الإخوان المسلمون وصناعة التغيير

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

سلك الإخوان المسلمون في قضية التغيير طريقًا غير الذى سلكته الأحزاب المصرية، فلم يقتصروا على العمل السياسي من أجل إحداثه، وعندما مارسوا السياسة، لم يمارسوها ضمن الإطار الذي حددته السلطة لمعارضيها.. لكنهم تحركوا وِفقًا لمرجعيتهم الإسلامية أولاً، وفهمهم للوضع الإجتماعي والسياسى ثانياً.

حيث أنشأ الاخوان المسلمون لأنفسهم معادلة خاصة غير تلك التي فرضها النظام على الأحزاب السياسية في مصر أو حتى الجمعيات الخيرية أو الدينية، إرتكزت معادلة الاخوان المسلمين على أن يكون (التغيير الاجتماعى مدخلا للتغيير السياسى) او بتعبير آخر (مخاطبة الجماهير قبل مخاطبة النظام)، فبينما كانت الأحزاب تكتفى بعقد ندوات حول موضوعات سياسية داخل مقار أحزابها، والجمعيات الخيرية تحاول سد حاجة المحتاج حسب إمكاناتها، والجمعيات الدينية تمارس الوعظ الديني والإخلاقي.. كان الاخوان المسلمون يتحركون في المجتمع بمنهج إصلاحي متدرج، يبدأ بالتغيير الإجتماعي، ويثني بالتغيير السياسي، وينتهي بممارسة الدور الحضاري. فدخل الإخوان المسلمون كل بيت، وتحركوا في كل شارع، دعوة وتربية ونضالا سياسيا.

طبيعة التغيير الذي يريده الإخوان

فكان لقضية (التغيير) عند الإخوان المسلمين صناعة خاصة، ولم تتلون بلون واحد كما اعتاد الناس قبل مجئ الإخوان، ومن أجل هذا (التغيير) أسس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين كـ (هيئة إسلامية جامعة تعمل لإقامة دين الله في الأرض) (1)

وهى بذلك أكبر من جمعية خيرية أو دينية وعظية، وأكبر من مجرد حزب سياسي يستهدف الوصول إلى السلطة، هى (هيئة جامعة) تعمل على كل هذه المسارات مجتمعة، وبترتيب يضمن تراكم النتائج التي تؤدي إلى إحداث تغيير حقيقي، ليس على المستوى السياسي فحسب، إنما كذلك على المستوى الثقافي والإجتماعي.

ولأن الدولة القُطرية الحديثة نشأت على أسس وضعها المستعمر وبهوية وطنية (مستعارة)، تستبعد المكون الأساسي لها وهو الإسلام، فقد اصطدمت بالإسلام من جهتين، نظام الإستبداد الذي طبعها بطابعه، والعلمانية التي حاول هذا النظام أن يفرضها على المجتمع.

فالإسلام والإستبداد ضدان لا یلتقیان، فتعاليم الدين تنتھي بالناس إلى عبادة ربهم وحده، أما مراسيم الاستبداد فترتد بهم إلى وثنية سياسية عمياء، يقول الشيخ محمد الغزالي: ”إني لا أعرف دينًا صَبَّ على المستبدين سوط عذاب، وأسقط اعتبارهم، وأغرى الجماهير بمناوأتهم، والانتفاض عليهم كالإسلام. ولا أعرف مُصلحًا أدب رؤساء الدول، وکبح جماحهم، وقمع وساوس الكبرياء والاشتهاء في نفوسهم، كما فعل ذلك نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم لقد كسر القيود وحرر العبيد، ووضع التعاليم التي تجعل الحاكم يتحرى العدل والمحكوم يكره الضيم) (2)

