احملوا رسالة الإسلام إلى العالمين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
احملوا رسالة الإسلام إلى العالمين

بقلم: الاستاذ محمد مهدي عاكف

مقدمة

رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين

رسائل.gif

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين.. سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد..

فإن الناظر إلى أوضاع العالم الذي نعيش بين ظهرانيه يلمَس مدى حاجة البشرية إلى التعرف على الإسلام بحلاوته وطلاوته كما أُنزل من عند الله- عز وجل- على نبيه المصطفى- صلى الله عليه وسلم- محفوظًا من التحريف والتصحيف والتغيير والتبديل..

هذا الإسلام النقي الصافي كما هو في مصادره الأصيلة وليس الإسلام الذي تتراءى أمام الناس صورٌ مشوّهةٌ له بفعل أعمال وممارسات كثير من المسلمين الذين لا يلتزمون به قولًا وعملًا، أو بفعل بعض الكتَّاب، سواءٌ كانوا من بني جلدتنا لكنهم انسلخوا من عقيدتهم ودينهم، أو من المستشرقين المغرضين الذين درسوا الإسلام للطعن فيه، فصوروه زورًا بأنه دين سَفكِ دماءٍ ومطامع وأهواء ونزوات.

وقد ينبري قائل يقول:

وماذا لديكم أيها المسلمون الضعفاء المتخلفون- المتناحرون فيما بينكم- من خير تقدمونه للناس؟! ونرد عليهم بأنه: دعكم أولًا من واقع المسلمين المرّ، فلا تحكموا على الإسلام من واقع أبنائه، فإن ما أصابهم من جهل وتخلف وفرقة لا يعود سببُه إلى تمسكهم بالإسلام؛ لأن الإسلام لا يقبل من أبنائه الجهل والتخلف والفرقة، بل إن سببه بُعدهم عن ذلك الدين، وعلى غير المسلمين الذين ندعوهم للتعرف على عظمة الإسلام أن يتعرفوا عليه متجردين من مؤثرات تلك الحال المزرية التي يعيشها المنتمون إليه.

وهم حين يتعرفون على الإسلام لا يفعلون ذلك من باب الترف الفكري أو شغل أوقات الفراغ، وإنما سيجدون فيه كلَّ نافع ومفيد لأمور حياتهم ومعادهم إن هم آمنوا به واتبعوا هداه، فهو الدين الذي يجمع الخير للإنسانية كلها.

دين البشرية جمعاء

فقد أرسل الله سبحانه سيدنا محمدًا- صلى الله عليه وسلم- برسالة الإسلام للناس كافة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيْرًا وَنَذِيْرًا﴾ (سبأ: 28).. أرسله ليحقق لهم الخير في الدنيا والآخرة إن هم آمنوا به واتبعوا هداه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنباء: 107) ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (الأنبياء: 10) وعلى المسلمين المؤمنين بالقرآن حقًّا أن يتقدموا للعالمين، حاملين رسالة الإسلام من غير تردد ولا وَجَل ولا خَجَل، يتقدمون لدعوة أساطين العالم وحكامه وشعوبه وأفراده للتعرف على الإسلام والدخول فيه، مقتدين بالنبي الكريم- صلى الله عليه وسلم- الذي أرسل كتبَه إلى حكام القوى العظمى في العالم آنذاك، معرِّفًا إياهم بالإسلام، وداعيًا إياهم للدخول فيه.

نعم على المسلمين أن يتقدموا إلى بوش وبلير، وشيراك وشرودر، وبوتين وبرلسكوني، وكيزومي وسنج، وغيرهم من حكام العالم ومن غير الحكام، فنحن لا نشك إطلاقًا في صدق الرسالة التي نحملها، وأنها جاءت لخير البشرية كلها، وينبغي أن تمر تلك الجهود عبر مؤسسات تتولى تجميع الطاقات والجهود وتوجيهها الوجهة الصحيحة.

وعلى غير المسلمين ألا يأخذَهم غرور القوة وغطرستها، فيظنوا أن علوَّ قوتهم على قوة المسلمين مردُّه إلى فساد عقيدة المسلمين، فيأنَفوا من تدبر تلك الرسالة وما تحويه من خير، ولو كان هؤلاء منصفين لأدركوا أن قوتهم تفتقر إلى العدل والإنصاف، وأن اكتساب تلك القوة يعود في أغلبه إلى ظروف الغزو والقتل والاستعمار والاستغلال والنهب والسلب التي اتسمت بها سياسات الاستعمار الغربي نحو المشرق الإسلامي سنين طويلة ولا تزال ساريةً وإنْ اتخذت أشكالاً أخرى أقل عنفًا وأكثر دهاءً لتناسب المتغيرات الثقافية والإعلامية الجديدة التي طرأت على العالم، فقد بنَى الغرب بلاده على أشلاء وجماجم الشعوب المطحونة التي استغلها، ولا يزال..!!

وفي المقابل نجد في الإسلام أروعَ أشكال العدل وحفظ حقوق الناس كل الناس- بمن فيهم غير المسلمين- فهو دين الحق والعدل والمساواة والإنصاف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8)

الدين والسياسة

فإذا انتقلنا إلى قضية الحكم وتولي السلطة، وهي قضيةٌ سُفكت من أجلها دماءٌ غزيرةٌ على مرِّ التاريخ، نجد أن الإسلام قد نظم شئون الحياة وسياسة المجتمعات, مقرًّا بحاجة الناس إلى قيادة وحكومة، وداعيًا في الوقت نفسه إلى ضرورة ضبط تلك الأمور السياسية بضوابط الشرع؛ حتى تكون الدولة الإسلامية دولةَ رسالة وغاية لا مجرد كيان إداري.

