القمة العربية بين تحديات المرحلة وآمال الشعوب

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقالة-مراجعة.gif
القمة العربية بين تحديات المرحلة وآمال الشعوب

رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

مقدمة

رسائل.gif

تداعى الحكامُ العرب إلى عقد قمتهم السابعة عشر في الجزائر هذا الأسبوع، في ظرفٍ دولي ومحلي دقيقٍ يحتاجُ إلى استشعار المسئولية الكاملة أمام الله أولاً عن هذه الأمة التي يتولون حكمها، ثم المسئولية أمام الأمة نفسها التي آن لها أن تقوم بدورها في صياغة حاضرها ومستقبلها ومحاسبة حكامها وقادتها.

وأمام اجتماع الحكام العرب في الجزائر ملفاتٌ ضخام تحتاج إلى نظرٍ ودرس وتقرير وحسم، أمامهم الواقع العربي المؤسف الذي شاركوا هم للأسف في تردي أوضاعه، بتغييب دور شعوبهم، وحرصهم الجائر على الاحتفاظ بانفرادهم في السلطة بمعزلٍ عن إرادة هذه الشعوب التي ترزح تحت نير استبدادٍ وقهرٍ سياسي عزَّ نظيره بين شعوب الأرض!.

وشعوبنا لا تعوّل كثيرًا على اجتماع الزعماء والحكام في الجزائر، واستطلاعات الرأي الحرة تؤكد ذلك، مما يعزز حال الانعزال الشعبي والإحباط العام وفقدان الثقة في قدرة حكامنا على حسم هذه القضايا الملحَّة، والارتفاع إلى مستوى طموحات أمتهم، أو التواصل مع شعوبهم تواصلاً يقلل الهُوة بين الجانبين، أو يزيد مناعة الأنظمة- إن وُجدت- في مواجهة التحديات المفروضة عليها..

قمم بلا نتائج عملية

وكان في وسع أي مواطن عربي أن يتوقع نتائج القمة، وأنها لن تزيد عن تكرار لمقرراتٍ سابقةٍ لم تجد حظًا من التنفيذ أو نصيبًا من الفعل، وحيزًا من التقدير!! ففي قمة عمان 2001م جاء في البيان الختامي للقمة: "يرى القادة العرب أن اجتماعهم اليوم في عمان يشكل بداية جديدة في العمل العربي المشترك، الأمر الذي يحتم ضرورة تبني قرارات ومبادرات يتطلبها الوضع العربي الراهن".

وعاد القادة والزعماء في قمة تونس 2004 ليقرروا أن دورتهم هذه "تمثل انطلاقة جديدة ومنعطفًا حاسمًا في تاريخ العمل العربي المشترك"!! وقد يكررون مثل هذه العبارات في قمتهم الجديدة أو قمتهم التي ستعقد بعد عام أو أكثر!!

ولما اجتمع حكامنا في القاهرة سنة 2000م في ظل اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة قرروا دعم الانتفاضة بإقامة صندوقين أحدهما أسموه "صندوق الأقصى " وخصصوا له 800 مليون دولار، والثاني أسموه "صندوق انتفاضة القدس " وقدروا له 200 مليون دولار.. والآن حين نتساءل ماذا وصل لأهلنا في فلسطين بالفعل من هذه الأموال؟، فسوف تكون الإجابة مُحزنة أشد الحزن حسب تصريحات قادة السلطة الفلسطينية أنفسهم!

وفي مقررات القمة طوال السنوات الماضية فقراتٌ تؤكد مواصلةَ المقاطعة العربية "الجماعية" للكيان الصهيوني، وتجميد جميع الخطوات والنشاطات المتعلقة بالتعاون الاقتصادي معه، غير أن الحقيقة الواقعية يعرفها الجميع، أن المقاطعةَ الآن هي جهدٌ شعبيٌ حميدٌ وليس بأي حالٍ ممارسةً سياسيةً منظمةً من قِبل الحكومات التي تهرول بشكلٍ فاضحٍ في اتجاه التطبيع رغم أنف شعوبها.

ومنذ أشهرٍ يسيرةٍ وقّعت مصر ما يُعرف باتفاقية "الكويز" مع الولايات المتحدة التي تنصُّ على حتمية وجود مكوّنٍ صهيونيٍ في الصناعات المصرية للتصدير إلى أمريكا.. وقبلها وقّعت الأردن اتفاقية مماثلة.. وأخذت كل من الحكومتين تُعْلمنا مزايا هذه الاتفاقية وتلك، وتمنينا بالخير العميم الذي سيعود على شعوبنا المحرومة من التعامل مع بني صهيون.. ومنذ أسابيع يسيرة قررت مصر والأردن إعادة سفيريهما إلى الكيان الصهيونى لتشجيعه على المضي في مسيرة السلام، بل وصفوا شارون رئيس وزراء العدو الصهيوني بأنه "رجل سلام"!!

