أزمة المشروع الوطني، هل تنتهي؟

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أزمة المشروع الوطني، هل تنتهي؟


بقلم : بهاء الدين الغول

لم يتورع د.عبد الإله بلقزيز في كتابه أزمة المشروع الوطني الفلسطيني عن ذكر أبعاد الاختلاف على ماهية المشروع الوطني الفلسطيني منذ انقلاب "أبو عمار" على أحمد الشقيري مؤسس منظمة التحرير، وبلقزيز الكاتب المغربي المتابع بشكل حثيث وجيد للقضية الفلسطينية، رغم تأثره –وكما يقول- بقيادة أبو عمار واقترابه من أفكار الجبهتين، إلا أنه كان واضحا في وصفه لأسباب الخلاف، ولعل اتفاق أوسلو يلخصها ويظهر عمق الأزمة الفلسطينية الفلسطينية، وهي أزمة تناقض المشاريع.

انشقاق فحرب فمؤامرة فاغتيال

فبينما انشقت فتح الانتفاضة وتقاتل الفلسطينيون في مخيمات لبنان على إثر هذا الاتفاق المشؤوم، ظلت تداعياته مسيطرة على الحالة الفلسطينية حتى اليوم، لتتحول صيغة المشروع الفلسطيني من التحرير إلى الاستقلال، ومن الوطن إلى الدولة، أما بلقزيز فرأى ذلك انحدارا كبيرا في السقف الفلسطيني وتحولا سلبيا في مسيرة الفعل الشعبي، وتنازلا غير مبرر ومجانيا عن مكاسب انتفاضة الحجارة (87) التي أعادت للقضية الفلسطينية معناها بعد سنوات من إهدار الدم والحروب غير المنضبطة التي دخلتها فتح ومنظمة التحرير المؤتمرة بأمرها في كل مكان دخلته، غير آبهة بدروس الإبادة في الأردن، والحرب الأهلية في لبنان وغيرها من قصص الدمار التي جلبها هذا الجسم للشعب الفلسطيني في الشتات.

أما أبو عمار الذي كان قد وصل إلى نقطة اللاعودة في مشروع الدولة المنقوصة السيادة والمعنى، فقد رأى الكاتب أنه قرر تعديل مساره، بعد أن تحولت سلطته إلى شرطة مؤتمرة بأمر القائد العسكري الصهيوني، وأداة لتنفيذ أحكام العدو، وكبح جماع التطور العسكري للمقاومة، بعد أن أصبح وحيدا وغير قادر على حفظ ماء وجهه بعد كل تلك التنازلات، فرفض التعاطي مع مطالب العدو في كامب ديفيد، ليحاصر وحده في مبنى المقاطعة بينما يعد آخرون أنفسهم لخلافته، وهم على يقين وعلم مسبق –على ما يبدو- بما أعد له. مأمأح

وجه جديد وانحدار أشد

استشهد أبو عمار وكان قد سلم طواعية مقاليد الحكم والنفوذ لأبي مازن صاحب التاريخ الطويل في المفاوضات السرية، والمناهض حتى لضرب الحجارة، والمهندس الأول لعملية السلام ذات الوجهين والذي تحالف مع الطفل المدلل دحلان الذي قاد انقلابه على "أبو عمار"، حيث رضخ أخيرا للمطالب الأميركية بتعيين محمود عباس رئيسا للوزراء، وتعيين فياض وزيرا للمالية.

أعلن أبو مازن عن انطلاق مرحلة جديدة ونُصح بإجراء انتخابات لتذويب المعارضة في العملية السلمية ومشاغل الحكم، وبينما رفضت الحركة الإسلامية المشاركة ثارت شكوك حول مدى مشاركة الجمهور في الانتخابات، وعن صدقية تحقق النصاب الانتاخبي الذي يضمن شرعية العملية، كانت النتائج متوقعة، وأتبع ذلك تحضير لانتخابات تشريعية... منحت حماس وفصائل العمل الوطني والإسلامي السلطة فرصة عبر تهدئة التزمت بها حماس حتى 9-6-2006 حيث كانت شواطئ شمال القطاع على موعد مع اغتيال عائلة غالية...

