جاسوسية وجواسيس
{يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}
لم يعرف التاريخ شعبا كافح في سبيل حريته مثلما كافح الشعب العربي الفلسطيني ولم يشهد التاريخ نوعا من أنواع التنكيل والإرهاب أشد وأقسى مما صبته بريطانيا على هذا الشعب الباسل لتصرفه عن حقوقه وأهدافه وإن الثورات المتتابعة التي شهدتها فلسطين منذ ابتليت بالاستعمار البريطاني لتعطى صورة صادقة لنفسية هذا الشعب ومدى إيمانه بحقوقه وتمسكه بها إيمانا تغلغل في نفوس جميع أفراده ومختلف طبقاته وتساوى فيه البدوي والحضري ولقد بينت طرفا من جهاد هذا الشعب في صفحات سابقه غير أن أحدنا لن يمل حين يستطرد في نشر هذه الصفحات المجيدة التي سطرها المجاهدون بدمائهم وهم يكافحون أكبر قوتين في الأرض قوة المال وقوة السلاح قوة بريطانيا العظمة بجيوشها الجرارة وقوة الصهيونية بذهبها ونفوذها
ولا ينتظر القارئ منى أن أحدثه عن الأسماء اللامعة التي سمع بها القريب والبعيد وتناقلتها الصحف والمجلات ولكنى أغوص به إلى أعماق هذا الشعب ليرى مدى تغلغل روح الجهاد والتضحية في طوائفه وطبقاته
فهذا سائق سيارة بسيط يطلب إليه الإنجليز أن يقود سيارة تحمل عدداً من جنودهم إلى القدس حيث يساهمون في الفضاء على إضرابات وقعت حولها ولم يكن في وسعه أن يرفض فاستجاب لهم وقد بيت في نفسه نية القضاء علهم فودع أهله ومضى بهم في طريق القدس وعلى تلك القمم الشاهقة المطلة على ((باب الواد)) انحراف بسيارته إلى منحدر سحيق فاستقرت في القاع بحمولتها أشلاء ممزقة وصعدت روحه إلى بارئها بعد أن أدى واجبه
وهذا الطفل ريفي في التاسعة من عمره تمر به إحدى الدوريات الإنجليزية فيعز عليه أن يتركها تمر في أمان فيتناول بندقية أبيه ويترصد لهم في إحدى الحدائق ويصوب إليهم بندقيته ويلحظه أحد الجنود فيصيبه برصاصة ثم يفتشونه فإذا البندقية خالية من الذخيرة وإذا الطفل مصاب في ساقه فاستولى العجب على قائد القوة وبلغ منه التأثر مبلغه ولم يتملك أعصابه فمال على الطفل يقبله ثم يحمله في سيارته لأحد المستشفيات
ولقد حدثني أحد الإخوان ممن اشتركوا في اضطرابات عام (1936) أن الصحف اليهودية أخذت تجأر بالشكوى المرة من عصابات ((خطرة)) تغير على اليهود في شركة البوتاس على البحر الميت وقال لي : إن تلك العصابات الخطرة لم تكن في الواقع إلا أعرابيا واحدا يدعى ((سليمان بن خميس))من عربان ((السعيديين)) في وادي ((عربة)) لم تكن لديه إلا بندقية من نوع فرنسي قديم وما لا يزيد على عشرين طلقة من الخراطيش الفارغة وكان يملؤها بيديه من البارود والرصاص ثم يكمن بجانب منبع للمياه يدعى ((العين البيضاء)) كان اليهود يأخذون منه ما يحتاجون من مياه الشرب ويظل في مكمنه حتى إذا اقترب منه ((الصيد)) أطلق ما معه من رصاصات حتى إذا أصاب من أصاب منهم رجع مطمئنا إلى خيمته حيث يعاود تعبئة ((الخراطيش)) من جديد استعداداً لمعاودة الصيد وهكذا إلى أن ظفر اليهود به فأصابوا منه مقتلا ولكنه أبى أن يستسلم وظل يركض بعيدا عن المكان مخافة أن يظفر اليهود بجثته حتى سقط قريبا من قومه واستشهد تاركا وراءه زوجتين وأطفالا وسكتت حينذاك الصحف اليهودية عن الشكوى من تلك العصابات ((الخطرة))
