حكومة استثنائية.. لمرحلة استثنائية

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حكومة استثنائية.. لمرحلة استثنائية

بقلم : معتصم حمادة

نريد حكومة من شخصيات وطنية مستقلة كفوءة ومشهود لها، مطعمة بممثلي الفصائل بطريقة غير فاقعة.. تصون الأهداف الوطنية ووثائق الإجماع الوطني، قادرة على إنجاز برنامج المرحلة القادمة في محاوره الدولية والإقليمية والعربية والفلسطينية، وإن شيئاً من المراجعة النقدية لسياسات المرحلة الماضية كفيل بتوفير شروط نجاح هذه الحكومة.

منذ أن فازت بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الثاني، وحركة حماس تطالب بأن تكون الحكومة الفلسطينية «منسجمة» مع تركيبة المجلس، أي أن تكون رئاسة الحكومة، والحصة الأكبر من الوزارات من حق حماس.

وحجتها في ذلك أن انتخابات «التشريعي» تعكس موقف الشارع الفلسطيني بطريقة ديمقراطية، في انحيازه للحركة وتأييده لها، وأن أية حكومة تشكلها حماس، هي حكومة منتخبة من الشعب.

بل إن بعضهم ذهب في تفسيره أبعد بكثير مما نصت عليه القوانين، حين أدعى أن من حق حماس وحدها أن تسمى رئيس الحكومة لأنها صاحبة الأغلبية البرلمانية، منطلقاً من مقولة ثابتة لا يريدها أن تتزحزح تقول إن الحزب صاحب الأغلبية البرلمانية هو المعني بتشكيل الحكومة.

وعلى هذه القاعدة شكلت حماس حكومة هنية الأولى، والثانية (أي الحكومة العاشرة والحادية عشرة).

قد يبدو رأي حماس صحيحاً، للوهلة الأولى، إلا أنه في الواقع، صحيح نسبيا، وليس مطلقا في صحته، فالتجارب والوقائع تقول إن هذا المبدأ الذي تتمسك به حماس، جرى حتى في ديمقراطيات عريقة، وفي العديد من البلدان ذات التجارب الديمقراطية، تجاوزه عندما تطلبت الضرورات السياسية والمصلحة الوطنية ذلك.

ففي المغرب مثلا، نذكر كيف تجاوز الملك محمد السادس نتائج الانتخابات البرلمانية السابقة، وكلف شخصية مستقلة (إدريس جطو) بتشكيل الحكومة، ولم يكلف الحزب الذي فاز بالعدد الأكبر من المقاعد، وقد فسر المقربون من القصر الموقف هذا آنذاك، أنه خطوة لتجاوز عراقيل التوازنات البرلمانية التي كان يمكن لها أن تعطل قيام حكومة برئاسة حزبية، لذلك لجأ الملك إلى شخصية مستقلة شكلت حكومة تمثلت فيها الأحزاب المشاركة في البرلمان.

وفي التجربة الإسرائيلية الحالية، يلاحظ أن «رئيس الدولة» (شمعون بيريس) كلف بنيامين نتنياهو بتشكيل الحكومة علما أن كاديما تفوق على الليكود في عدد المقاعد البرلمانية التي فاز بها في الانتخابات الأخيرة، وحجة بيريس (العضو في كاديما) أنه كلف الشخصية السياسية الأقدر على صياغة ائتلاف برلماني وتشكيل حكومة إسرائيلية باستطاعتها مواجهة الاستحقاقات السياسية في المرحلة القادمة.

والتجربة اللبنانية (أيا تكن ملاحظاتنا عليها) غنية بالمرونة في تشكيل الحكومات من داخل البرلمان وخارجه، وفي كل مرة كانت الحكومة تشكل استجابة للبرنامج المتفق عليه وللاستحقاقات التي ستواجه البلاد عند كل منعطف، وفي كل مرحلة.

لذلك تشكلت مرة من الكتل البرلمانية، ومرة من خارج البرلمان، ومرة ثالثة مختلطة من داخله وخارجه، ومرة رابعة من شخصيات تسمى «أقطابا» يمنحها مجلس النواب صلاحيات استثنائية لأسباب متوافق على ضرورتها.

وبالتالي لا يشكل موقف حماس مبدأ ثابتا معمولا به في كل العالم، بل كثيرا ما تم تجاوز هذا المبدأ لأسباب موضوعية.

في الحالة الفلسطينية الراهنة مطلوب حكومة تتولى فك الحصار، وفتح المعابر، وتوفير التهدئة، وإطلاق ورشة إعمار قطاع غزة، وإعادة توحيد الإدارات والمؤسسات الرسمية الفلسطينية، وأجهزة الأمن بموجب شروط محددة، كذلك مطلوب منها التحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية، وبشكل متزامن، وضمن سقف زمني أقصاه 24/1/2010، بكل ما يتطلبه ذلك من تثبيت قانون الانتخابات الجديد، وتوفير الأجواء لضمان نزاهة العملية ونظافتها، ومطلوب منها أيضا تنظيم الانتخابات المحلية خاصة وأن معظم المجالس المحلية إما انتهت ولايتها القانونية، أو هي على وشك أن تنتهي.