وترافق مع ظاهرة (الإستبداد) ظاهرة أخرى، وهى ظاهرة (علمنة المجتمع)، بمعنى سيطرة الإتجاهات العلمانية على مراكز التأثير والتوجيه، (فتولَّوا السلطة والحكم، ونَحّوا كل ما هو إسلامي في التعليم والإعلام والثقافة، ثم بدأت الدكتاتوريات العسكرية وغير العسكرية تتربَّع على مقاعد السلطة؛ لتؤكد التوجُّه العلماني). وعلى وجه النقيض، تأسست جماعة الإخوان المسلمين إنطلاقًا من المرجعية الإسلامية، فتسجل (في كافة أدبياتهم مفهومهم وإيمانهم بالحرية فريضةً من فرائض الإسلام، وحقًا فطريًّا منحه الله عبادَه كافَّة، لا تجوز مصادرته أو الافتئات عليه أو الانتقاص منه، كما لا يجوز السكوت أو الرضا عن مصادرته أو التلاعب فيه، كما أكدوا من خلال مفهومهم للإسلام وإيمانهم بالحرية والأمن- حقًا لكل إنسان- أن الحرية تعني حرية الاعتقاد، والعبادة، والرأي، والعمل، والانتقال، والسفر، كما أكدوا على التعددية واحترام الرأي الآخر وتداول السلطة، وحرية الانتخابات ونزاهاتها، وحق الشعب من خلال الانتخابات النزيهة في اختيار ممثليه ومسئوليه، وحقِّه في المحاسبة والمراجعة والتقويم والمشاركة في القرار، وقبل ذلك كله اعتماد الحوار وسيلةً حضاريةً إسلاميةً للوصول إلى الحقِّ والحقيقة) (3)

وصار المصريون أمام ارتباط شرطي بين الإستبداد والعلمانية، وكلاهما يناهض الهوية الأساسية للمجتمع المصري، وهى التي قامت جماعة الإخوان المسلمين لاستعادتها وتأكيد فاعليتها. فقد سعى الإخوان لإحداث تغيير يعيد إلى المصريين هويتهم العربية والإسلامية (ضد العلمانية)، ويؤكد على الحريات الخاصة والعامة التي تكفل العدالة والحرية والكرامة للمصريين كافة (ضد الإستبداد)، ومن هنا جاءت طبيعة التغيير كما تفهمه جماعة الإخوان المسلمين، فلم يكن التغيير سياسيًا فقط، بل كان شاملاً، يتناول كافة الأوضاع السياسية والثقافية والإجتماعية.

تغيير يبدأ من الحركة في المجتمع

والتغيير الذي يبتغيه الإخوان، لا يبدأ من نخبة تتبناه، إنما من جماهير تؤمن به وتسعى إليه، فالمجتمع عند الإخوان المسلمين هو خامة التغيير ونواته الأساسية.

يقول حسن البنا: (إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبائ تحتاج من الأمة التى تحاول هذا أو من الفئة التى تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل فى عدة أمور :إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره .على هذه الأركان الأولية التى هى من خصوص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تبنى المبادئ وتتربى الأمم الناهضة وتتكون الشعوب الغنية وتتجدد فيمن حرموا الحياة زمنا طويلا. وكل شعب فقد هذه الصفات الأربعة أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه فهو شعب عابث لايصل إلى خير ولا يحقق أملا. (4)

ثم يتحدث في موقع آخر عن الهدف النهائي من النشاط مع المجتمع فيقول: (إن غاية الإخوان تنحصر فى تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة فى كل مظاهر حياتها "صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة"، وأن وسيلتهم فى ذلك تنحصر فى تغيير العرف العام وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم حتى يكونوا قدوة لغيرهم فى التمسك بها والحرص عليها والنزول على حكمها) (5)

وهذا منظور يفرض على الإخوان أن يعتمدوا على لغة الحوار والإقناع بدلاً من لغة الجبر والفرض، وهذه هى السمة التي ميزت أنشطة الإخوان المسلمين في مجال البر والعمل الخيري.

يقول الباحث الإجتماعي د. رفيق حبيب: (قامت الجماعة على منهج التربية والإصلاح، كوسيلة لتحقيق التغيير الذي تنشده، منذ بداية التأسيس الأول للجماعة، كما أسست الجماعة منهجا للتغيير يقوم على العمل السياسي وعلى خوض الانتخابات، ولكنَّ هذا المنهج لم يحلَّ محل المنهج الأساسي للجماعة، والقائم على التربية واكتساب الأعضاء والمؤيدين.

وربما يتساءل البعض:ىلماذا لا تلجأ الجماعة لمنهج العصيان السياسي وهي تملك القدرة على ذلك؟!

