تأملات في عملية التسوية
بقلم : عبد العال الباقوري
لعل المرء يستعير ـ في هذه الخواطر ـ من أستاذه العلامة حامد ربيع عنوان كتابه «تأملات في الصراع العربي ـ الإسرائيلي» الصادر في 1976، وهو ـ على الرغم من تركيزه وربما بسبب تركيزه ـ واحد من أهم الكتب في موضوعه. تجنبت هنا حديث «الصراع» ورأيت لأسباب معروفة التركيز على التسوية وأدواتها دون أن يعني هذا أن جانب «الصراع» من اختفى أو انتهى. ربما يكون قد تراجع، أو حاول البعض أن يداريه منذ ادعى الرئيس السادات أن «حرب أكتوبر (تشرين الأول 32) آخر الحروب» وهو إدعاء لم يصمد طويلاً، بدليل أن بلداً عربياً واحداً هو لبنان شهد منذ 1973 ثلاث جولات حرب وقتال من 1978، و1982، و2006.
إذن، لماذا الحديث (الآن) عن التسوية وآلياتها؟
أمس الأول، الاثنين 19 نوفمبر ـ تشرين الثاني الحالي، كان الذكرى الثلاثين للزيارات المشؤومة التي قام بها الرئيس السادات إلى القدس المحتلة.
جاءت الزيارة بعد 10 سنوات من هزيمة 1967 وبعد 30 سنة من قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين من 1947.
واليوم، فإن هذه الخطوة كانت مفصلاً زمنياً بين 30 سنة سبقتها و30 سنة أخرى تلتها.
وكل مرحلة من هاتين لها سماتها، وخصائصها، ووقائعها، ورجالها، وأكاد أقول: زعماءها وندع الحديث عن المرحلة الأولى أي من 1947 إلى 1977، لنقف عند المرحلة الثانية، 1977 ـ 2007، مرحلة التسوية البائسة، بكل ما حفلت به من جولات تفاوض ومباحثات، وصولاً إلى اللقاء المنتظر في «أنا بوليس» وهو لقاء غريب يأتي في ختام مرحلة غريبة.
فمن المفترض أن أمامنا أسبوعين فقط لعقد هذه «القعدة» ومع ذلك وحتى كتابة هذه السطور لم يحدد الداعي، وهو الولايات المتحدة الأميركية، موعد هذا اللقاء ولا جدول أعماله ولا المدعوين إليه.
وهذا في حد ذاته يجدد طرح سؤال أثير في بداية هذه المرحلة حول مدى صلاحية أميركا لأن تكون «وسيطاً» في عملية التسوية بين العرب والصهاينة، مع أنها هي السند الأول والأكبر لأحد طرفي هذا الصراع، وهو الطرف الصهيوني الذي لم يكن ليحقق ما حققه سواء في الحرب أو في التسوية لولا الدعم الأميركي غير المحدود.
ولعله يمكن الاتفاق على أن الولايات المتحدة كانت في عملية التسوية منذ بدأت وإلى اليوم الخصم والحكم.
وهذا من المفارقات في هذه العملية، وهي مفارقة قادت أو على الأقل أسهمت فيما ألحق بنا من فشل.
ولكن المسؤولية الأولى والأكبر في هذا الفشل هي مسؤولية عربية، وهي ثلاثية الأبعاد:
@ البعد الأول: يكمن في أن أهل التسوية العرب انساقوا إليها وانخرطوا فيها دون أن يحددوا إلى أين يمكن أن تقودهم هذه التسوية، وما الذي يمكن أن يحصلوا عليه.؟
وما الحد الأدنى الذين يقفون عنده ولا يتراجعون عنه؟وما الذي يستطيع العدو أن يقدمه أو «يتنازل» عنه؟
@ والبعد الثاني: يترتب على السابق إذ أن أهل التسوية انتقلوا من جولة تفاوض إلى أخرى، وهم في كل جولة يتراجعون من جزء أو أخر مما ادعوا أنهم لن يتنازلوا عنه، كما لم يحددوا لأنفسهم المدى الزمني الذي يجب أن تنتهي عنده عملية التسوية.