نسوق هذا الكلام وفي البال أن الحكومة الإسرائيلية القادمة علينا هي حكومة نتنياهو الأكثر تطرفا من حكومة شارون الأولى والثانية، وبطبيعة الحال الأكثر تطرفا من حكومة أولمرت ومرشحة أن تضم في عضويتها شخصيات سياسية لم تتردد في الإعلان عن حقيقة مواقفها الحاقدة على كل ما هو فلسطيني، وعن ضرورة مواصلة حملة «الرصاص المصهور» ضد قطاع غزة، وفي البال أيضا أن ورشة الإعمار تتطلب أموالا، لا يمكن الحصول عليها إلا عبر حكومة من لون معين وإن إعادة توحيد المؤسسات يجب أن يتم على أيدي شخصيات فلسطينية وطنية غير منحازة لفريق دون آخر.

نسوق هذا الكلام أيضا وفي البال تجربة حكومة هنية الأولى والثانية. لقد سمت حماس إسماعيل هنية لتشكيل الحكومة مع أن موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي كثيرا ما صرح أنه إذا ما فازت الحركة بأغلبية «التشريعي» فسوف تسمي شخصية مستقلة لتشكيل الحكومة.

وجردة حساب سريعة تؤكد أن حكومة هنية الأولى فشلت في تحقيق الأهداف التي تبنتها في بيانها الوزاري بل إنها فشلت حتى في تأمين مرتبات الموظفين والعاملين في المؤسسة وثبت أن مراهنات رئيس مكتبها السياسي على دعم إسلامي وعربي، شعبي ورسمي لحكومة الحركة، تبخرت في الهواء أمام الواقع العنيد للحالة المعقدة التي تعيشها السلطة الفلسطينية ومناطقها، كما ثبت أن وعوده بترشيد مصاريف السلطة والتخفيف من زحمة الموظفين، تبخرت هي الأخرى في الهواء، بل أخلفت حكومة هنية وعود مشعل، وحملت موازنة السلطة المزيد من الواجبات حين لجأت إلى تشكيل أجهزة إدارية موالية لحماس في مواجهة إدارة موالية لفتح، وحين شكلت أجهزة أمنية موالية هي الأخرى لحماس في مواجهة الأجهزة الأمنية الموالية للرئيس عباس ولحركة فتح. وهكذا، وبدلا من إصلاح أوضاع السلطة، باتت الحالة الفلسطينية أمام سلطتين، وإدارتين، ومؤسستين أمنيتين.

وإذا كانت حماس تحيل أسباب فشل حكومة هنية الأولى إلى الاحتلال والولايات المتحدة فإن هذا لا ينفي الفشل، ولا تسهل هذه الإحالة حلا.

فالحكومة ليست معنية بتحريض الناس وتعبئتهم ضد الاحتلال فقط، بل وكذلك تأمين مستلزمات حياتهم وصمودهم، وإذا فشلت في هذا، فالواجب يحتم عليها أن تعيد النظر بالتجربة، لا أن تتمسك بها وكأنها التجربة الوحيدة الممكنة، وكأن القاعدة السياسية لهذه التجربة باتت مقدسة بحيث لا يمكن مخالفتها أو الخروج عنها.

ما دام تكوين الحكومة يشكل استجابة لبرنامجها، فالمنطق السياسي يقول إن حكومة تستعيد طبعة حكومة هنية الثانية، لن تنجح في إنجاز برنامجها، خاصة وأن تلك الحكومة فشلت في ظروف أقل تعقيداً مما هي عليه الآن، وانتهت صريعة برصاص انقلاب 14/6/2007 الذي أطاح بها.

لذلك ارتأت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، إلى جانب فصائل أخرى مشاركة في الحوار صيغة لحكومة «تحافظ على الثوابت» كما يشترط البعض، وتصون الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني، وتصون وثائق الإجماع الوطني (وثيقة القاهرة 2005 / الوفاق الوطني 2006/ ورقة القاهرة الثانية 26/2/2009) وتضمن في الوقت نفسه القدرة على إنجاز البرنامج الملقى على عاتقها، في محاوره المختلفة، تلك المتعلقة بالعلاقات الدولية والعربية (الإعمار ـ التهدئة ـ المعابر ـ الحصار) أو المتعلقة بالعلاقات الفلسطينية (استعادة الوحدة الداخلية.. الانتخابات.. القوانين..الخ) تتشكل الحكومة حسب الصيغة المقترحة من شخصيات وطنية مستقلة مشهود لها، ومعترف لها بدورها الوطني (شروط تختلف عن شخصيات التكنوقراط) ويتم تسميتها بالتوافق الوطني بين جميع الأطراف بحيث تشكل صيغة من صيغ الوحدة الوطنية.

وتكون في الوقت نفسه منفتحة على كل المحاور دون استثناء، ودون أية تنازلات سياسية، يجري تطعيمها بممثلين عن الفصائل (حالات غير فاقعة) الهدف من وجودها تعزيز وضع الحكومة وتقويتها سياسيا وإزالة العراقيل من أمامها، دون أن يشكل ذلك حملا زائدا يثقل عليها في السياسة.

إن مثل هذه الحكومة تحتاج إلى رئيس هو أيضا مستقل، يضمن وحدتها، ويضمن دورها التوحيدي داخليا، والفعال عربيا وإقليميا ودوليا... ونعتقد أن الصف الوطني حافل بالعديد من الشخصيات الكفوءة، التي تستجيب لشروط المرحلة، كما نعتقد أن شيئا من المراجعة النقدية، لسياسات المرحلة الماضية كفيل بأن يفتح الطريق لهكذا حكومة تحتاجها الحالة الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى».

المصدر