ضد العنصرية.. ضد التوطين

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ضد العنصرية.. ضد التوطين
48.gif

بقلم : بثينة رشيد


قبل القضاء على النظام العنصري في جنوب إفريقيا رأى العالم مشهداَ، تمثل بترك جنود بيض لعدد من الكلاب لتهجم على عدد من الزنوج.

أثار هذا المشهد الرأي العام العالمي ورأى فيه اختزالاً معبراً عن التمييز العنصري، بأبشع صوره.

وقبل شهرين قام الجنود الصهاينة بترك الكلاب البوليسية لتهجم على سيدة فلسطينية على حاجز في رام الله إلا أن هذا المشهد العنصري لم يثر أي ضجيج؟!

  1. لم يلغ حصول الزنوج على الجنسية الأميركية تلك الذاكرة التي زرعها «الأبيض» لذلك الأفريقي المسبي من أفريقيا، وبالتأكيد لن يلغي حصول الفلسطيني على أية جنسية أخرى صورة ذلك الفلسطينية اللاجئ المبعد من فلسطين.

فلسطين

اسم فلسطين كان حاضراً وبقوة في وثائق الدولة العثمانية، وعندما وزرعت حصص هذه الدولة بطريقة سايكس/ بيكو، كانت فلسطين العربية من حصة بريطانيا العظمى، ولكن من هو هذا الرسام أو من هم الرسامون الذين استطاعوا أن يغيروا تشكيل «فلسطين اللوحة» فيقتحموا ماءها وترابها وهواءها فيجردوها من الضوء والظل والحركة، ليعلن وفي 29/11/1947، عن تقسيم «الأرض الفلسطينية» إلى دولتين يهودية وعربية، استطاعت الأولى أن تعلن عن نفسها وسريعاً في 15/5/1948، أما الإعلان عن الثانية فقد تأخر لعام 1988 ومع وقف للتنفيذ!!؟ حبال المال

في العام 1895 كتب تيودر هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية في كتابه «الدولة اليهودية» في محاولة لتسويغ دعوته لهجرة اليهود «المشكلة اليهودية بقيت أينما وجد اليهود بأعداد كبيرة، ولكنها لا توجد حيث شد اليهود الرحال وهاجروا» (المصدر: وثائق فلسطين، عن دائرة الثقافة ص11) وبعد أن يطمئن الأثرياء من اليهود بأن المقصود بالهجرة «هؤلاء اليهود الذين وصلوا حالة من اليأس الشديد» (نفس المصدر ص11) يعود متناقضاً مع نفسه، ويطالب من سيهاجر للتجمع في مكان واحد يكون وطناً قومياًُ لهم، ليخلقوا، وباعتراف مسبق منه، عندما يتجمعوا، مشكلة ما، في أرض ما.... هذه الأرض ستكون فلسطين والتي دخلت عهد الانتداب في عام 1922 بعد أن استطاعت حبال المال أن تلتف وبحركة محكمة حول كل رأس من رؤوس الدول الكبرى لتصدق مجتمعة عل صك أقر في مقدمته وعد بلفور (1917) والذي وعد بإقامة وطن قومي لليهود عليها. وبالفعل ساندت بريطانيا عمل الوكالة اليهودية لإنشاء ذلك الوطن، إلا أن المقاومة والثورات الفلسطينية المتتالية خففت من جموح وجنوح هيئة الأمم لتعلن في العام 1947 فقط عن التقسيم، إلا أن النية كانت ومنذ بداية هي الاستيلاء على فلسطين كلها، عقود المال الرهيبة التي تحدث عنها هرتزل في كتابه المذكور تحتاج إلى مساحة أرض تكون نظيفة من مشاغبين محتملين وبالتالي كان الترحيل هو الشريان والوريد الذي سيمد الدولة الصهيونية بالدم والحياة. الرهان الديمغرافي

تم الإعلان عن دولة إسرائيل عن في 15 أيار (مايو) 1948، هذه الدولة التي افتتحت أرشيفها باختراع الحجج والأكاذيب، وأول كذبة لفقتها هي أن الجيوش العربية كانت السبب في ترحيل الفلسطينيين وتركهم أرضهم وبيوتهم وممتلكاتهم، لتنفي مسؤوليتها التاريخية عن الإبعاد والطرد.. مع العلم أن مجزرة دير ياسين والتي وثقت أعمالها في العاشر من نيسان (أبريل) قد حصلت قبل دخول الجيوش العربية بخمسة وثلاثين يوماً، هذا الدخول الذي كان أصلاً من أجل استرداد الأرض التي تعدت عليها إسرائيل والتي كانت عملياً ضمن حدود الدولة العربية في قرار التقسيم حيث تم سرقة أرض بمساحة الثلث منها.

وقد اعترف رابين في مذكراته التي كشفت عنها «نيويورك تايمز» عام 1979 «إن سكان اللد لم يغادروا بملء إرادتهم، ولم يكن من وسية غير استعمال القوة وإطلاق عيارات نارية تحذيرية لإرغام السكان على الرحيل».

(حق العودة للشعب الفلسطيني ص28).

