الدلالات السياسية لمواقف جنبلاط "الهادئة"

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الدلالات السياسية لمواقف جنبلاط "الهادئة"


بقلم : فادي شامية

عقب الجريمة المروعة التي لحقت "بالزيادَين"، زياد قبلان وزياد الغندور، الأسبوع الماضي، صدرت جملة مواقف "هادئة" من الزعيم والنائب وليد جنبلاط.

بعض السياسيين اعتبر أن جنبلاط الذي يتمتع بقدرة "استشعارية"، قد التقط الإشارات الدولية غير المريحة من "حلفائه"، فلجأ إلى "تهدئة اللعب"، تمهيداً لأجواء حوارية تفضي إلى تسوية ما.

جهات معارضة "أكثر تحمساً" اعتبرت أن "الوهن السياسي" بلغ بالرجل إلى "تكويع" ما، جرياً على عادته. والرأي الأكثر موضوعية اعتبر أن كلامه لا يحمل جديداً في المضمون السياسي غير "تدوير الزوايا" الحادة، وتهدئة النبرة بعدما "استحقت" الأزمة عند اعتاب الفتنة المذهبية، بداية بأقذر الأشكال وهو الخطف والقتل الانتقامي للأبرياء كما في بعض مراحل الحرب الأهلية السابقة، أعاذنا الله من خطر تكرارها.

وسواء كان المقصود من مواقف جنبلاط الأخيرة تفويت الفرصة على احتمالات الفتنة، أو بداية انعطاف سياسي غير بعيد عن الأداء السياسي لجنبلاط، إلا أن الجامع المشترك بين كافة التحليلات لمواقفه هو التهدئة. فما سر هذه الرغبة بالتهدئة الآن؟ وما هي دلالاتها؟

بداية لا بد من تسجيل إيجابية كبيرة لمواقف جنبلاط الأخيرة في كونها لجمت احتمالات التفجير الذي وضعت الجريمة الأخيرة اللبنانيين أمامها، ولنتخيل أن مواقف جنبلاط كانت متشابهة مع المواقف التي أعقبت استشهاد الشاب عدنان شمص، لجهة التهام أو التحريض، ولنتخيل لو أن الرجل لم يعتمد خطاب التهدئة هذا فأي ثأر وثأر مضاد سيحصل؟!.

لكن القراءة السياسية تتعدى هذه الإيجابية للولوج إلى الدلالات، فهل صحيح أن قوى 14 آذار كانت مستاءة من مواقف جنبلاط؟، وأن مواقفه أصابتها بالذهول، كما ذهبت جهات قريبة من المعارضة إلى القول؟!.

لا شك أن الذي يرى ذلك يستحضر تاريخاً طويلاً من تقلبات الزعيم الدرزي يمده ببعض الموضوعية، لكن واقع الحال أن جنبلاط لم ينطق بما من شأنه أن يفضي إلى هذا الاستنتاج "التحوّلي"، حتى الآن على الأقل، فالحديث عن أن "الدولة وحدها من يحمي الجميع بما فيها المقاومة الوطنية" أو "العودة إلى الحوار واحترام الطائف" أو "الهدوء لأن الحماسة الزائدة لا يتنفع"، كل ذلك لا جديد "تحوّلي" فيه، سوى في طريقة التعبير، وحدة النبرة.

خطاب التهدئة

التهدئة إذاً هي القدر الموضوعي في تحليل كلام جنبلاط وإشاراته. ويمكن فهم دوافع هذه التهدئة في السياقات التالية:

1- الرد على الرسالة الدموية التي فهم جنبلاط أبعادها جيداً، إذ ما كان الرجل ليكسر الجمود بينه وبين الكثير من أخصامه السياسيين، لولا معرفته أن خطف "الزيادين" سيفضي إلى قتلهما على الأرجح، وأن في ذلك رسالة سياسية تحت عنوان ثأري له، بحكم الانتماء السياسي لأسرتي المغدورين، وعلى خلفية المواقف التي حمّلته دم الشهيد عدنان شمص، لذلك بادر بالاتصال بالرئيس نبيه بري قبل شيوع خبر الخطف طالباً منه التدخل، ولدى إبلاغه من المصادر الأمنية بأرجحية قتل الشابين قبل أكثر من يومين من العثور عليهما، بدأ ونواب كتلته بالتحرك الحثيث لاستيعاب الآثار المتوقعة للخبر المفجع، وتترجم ذلك من خلال الاتصالات ومواقف الشكر والزيارت الميدانية والتهدئة من خلال "كوادر" الحزب التقدمي الاشتراكي، وكان من الطبيعي أن يواكب كل ذلك خطاب هادىء، هو الرد الذي اختاره جنبلاط على تلك الرسالة الدموية، حتى لا يغرق في دوامة الثأر بعيداً عن قيادة المعركة السياسية المصيرية في لبنان.