أمثلة كثيرة جدا لا يمكن حصرها في هذه الصفحات ولكنك ترى من هذه الأمثلة مدى تعمق روح الجهاد وتغلغله في نفوس طبقات الشعب فهذا سائق سيارة في مدينة وذلك طفل في قرية وذلك أعرابي في البادية لم تربط بينهم قيادة مشتركة ولا نظام موحد إلا رابطة الدين والوطن تلك هي منابع القوة التي فشل زعماء العرب في تسخيرها والتحكم فيها وتلك هي الروح التي كان يخشاها الاستعمار ويشفق على دولته أن يحاربها أمثال هؤلاء بعد أن يداخلهم شئ من التنظيم والتدريب ولقد أوضحت كيف وقفت بريطانيا أمام تدريب الشعب الفلسطيني واعتبرت ذلك عملا عدائيا موجها لمصالحها في فلسطين
والعجيب أن الخطة التي رسمها المستعمر لإبعاد الشعب الفلسطيني عن مسرح القتال ومعالجة قضيته بنفسه هي الخطة التي سارت عليها الجيوش العربية المنقذة فلم تكد تدخل فلسطين حتى بادرت بحل المنظمات العسكرية ونزعت السلاح تدريجيا من المجاهدين
وكانت هذه هي إحدى الأخطاء الكبرى التي عجلت بنهاية الحرب وختمتها على صورتها المفجعة ولست أجد في التاريخ جيشا قام ليحارب عدوا في بلد من البلدان إلا وبذل جهده للتقرب من أهل البلاد وكسب تأييدهم وضمان معونتهم
ففي الحرب العالمية الثانية أخذ عملاء الحلفاء في أوروبا ينظمون رجال المقاومة السرية في مناطق الاحتلال النازية ويمدونهم بالمال والعتاد ليتعاونوا مع الحلفاء وكان تمهيدا لغزو أوربا حتى أن قيادة الحلفاء لم تأمر بالنزول إلى الساحل الفرنسي إلا بعد أن وثقت من تأييد العناصر الوطنية وأعطتها الإشارة لتبدأ أعمال التخريب من مؤخرة الجيوش النازية
وإذا كانت هذه الأمور لم تغب عن الجيوش النازية فلست أدرى كيف غابت عن الجيوش الحليفة التي جاءت بدافع قومي لتشترك مع أهل فلسطين في إنقاذ وطنهم وليس من شك في أن الطرق كانت ممهدة أمام الجيوش العربية للإفادة من قوى الشعب الكامنة وتسخيرها للهدف المشترك لو أخلصت النية وتنصلت مؤقتا من خيوط السياسة البريطانية فالشعب العربي كان في حرب مريرة مع اليهود حتى دخول الجيوش العربية وكان ينتظر دخولها بفارغ الصبر ويعلق عليها أكبر الآمال
وإذن فلقد كان من واجب الحكومات العربية أن تشرع فوراً في تكوين جيش عربي قوى يقوم بدوره في تحرير بلاده ولكن ما أن دخلت الجيوش العربية وبدأت عملها حتى تعددت تهم التجسس والخيانة وترتب على ذلك شعور بعدم الثقة أخذ يتزايد يوما بعد يوما حتى انقلب إلى هوة سحيقة استحال معها التعاون بين أهل البلاد والجيوش المنقذة التي جاءت لنجدتهم والذود عن كيانهم
وأشهد أن الدعاية اليهودية قد أدت دورها ونجحت أبلغ النجاح حين أخذت أبواقها تذيع في كل مكان أشعب فلسطين راض عن بقاء اليهود وليس ثمة خلاف بيننا وبينهم وأنه يعارض فكرة الحرب واستغلت هذه الدعاية بعض حوادث الخيانة الفردية التي لن تخلو منها أمة من الأمم لتبرزها للناس في صورة مكبرة على أنها حركة اجتماعية عامة وساعد على تثبيت هذا المعنى وإلباسه ثوب الحقيقة تلك الحملات الصحفية التي تطوعت بها الصحف المصرية ولم تحاول أن تتحرى المصلحة والحقائق في نشرها بل قدمتها للناس غذاء فكريا مسموما على أنه سبق صحفي منقطع النظير!