وقد يرى البعض أنها لا تملك القواعد الكافية لمواجهة النظام، ولكنَّ الحقيقة أن منهج العصيان السياسي يتعارض مع التكوين الأساسي للجماعة، مثلما تعارض المنهج الانقلابي مع الأسس التي قامت عليها الجماعة، ولكن التغيير السياسي من خلال صناديق الانتخاب لم يتعارض مع طبيعة الجماعة بل كان منهجًا مناسبًا لها. فالانتخابات تمثل عملاً جماهيريًّا بامتياز، يرتبط بالعمل التربوي والاجتماعي للجماعة، فكل أنشطة الجماعة التربوية والإصلاحية تقوم على جذب الجماهير ونشر رؤية الجماعة بينهم. وفي الانتخابات أيضًا يكون العمل أساسًا مبنيًّا على الحشد الجماهيري، وهو ما يتناسب مع العمل التربوي والاجتماعي، وكأننا بصدد منهج يعتمد أساسًا على دعوة الناس للرسالة التي تؤمن بها جماعة الإخوان، وكلما تزايد عدد المؤيدين لهذه الرسالة كلما أصبح من الممكن تحقيقها على أرض الواقع، وبهذا يعتمد منهج الجماعة في التغيير على تغيير رؤية الناس أولاً؛ حتى يصبح لدى الجماهير رسالةٌ يعملوا من أجل تحقيقها (6)

وهناك عامل آخر كان حاكمًا في تعامل الإخوان المسلمين مع المجتمع، وهو وضع المجتمع عند نشأة الجماعة في 1928، حيث كانت مصر تحت الإحتلال الأجنبي، ورافق ذلك فساد واسع إستشري في الطبقة الحاكمة، بالإضافة إلى قوى حزبية شغلها الصراع الحزبي عن الإلتفات إلى التدمير الحاصل في النسيج المجتمعي المصري، إذ كان المصريون منقسمون بين أقلية مترفة منعمة، تمثل نخبة الحكم والرأى، وأكثرية منهكة بعلل الجهل والمرض والفقر، مما جعل من المجتمع المصري بيئة مهيأة لانتشار التبشير وشيوع علل المجتمع الأوروبي الوافد بين المصريين، فانتشرت الخلاعة الأخلاقية وشرب الخمر والتعامل بالربا، وغيرها من الموبقات التي زادت من تفسخ المجتمع المصري سواء في ريفه وحضره..

فأدركت جماعة الاخوان المسلمين استحالة قيام هذا المجتمع بواجبه نحو إحداث التغيير المطلوب، ما لم يستعيد المجتمع المصري عافيته وسلامته واعتزازه بهويته وثقافته، فاعتبر الإخوان المسلمون أن (عافية) المجتمع وسلامته، شرطٌ أساسيٌ لاستقلال الوطن وسيادته، فنزلوا ميداناً زَهَد فيه غيُرهم من الأحزاب السياسية والجمعيات الوطنية، فأيقظوا في قلوب المصريين معنى (الإيمان) باعتباره مستودع القيم الدافعة للتغيير، ثم أقبلوا بعد ذلك على أوجاع الأمة وآلامها، بالتشخيص والعلاج. ولم يكن حسن البنا يصدر في كل ذلك عن عاطفة أو ألم، بقدر ما كان يصدر عن فهم لسنن التدافع والتداول بين الناس.

ولأن حسن البنا لم يكن يؤمن بنظام الطفرات أو حرق المراحل، ولا يخوض غمار صراع إلا بعد أن يُحكِمَ مقدماته ويستكمل أسبابه، إهتم الإخوان المسلمون بنشر التعليم وإنشاء المدارس ومكافحة الأمية، كما حاربوا تجارة (البغاء) وشرب الخمور والتعامل بالربا، وهى تلك الأدواء التي جعلت من المصريين غنيمة باردة مستباحة لأعدائهم، وأنبتت فيهم نابتة السوء (القابلية للاستعمار).