أعطت هذه التهدئة حماس فرصة كذلك لدراسة دخول العملية الانتخابية وبدت نتائج الانتخابات البلدية مطمئنة جدا، ليحين موعد الانقلاب السياسي كما يصفه بلقزيز، فقد فازت الحركة بأغلبية مريحة كادت تصل إلى الثلثين فيم اعتبره الكاتب صدمة للعالم ومفاجأة لحماس، تلعثمت لها كلمات الرئيس الأميركي، ليعرب عن دعمه للديمقراطية الفلسطينية وحزنه لفوز حماس.

خارطة طريق، سقف جديد!!

محطة مهمة لم نتوقف عندها بعد هي خارطة الطريق، فبعد استشهاد "أبو عمار" عدلت أميركا سقف كل شيء، وعرضت مبادرة جديدة أصبحت فيم بعد سقف المفاوض الفلسطيني المنعزل عن إرادة شعبه ومقاومته، فيم اعتبر انحدارا أشد من سابقه في أوسلو، فيم يقول أفرايم هالفي رئيس الموساد السابق إن أميركا تعاملت بخبث مع تخفظات إسرائيل الأربعة عشر عليها.

قبل الانتخابات بأشهر فقط كانت الإعدادات واضحة لمرحلة ما بعد الاتنخابات، فقد تحول بناء السرايا إلى قلعة حقيقية، سور طويل بسمك يصل إلى نصف متر، مكعبات مسلحة لحماية الجنود، وقس على ذلك التجهيزات العسكرية الأخرى.

كان ملفتا جدا خطاب قيادات فتح قبل دقائق من النتائج، في فترة كانت مراكز الأبحاث قد أشارت إلى فوز فتح، ونذكر مما قيل "إن على الأقلية أن تخضع للأكثرية"، لتتفاجأ فتح أن الكتلة الثانية في المجلس بفارق كبير جدا...

السياسة درجة احتراق الأيديولوجيا

وجدت حماس نفسها مضطرة لتحمل إرث السلطة السابقة بفسادها وسوء إدارتها واتفاقاتها لكنها كانت ترى نفسها غير مضطرة للاعتراف بالسابق من الاتفاقات وهي محقة في ذلك كما يرى بلقزيز لأن مسئولية الحكومة مقتصرة على إدارة مساحات الحكم الذاتي، ثم وجدت نفسها مضطرة لتحمل شيء جديد هو الحصار، فقد عدل العالم شروطه، وجدد اعتبار حماس إرهابية، فيم لعبت إسرائيل دورا في الضغط على الدول الغربية ختم بشروط الرباعية الثلاث للتعامل العالمي مع حماس وأهمها الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود...

أحست حماس فعلا بمعنى مقولة السياسة هي درجة احتراق الأيديولوجيا وهي كلمة بلقزيز المأثورة، فهي وإن أرادت الالتفاف على أوسلو دخلت ضمن منظومة ناتجة عنه يقول الكاتب، وإن كان هناك من اختلاف بيني وبينه في هذا الشق إذ إن الدخول في العملية الانتخابية أعطى حماس شرعية التغيير وأحقية قلب الطاولة وفرض الشروط، وكان بإمكان عباس أن يضع يده في يد حماس سيما بعد عملية الوهم المتبدد وأسر المجرم شاليط...

