د. حبيب: (الإخوان)... دعوة ومنهج وأصول
بقلم أ.د. محمد السيد حبيب*
حول اختيار المرشد:
من المستقر في أعراف (الإخوان)- لمن يتم اختياره مرشدًا عامًّا- ضرورة توافر مجموعة من العناصر، يأتي على رأسها:
أولاً: الرؤية الشاملة، والاستيعاب الجيد، والإدراك الناقد لما يدور على الساحات العالمية والإقليمية من أحداث وصراعات وتيارات، خاصة في ظل ثورة المعلومات والاتصالات التي تعم العالم اليوم، والتى جعلت هذه الساحات قريبة ومتداخلة، ومؤثرٌ بعضها في البعض الآخر بشكل أكثر تلاحقًا وسرعةً وعمقًا.
ثانيًا: الإحساس العميق بالمسئولية تجاه قضايا الإسلام والمسلمين- كبرت هذه القضايا، أم صغرت- ليس في قطر دون قطر، ولكن في كل أرجاء الدنيا.
ثالثًا: الرغبة الأكيدة في التغيير والتطوير والإصلاح لما فيه خير البلاد والعباد؛ حيث إن الإسلام جاء لإقامة العدل، وحماية حقوق الإنسان- أيًّا كان- من العسف والظلم والجور، وأن احترام الدستور والقانون وأحكام القضاء من الأصول الهامة في أمن واستقرار الدول، فضلاً عن أنها عنوان لحضارتها ورقيها وتقدمها.
رابعًا: المحافظة على كيان (الإخوان) من حيث قوة العقيدة، وقوة الوحدة والارتباط، وقوة الحركة والانطلاق بحكمة واعتدال.
خامسًا: القدرة على الانفتاح على الآخر- أيًّا كان- مع التنسيق والتعاون معه، خاصة أن التحديات التي تواجه الأمة (من خلال المشروع الأمريكي والصهيوني) تستلزم كافة الجهود، وتضافر كل القوى.
ومن نافلة القول التذكير بأن هذه المنظومة أو مجموعة العناصر تتطلب عقلاً متوقدًا، وذهنًا حاضرًا، ونظرة ثاقبة واسعة، بصرف النظر عن السن؛ وهو ما يعيه (الإخوان) جيدًا.. ويوم يشعر (الإخوان) أن فضيلة الأستاذ المرشد غير قادر على الوفاء بمسئولياته والقيام بواجباته- لأي ظروف كانت- فإنهم يتخذون من الإجراءات والتدابير ما يُمكِّنهم من اختيار مَنْ يقوم مقامه؛ حرصًا على الدعوة واستمرارها.
أسس ومبادئ:
إن الاختلاف في الرأي عند (الإخوان) هو اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد؛ وهو ما يثري العقل ويمحص الرأي، ولا يوجد اختلاف حول ثوابت دعوة (الإخوان)- وهي معروفة لدى الجميع- وإنما يكون الاختلاف في المتغيرات التي عادة ما تحتاج إلى مناقشات واجتهادات، وتبادل لوجهات النظر، وهذا أمر طبيعي وبدهي..
ويحرص (الإخوان) على الالتزام بما يسميه العلماء "أدب الاختلاف" من حيث سعة الصدر، واحترام الرأي الآخر، وتقدير الظروف والأحوال، والحوار الهادئ، والود الصادق، والرغبة في الوصول إلى الحق والصواب، والبعد عن المراء، والجدل العقيم الذي لا ينبني عليه عمل، وأن: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرى خطأ يحتمل الصواب".
إن اختلاف الطبائع الإنسانية أمر لا يستطيع أن ينكره أحد، كما أن التنوع في الآراء هو من سنن الله في البشر، ومن ثم فإن (الإخوان)- كأفراد- يعتقدون أنهم لا يجب- ولن يستطيعوا- أن يكونوا قوالب مستنسخة من بعضها، ولا يقول عاقل بأن (الإخوان) ككيان يمكن اختصاره في إنسان واحد.
إن لكل فرد من (الإخوان) الحق في أن يعبر عن رأيه في أي قضية يختلف فيها مع إخوانه، وذلك عبر مؤسسات (الإخوان) ، وأن تتاح له الفرصة كاملة في الدفاع عن وجهة نظره، بل مناقشته فيها، وتعتبر الشورى عندهم ملزمة؛ وهى قادرة على حسم أي خلاف.
وأنا هنا أريد أن أؤكد على أنه لا يوجد لدى (الإخوان) صراع على منصب أو موقع، فهو بالنسبة لهم مغرم لا مغنم، ولا يرشح أحد منهم نفسه لأي موقع؛ وإنما إخوانه هم الذين يختارونه؛ عملاً بالقاعدة التي أرساها النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إنا لا نولي هذا الأمر أحدًا سأله، ولا أحدًا حرص عليه"، أو كما قال.