@ والبعد الثالث: سلفت الإشارة إليه وهو الانطلاق من أن هذه الحرب أو تلك هي آخر الحروب... نواحي الضعف الهيكلية في فكر وممارسة أهل التسوية العرب.
أدت إلى مآزق كانت تستدعي التوقف والمراجعة، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث... في حين أن العدو الإسرائيلي دخل عملية التسوية وقد حدد أهدافه منها، ولم يتراجع عنها، لأنه وضع منذ البداية معالم الحل النهائي الذي يريده، وتمثل هذا في المشروع المعروف بـ«مشروع آلون» أحد قادة «حزب العمل» عند وقوع عدوان يونيو ـ حزيران، والذي تولى منصبي وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء، ومناصب أخرى وهو مشروع يبرر التوسع، ويحدد خطوطه، ولا يمانع في إقامة كيان فلسطيني هزيل يخضع لسيطرة «إسرائيل» وعند مناقشة الكنيست في 1993 لإعلان المبادئ الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين ليعلن أنه من أنصار مشروع آلون ويؤكد أنه لم يشذ عن التزامه به «وهذا المشروع يتحلى بالوضوح في الهدف البعيد، وبالمرونة في التوصل إليه، وبالمهارة في تحرير أجزائه جزءاً بعد جزء، في إطار يبدو متجانساً مع الوقائع المرحلية».([i])
ولم يكن لدى المفاوض أو المفاوضين العرب مشروع مشابه، إذ أن عملية التسوية جرت عربياً فوق جثة لاءات الخرطوم الثلاث: لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف، كما تكرست بخطوة شاذة، ربما لم يعرفها ـ عبر التاريخ ـ أي صراع مصيري آخر وقد ظلت لصيقة بها إلى اليوم وكان من المفترض أن المرحلة الجديدة، مرحلة التسوية، تقتضي إعداداً واستعداداً أفضل مما حدث في المرحلة السابقة، مرحلة الحرب والقتال.
ومسؤولية ذلك لا يتحمل وزرها الرئيس السادات وحده، بل يتحملها جميع أطراف النظام العربي، ولا يوجد في الوطن العربي ـ حسبما يقرره الدكتور عصمت سيف الدولة رحمه الله ـ دولة أو نظام أو حزب أو جماعة أو منظمة «لم تسهم إيجابياً أو سلبياً في تداعي الأحداث على الساحة العربية تداعياً أدى إلى اعتراف حكومة مصر بإسرائيل ومطالبتها العرب بأن يعترفوا بها»([ii]).
ولو كان هناك نظام عربي واحد يسلك «الخط القويم» في إدارة المعركة ضد العدو الإسرائيلي ـ لما جرؤ السادات على أن يقوم بما قام به، على الأقل لما قام بالزيارة المشؤومة، ثم بكامب ديفيد، فمعاهدة الصلح في 1979. والوقائع العربية التي تلت ذلك وإلى اليوم خير شاهد على ذلك فقد أصبح الجميع ساداتيين بدرجة أو بأخرى، وبقدر أو بأخرى، جميعهم راهنوا على أميركا، وانتظروا حلاًَ على يديها، بمن في ذلك القيادة الفلسطينية... إن ما حدث قد حدث ولن نستطيع له تغييراً، في هذه اللحظات، ومع اكتمال 30 عاماً على البداية الفعلية لعملية التسوية (كانت هناك مقدمات منذ 1974) فإن السؤال اليوم هو: هل نقف على أبواب مرحلة جديدة، ثلاثينية أخرى من عملية التسوية مع العدو الصهيوني؟
إن هذا احتمال وارد، وكي لا يكسب العدو الوقت الذي يريده، علينا أن نبدأ بمراجعة ما حدث منذ 1977 إلى عامنا هذا.