وبعيدًا عن فتح الملفات القديمة والتذكير بالواقع المفجع لمؤتمرات القمة العربية، وإحسانًا للظن فيما يمكن أن تأتي به الأيام عقد بعضُ المراقبين أملاً على القمة الجديدة بالجزائر، فربما استفزَّ سوء الحال بقيةَ قوى الخير لدى حكام العرب للارتفاع إلى مستوى التحديات، وبخاصة أن التهديد في هذه الآونة ينال عروشهم وكراسي حكمهم ومكتسباتهم، ولعل مَن لم تحركهم مأساة العراق ومعاناة فلسطين تحركهم الضغوط الخارجية المستترة وراء شعارات حتمية الإصلاح السياسي مراعاةً لحقوق الإنسان العربي المهدرة.

ولعل حكامنا يدركون أنه لا منجى لهم إلا بالصلح أولاً مع الله، ثم التواصل مع شعوبهم والتترس بها في مواجهة التغوّل الأمريكي والصهيوني.. إلا أن ذلك المنطق المتفائل أُصيب بصدمةٍ مبكرة؛ حيث اعتذر نحو ثُلث حكام العرب عن حضور اجتماع قمتهم، التي حضرها في ذات الوقت رئيس وزراء إسبانيا وأمين عام الأمم المتحدة وممثل الاتحاد الأوربي، والاتحاد الإفريقي أيضًا! فأي مفارقة هذه؟!

فلما صدرت نتائج القمة لم نجد حديثًا ذا بالٍ عن الإصلاح والحرية السياسية وحقوق الإنسان في عالمنا العربي، ولم نجد آليةً واضحة لإصلاح حال الجامعة العربية وتطوير أدائها لتكون بحق منبرًا للعرب، ومعبرًا عن آمالهم في الوحدة والالتقاء.. بل إن أمين عام الجامعة السيد عمرو موسى قد هدد بالاستقالة إذا لم تبادر الحكومات العربية بدفع المتأخرات من ميزانية الجامعة والبالغ مقدارها مائة مليون دولار.. ثم عدل عن الاستقالة أمام الوعود بإصلاح الحال.. فكيف يمكن أن تنهض الجامعة بمهامها في ظل هذه الأوضاع؟.

أما الصراع مع الكيان الصهيوني المستكبر فلم يجد حكامنا جديدًا سوى التسويق للمبادرة العربية التي أفرزتها قمة بيروت سنة 2002م، تلك المبادرة البائسة التي تقضي بالاعتراف الكامل بالكيان الصهيوني من كافة الدول العربية والتطبيع الكامل معه إذا انسحب إلى حدود الرابع من يونيو سنة 1967م، وقد ردَّ "موفاز" وزير الخارجية الصهيوني ساخرًا على هذه المبادرة، أن عديدًا من الدول العربية والإسلامية بصدد التطبيع الكامل مع الصهاينة وإقامة علاقات سياسية معها بمجرد فضِّ اجتماع القمة العربية!!

دور الشعوب

إننا إزاء كل ذلك نؤكد على نقطتين:

الأولى: حتمية إصلاح حال الجامعة العربية ومؤسساتها، والتمسك باستمرارها كمعبِّرٍ عن الوحدة العربية التي نراها طريقًا للوحدة الإسلامية إن شاء الله، وإذا كان حال الجامعة الآن مثيرًا للحزن والأسى فليس ذلك مبررًا لتجاوزها ونفض الأيدي منها.. وعلى شعوبنا العربية أن تتنبه إلى ما يُراد بجامعتهم، فهو نفسه ما يراد بهويتهم وحضارتهم من شر وسوء، وأن تتكاتف جهود حكمائهم لدفع مسيرة إصلاحها، والضغط في ذلك الطريق.

الثاني: أن الدور الأكبر في هذه المرحلة ينبغي أن تضطلع به شعوب أمتنا بعد أن تقاعس عنه حكامها وأنظمتها.. وذلك الدور يتلخص في عدة أمور..

(1) الاستمساك بالهُوية العربية والإسلامية، وتعميقها، والدفاع عنها، وإعلانها بكل سبيل، فنحن أمة واحدة جمع بينها الدين واللغة والتاريخ المشترك والخطر الواحد "وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ" (المؤمنون : 52)، ومن يشاركنا ديننا من شعوبنا فإن الإسلام لهم قومية وحضارة مارسوا فيه حريتهم الدينية والسياسية طوال تاريخه، وبات يجمعنا معهم تاريخ واحد، ومواطنة كاملة.