2- التخوف المبرر لدى جنبلاط من انتقال الفتنة إلى الجبل، استناداً إلى التنوع الكبير فيه من جهة، والمحاولات الحثيثة التي يبذلها خصومه لكسر الزعامة الجنبلاطية فيه من جهة أخرى، بدلالة حصول أكثر من إشكال، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، الإشكال الذي وقع في بلدة الخلوات بين أنصار جنبلاط ومرافقي الوزير السابق وئام وهاب في نيسان 2006، والاشتباك الذي حصل في بلدة الجاهلية مع أنصار وهاب أيضاً وأدى إلى مقتل شاب وإصابة أربعة آخرين، في 2 تموز الفائت، يضاف إلى ذلك حوادث شانيه ومجدلبعنا في العام الماضي، ما يجعل الزعامة الدرزية الجنبلاطية ودورها في الحفاظ على وحدة الدروز على المحك، سيما أن لدى جنبلاط، وغيره من الأوساط السياسية معلومة مفادها تورط طرف درزي مشاكس ومرتبط بالمخابرات السورية في جريمة "الزيادين"، ولا سيما في المرحلة التي تلت التصفية الجسدية، ونقل الجثتين.

3- الرغبة في التخفيف من محاولات الاستفراد وتشويه الواقع المبني على اتهام جنبلاط من قبل خصومه بعرقلة الحل، والضغط على حليفه سعد الحريري باتجاه التأزيم ورفض حكومة وحدة وطنية على أساس "الثلث زائد واحد"، فيما الحقيقة أن الرئيس السنيورة وأقطاب تيار المستقبل كانوا "أشرس" من جنبلاط في رفض هذه الصيغة، فكانت جريمة قتل "الزيادين" فرصة لينسحب الزعيم الدرزي "المحترف" من "موقع رأس الحربة" في صفوف 14 آذار، إلى موقع "الإطفائي"، تاركاً لحلفائه الآخرين أن يحملوا شيئاً من "العبء النضالي"، فيتبادل الأدوار معهم، أقله لفترة محددة، في نفس الخط السياسي، لكن هذا "الدور" الجديد لم يمنع جنبلاط إلى رفع "دوز" مواقفه خلال التهدئة ليذكر بعض "الأغبياء"، بخطورة عبثهم بـ "الحل السحري" الذي يحمي الدروز، كما باقي الطوائف الصغيرة الأخرى من "إطاحة" أعداد الطوائف الكبرى بها، في إشارة إلى الموقف الخطير الذي أطلقه وئام وهاب في 22نيسان، وقال فيه: "إن الطائف سقط كصيغة لحكم لبنان، وهذه الأزمة مستحيل الخروج منها دون اتفاق كياني جديد".

4- الخوف على "منجزات ثورة الأرز"، ففي اعتقاد جنبلاط أن ثمة من يخطط لإغراق لبنان في الفوضى، التي تذهب بالمحكمة الدولية، والقرار 1701، وكل "منجزات ثورة الأرز"، ولا سبيل إلى تجنب كل ذلك سوى العض على الجراح والهدوء ولا سيما بعدما "سلكت" المحكمة الدولية في طريقها من خلال مجلس الأمن، وهي المعول عليها في جلب القصاص الرادع لكل "هؤلاء" الذين ارتكبوا الجرائم سابقاً، والذين يريدون إغراق لبنان في الفوضى راهناً.

5- وأخيرا فإن جنبلاط على ما يبدو يستشعر إحتمالية وقوع الفتنة السنية – الشيعية وخطرها المدمر ليس فقط على لبنان، وإنما على الدروز أيضاً، إذا ما كانوا طرفاً فيها، وهو الشيء نفسه الذي تعمل المراجع الكنسية المسيحية على تجنيبه لمسحيي لبنان، وبهذا المعنى فإن خطاب التهدئة المعتمد لدى جنبلاط حالياً ودعوته إلى عدم الحماسة الزائدة لا يشير إلى تهدئة قادمة بقدر ما يشير إلى تصعيد منتظر على مستوى الأزمة في لبنان.

قبل أن يعود جنبلاط إلى اعتماد "نبرة" أو "مواقف" أخرى، تضطر المحللين لدراستها، فإن لبنان بحاجة إلى حل ولو مؤقت، لأن الوضع الاقتصادي، وفق المعنيين، لم يعد يحتمل الصمود، فكيف إذا ما تفجّر الوضع الإقليمي وجر معه لبنان إلى دائرة الصراع، فهل يعي المسؤولون عن الأزمة، كلٌ بقدر نصيبه من المسؤولية، أنهم ينحرون بلدهم، وتالياً أحزابه وطوائفهم إذا ما ضاع أو تمزق لبنان؟!.

المصدر