وهنا، لا يكفي أن نقول «يجب... ويجب» فهذه كلمة فقدت معناها من كثرة تردادها قولاً مع عدم تحويل القول إلى فعل وتطبيق. منذ سنوات، وعلى وجه التحديد في 2003، عقدت ندوة فكرية في القاهرة حول: «ماذا بعد انهيار عملية التسوية السلمية؟»([iii]).
ومن المفترض في مثل هذه الندوة أن تقفز عما يحدد خطوات ما بعد الانهيار، وتضع خطة ـ أو خريطة طريق لتحقيق هذه الخطوات وبصرف النظر عما أنجزته هذه الندوة أو لم تنجزه، فإننا اليوم في أشد الحاجة إلى أكثر من ندوة تحدد: ماذا بعد «قعدة أنا بوليس» المقرر عقدها في أواخر الشهر الحالي، أو ماذا بعد عام 2008 ؟
ومثل هذه الأعمال من ندوات ومؤتمرات، ومحاضرات وورش العمل «يجب» ألا تظل حبيسة حجرات وقاعات مغلقة، بل «يجب» أن تصل أعمالها ونتائجها إلى الرأي العام العربي، إلى رجل الشارع العربي، ليكون على معرفة بما يجري، ومعرفة ما عليه من مهام ومسؤوليات.
نحن اليوم في حاجة إلى «حوار استراتيجي» عميق وأصيل يراجع تجربة الثلاثين عاماً التي مضت مراجعة عميقة وشاملة لاستخلاص الدروس ولوضع إستراتيجية جديدة، كي لا تمر ثلاثون عاماً أخرى نجد أنفسنا في نهايتها واقفين أمام أسوار الأسئلة نفسها: إلى أين؟
وماذا بعد؟
هذان السؤالان يفترضان بل يفرضان حواراً استراتيجياً إذا افتتحته نخبة خلابة أن تشارك فيه الجماهير... ففي صارع ممتد مثل صراعنا ضد العدو الصهيوني ومناصريه ومسانديه لا بديل عن مشاركة الجماهير، ولا بديل عن حماسها وعطائها.
غياب هذه المشاركة وافتقاد هذا الحماس لن يقود إلا إلى ما يريده العدو من إطالة أمد المفاوضات عقوداً أخرى من السنين يستطيع خلالها صهينة أرضاً لم يصهينها بعد ويسعى لطرد أهلها منها.
إن التفاوض حول طابا المصرية التي لا تزيد مساحتها على كيلومتر مربع واحد، استغرق خمس سنوات، من 1981 إلى 1986 ثم أحيلت إلى التحكيم لمدى عامين فكم ستستغرق المفاوضات حول القدس، والضفة والجولان ومزارع شبعا؟
وكم ستستغرق المفاوضات حول حق العودة وتقرير المصير وقيام الدولة الفلسطينية كاملة السيادة؟
العدو لا يخفي أهدافه، ولا يداري نياته لقد أعلن «إيهود أولمرت» رئيس الوزراء الإسرائيلي، وسط الحديث عن «قصة أنا بوليس» وما يمكن أن تسفر عنه، أن اتفاق سلام مع الفلسطينيين سيستغرق 20 إلى 30 عاماً، 30 عاماً أخرى!!.
إن ظلت أمور التفاوض على وتيرتها منذ بدء عملية التسوية فإن هذه النبوءة قابلة للتطبيق، إلا إذا وقف العرب وقفة جادة وتحركوا جماعياً، ووضعوا إستراتيجية يلتزمون بتحقيقها دون مساومة أو تفريط، وكلما كان هذا أسرع كان أفضل وأكثر جدوى.
([i]) برهان الدجاني: مفاوضات السلام ـ المسار والخيارات والاحتمالات، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت ص133.
([ii]) د. عصمت سيف الدولة: الطريق إلى دولة أريحا، منشورات دار الأنصار، دمشق، 1995، ص23
([iii]) د. نادية محمود مصطفى (محررة): ماذا بعد انهيار التسوية السلمية؟ مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2004.
المصدر
- مقال:تأملات في عملية التسويةالمركز الفلسطينى للتوثيق والمعلومات