رحيل صقـر العلمـاء

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
رحيل صقـر العلمـاء


بقلم : منير عرفه

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد ألا إله إلا الله ولى الصالحين ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبى الأمين. اللهم صل عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين .

وبعــد ،

فقد ودعت الأمةُ الإسلاميةُ بقلوبها رجلاً من رجالات الإسلام ، وعلمًا من أعلامها ، وعالما من علمائها الربانيين ، وفارسًا من أعظم فرسان الفتوى فى العصر الحديث ؛ ألا وهو فضيلة الشيخ العلامة عطية صقر. وحقًا إن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن ، وإنا لفراقك يا شيخنا لمحزونون ، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا إنا لله وإنا إليه راجعون.

لعمرك ما الرزيةُ فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعيـرُ

ولكن الرزية فقـد شهـم ... يموت بموته خلقٌ كثيـرُ

  • حفظ القرآن الكريم منذ أن كان عمره تسع سنوات .
  • وحصل على شهادة العالمية مع إجازة الدعوة والإرشاد من كلية أصول الدين بالأزهر 1943م.
  • ثم عين مترجمًا بمراقبة البحوث والثقافة بمجمع البحوث الإسلامية في عام 1965م.
  • عمل وكيلاً لإدارة البعوث في الأزهر عام 1969 م .
  • انتدب كأمين عام مساعد لمجمع البحوث الإسلامية في عام 1972م.
  • عين عضوًا بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

وهو من أشهر من تولوا رئاسة اللجنة فقد أصدر موسوعة كبيرة لفتاواه وصلت إلى أكثر من ثلاثين جزءًا، وكل جزء يحوي عدة أبواب تجمع الفتاوى في قضية أو مجال معين .

  • اختير عضوًا بمجلس الشورى .
  • وكان عضوًا بمجلس الشعب في اللجنة الدينية.
  • حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1983م .
  • ترك منصبه كرئيس للجنة الفتوى عام 1996م أثر فتوى أفتاها مفادها حرمة فوائد البنوك.
  • وقد اشتهر الشيخ بصدوعة بالحق فى الإفتاء ، ومن أشهر ما أفتى به :

( حرمة فوائد البنوك – حرمة مصافحة النساء – مشروعية ختان الإناث ) .

و شُن علية على أثرها هجمةً عمياء من قبل دعاة العلمانية مما أدى إلى منعة من إلقاء الفتاوى فى برنامجة المشهور ( فتـاوى وأحكـام ) على القناة الثانية من التلفاز المصرى والذي تواصل لمدة 15 عاما ، ولكن ما لبث أن عاد نظرًا لقلة من يتصدى للإفتـاء من أمثال الشيخ ، إذ كان يحظى بين أبناء الأمة الإسلامية فى مصر والعالم الإسلامى باحترام وتقدير كبيرين لغزارة علمه وتصديه للفتوى فى مختلف القضايا والمشاكل التى تشغل بال المسلمين .

* ومن مؤلفاته :

الدعوة الإسلامية دعوة عالمية ، الأسرة تحت رعاية الإسلام " 6 مجلدات " ، دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة ، الزكاة وآثارها الاجتماعية ، الحجاب وعمل المرأة ، البابية والبهائية تاريخًا ومذهبًا. كما أن للشيخ فتاوى عديدة طبعت ككتب وعلى اسطوانات للحاسب الآلى .

  • شارك فى العديد من البرامج الدينية فى الإذاعة والتليفزيون، وعقد العديد من الندوات الدينية فى دور التعليم والجمعيات والمؤسسات المختلفة، له مقالات فى الصحف والمجلات العربية والإسلامية، وسافر فى رحلات ومهمات رسمية فى العديد من الدول الآسيوية والأفريقية والأوروبية.
  • وبعد صراع مع المرض وفي مستشفى قصر العيني ، توفى فى صباح يوم السبت الوافق 18 من ذى القعدة 1427هـ الموافق 9 من ديسمبر 2006م عن عمر يجاوز التسعين عامًا . وشيعت الجنازة يوم الأحد من مسجد ال رشدان بمدينة نصر . وتم دفنه بقريته بهنباي بمحافظة الشرقية حسب وصيته .
  • قال عنه الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف : ( إن العالم الإسلامي خسر الشيخ عطية صقر أحد علماء الإسلام البارزين والمتميزين الذين أناروا وعى المسلمين بالفكر الإسلامى المستنير والفتاوى الدينية ).