إن حدوث النكبة كان صدمة ملوعة.. وحتى لا يفيق هذا الشعب على الصعيد الحركي منها وجهت إليه الصدمات تلو الصدمات، وأول تلك الصدمات كان الانتظار،/ الانتظار على الحدود، أيام تلحقها أيام والانتظار يحفز على التربص والبقاء، وأحزان ترسم عناوينها على إطارات تلك الأيام، ولا يجلب نسمة الفرح إلا أمل وحلم بالعودة، العودة إلى المدن، وإلى القرى والديار.

العودة بين الحق والقوة

يبدو أنه من العبث في زمن مدان أن نذكر بقرارات الأمم المتحدة، فقد أثبتت إسرائيل جدارتها ورشاقتها في التفلت والتنصل من أي عهد. فالمادة (13) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948 أقرت

1ـ لكل شخص الحق في التنقل بحرية واختيار مكان إقامته داخل كل دولة.

2ـ لكل شخص الحق في مغادرة كل بلد والعودة إليها.

أما المادة (12) من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية فقد جاءت فقرتها (14) واضحة: لا يجوز حرمان أحد بصورة تعسفية من حقه في الدخول إلى بلده ـ أما قرار العودة الشهير الرقم (194) الصادر في 11 كانون الأول (ديسمبر) من عام النكبة، فقد قرر وجوب السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة، في أقرب وقت ممكن إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن الذين يقررون عدم العودة» ورغم أن هذا القرار مشوب بالحيل إلا أنه لم يستطع القفز عن حق العودة.

ولكن الذي حدث أن إسرائيل كانت تماطل وفي كل مرة كانت تبرر عدم قبولها تنفيذ حق العودة لاحتمال وقوع خلل ديموغرافي يهدد كيانها، وهكذا وضعت حياة شعب كامل تحت رحمة الاحتمال والممكن الذي صاغته دولة كان أسلوبها الأثير هو التلاعب والمماطلة رغم أنها تعهدت عند الإعلان عن نشوئها بأنها ستساعد «في تطور البلد لمصلحة جميع السكان وستكون قائمة على مبادئ الحرية والعدالة، والسلام، وستحافظ على المساواة الاجتماعية والسياسة التامة لكل المواطنين، من دون تمييز بسبب العرق أو المعتقد، وستتعاون من أجل تطبيق قرار الجمعية تاريخ 29/11/1947» (وثائق فلسطين ص332) وعلى هذا الأساس تم قبول إسرائيبل في الأمم المتحدة!!؟

أليست عنصرية؟

مشهد (1)

رجل دين يهودي يسير في باحة المسجد الأقصى، نشاهده بعد لحظات يقف وينظر إلى السد ويضع كلتا يديه على وجهه ليغطي بهما عينيه ويسير إلى الخلف، لنرى في لقطة أخرى أن المسجد قد انهار وظهر بدلاً عنه هيكل سليمان... يصحح رجل الدين سيره بعد أن يرخي يديه ويتابع الخطا هادئاً مطمئناً.

مشهد (2)

الحاج علي يركب سيارة أحد أقربائه وهو على الطريق التي ستوصله إلى بيته في الناصرة... في كل مرة يقترب من قريته «صفورية» يسرق النظر ويسرح، ولكنه في هذه المرة رد حطته ليحجب وجهه عنها، لم يحتمل أن تراه، فذرف الدموع خجلاًُ منها؟،

فقد رجع صدى صوت الحاج صالح إلى أذنيه... ابقوا هنا لا ترحلوا... سيأتي يوم وتعود الأمور... لقد رحل الحاج صالح... وبقيت الأمور على حالها... فالحاج علي بقي مع الأقلية التي شكلت نسبة 11% والتي لم يستطع أي شخص منها أن يعود إلى قريته ويبني حجر فوق حجر فقد هدمت جميعها وبني مكانها معظمها قرى أخرى، بأسماء أخرى. هذه الأقلية التي قيد نشاطها الاقتصادي وحرمت من عملية التطور، ولم تعامل إلا على أساس فئات قليلة وأفراد متباعدين حتى لا يكون أي أثر لهم في البرلمان الذي يصوت على القوانين لمصلحة الأكثرية وهي بالطبع يهودية.

مشهد (3)

أثناء أحداث نهر البارد في طرابلس، أدلى صحافي لبناني برأيه من على قناة (ANB) قائلاً إن لبنان بلد فقير وصغير وهو بالكاد يستطيع أتدبير أمور مواطنيه، وبالتالي يرى ولمصلحة الفلسطينيين طبعاً، أنه من الأفضل أن يرحل الفلسطينيون إلى بلاد عربية غنية أو بلاد غربية أو أميركية لحين عودتهم... تطبيع دون "سلام " كان الحل عند إسرائيل ومنذ البداية، هو أن يوطن الفلسطينيون في البلاد العربية، ولكنها كانت تتظاهر وخصوصاً في السنتين التاليتين للنكبة بقبول بضعة ألاف من اللاجئين، لأنها كانت تتعرض لضغط أميركي، وذلك بالطبع قبل نفوذ «قوة المال الرهيبة» عليها/ إلا أن أميركا لم تتأخر كثيراً في تبني ورعاية هذا المولود الصغير و«الرهيب> وتسعى ومع غيرها من الدول لإيجاد الحلول الاقتصادية الممكنة على أراضي الشتات، ليصبح مرور الوقت وما يأتي به كم واقع جديد عوامل ضغط ومساومة.

