أفيقوا قبل أن تستعر الفتنة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أفيقوا قبل أن تستعر الفتنة

رسالة من الأستاذ محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد النبي الأمِّي الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، وبعد..

فانطلاقًا من فهم آيِ دستورِنا الخالد، الذي يبلور أصلَ القوةِ الكامنَ في أمتنا بإيجازٍ في قول الحق ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103)، ويؤكد على ذات المعنى قوله تعالى ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (المؤمنون:52)..

من فهم هذا المعنى انطلقت أيادي الفتنة لتغتال التوحُّدَ في أمتنا بسكِّينٍ صهيوني النَّصل، أسقط رمزَه المتجسد في الخلافة الإسلامية ليتمكن الأعداء من تبضيع الجسد الواحد، ومن ثم يكون الانقضاض على الجزء أقلَّ مخاطرةً من مواجهة الكل، خاصةً مع الطبيعة الكامنة في الشرِّ كلما كشَّر عن أنيابة لمواجهة أمة الإسلام ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ (الحشر:14).

وهكذا ما إن تَحطَّم معنى الجمع في الواقع على صخور التآمر حتى انقضت الضباع الاستعمارية تَلْتَهم الحدود التي كانت متلاحمةً، وتستولي على المقدرات التي كانت تغذي خريطة الدولة الإسلامية في أوْج مجدها، حين كانت السُّحُب تمطر حيث شاءت لتنبت زرعًا تجنيه أيادٍ مسلمةٌ، يقين فؤادها ما قاله هارون الرشيد: "أمطري حيث شئت؛ فإن خراجك سوف يأتي إلينا".

وإذا كان واقع أمتنا هو صورًا تبثها أجهزة الإعلام لصقيع يلتهم المشرَّدين في وديان أفغانستان الأسيرة بين مطرقة الاحتلال وسندان العمالة، وصورًا لأنهار من دماء عراقية بريئة تخالط مداد دجلة والفرات؛ بفعل مستعمر جاء ينشد كنوز العراق تحت ستر التحرير، وصورًا لأقصى تهدده نيران حقد صهيوني دفين لا يهدف إلا فناءَه وأمته.. إذا كانت هذه المشاهد هي الانعكاس لأمتنا في عيون العالم فإن واجبنا ألا نزيد جراح الأمة عمقًا، وألا نتحول إلى حطَب يزيد النيران الموجَّهة إلى صدورنا استعارًا، خاصةً وأن كل أقنعة التآمر سقطت ولم يعُد خافيًا لكل ذي عين بشاعةُ دعاوى التحرير الأمريكي المحكوم بأحلام جورج بوش، الذي قالت عنه صحيفة (النيويورك تايمز) في افتتاحية عددها الصادر بتاريخ (19/2/2005م) نصًّا: "لا تزال إدارة الرئيس تصر على أنه يملك حقًّا إمبراطوريًّا في تنحية القانون جانبًا والتصرف كيفما شاء".

فيا قومنا..

أمة الإسلام، التي يوحدها رب واحد، تجأر باسمه الأفئدة وتعلنه أكبر من كل محاولات الهيمنة في صلواتها الخمس، مؤكدةً (الله أكبر)، وأمة العرب التي توحدها جذور اللغة وأواصر الجيرة والقربى، مختلطة بخريطة جغرافية سعى المحتل إلى تفتيتها..

إليكم يتوجه الإخوان المسلمون برسالتهم في توقيت بات فيه العَداء سافرًا، والكُره لا تواريه محاولات التجمل، وأصبح المخطط مفضوحًا، حسبما قال بوب هربرت (الكاتب والمحلل الأمريكى) في 28 فبراير المنصرم- تعليقًا على خطاب بوش في بروكسل-:

"لقد أمضى الرئيس جل وقته الأسبوع الماضي في إعطاء الأمم الأخرى دروسًا في الحرية والديمقراطية وسيادة القانون، وكان ذلك استعراضًا متبجِّحًا لا نظيرَ له، فقد بدا لي كقاضٍ يُجيع أطفالَه، ثم لا تتورد وجنتاه خجلاً عندما يجلس إلى منصة الحكم وينظر في قضايا انتهاك حقوق الأطفال".

فلئن كان الواقع هو هذا فلابد من محاولة رأب الصدوع الداخلية؛ حتى لا يمتد واقع الاحتلال العراقي إلى باقي دولنا.. وما الأطماع منها ببعيدة.

ويا قومنا في لبنان..

نخصكم بالحديث؛ فالعيون الجائعة مسلطة على أراضيكم، وأذرع الأخطبوط الصهيوني التي امتدت إليكم وبترتها وحدتكم وبسالة مقاومتكم نبتت من جديد..!!

غير أنها لن تطالكم ما دامت وحدتُكم سدًّا في مواجهتها، ونموذج ديمقراطيتكم يقض مضاجع مدَّعي تحرير الشعوب.