ولعل القراء الكرام لا يزالون يذكرون تلك الصور والمقالات التي كانت تنشرها مجلات ((دار الهلال)) ((وأخبار اليوم)) عن الجواسيس العرب وكيف أن الحراس المصريين اليقظين ((كذا )) قد قبضوا على أعراب داخل الخطوط المصرية فوجدوهم ((مختومين) بختم الهجاناه وكيف أن الجيش المصري وجد أعرابا مقتولين ضمن قتلى اليهود في إحدى المعارك هذه الأبناء المختلفة وأشباهها كان لها أكبر الأثر في إبهام الجنود المصريين أنهم يحاربون في أرض معادية ويساعدون أقواما خونة باعوا أرضهم ثم امتشقوا الحسام دفاعا عن الصهيونية
وإلى جانب ما في هذه الأنباء من تجن على الحقائق فإنها كانت سلاحا خطرا أثر تأثيراً بعيدا في قتل الروح المعنوية في الجنود المصريين فالجندي المصري كان يشعر أنه يقاتل دفاعا عن إخوانه المسلمين من العرب فعلى أي أساس يقاتل إذا أدخل في روعة أنه يدافع عن خونة يشتركون مع العدو في مقاتلته؟
ليت شعري هل فهمت هذه الصحف عظم الضرر الذي سببته حين أقدمت على نشر ما نشرته ؟ أم أنها تعلم الحقيقة وتنشر غيرها لغرض نجهله والواقع أن الجنود المصريين كانوا معذورين حين آمنوا بهذا الوهم واعتبروه حقيقة واقعة ومضوا يعاملون العرب على أنهم جواسيس يتوجسون منهم خيفة وهم يقرئون كل يوم في الصحف المحترمة مثل هذه الأنباء المثيرة!!!
هذا الوهم الخاطئ دفع الجنود إلى اتهام كل بدوي بالتجسس ويكفي لإلصاق التهمة أن يوجد ((وشم قديم)) أو ((كي)) بالنار وقلما تجد في أجسام البدو من يخلو من الوشم وهو وسيلة الزينة أو وهو الوسيلة الوحيدة للعلاج ! فإن وجدت هاتان العلامتان فهو جاسوس خطر (مختوم ) وقبل أن تدخل التهمة في دور التحقيق يكون صاحبنا هذا نال نصيبه من الضرب بالأيدي والركل بالأقدام
ويكفي للتدليل على هذه الأخطاء وأثرها أن نذكر قصة واحدة شاهدناها بأعيننا وسمعناها بآذاننا وهي أيضا على سبيل المثال
حينما كان الجيش المصري الباسل يخوض غمار المعارك العنيفة في منطقة ((بئر السبع)) كان هناك أعرابي يدعي ((أبن عقيل)) وكان هذا الأعرابي واسع الحيلة عظيم الشجاعة خبيرا بمسالك الصحراء ودروبها مما حدا بقائد منطقة ((عسلوج)) في ذلك الوقت اليوزباشى ((عبد المنعم عبد الرءوف)) أن يستغله في وضع الألغام على طريق اليهود فأدى الرجل دوره ببراعة وإخلاص يستحقان التقدير والإعجاب ثم نقل هذا اليوزباشى بفرقته وحل محله آخرون واستمر هذا البدوي يؤدى دوره الجليل حتى بدأت المأساة التي كادت تودى به
ذلك أنه عثر على عدد من الألغام الضخمة التي وضعها اليهود على طريق الجيش المصري ولما كان الرجل قد اكتسب خبرة في الألغام لاشتغاله بها وقتا طويلا فقد نجح في نزعها من الطريق وحملها في كيس على كتفه ومضى فخورا بعمله ليوصلها إلى قيادة الجيش في المنطقة ورآه الجنود من الحراس يحمل ألغاما على ظهره فقبضوا عليه وأخذوا يتصايحون : جاسوس 000 جاسوس وانهالوا عليه ضربا دون سؤال أو جواب والرجل يحاول إقناعهم دون جدوى ثم تحسسوا بدنه فإذا هو (مختوم) بعدة أختام ترمز إلى عدد الأمراض التي أصيب بها في حياته!!