(2) تبني الدعوة للحرية السياسية الكاملة، وحقوق الإنسان غير منقوصة، وهذه الحرية وتلك الحقوق لا توهب وإنما تنتزع انتزاعًا، إن ضنّ غاصبوها بها.. وقد آن الأوان لكي تقوم شعوبنا بدورها في تحقيق الإصلاح السياسي الداخلي، وتغير أوضاعها المؤسسية من داخلها "إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد :11) ولسنا نعوِّل على بريق الدعوة للإصلاح القادم من أمريكا والغرب، فلتلك الدعوة أهدافها ومآربها التي لا تتفق مع أماني شعوبنا وآمال أمتنا، وعلى الغرب وأمريكا أن تكفَّ عن تأييد الاستبداد السياسي الجاثم على صدورنا منذ عقودٍ بفضل تأييدهم ودعمهم، والآن يبقى بفعل انتهازيتهم ورغبتهم في الضغط عليه بدعاوى الإصلاح لتحقيق الأهداف الصهيونية والأمريكية.

(3) نبذ كل دعاوى التفرقة والتحزب والاحتراب الداخلي والفتن الأهلية، وهي دعاوى كثيرة تساندها مخططات خارجية لتفتيت الأمة وإضعافها، وقد وجدت أرضًا خصبة لها في العراق تحت الاحتلال الأمريكي فيروجون لتقسيمه إلى سنة وشيعة وعرب وأكراد تركمان، ويجد أرضية مناسبة الآن في لبنان مما ينذر بعواقب وخيمة ونتائج خطيرة ذميمة.. ونُذكِّر بحديث رسولنا صلى الله عليه وسلم في مثل هذه العصبيات حيث يقول لأصحابه "دعوها فإنها منتنة".

(4) مواصلة دعم قضية فلسطين بكل الوسائل الممكنة، بدءًا من المقاطعة الاقتصادية الثقافية الكاملة للعدو الصهيوني، ومرورًا بالدعم السياسي والقانوني الذي يضمن حقوق الشعب الصامد المجاهد، وانتهاء بدعم الانتفاضة في كل صورها الإعلامية والسياسية والعسكرية.

(5) دعم الشعب العراقي الذي يرفض الاحتلال وأذنابه وتوابعه، ويرفض الأوضاع المترتبة عليه، ويقف ضد تقسيم أرضه وسلطته وشعبه، فنحن مع حرية كل تيار سياسي وقومي في التعبير عن خصوصيته وحريته في إطار الدولة العراقية الواحدة حتى تستعيد حريتها ومكانتها الحضارية والسياسية.

وعلى شعوبنا دعم جهاد الشعب العراقي ومساعدة أهله على تنقية ذلك الجهاد النبيل من كل ما يسيء إلى صورته المشرقة وعدالة قضيته كشعب يسعى إلى التحرر من نير استعمار عسكري غاشم كذوب لا مبرر له.

(6) الحذر من التفريق بين طوائف الشعب اللبناني وتفتيت وحدته، وجعل ذلك مطيةً لاستغلال العدو القريب والبعيد، أو وسيلةً لإعادة الحرب الأهلية بعد أن نجاه الله منها، مع المحافظة على حق المقاومة اللبنانية في الاحتفاظ بسلاحها حتى يتم تحرير كافة الأراضي اللبنانية المحتلة في مزارع شبعا، وإنهاء الخطر الصهيوني المحدق بلبنان وأهله.

وحديث إلى الإخوان المسلمين

إن قدركم أن تكونوا في طليعة هذه الأمة في ذلك الوقت العصيب، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، ولا تتأخروا عن تلك المكانة التي ساقها الله إليكم، وشرفكم بها، ولتكونوا لها أهلا، وأنتم تحملون وصف إسلامكم، وكمال دعوة ربكم، ووصف قرآنكم "ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ" (آل عمران : 104). وإن من شأن الأمم في اللحظات الفاصلة أن تتلفت حولها باحثةً عن الطليعة الرائدة من القيادة الربانية المجاهدة، فهل تكونون أنتم؟!

إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني

عنيت فلم أكسل ولم أتبلد

ولا مُعين على ذلك العبء الجسيم إلا من الله- جل وعلا- فلا حول ولا قوة إلا به، فاستعينوا بربكم وأحسنوا الظن بنصره وتأييده، "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ" (الحج:40) وليكن يومكم جهادًا، وليلكم صلاة وصلة، وخلوة ومجاهدة.. تتذوقوا حلاوتها وتستشعروا لذة القرب من بارئكم فتهون عليكم مشقات الطريق..

"واللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ" القاهرة في: 14 من صفر 1426هـ الموافق 24 من مارس 2005م.