ففي المرحلة الملكية، شارك الإخوان وشبابهم في محو أمية القراءة والكتابة للمصريين، وكذلك في دفع الأوبئة التي كانت تحصد الأرواح حصدًا، فحين نزل بالامة وباء الكوليرا عام 1947، وضع الاخوان المسلمون تحت تصرف وزارة الصحة أربعين ألفاً من جوالة الاخوان للتطوُّع في فِرَق مكافحة الكوليرا، ومثل ذلك فعلوا في كل جائحة نزلت بالمصريين.. (7)

وفي المرحلة الجمهورية، أحيا الإخوان المسلمون العمل الخيري، وكان لهم دور بارز في إغاثة المصريين في العديد من الكوارث التي نزلت بهم، ثم امتد نشاطهم إلى النقابات المهنية، خاصة في عهد حسني مبارك.

حينها إستشعر المصريون بأن روحًا جديدة بدأت تدب في أوصاله، وانتبه للهوة السحيقة التي أوردها إياه المستعمر والحكومات المتعاقبة التابعة له، وتوازى مع ذلك نشاط آخر في التوعية والتثقيف بواجب المجتمع نحو تحصين نفسه وتحقيق أهدافه وتطلعاته.

السير بمنهج إصلاحي متدرج

تحركت جماعة الإخوان المسلمين في خطتهم الإحيائية والتجديدية تجاه المجتمع من خلال منهج (إصلاحي متدرج.. يقوم على تحقيق الأهداف المرحلية المتتالية.. بناء الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع الإسلامي، والحكومة الإسلامية، ثم الخلافة الإسلامية، وبعدها أستاذية العالم.. تأسيساً على فكرة البناء من أسفل، والذي يقوم على إصلاح الأمة ثم إصلاح الحكومة والدولة، ثم القيام بدور في المجتمع الدولي.. والملاحظ من الأهداف المتتالية التي تلتزم بها جماعة الإخوان المسلمين أنها تبدأ بالاجتماعي ثم يليه السياسي، ثم في النهاية يأتي دور الهدف الحضاري النهائي، وهو نهضة الأمة وتحملها لدورها التاريخي تجاه البشرية. وفي الهدف الاجتماعي يكون التركيز على عملية إصلاح الأمة، وفي الهدف السياسي يكون التركيز على عملية إصلاح الحكومة والدولة وإقامة الوحدة الإسلامية بين مختلف الدول العربية والإسلامية) (8)

فالجماعة لا تعتمد المنهج الإنقلابي في إحداث التغيير، أو أسلوب الطفرات في تحقيق الأهداف، لكن يتحقق التغيير عند حسن البنا في المجتمع، بوجود ثلاثة عوامل أولها إعداد الفرد المسلم باعتباره وسيلة التغيير ومحورها، وثانياً إعداد الجماهير من خلال نشر الدعوة فيما بينهم لكي يكونوا قادرين على التغيير، ثم ثالثاً بوجود قيادات تشرعن ذلك التغيير(9)

واستمر هذا الجهد الإحيائي المتدرج للإخوان المسلمين في المجتمع سواء في إحياء القيم الإيمانية أو أنشطة البر والخدمات الخيرية، طوال الفترة الملكية ثم استمرت في عهود الجمهورية باستثناء فترة عبد الناصر والتي تعامل فيها نظام عبد الناصر مع العمل المدني عموما والإخواني خصوصا بقدر كبير من العنف والقمع..

من الإجتماعي إلى السياسي

ونتيجة للعمل الإخواني في خدمة المجتمع وإرشاده وتثقيفه، حدث تحول كبير في إتجاهات الشارع المصري، فأصبح أكثر قربًا من الإخوان المسلمين، وأكثر بُعدًا من القوى السياسية الأخري، وبطبيعة الحال أكثر رفضًا لحزب السلطة الحاكم، ووضح هذا في أكثر من مرة حدث فيها إنتخابات في مصر، وتراكم لدى الإخوان المسلمين (رأس مال إجتماعي) كبير، قامت الجماعة باستثماره في دخول ميدان العمل السياسي.

خاضت جماعة الإخوان المسلمين غمار السياسة بتدرج يتفق مع منهجها الإصلاحي، فتحركت في ثلاثة مسارات:

الأول الدخول في مضمار المنافسة السياسية من أجل الوصول للبرلمان،

والثاني النزول إلى الشارع للضغط على النظام،

والثالث التعبير عن الرأى في القضايا العامة محلية أو عالمية.