القديم والجديد:
إن ما يُسمَّى بـ"الحرس القديم والحرس الجديد" ليس له وجود على الإطلاق، إلا في مخيلة الذين ابتدعوه ورددوه، وأنا أتساءل: حرس قديم على ماذا؟! وحرس جديد على ماذا؟! فهل يُقصَد بالحرس القديم شيوخنا الأجلاء، وعلماؤنا الأفاضل الذين تعلمنا على أيديهم، وحافظوا على نقاء الفكرة وطهارة الوسيلة ونيل الهدف؟! وهل يُقصَد بالحرس الجديد الأجيال الوسيطة واللاحقة من الشباب (بدءًا من سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم)؟! وأن هذه الأجيال تريد أن تكون أكثر انفتاحًا على المجتمع، وتعاونًا مع الآخر، مع التجاوز عن سلبيات الماضي أيًّا كان مصدرها... إلخ؟!
أنا هنا أحب أن أُذكِّر بأن (الإخوان)- شيوخهم ورجالهم وشبابهم- يصدرون عن مشكاة واحدة، وينتهجون نهجًا واحدًا، ويسيرون على درب واحد، ويدافعون عن قضية واحدة؛ هى الإسلام.. ولقد وضع لهم الإمام المجدد "حسن البنا"- رحمه الله- أصول وأسس هذه الدعوة من منطلق الفهم الدقيق والشامل للإسلام من حيث العقيدة، والفكر، والمنهج، والوسائل، والأهداف، والأخلاق، والسلوك، والآداب، وكل فرد ينضم لهذه الدعوة، ويصبح فردًا عاملاً فيها، يلتزم بهذه القواعد والأسس، ويرى فيها السبيل لنهضة الأمة ورفعتها وتقدمها.
وإحقاقًا للحق أقول: إن (الإخوان)- بفضل الله- أصحاب عقل مفتوح لأي فكرة أو رأي يأتيهم أو يُعرَض عليهم من أي إنسان، حتى لو اختلف معهم في العقيدة أو الفكر، من منطلق قول النبي- صلى الله عليه وسلم: "الحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها"، ولا بأس عند (الإخوان) من أن يغيروا فكرتهم، أو وجهة نظرهم في أي قضية من القضايا المطروحة على الساحة- متى استبان لهم وجه الصواب والحق فيها- دون أي تفريط في القواعد والأصول الموجودة لديهم، وقد ضمن (الإخوان) رأيهم في قضايا معاصرة كثيرة في عدة رسائل، مثل: التعددية السياسية، والمرأة، والديمقراطية... إلخ، ودائمًا ما يصدر هذا التغيير في إطار الشورى الملزمة، ومن خلال المؤسسات الإخوانية..
إن هناك تواصلاً في الأجيال بين (الإخوان)، ولا توجد مناطق فراغ أو فجوات، والكل متفق على القواعد والأصول، بل على الآليات والوسائل والنظم التي يتم بها التغيير فيما يتعلق بالفروع؛ وهى كثيرة ومتنوعة.
الخلاف وحجمه:
وفيما يخص وجود اختلافات داخل كيان (الإخوان) في أي فترة، وتحت أي ظرف، أقول: إنه لا يمكن أن تكون هناك جماعة بهذا الامتداد والاتساع والعمق والتأثير، ولا يكون لدى أفرادها اختلافات وتعدد في وجهات النظر، و(الإخوان) يعتبرون الاختلاف دليلَ صحةٍ وحيويةٍ وثراءٍ لعقل وجسد الجماعة.. وأيًّا ما كانت الاختلافات، فلديهم- كما قلت- الشورى الملزمة، التي تحسم كل اختلاف في إطار الحب والود والحرص على الجماعة وثوابتها.
وفي الختام، أحب أن أُنوِّهَ أنه فيما يتعلق بأثر ما يروَّج في وسائل الإعلام على (الإخوان) من وجود صراعات وانشقاقات، فأقول: لقد تعود (الإخوان) على مثل هذه الحملات الإعلامية، خاصة حينما يكون هناك حدث كبير، مثل: وفاة المرشد، ومن سيخلفه، ومن... ومن... إلخ.
إن (الإخوان) لهم لوائحهم ونظمهم الخاصة بهم التي يسيرون عليها، وينظمون عملهم من خلالها، كما أنهم أصحاب خبرة طويلة، وتجربة عميقة، ووعي سياسي ناضج؛ وهو ما يؤهلهم دائمًا- بعون الله- للتصرف بحكمة، حتى في أصعب الأوقات حرجًا، وهم يراعون الظروف والأحوال التي تمر بالأمة.. ولأن هذه الجماعة لله، ولأن سعيها من أجل مصالح البلاد والعباد، فإن الله تعالى دائمًا معها، يوفقها ويسدد خطاها، ويلهمها الرشد والصواب في كل خطواتها.