لذا فكثير من مثقفى تلك الفترة سيتأخرون فى وجدان الجماهير كثيرا، عندما تعلم هذه الجماهير ما بذل سيد قطب من أجلها، حتى أن عبد الناصر لم يستطع أن يقف أمام سيد، فأعدمه والناس أحوج ما تكون الى قلم يدافع عنهم ويتبنى قضاياهم.
وبسبب التأييد الواسع لسيد قطب من جماهير غفيرة فى أرجاء الوطن العربى، اضطر عبد الناصر الى الافراج عن سيد قطب بعفو صحى استجابةً لوساطة الرئيس العراقي عبد السلام عارف عام 1964، وكان حينما يُسأل عبد الناصر عنه في زياراته للدول الإسلامية يدَّعي أنه ليس سجينًا، فقد أخبر عبد الناصر العلماء الباكستانيين أن سيدًا ليس سجينًا؛ بل هو حرٌّ طليق؛ بدليل نشر الظلال في القاهرة، وصار الموظَّفون الرسميون في الخارج يجيبون بجواب الرئيس إذا سئلوا عن سيد قطب! (6)
المصادر
- جمال حمدان، العالم الإسلامي المعاصر، كتاب الهلال، القاهرة، 1993م، صـ 175
- الإصلاح الاجتماعي والسياسي في مشروع سيد قطب
- العدالة الاجتماعية بين اليمين واليسار
- المعارك الصغرى لسيد قطب
- المصدر السابق
- المعارك الصغرى لسيد قطب