إذاً لم يكن في بال إسرائيل إلا حل التوطين، أما قصة السلام الشامل وربط العودة به فقصة من قصص ألف ليلة وليلة، والحقيقة المؤلمة أن إسرائيل نجحت بعقد اتفاقية سلام مع مصر ومع الأردن، ولكي تضيق الخناق على لنبان و سوريا ، فتحت قنوات التواصل مع باقي الدول العربية فأحدثت ما يشبه السلام الكامل مع المنطقة العربية، كل هذا حدث دون عودة اللاجئين..!؟

والسؤال لكبير الآن هو كيف تدحرجت فكرة التوطين من العقل الصهيوني إلى العقل العربي الفلسطيني: لقد تم تقسيم فلسطيني إلى دولتين بسبب وجود المشاكل بين العرب واليهود، وإذا عدنا لما أخبرنا به وخطياً مؤسس الحركة الصهيونية تيودر هرتزل في كتابه «الدولة اليهودية» من أن «المشكلة اليهودية بقيت أينما وجد اليهود بأعداد كبيرة، ولكنها لا توجد حيث شد اليهود الرحال وهاجروا» فالمشاكل هنا نتيجة لمسبب هو التجمع، وبالتالي يكون الهدف من إيجاد مسبب هو الوصول إلى تلك المشاكل فيقصد من هذا أن جلب اليهود وبكافة الطرق والوسائل سيؤدي إلى حدوث مشاكل... وعندما توجد المشاكل لا بد من إيجاد حلول... وعندما لا تصل الحلول إلى حل؟..

تبقى المشاكل بحاجة ودوماً ‘إلى الحلول وهكذا ندور وندور في حلقة مفرغة أوجدت باستعصاءاتها المتكررة معادلة أخرى ولكنها مشوهة، تقول هذه المعادلة: «حيثما يتجمع الفلسطينيون تكون هناك المشاكل، وبالتالي عليهم أتن يشدو الرحال، وإذا كان بالإمكان فليتفرقوا إلى أقصى البقاع» ومن هاتين المعادلتين تنتج جملة مفادها يتجمع اليهود عندما يرحل الفلسطينيون توحي هذه الحملة بوجود فاعلين يقومان بالفعل وبإرادتهما الكاملة، ولكن إذا تمت القراءة بشكل صحيح سيتبين أنهما مفعولين بهما لفاعل واحد، هو الصهيونية، عدوة العرب واليهود معاً.

ولكن ماذا عن العرب، وعن دورهم الذي لم يلعبوه والذي سيلعبوه؟

1ً: لم يستطع العرب الضغط على الأمم المتحدة لتطبيق قراراتها بما يتعلق بحق الفلسطيني بالعودة إلى الدولتين الموجدتين على أرض فلسطين الانتدابية، كما تم ذكرها في قرار التقسيم، والتي سيتمتع فيهما بكامل حقوقه المدنية والسياسية، إلى جانب حقه في الحصول على جنسية واحدة من إحدى الدولتين.

2ً: فالعرب إذاً ( ومعهم القيادة الفلسطينية) لم يستطيعوا القيام بالدور الذي يجب عليهم أن ينهضوا به، مما يؤدي إلى الشك بأنهم سيستطيعون القيام بالدور الذي يجب عليهم ألا يفعلوه، ألا وهو التوطين.. والذي يعني في الحالة الفلسطينية نوع من أنواع العنصرية!؟

فأن تعطي دولة جنسيتها لشخص ما فهذا قد يعتبر منحة وشيئاً من الإنسانية، ولكن أن تعطي هذه الدولة لهذا الشخص هذه الجنسية لأنها لا يمكن أن تتخيل له صورة تذكرها بتداعيات قضيته أو هويته، فسيكون هذا بالتأكيد نوعاً من العنصرية.. مع أنه يبدو للوهلة الأولى بان التوطين هو تطبيق للعروبة، وهذا بالذات ما جهد عليه الصهاينة للإيحاء به في سؤالهم غير البريء: لماذا لا يقبل العرب بإقامة الفلسطينيين بينهم وهم مثلهم عرب؟

سؤال يثير العودة إلى اللغة والتاريخ والجغرافية والروح وإلى الدين، أي يثير العودة إلى مفهوم العروبة الذي يتناقض مع الصهيونية أي سيتناقض بالضرورة مع التوطين.

فهل سيحتمل الفلسطيني بألا يكون، وفلسطينه لا تكون، فتتحول حطته إلى حلقة ريشٍ حول الرأس، أو أن تتحول دبكته لرقصة ليل حول النار، وزغرودته لصيحة عونٍ عند انعدام العون.. وهل سيحتمل بأن تباع عواطفه الملتهبة في المزاد العلني، أم سيبقى حلم عودته حافزاً يسير به إليها ومتجاوزاً كل الحدود؟؟.

المصدر