وأضاف الدكتور زقزوق : ( أن فكر الدكتور عطية صقر عكس سماحة الاسلام ، وأرسى له مكانة كبيرة فى قلوب المسلمين بما قدمه من عطاء إسلامى ، وترك بصمات واضحة على مسيرة الدعوة الاسلامية فى مصر .. داعيا الله أن يعوض الأمة الأسلامية خيرًا ) .

  • وأكد الشيخ عبد الله مجاور - أمين عام اللجنة العليا للدعوة الإسلامية بالأزهر - على أن : ( الشيخ كان معطاء لآخر لحظات حياته؛ فكان حريصا على أداء المحاضرات للطلاب الوافدين من مختلف دول العالم الإسلامي، وأكبر دليل على ذلك أنه ألقى محاضرة الأسبوع الماضي للطلاب الوافدين، حيث كان مقررًا أن يلقي تلك المحاضرات كل أسبوع ) .
  • وقال الدكتور محمد رأفت عثمان - عضو مجمع البحوث الإسلامية - : ( الشيخ صقر كان أحد أهرامات مصر العلمية؛ حيث إن مصر أنجبت كثيرًا من العلماء الذين نصفهم بأنهم أهرامات؛ فقد كان يجمع بين العلم وحسن العرض وانتقاء الكلمة الأنيقة، وطلاقة الحديث، والإحاطة العلمية ) .

ووصفه بأنه صاحب فكر وسطي لا يخشى في الله لومة لائم قائلا : ( التقيت مرات عديدة بالشيخ كنت أجد فيه فكرًا وسطيًا بعيدا عن التعنت ) .

  • والشيخ صقر كما يصفه علماء الأزهر هو من : ( علماء الوسطية الجريئين في الفتوى، ومن علماء الأزهر الذين تركوا ميراثا فقهيا واسعًا كمرجع للجنة الفتوى؛ حيث إن له فتاوى عديدة في قضايا مهمة).

* وكتب الأخ محمد غراب – فى موقع أهل الحديث -  :

( ولقد جالستُ الشيخ أكثر من مره فلمست فيه التواضع وأشهد الله أمامكم أنى رأيت شابًا يراجعه فى فتوى له ، وجاء الشاب له بكتاب وأشار الشاب لما فى الكتاب فما كان منه وهو وقتئذ رئيس لجنة الفتوى ألا أن رجع عن قوله موافقًا الشاب الصغير. وقد رأيت هذا بنفسى وأنا بجواره مما كان له أكبر الأثر فى نفسى .. ومن يطالع فتاوى الشيخ فى كتابه الفتاوى يجد الشيخ لايقول برأيه فى أكثر المسائل ؛ بل يحيل القارىء إلى كلام أهل العلم ومنهم من هم من أقرانه ولا يرى فى ذلك عيبًا ، بل حدث أن ناقشتُه فى فتوى سمعتُها منه فى التلفاز فكان ودودًا استمع لى جيدًا ( وأنا طويلب علمٍ فى سن أبنائه، وشرح لى ماغاب عن إدراكى ) .

* وجاء بموقع المسلم :

( واشتهر الشيخ بكونه مدرسة فقهية تعنى بإعمال علم أصول الفقه ومراعاة أحوال الناس والمجتمعات في فتاويه من دون إخلال باتباع الدليل، وعُرف الشيخ بجرأته في الحق للحد الذي مُنع بسببها برنامجه من قبل بسبب فتوى مصافحة النساء الشهيرة له، وصلابته التي لم تجعله قناة لفتاوى لا يرضاها ضميره الكريم، ما جعله على الدوم في القلب بعيدًا عن الكراسي، ويكاد يُجمع علماءُ مصر على أحقيته بمنصبي شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية اللذين لم يُساقا إليه ولم يسع لأي منهما، والكثيرون يرون فيه أفقه أهل مصر في هذا الزمان ... رحم الله العلامة الجليل وأثابه عن طلابه الذين لم يبخل عليهم بفيض علمه إلى ما هو أقل من أسبوع من وفاته، وعن الملايين من المستمعين والمشاهدين لبرامج الفتاوى الطيبة التي أنار بها على الأفهام ما استغلق عليها ) .

