حماس والإخوان واستحقاقات الفوز

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حماس والإخوان واستحقاقات الفوز


بقلم : الدكتور رفيق حبيب

سيتوقف التاريخ طويلاً عند يوم 26 يناير 2006، فالأمر لا يتوقف عند فوز حماس في الانتخابات التشريعية، بل يمتد لتأسيس مرحلةٍ جديدةٍ في تاريخ النظام السياسي العربي.

فالانتصار الكاسح لحركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية أسَّس لمرحلة جديدة من التاريخ العربي والإسلامي، وليس في ذلك مبالغة، فالمراحل الكبرى تبدأ بأحداثٍ فاصلة وتتابع بعد ذلك حتى يتشكل النظام الجديد.

والقصة لم تبدأ في الانتخابات التشريعية، بل سبقتها الانتخابات البلدية، وسبقها أيضًا الدور السياسي الجديد للإخوان المسلمين في مصر، والذي بدأ بمظاهرات الإخوان في عام 2005، حتى وصول 88 نائبًا من الإخوان للبرلمان المصري، كأكبر قوةٍ سياسية معارضة في البرلمان منذ أكثر من نصف قرن.

شواهد كثيرة تشير- في مجملها- إلى تحول النشاط السياسي للتيارات الإسلامية إلى مرحلة جديدة تتميز بالنضال السياسي الفعال، وتتوج في النهاية بدور سياسي معارض فاعل، أو بالوصول إلى تحقيق الأغلبية.

ولكن ما حدث في فلسطين يتجاوز حدودَ الحدث السياسي، ليصبح حدثًا تاريخيًّا وحضاريًّا بامتياز؛ فلقد وصلت حركة المقاومة الإسلامية إلى مرحلة تشكيل حكومة، وهي أول حركة تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين تصل لمرحلة تشكيل حكومةٍ في بلد عربي، حيث يحق لها تشكيل الحكومة منفردةً أو مع آخرين، طبقًا لقرارها.

فلقد وصل الإخوان المسلمون للحكم في فلسطين، البلد المحتلة، ومن خلال أحد جماعاتهم، والتي تمارس المقاومة المسلحة.

وعند هذه النقطة، نرى إلى أي حد تواجه حماس استحقاقات سياسية، بل هي في الواقع تاريخية وحضارية، تجعل المرحلة القادمة تمثل تحديًّا حقيقيًّا لمجمل المشروع الإسلامي الذي تتبنَّاه جماعة الإخوان المسلمين.

وإذا كان المراقبون رأوا في ما حققه الإخوان المسلمون في مصر تحديًّا أمام الجماعة وامتحانًا لها، فما حدث في فلسطين يكمل الصورة ويحدد المرحلة التي تمرُّ بها الجماعة، ولكن الأمر يتجاوز مسألةَ التحديات التي تواجه الجماعة، فلقد تغيرت السلطة الحاكمة في فلسطين المحتلة عن طريق الانتخابات، وتبادل موقع السلطة حركة إسلامية مع النخبة الحاكمة من فتح، وهي امتداد للنخب الثورية التي أسست النخب الحاكمة في العديد من البلاد العربية، مما يفتح الطريق أمام إمكانية تغيير النخب الحاكمة، وإمكانية وصول الإسلاميين للسلطة، خاصة جماعة الإخوان المسلمين.

وهذه المتغيرات المهمة تفرض على الجماعة مراجعة موقفها السياسي في مختلف البلاد العربية، وكذلك تفرض على النخب الحاكمة في البلاد العربية مراجعة موقفها من حركة الإخوان المسلمين ومجمل الحركات الإسلامية، ونتوقع أيضًا أن ما حققه الإخوان المسلمون- متمثلاً في حركة حماس أي إخوان فلسطين- يمثل متغيرًا مؤثرًا على مجمل الحركات الإسلامية في البلاد العربية والإسلامية.

ومجمل الصورة يؤكد على أننا في مرحلة الجهاد السياسي الذي يهدف لتحقيق التغيير والإصلاح في النظام العربي السياسي، مما يجعل جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة تحتاج لتأسيس سياسي جديد يحدد نهج العمل وجدول أعمال التغيير والإصلاح.

ورغم أن نتيجة الانتخابات المصرية لا تمثل تحديًّا كبيرًا لجماعة الإخوان، فإنَّ تحقيق الجماعة لعددٍ أكبر من المقاعد في البرلمان المصري، حتى نسبة الثلث أو أكثر منها، لم يكن ليشكل حجمًا من التحديات التي تواجه حماس، فقد فازت حماس في ظل أوضاع مركبة، تبدأ بوضع السلطة الفلسطينية والمشكلة طبقًا لاتفاقية أوسلو، مرورًا لاعتماد السلطة الفلسطينية على المساعدات الغربية، وأخيرا تحدي الاحتلال نفسه وكيفية التعامل معه، بما في ذلك تحدي الدخول في مفاوضات مع الكيان الصهيوني.

وقد يرى البعض أن جماعة الإخوان المسلمين تمر بفترة حرجة، وأنها أمام استحقاقات قد لا تقدر على مواجهتها، وربما يؤدي ذلك إلى فشل الجماعة في مواجهة تلك التحديات، وقد يتوقع بعض المراقبين أن حماس قد تتراجع عن تشكيل الحكومة في أي مرحلة وتعود إلى صفوف المعارضة، وهو احتمال قائم بالفعل، ولكن كل تلك التوقعات وغيرها تدور في الواقع حول تصور يرى في الإخوان المسلمين وغيرها من الحركات الإسلامية المعتدلة بأنها حركات معارضة في المقام الأول، أي أنها ليست معدةً لممارسة السلطة أو المشاركة فيها، وليست معدةً أيضًا لقيادة حركة المعارضة الفاعلة.

وربما كان الحصار المفروض على هذه الحركات هو السبب الرئيس في هذا التصور، حتى بات تاريخ الإخوان المسلمين في كل البلاد العربية تاريخًا لحركة محاصرة ومعارضة، وتاريخًا يمتد بجزء كبير منه في سجون الحكام.

لهذا نرى أن نجاح حماس هو بالفعل تغير لمجمل النظام السياسي العربي، وللتاريخ السياسي العربي؛ لأننا الآن وللمرة الأولى أمام انتصار حقيقي من خلال انتخابات نزيهة، لقوة تنتمي للمرجعية الحضارية والدينية للأمة، أي أننا أمام بديل سياسي جديد يصل للسلطة للمرة الأولى في بلد عربي.

ولهذا يصبح الوضع الشائك الذي تواجهه حركة حماس، هو نفسه سبب أهمية التجربة وما ستؤدي له من نتائج واسعة، والحقيقة أن الرؤية الحضارية الإسلامية، ليست على أي نحو رؤيةً خياليةً أو حالمةً، بل هي رؤية واقعية وتجريبية في الأساس، وما يميزها عن غيرها من الرؤى هو ارتباطها الشديد بالمورث الحضاري والديني للأمة.

لهذا نرى أن المشروع الحضاري للأمة قد حقق انتصارًا مهمًّا، بأن أصبح في قلب التجربة، فما يواجهه المشروع من تحديات، هو في الواقع الانتصار الحقيقي وليس ما تحقق من نتائج الانتخابات، فلقد أصبحت حركة الإخوان المسلمين في قلب الصراع الأساسي والتحدي الرئيس الذي يواجه العالم العربي منذ نصف قرن، وبهذا أصبحت الفرصة متاحة لترجمة المشروع الحضاري للأمة في مواجهة التحدي الرئيس، أي الكيان الصهيوني، والذي قام لهدم هوية الأمة الحضارية

المصدر