كان لعباس رأي آخر وهو رجل المشروع المناهض للمقاومة كما يقول بلقزيز ورجل أميركا كما يقول المصريون في حواراتهم المغلقة مع حماس، فقد ضغط مع إسرائيل على حماس للاعتراف بحق لها في الوجود، ثم أوجد آليات تمكن العالم من تجاوز الحكومة، على أن الكاتب اعتبر أنه كان من الأفضل لحماس أن تلتزم السلطة الرقابية والتشريعية بدل الدخول في الحكومة، وتشكيلها منها وحدها بعد رفض كافة الأطر السياسية الدخول فيها بقصد إحراج الحركة الإسلامية.

الانقسام ... وعودة عباس!

من المفيد جدا أن نخرج قليلا عن سردنا التاريخي ولكن نذكر فقط بثقة عبد الإله بلقزيز بأن حماس لن تحترق سياسيا كما سابقاتها، فهي اكتسبت المناعة مستفيدة من الأخطاء التي وقع فيها الآخرون، وهي صاحبة مشروع واضح وقديم بشأن الهدنة، على أنه رآها تقاربا بينها وبين الجهاد الإسلامي وكذلك المشروع الآخر فيم يتعلق بشأن الدولة.

كان واضحا لبلقزيز أن مواجهة ستحدث بين فتح وحماس، إذا ما تواصل مشروع فتح الانعزالي والتحشيدي، وفي رسالته التي ختم بها كتابه طالب عباس بالعدول عن هذا الطريق، والاصطفاف إلى جانب المقاومة، وقال إن الحل اليوم لا يمكن أن يكون إلا بالعودة إلى الأصل في المشروع الفلسطيني وهو مشروع التحرير...

فشلت المفاوضات كما كنا نقول دائما، وخلا لإسرائيل وجه أميركا، فيم انشغلت الأخيرة بانتخاباتها، لتتحول بطتها العرجاء إلى مشلولة في أيامها الأخيرة في الحكم، أما أكذوبة الدولة المستقلة والمحتلة في آن واحد فقد ذهبت مع الريح، وكما حاول البعض أن يسوق أن لا حاجة لإزالة الاحتلال وأننا قادرون على التعاطي مع وجوده متناسيا عذابات ملايين الفلسطينيين في الداخل والخارج فلم تعد تجد مشترين في سوق المشاريع "الوطنية".

عودة وحوار!!!

وأخيرا دون شروط دعا عباس إلى حوار وطني، وأعلن عن لقاء مرتقب مع مشعل، ولذلك نقول، إن على حماس صاحبة الدعوة الأولى التي لم تفرض شروطا من قبل أن تضع على الطاولة آليات تنفيذ اتفاق القاهرة 2005، مع إزاحة الشخصيات التي تسببت في التفلت الأمني والحرب ضد المقاومة، وأتفق مع غيري ممن يقول إن على فتح أن تخرج بوجه واحد، لا أن يمد أحدهم يده، ويقطع آخر رؤوس العباد.

وبين هذا وذاك تبقى الأمال بصدقية عباس كبيرة سيما وأن الأخير يبدو هاربا إلى حماس بعدما خذله مشروعه الذي أمضى حياته من أجله، ولعله يحظى بموقف شريف كذلك الذي حوصر من أجله "أبو عمار"، في أيامه الأخيرة في الحكم، يقدم به مذكراته.

فياض، دحلان، والأربعين ...!

لابد أن يسبق أي حوار إطلاق سريع ومباشر لمئات الأسرى من الحماسيين والمقاومين، والصحافيين القابعين في أقبية التعذيب والتحقيق في الضفة، كبادرة صدق، ووقف التنسيق الأمني والاعتقال السياسي، والقتل أثناء التعذيب.

أما سئوا الذكر في عنواننا الأخير فلا أدري كيف سيتعامل معهم عباس وحماس، غير أنني لا أرى لهم مكانا بيننا، ويكفيهم ما سرقوه وامتصوه من دمائنا، فأصواتهم النشاز ما زالت تصم آذان الكثيرين وتعبئهم لتحولهم من فارين إلى الله إلى هاربين إلى إسرائيل –إيرز-.

المصدر