والعجيب وهذا موضع العجب كله أ، تؤمن القيادة المحلية بأنه جاسوس وتشكل له محاكمة عسكرية لتحاكمه بتهمة الخيانة العظمى ولم يكن المجلس العسكري في حاجة إلى مزيد من الأدلة فأصدر حكمه بإعدامه وكان المفروض أ، تستمر هذه المهزلة إلى نهايتها لولا أن تدخل قدر الله في آخر لحظة إذ تقدم أحد أعيان البدو وكان يعلم القصة كلها باسترحام إلى الجهات المسئولة يرجو ‘عادة النظر في قضية هذا المجاهد البائس
وأعيدت المحاكمة وتشكل له مجلس عسكري جديد وطلب الأعرابي في هذه المرة شهادة اليوزباشى( عبد المنعم عبد الرءوف ) الذي جاء ليؤدى شهادة الحق وليبين تعدد الخدمات التي أداها الرجل ومن بينها إنقاذ أحمد سالم باشا ورتل من السيارات العسكرية معه وكانوا على وشك أن يطئوا لغما هائلا وضعه اليهود في طريقهم وكان صاحبنا يراقب ذلك من مكمن قريب وحاول نزعها فلم يستطيع فظل يحرسها وقتا طويلا ليمنع أي أحد من الاقتراب إليها
وأمام هذه الحجج الدامغة لم يجد المجلس العسكري بداً من تبرئته مع منحة مالية وهبها له المجلس من جيبه الخاص ولولا الظروف وحدها لنفذ حكم الإعدام في هذا المسكين ولأزهقت روح بريئة ظلما وعدوانا وأزهقت معه سمعة وكرامة شعب مجاهد كريم ولذهبت هذه القصة أيضا مثلا جديدا يضاف إلى غيره للتدليل على جاسوسية العرب وخيانتهم العظمى!!
وهكذا وقعت الجيوش العربية في الخطأ بسهولة وبدل أن تقوم بخطة مضادة تعيد بها للشعب ثقته بنفسه وبأصدقائه وتضمه إلى صفها إذا بها تضخم الخطر وتحذر جنود وحداتها من التعامل مع العرب والاطمئنان إليهم
ومن هنا خرجت تلك النغمة المرذولة عن التجسس والخيانة بدأت خافتة محدودة ثم انقلبت إلى ضجيج هائل طغى على صوت الحرب نفسها وضاعت في غمارها معالم جهاد رائع وتضحيات فذة قام بها الشعب الفلسطيني طيلة ثلاثين عاما واختفت من الوجود تلك الصفحة المشرقة من جهاد عرب فلسطين للصفحة التي مر بك طرف منها وخطتها ماء الشهداء الأبطال من أمثال : ((عز الدين القسام ؛ وعبد القادر الحسيني؛ وحسن سلامة )) وزملائهم من زهرات الشباب الكريم لتحل محلها صفحة سوداء قاتمة يتخللها الخزى والعار ويمليها الجهل وسوء التصرف وتكون النتيجة الحتمية لهذا أن يحكم على الشعب الفلسطيني بالابتعاد عن مسرح القتال والجلوس في مقاعد المتفرجين حتى تنتهي مسرحية الحرب لتفيق الأمة المجاهدة فتجد نفسها مجموعات ممزقة من اللاجئين المشردين.