ولقد كان من أكبر الانحرافات التي أصابت المجتمعات الإسلامية ذلك التوجه العلماني نحو فصل الدين عن الدولة، ومحاولة قصر الإسلام على العبادات وصرفه عن المعاملات، لكنَّ أحدًا لم يجرؤ على إعلان ذلك صراحةً، وتحدى مشاعر الشعوب المسلمة إلا في حالات قليلة نادرة، كما حدث في تركيا في عهد مصطفى كمال، فبقيت الدساتير التي صدرت تحمل في طياتها إشارةً إلى أن الإسلام دين الدولة، وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر رئيس للتشريع أو أحد مصادر التشريع على اختلافٍ بين الدساتير، وإن كان ذلك لا يرقى إلى النص المطلوب، وهو أن يكون الإسلام المصدر الرئيس للتشريع.

ولكن شتان بين النص والتطبيق!! فكم من نصوص قيِّمة وراقية حَوَتها دساتيرٌ، ثم جاء الواقع على عكس ذلك تمامًا، وهي مشكلةٌ كبرى تعاني منها مجتمعاتنا، وتتمثل في الطلاق البائن على مستوى السياسة بين القول والعمل، والنص والتطبيق؛ إذ لا يستنكف الساسة وأصحاب السلطة عن تجاهل نصوص الدستور وخرق القوانين، دون خشيةٍ من رادع أو عقاب أو تأنيب ضمير.

الدستور العراقي

وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن الدستور العراقي الذي انتهى العمل من كتابة مسودته مؤخرًا وبقي أن يُعرض على الاستفتاء الشعبي قبل 15 أكتوبر المقبل، فمسودة الدستور لم تخرج- فيما يخص علاقة الإسلام بالحكم- عما درجت عليه الدساتير العربية؛ إذ أشار إلى أن الإسلام دينُ الدولة الرسمي، وهو مصدر أساسيٌّ للتشريع، مضيفًا أنه لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.

وقد حاول بعض الغيورين على الإسلام من أبناء العراق تحقيق ما فشلت في إنجازه لجان كتابة الدساتير في بلدان عربية وإسلامية أخرى، وذلك بالنص على أن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع، فضلاً عن تعديل بنود أخرى لتشير إلى وحدة العراق وأصالة موقعه وهويته وانتمائه العربي، لكن لجنة صياغة الدستور العراقي فشلت في تلبية طموحات أهل العراق، ومن الواضح أن ضغوطًا هائلةً قد مورست على اللجنة وعلى الجمعية الوطنية العراقية وصلت إلى حد التهديد.

وقد كشف أحد مفاوضي السنة أن السفير الأمريكي بالعراق "زلماي خليل زاده" وجه إليهم تهديدات عدة خلال لقاءٍ معهم في محاولة لإجبارهم على الموافقة على الدستور، فلا عجبَ أن يعتبر البعض أن الدستور العراقي قد فرضه الأمريكان بالقوة؛ ولهذا نجد الرئيس الأمريكي جورج بوش يمتدح صيغة الدستور المقترح ويعتبره "مصدر إلهام لأنصار الديمقراطية"!! ويصرح السفير الأمريكي في بغداد بأن الدستور المقترح هو الوثيقة الأكثر تقدمًا في العالم الإسلامي!!

معركة إقرار الدستور

وقد اشتكى أهل السنة على وجه الخصوص من تجاهل إدراج مطالبهم في مسودة الدستور، واعتبر أحد قياديي الحزب الإسلامي العراقي أن مشاركة السنة في كتابة الدستور "موضوع إعلامي أكثر منه حقيقي"، مشككًا في نزاهة اللجنة المختصة بالصياغة.

ووفق قانون إدارة الدولة العراقية يمكن إسقاط مسودة الدستور إذا صوت ثلثا الناخبين ضده في ثلاث من مقاطعات العراق، ويعد الدستور آنذاك باطلاً، ويجب إجراء انتخابات جديدة لجمعية وطنية جديدة تقوم بسن دستور جديد.

ونحن ندعو أبناء العراق جميعًا- ويؤسفنا أن نقول سنة وشيعة وأكراد إذ ما كنا نود أن نشير إلى تلك الأمور التي يقصد بها تقسيم العراق والتفرقة بين أبنائه- إلى التجمع خلف هدف واحد يحقق طموحات الشعب العراقي المسلم في دستور يؤكد الانتماء الإسلامي والعربي للعراق بكل أبنائه بمن فيهم الأكراد؛ فهم مسلمون يتحدثون لغة القرآن، وإنما العربية اللسان، بصرف النظر عن الانتماء العرقي، كما نؤكد على أن الشعب العراقي لا يرتضي بغير الحكم بالإسلام ﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (المائدة: 49).

وليعلم إخواننا في العراق أنهم أمام تحدٍّ كبيرٍ، فقد صرح قادة الاحتلال الأمريكي أكثر من مرة بأنهم لن يقبلوا بأن تقوم في العراق دولة إسلامية، فلتكن عملية إقرار الدستور مواجهةً صريحةً وواضحةً بين إرادة الشعب العراقي وإرادة المحتل الغاصب، وكما أجبرت المقاومة العراقية المحتل على مراجعة كثير من سياساته وإستراتيجياته التي كان يحسب أنها من المسلمات التي لا تقبل الجدل فلتكن معركة إقرار الدستور مصدرًا آخر لخيبة أمل المحتل ومن يعملون له أو يعمل لهم.

القاهرة

في: 27 من رجب 1426هـ

1 من سبتمبر 2005م