ولقد اكتوى صفُّكم بنيران الفتن عِقدًا، فلئن كانت ذات اليد التي أوقدت فتيل الفتنة في سابق العهد تسعى إليه اليوم جامعةً كل عيدان الثقاب؛ لتجعل من حادث استشهاد الرئيس رفيق الحريري الشرارةَ التي تحرق الأخضر واليابس.. فعليكم أن تحذروا متسلِّحين بـ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال:25)، واضعين نصب أعينكم مثالاً ربانيًا ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ﴾ (آل عمران: 105)، ولا تسرفوا في غضبكم حتى لا يحوله شياطين الإنس والجن إلى جمرة تحرق جوف وطنكم، خاصةً وأن غضْبتكم أثبتت فاعليةً باستقالة حكومة عمر كرامي.. لكنَّ للعدو المتربص أذنابًا تحول المظاهرات إلى انقسامات.

ويا أولي الأمر في لبنان..

لا يخفى عليكم أن حادث استشهاد الرئيس الحريري وحَّد الصف اللبناني حول إدانة شعبية لهذه الجريمة، ورفضٍ عام للعبث بالوطن، لكن لا شكَّ أن أصابعَ خبيثة تسعى سعيًا حثيثًا لدفع الشارع اللبناني نحو دائرة الصراع حول قضايا تصب كلها- خاصةً بعد التمديد للرئيس إيميل لحود- في الوجود السوري بلبنان، وبناءً على ذلك فإن الإخوان المسلمين يدعون كل ولاةِ الأمر في لبنان إلى:

أولاً: تجنيب المؤسسات الدولية المشهود عنها التبعية الأمريكية والصهيونية والعهدة بمسئولية التحقيق في حادث استشهاد الحريري للجنة من الجامعة العربية، بالتعاون مع القضاء اللبناني وممثل عن عائلة الشهيد.

ثانيًا: تشكيل حكومة انتقالية تعمل على تحقيق طموحات وآمال الشعب اللبناني، وتأخذ على عاتقها مسئولية البدء الفوري في حوار بين الحكومة والمعارضة يصل إلى صيغة توافقية جديدة لاستكمال تنفيذ اتفاق الطائف، كما تباشر مع المجلس النيابي الإسراع في إصدار قانون للانتخابات؛ حتى يمكن إجراؤها في موعدها مع تشكيل لجنة من كبار القضاة للإشراف على الانتخابات.

ثالثًا: دعوة جميع القوى اللبنانية إلى التوحد تحت الراية اللبنانية، مع عدم الانسياق للضغوط الدولية التي تفتح الباب لإعادة لبنان إلى ساحة الصراعات والأطماع الدولية.

وأخيرًا: يجب على كل لبنان ألا ينسى العدو القابع على الحدود، والذي يسعى للساحة اللبنانية، ولا يردعه إلا وحدة الصف ومقاومة المجاهدين الباسلة، وهي السلاح الذيى لا يجب التخلي عنه أبدًا، طالما بقيت الآلة الصهيونية الحربية الغادرة تنتظر لحظة الانقضاض.

ويا حكامنا..

نربأ بكم أن تتركوا لبنان وحده في مواجهة ضغوط دولية تسعى لاجتثاث وحدته والنَّيل من أمن شعبه وسلامة أراضيه، وبالتالى يدعوكم الإخوان المسلمون إلى عقد قمة ثلاثية عربية فورية تضم (مصر ولبنان وسوريا)؛ للوصول إلى آليات لتنفيذ اتفاق الطائف، وإعلان مبادرة (أخوية سورية) تجاه الشقيق اللبناني تُعيد العلاقات المميزة بين الشعبين وتنزع فتيل التفجير وتخفف الاحتقان.. كما ندعو كل الحكام إلى التوحد مع شعوبهم عن طريق إطلاق الحريات العامة؛ ليستنشق الشعبُ نسيمَ حرية وطنية الصنع، يقاوم بها دعاوى التغرير الاستعماري التي تطلقها إدارات أجنبية تسعى لبسط نفوذها على أمتنا.

وأنتم يا شعوبنا..

اعلموا أن حريتكم مرهونةٌ بإيمان تتلوه ألسنتُكم مع كل ركعة صلاة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (الفاتحة:5)، فحقِّقوا معنى التجرد في العبادة بحقيقة الاستعانة بالرب الواحد ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ (الفاتحة:5)، وبه وحده استعينوا؛ حتى تنالوا حرية الرحابة في الدارين ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5).

ويا أيها الإخوان..

تذكروا همة المصطفى- صلى الله عليه وسلم- في دعوته: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: 40)، فاجعلوا نجواكم فيما بينكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، واعلموا: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128)، ولكن "سلعة الله غالية" و"السفر طويل" والمكر محيق ﴿وَيَمْكُرُوْنَ وَيَمْكُرُ اللهُ﴾ (الأنفال:30).. فاجعلوا من حرية إيمانكم سبيلاً لحرية بني أمتكم، وسدًّا دون النيل من أوطانكم ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد:35).

والله أكبر ولله الحمد..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.