لكن العمل السياسي الخاص بالمنافسة على حكم البلاد لم يحدث إلا بعد قيام ثورة يناير 2011، والتي فاز فيها بالرئاسة د. محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة.

العمل البرلماني

فالإنتقال عند الإخوان المسلمين من إرشاد المجتمع إلى إصلاح الحكومة، إنما يكون بالإقناع ونشر الدعوة والنضال الدستورى

وقد حدد الإمام البنا هذا الأمر بشكل واضح فى رسالة المؤتمر الخامس فقال : الإقناع ونشر الدعوة والنضال الدستورى .. الوسيلة الأسلم للمجتمع ، ويحدد الأستاذ البنا لتحقيق هذه الغاية القيام بنشر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ومن خلال الاشتراك الفاعل فى الحياة السياسية، فيقول: أما وسائلنا العامة فالإقناع ونشر الدعوة بكل وسائل النشر.. ثم النضال الدستورى، حتى يرتفع صوت هذه الدعوة فى الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية، وعلى هذا الأساس سيتقدم مرشحو الإخوان المسلمين حين يجيء الوقت المناسب إلى الأمة ليمثلوها فى الهيئات النيابية، ونحن واثقوان بعون الله من النجاح ما دمنا نبتغى بذلك وجه الله.

إيضاح لا لبس معه :

وعلى هذا فمنهج الإسلام الذى يلتزم به الإخوان المسلمون، أن سياسة الناس بالعدل والحق والرحمة جزء من رسالة الإسلام، وأن إقامة شرائع الإسلام فريضة من فرائضه (10)

وقد اختار الإخوان طريق التغير السلمى طريقا لهم عن طريق الوعظ والإرشاد فى كافة ميادين الحياة، واختاروا لتغير شكل الحكم إيقاظ وعى الأمة لإختيار ممثليها عن طريق انتخابات حره نزيهه تفرز الصالحين الحريصين على بلدهم، ويمكن من خلالهم تعديل كل القوانين السيئة، وتعديل ما يحقق صالح الأمة من مواد الدستور بما يكفل الحريات وحقوق الإنسان

ويحب الإخوان أن يؤكدوا مرة أخرى بأن هذا ليس اجتهاد سياسيا ولكن هو من أصل الدين ومنهج الإسلام الذى تلتزم به جماعة الإخوان (11)

ففي المرحلة الملكية، نزل حسن البنا الإنتخابات البرلمانية في إبريل 1942م عن دائرة الإسماعيلية ، وفي أواخر ( 1944م ) عاود (البنا) الترشح لكنهُ لم يفز في الإنتخابات وتم اتهام الإحتلال الانجليزي بتزوير الأنتخابات.

وفي حقبة عبد الناصر، تم حل جماعة الإخوان المسلمين للمرة الثانية، ودخل الإخوان السجون لعقدين من الزمان.

وفي حقبة السادات، بدأ الانطلاق الحقيقي للجماعة نحو الممارسة الديمقراطية في مصر، حيث شارك الإخوان في انتخابات بشكل غير مباشر في إنتخابات 1976، وفي إنتخابات 1979م .

وفي حقبة مبارك، تحالفت جماعة الإخوان المسلمين مع حزب الوفد ودخولوا الإنتخابات البرلمانية بقائمة واحدة، حيث شكلت هذه المرحلة محطة مهمة في تاريخ الجماعة من حيث التحالف مع حزب علماني مما أعتبر أنذاك تحول نوعي في فكر الجماعة تجاه المجتمع والأحزاب ، كما انها مثلت فرصة حقيقية لبناء الثقة مع النظام والشعب والأبتعاد عن منهج العنف وتكفير الدولة والمجتمع (12)