وحُـق لنا فى لحظات الوداع أن نقف وقفاتٍ مع هذا الرجل الذى جمع الله له بين تلابيب الفتوى فى يده وحباه فصاحة وبساطة فى الحديث يبلغ بهما ما يريد أن يقوله ... ولذا فلا غرابة إذا رأينا النساء فى قعر البيوت إذا نزلت بهن نازلة يسألن عن قول فضيلة الشيخ بصفة خاصة.

* ويقول كاتب هذا المقال " منير عرفه " :

( كنت قد أعددت بحثًا عن الفتوى فى الشريعة الإسلامية فيما يزيد عن ثلاثمائة صفحة ، تكلمت فيه عن ماهية الفتوى وأهميتها وخطورتها وتأثيرها ، ودورها التاريخى ، والضوابط التى ينبغى أن تتواجد حولها سواء من المفتى أو المستفتى أو الظروف والملابسات أو طريقة عرض الفتوى ، وعن كيفية جعل الفتوى عاملا من عوامل نهضة الأمة ، والحق أننى وجدت على رأس علماء العصر الحديث الجامعين لشرائط الفتوى بصورة عملية هو فضيلة الشيخ العلامة عطية صقر .. وكان كل من حولى يعلمون أننى أريد أن أجعل فضيلة الشيخ يقوم بعمل تقدمة لهذا البحث لكنى أردت أمرًا وأراد الله أمرًا آخر ) .

? وقد تميزت فتاوى فضيلة الشيخ بعدة أمور :

1- إبراز يسر الشريعة من غير ترخص :

والحق أن فضيلة الشيخ كان له منهجًا واضحًا فى فتاويه ، فإذا كان غيره يتحدث عن يسر الشريعة نظريًا لكنه يقع فى أخطاء جسيمة عند التطبيق، فإن الشيخ - رحمه الله تعالى – كان يطبق ذلك بسهولة وبساطة وبكل دقة ومنهجية دون أن يقع فى الترخص الذى هو وسيلة لهدم الدين والتخلص منه.

- وكان مع ذلك شديدًا فى الحق لا يجامل فى الفتوى ولا يترخص فيها فحين سئل – رحمه الله – عن فوائد البنوك - أثناء الضجة الكبرى حولها وما بعدها أيضًا - أفتى بكل صراحة ووضوح أنها صورةٌ من صور الربا المحرم الذى جاءت شريعة الإسلام بهجره وبطلانه. وكانت هذه الفتوى سببا مباشرًا فى إبعاده من منصبه لرئاسة لجنة الفتوى بالأزهر الشريف عام 1996 م .

- وحين سئل عن الاحتفال بشم النسيم الذى يحتفل به المصريون أعلن موقف الإسلام بكل صراحة وفتواه فى ذلك تدل على أننا أمام باحث من الطراز الأول ، وإليك هذا الرابط .

- وكان لا يخلو – رحمه الله - من روح الدعابة التى تلخص ما يريد أن يقوله ، فحين قيل له أن نساء المجلس القومى يعترضون على فتواك بخصوص مصافحة النساء للرجال تبسم وقال : ( دول عايزين جنازة ويشبعوا فيها لطم ) .

2- عدم الخضوع للجهات الموجهة :

فلم يكن فضيلة الشيخ العلامة – رحمه الله تعالى – منضويًا خلف أى جهة حزبية أو جماعة تسمى نفسها إسلامية، أو خاضعًا للضغوط الشعبية أو السياسية ، إنما كان مرجعًا لكل المسلمين. فقدم لنا صورة الإسلام النقى كالماء النقى الذى لم يختلط بأى شائبة مثله فى ذلك مثل فضيلة الشيخ الشعراوى فى تفسيره للقرآن الكريم ومثل فضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق وغيرهم من العلماء الأجلاء.

وبذلك بعُد فضيلة الشيخ العلامة – رحمه الله تعالى – عن الخضوع للتأثيرات التى يمكن أن يتعرض لها المفتون .

3- بين الشريعة والواقع المعاصر :

وجاءت فتاوى الشيخ رحمه الله مستمدة من شريعة رب العالمين مراعية الواقع الذى نعيش فيه ليس بينهما انفصام ولا تضاد، بل جمع بين النصوص الصريحة الصحيحة وبين العقل المستنير المستفيد بتجارب العصر الذى نعيش فيه.