ولقد أصبحت جاسوسية العرب وخيانتهم سببا كافيا يقدمه الضباط الصغار لتعليل الهزائم التي يمنون بها أو لتعليل العمليات الجريئة التي يقوم بها اليهود لا تمر معركة من المعارك حتى تسمع هذه الجملة من الجنود العائدين يقولونها بلهجة الواثقين يا عم إذا كان العرب بيحاربونا مع اليهود)) ثم يمضون في حبك القصص الخيالية مؤكدين أن العرب كانوا يهاجمون مؤخرتهم ويطلقون عليهم الرصاص من حدائق البرتقال
وأعجب ما في الأمر أن هذه الأبناء المختلفة كانت تلاقى آذانا مصغية في القيادات العليا وتقبلها عقول المسئولين على أنها حقيقة واقعة لا تقبل الشك والتأويل
ولقد استغلت هذه الحركة استغلالا سيئا في كثير من النواحي وأصبحت تهمة الجاسوسية سيفا مصلتا على أعناق الناس تكفي لاستعماله شهادة جندي مغرض أو مدني موتور لينزل على الرقاب في غير تردد ولا شفقة ولا عجب في ذلك فكانت الخواطر مبلبلة والأذهان مهيأة لقبول التهمة وتصديقها ولو وقعت على أرسخ الناس قدما في الجهاد وأشدهم تفانيا فيه
ولقد كان الإخوان يقعون في هذه الأخطاء تحت تأثير الدعايات اليهودية والأساليب التي خلقها اليهود لبذر بذور العداء بين أهل البلاد وإخوانهم من المجاهدين
وواضح أن عرب فلسطين قد ابتهجوا بدخول الإخوان وارتاحوا إليهم وسارعوا للانضمام في صفوفهم حتى أصبح عدد أهل البلاد المتطوعين مع الإخوان أكثر بكثير من عدد الإخوان أنفسهم ولم يسر اليهود بهذه الحركة فعملوا منذ اليوم الأول على بذر البذور الفتنة بين الإخوان وأهل البلاد وسلكوا كل سبيل لتقويض المعارك لإيهام الإخوان أن عرب فلسطين يقاتلون مع اليهود
ولقد حدثني أحد الإخوان الذين اشتركوا في معارك اللد أن هذه الطريقة بالذات اتبعت ضد الجيش الأردني فخرج الناس يقولون إن الجيش الأردني يقاتل جنبا إلى جنب مع اليهود!!!
ولم يكف اليهود عن محاولتهم فالتمسوا طرقا كثيرة وكلما فشلت طريقة لجئوا إلى شيطانهم يلتمسون عنده غيرها حتى أعيتهم الحيل وفشلوا ذريعا في فصم عرى محبة جمعها الإسلام وباركتها يد الله
أذكر ذلك اليوم الذي جاءني فيه أحد الأعراب من أصدقاء الإخوان ليقول لي : إن شيخ العرب ((فلان)) جاءه وحمله رسالة إلينا مؤداها أن ((م)) وهو شخصية عربية كبيرة تحتل مركزا مدنيا هاما في المنطقة جاسوس لليهود وأنه أي ((م)) متصل بقيادة القوات الإسرائيلية في الجنوب وأنه يبلغهم الأخبار أولا بأول نظير وعود قطعها اليهود له بتعيينه حاكما عسكريا للمنطقة في حالة استيلائهم عليها
وقال الأعرابي الصديق نقلا عن ((فلان)) : إن هناك اتصالا سوف يتم بعد يومين في مكان نحدد بين قائد إحدى المستعمرات وبين الشخصية الكبيرة
ولقد كان الخبر مثيرا للغاية لأنه يتعلق بشخصية لها خطرها في المنطقة ولقد ذهبنا في الموعد المحدد لاستجلاء الأمر وإلقاء القبض على الشخصية أثناء تفاوضها مع اليهود غير أننا لم نجد شيئا ولم تمض إلا أيام قلائل بعد هذه المحادثة حتى انكشف السر وظهر الخبئ إذ اختفي ((فلان)) مصدر الرواية وصاحبها وعلمت أنه في إحدى المستعمرات وأن الرواية كلها مختلفة لا أساس لها وليست إلا مناورة مدبرة أريد بها إشعال الفتنة بيننا وبين أهالي البلاد
هذه الوسائل وأشباهها مما لا يتسع المجال لسرده هي التي نجحت بعد ذلك في توسيع شقة الجفاء بين أهل البلاد والجيوش النظامية ووصلت بالعلاقات بين الحلفاء إلى تلك الحالة المؤسفة من الريبة وعدم الثقة والتي ترتب عليها ما ذكرته من استحالة التعاون بين الشعب الفلسطيني وحلفائه من جيوش العرب
ولقد صارحني أحد قواد المستعمرات اليهودية في النقب وكنا نتفاوض معهم خلال الهدنة الأولى بشأن نقل بعض الجثث فقال لي في مجال الحديث حول الحرب : (لقد نجحنا في إخراج الشعب الفلسطيني من المعركة وهو الذي مارس قتالنا خلال أعوام طوال أما أنتم أيها الغرباء فلن نأبه لكم ولن يصعب علينا إلقاؤكم في البحر متى جاء الوقت المناسب ) وقد كان !000