وفي انتخابات ( 1987م ) دخل الإخوان البرلمان بتحالف مع حزب العمل وحزب الأحرار ورفعهم شعار (الإسلام هو الحل) ، وفي عام ( 1995م ) قرر الإخوان دخول الإنتخابات كأفراد مستقلين ، فيما سجلت إنتخابات عام ( 2000م ) سابقة سياسية حيث جرت تحت أشراف قضائي مما أعطاها قدر من النزاهة وفاز فيها نواب الإخوان المسلمين بــ (17) مقعد، ليصبحوا ثاني كتلة برلمانية بعد كتلة الحزب الحاكم، كما مثلوا أكبر كتلة معارضة بالبرلمان، متفوقين في ذلك على إجمالي عدد النواب الممثلين لأحزاب المعارضة مشتركة (15 عضو). (13)

وفي عام (2005م) حصل الإخوان على (20%) من مقاعد مجلس الشعب المصري لتصبح أكبر كتلة معارضة في مصر ، وهم الذين صوتوا لصالح التجديد لـ ( حسني مبارك ) لرئاسة الجمهورية.

ثم حدثت إنتخابات 2010 ولكن بتزوير واسع من سلطة الحكم آنذاك.

ومثلما تحركت الجماعة في مسار الإنتخابات، شرعت كذلك في تحريك الشارع..

النزول للشارع

كانت كل القوى السياسية والحزبية، تدرك أن الشارع هو وحده القادر على حسم المعركة مع نظام حسني مبارك، وهو ماعبر عنه السياسي المخضرم ضياء الدين داوود رئيس الحزب الناصري (إنه لا أمل فى التغيير إلا بالجماهير)، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو، هل الجماهير بحق على استعداد للتحرك والتضحية من أجل تغيير نفسها وواقعها السياسي المتردي؟

فالجماهير، حسب المثقف اليساري د. عبد العظيم أنيس، تنتظر من يكسر أمامها السقف، سقف القيود، تمهيدا للانطلاق إلى الأمام.. (14)

لم يكن بوِسع الأحزاب النزول بأنفسهم للشارع، فضلاً عن تحريك الجماهير، فقط الاخوان المسلمون كانوا هم القادرين على أن يخوضوا بأنفسهم غمار معركة من هذا النوع، والتي لم تكن في كل الأحوال مأمونة.

ففي إطار مناداة الاخوان المسلمين بالإصلاح السياسي، وفي تطور نوعي لافت للنظر، نظم الاخوان المسلمون مظاهرات في عدد من المحافظات المصرية، بدأت تلك المظاهرات يوم الأربعاء 4 مايو 2005، لكنها بلغت الذروة يوم الجمعة 6 مايو، حرص الاخوان المسلمون خلالها، على عدم التنديد بالرئيس مبارك أو تناول حياته الشخصية، لكنها طالبت بمطالب سياسية، مثل إلغاء قانون الطوارئ، والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، وتحقيق الحريات العامة، وعدم تفريغ التغيير من مضمونه، وقد أدت تلك المظاهرات إلى اعتقالات واسعة في صفوف الاخوان المسلمين، وقد وصل عدد معتقلي الاخوان في تلك المظاهرات، حوالى 2000 من أعضاء الجماعة، على رأسهم الدكتور عصام العريان وياسر عبده والدكتور حمدي شاهين والدكتور عمرو دراج (15)

وقد أدى العنف الذي مارسته قوات الأمن ضد متظاهري الاخوان، إلى استشهاد أحد شباب الجماعة في مدينة طلخا بمحافظة الدقهلية شمال القاهرة، ويدعى طارق حسن مهدي غنام (34 عاما)، حيث كان يتظاهر مع نحو خمسة آلاف في مسجد الغنام في المدينة، وهو أب لثلاثة أطفال و"توفي داخل المسجد وليس خارجه" (16)

وكانت هذه المظاهرات مقدمة لما حدث بعد ذلك بنحو عشر سنوات في ثورة يناير 2011، والتي عصفت بنظام مبارك وأرغمته على التنحي، ليأتي بعد ذلك أول رئيس مدني منتخب بانتخابات شهد العالم كله بنزاهتها

فكان التغيير السياسي الهائل بعد ثورة يناير 2011، ثمرة لتغيير حقيقي بدأته جماعة الإخوان المسلمين بحراك واسع في المجتمع المصري، كان هذا الحراك – مع جهود أخرى بذلتها القوى السياسية الأخري – مقدمة لثورة يناير 2011

المصادر