4- طريقة عرض الفتوى :

كان فضيلة الشيخ العلامة – رحمه الله تعالى – غير حريص على الإعلام ، ولكن الإعلام هو الذى كان يتهافت عليه ويحرص على لقائه. فلم نجده يظهر أمام الكاميرات بصورة مبتذلة تقدمه امرأة متبرجة أو فى صراع كالديوك مع بعض المغرضين إنما كان يقدم ما عنده إذا سئل عنه بكل تجرد وإخلاص ونصح للجميع .. بعكس الذين على استعداد لأن يفعلوا أى شيئ ويقدموا أى تنازل لكى يكون أمام الكاميرات باستمرار ، فيسقط نفسه ويضر دعوته .

  • والحق أننا فقدنا اليوم عِلمًا كثيرًا وميراثًا نبويًا أصيلاًً، ذلك لأن النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا )[1] .

وأهيب برجالات الإعلام خصوصًا وبالأمة الإسلامية عمومًا ألا ترجع فى فتاويها إلا إلى أعلام المفتين فإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم .. أو كما يقول شوقى :

فخذوا العلم على أعلامه .... واطلبوا الحكمة عند الحكماء

وإن كان لا بد من رجل يفتى الناس فيُبحث عن العالم الحق حتى لو كان ضعيفا فى كيفية الجلوس أمام الكاميرات ووسائل الإعلام ويُعطى له دورات فى ذلك .. بحيث يكون عندنا فى النهاية مفتون يجمعون بين الرصانة العلمية والقدرة على التأثير .

أكتب هذا المقال رغبة فى رثاء الشيخ ، وابرازًا لقيمة كبيرة فقدناها إذا لم تكن تعيش بيننا بالجسد فإنها تعيش فى قلوبنا وبين حنايانا ..

هل تسمعون توجعى وتوجع الدنيا معى

يا راحلين عن الحياة وساكنين بأضلعى

يا ذاهبين الى جنان الخلد أكرم موضع

أتراكم أسرعتموا أم أننى لم أسرع

ما ضركم لو ضمنا لقاء مودع

فيقال لى هيا إلى دار الخلود أو ارجع

أكتب هذا اليوم عن هذا الرجل متذكرًا ما كان يفعله عمر بن الخطاب – رضى الله تعالى عنه – حين كان يضرب بدرتِّه كل امرأة نائحة، وإذا به يوم موت خالد بن الوليد يسمـع صراخًا ونياحة ، وسمع أم خالد تقول :

أنت خير من ألف ألف من القـو ... م إذا ما كبت وجـوه الرجال

فسأل عمر عن الميت فقالوا : خالد بن الوليد ، فرجع بدرته قائلا : يرحم الله أبا سليمان ، والله إن كان لكذلك ، ثم قال كلمته المشهورة : ( على مثل هذا فلتبك النوائح ) .

وإذا كان للمرء نصيب من اسمه فإن الشيخ الراحل كان عطية من الله تعالى، فالحمد لله على ما أعطى والحمد لله على ما أخذ ، وكان صقرًا يحرسى حمى العلماء بعد أن تهجم عليه الأدعياء.

وأخيرا ؛ لا ندعى العصمة لأى أحد فكل يؤخذ منه ويترك إلا المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وندعو الله تعالى للشيخ الجليل أن يتغمده بالرحمة وأن يجعله خيرًا مما نظن به ، وألا يؤاخذه بما نقول عنه ، وأن يغفر له ما لا نعلم .

وندعوك ربنا لهذا الرجل الذى بلغ ما يزيد عن التسعين عامًا وشاب شيبة فى الإسلام ؛ أن تتقبله فى الصالحين ، وأن تجعل علمه فى ميزان حسناته ، وأن تجعله ممن أردت بهم الخير بالتفقه فى الدين كما ورد على لسان رسولك من ير الله به خيرا يفقهه فى الدين ، وأن تجعله ممن طال عمرهم وحسن عملهم إنك على كل شيئ قدير .

وندعوك ربنا لهذا الشيخ الجليل

الذى ظل يعلمنا عشرات السنين أن ترحمه بلا سابقة حساب ولا عذاب

لئلا يقال : عَذَّبَ من دل عليه .

اللهم آمين

المصدر