عام منصرم.. وأمل قادم

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقالة-مراجعة.gif
عام منصرم.. وأمل قادم

بقلم:الإستاذ محمد مهدي عاكف

مقدمة

رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين
رسائل.gif

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن والاه، وبعد..!!

فقد امتلأ هذا العام المنصرم بالكثير والكثير من الويلات والخراب والدمار الذي لَحِق بالشعوب والأمم من جرَّاء انسياق حكوماتها وأنظمتها وراء هذا الكابوس الأمريكي الذي جثَم على كل ما هو غالٍ ونفيسٍ، وأشاع روحَ الانهزامية والتبعية لسياسته؛ بحجة نشر الديمقراطية المزيفة.

لقد أصبحت السياسة الأمريكية ذات مغزى واضح يجسده إعلام موجَّه، خادع وغاش ومضلل، يستهدف الهيمنة والسيطرة على العقول والقلوب والوجدان، كما تُجسده أيضًا عدوانيةٌ سافرةٌ وآلةٌ عسكريةٌ باطشةٌ وسيادةٌ لمنطق القوة الغاشمة المتجاوزة لكل القوانين والأعراف والمواثيق الدولية، والتي أعادت إلى العالم شريعة الغاب؛ باعتبارها الأسلوب الوحيد لكل النـزاعات والصراعات الدولية.

والمتأمل في واقع العالم اليوم يجد أن هذه الدعاوى المزعومة- التي ترفعها أمريكا لنشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان- لم تحقق سوى الاضطراب والخراب على شعوب العالم أجمع، وخصوصًا المنطقة العربية.

الواقع المرير..!!

فلسطين

ففي فلسطين الحبيبة لم يحصد إخوانُنا إلا الدمارَ والخرابَ على يد مجرم الحرب شارون، الذي أحرق الأخضر واليابس، وارتكب المجازر الوحشية، وقتل أبناءنا وعلماءنا ومجاهدينا.. من أمثال الشيخ الشهيد أحمد ياسين، والأخ المناضل الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وغيرهم من شهداء حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وفصائل المقاومة الأخرى، التي قامت تدافع عن الأرض والعِرض والمقدسات ضد المحتل الصهيوني الغاصب لأرض العروبة والإسلام.

وبرغم أعمال التصفية والإبادة، وهدم المنازل، وتجريف الأراضي، وتشريد الآلاف من شعب فلسطين.. نجد الرئيس الأمريكي يصف شارون بأنه رجل السلام!! أيُّ سلامٍ هذا الذي يقتِّل ويشرِّد الأطفال ويُرمِّل النساء؟! أيُّ سلام هذا الذي يقوم ببناء الجدار العازل وتوسيع المغتصبات العنصرية، ويُقرُّ سياسة الاغتيالات..؟!

إن السياسة الأمريكية الغاشمة- التي تقف بكل أنواع الدعم والتأييد والمساندة للكيان الصهيوني- أدت إلى مزيدٍ من الأعمال الإجرامية التي يمارسها شارون في المنطقة؛ لِتؤكد بما لا يدَعُ مجالاً للشكِّ أن المشروعَين (الصهيوني والأمريكي) يسيران جنبًا إلى جنب، ويتضامنان لتحقيق نفس الهدف.

العراق

وما نراه ونسمعه في العراق- من انتهاكِ المحتل الأمريكي للحرمات، وقتلٍ وتشريدٍ للآلاف، واغتصابٍ للنساء، ونهبٍ للثروات، وما حدث في سجن أبو غريب وغيره من سادية وشذوذٍ وعنفٍ- يكشف بجلاءٍ عن الوجه القبيح للبربرية والهيمنة الأمريكية، وأن دعاوى الديمقراطية وحرية الإنسان ما هي إلا فاشية منفلتة بغيضة.

لقد أحال الاحتلال مدن العراق إلى جحيم لا يطاق، ولم يكتفِ بكل هذا الدمار، بل قام بقتلِ العلماءِ الأشراف- نبض هذه الأمة- ونشرِ العملاءِ من الصهاينة وغيرهم، ومحاولةِ استغلال الواقع الاقتصادي الجديد في العراق لخدمة الشركات الصهيونية التي دعا إليها نائب وزير الخزانة الأمريكي "جون تايلور"، على اعتبار أن هذا الاستغلال سيعطي دفعةً كبيرةً للاقتصاد الصهيوني.

وفي مواجهة ذلك كله يقف إخوانُنا البواسلُ من رجال المقاومة في كلٍّ من العراق وفلسطين.. ليس دفاعًا عن الأرض والمقدسات فقط.. ولكن دفاعًا عن كرامةِ الأمة وشرفِها، وكحائطِ صدٍّ أمام المشروعين الأمريكي والصهيوني.

الوطن العربي والإسلامي

وفي مناطق أخرى من أرض الإسلام لا تزال الأصابع الأمريكية تعمل عملها؛ ففي منطقة الخليج نشهد محاولات دءوبة لإفساد العلاقة بين البحرين والسعودية، وبين الأخيرة وليبيا؛ لمزيد من تفتيت الأمة العربية والإسلامية، وبَذْر بذور الشقاق بين أنظمتها وحكوماتها..!!

كما فرضت أمريكا عقوباتٍ اقتصاديةً على السودان الشقيق للتضييق على أهله، وتبعتها في ذلك حليفتُها بريطانيا..!!

وتأتي أفغانستان لتكون النموذج الذي تريد أمريكا أن تفرضه على المنطقة بأسرها..!! كل هذه التحديات والأزمات تَحدث على مرأى ومسمع من العالم، ومن خلفها ترسانةُ الإعلام الأمريكية التي تُشوِّه الحقائق، وتُزيِّف كلَّ ما هو أصيل لمحوِ هويةِ الشعوب وطمسِ معالمِه الحضارية؛ لفرض واقع مؤسف على شعوب المنطقة من خلال انتخابات شكلية في أفغانستان والعراق وفلسطين.. كجزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير..!!

المستقبل لهذا الدين

برغم كل ما حدث في العام المنصرم إلا أن شعلةَ الأمل لم ولن تنطفئ في صدورنا، فنحن على ثقة بموعود نصر الله:﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ* إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ* وإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 171-173).. فإن أشدَّ ساعات الليل سوادًا هي الساعةُ التي يليها ضوء الفجر، وفجرُ الإسلام قادمٌ لا محالةَ كقدوم الليل والنهار، وإن أمة الإسلام قد تمرَض أو تعتريها فتراتٌ من الركود الطويل، ولكنها- بفضل الله جل وعلا- لن تموت، والذي يفصل في النهاية ليس هو قوة الباطل، وإنما قوة الحق الذي من أجله خُلِقت السماوات والأرض، ومن أجله أُنزلت الكتب وأُرسل الرسل.

إن هذه الحرب الشرسة على الإسلامي لن تُفقدنا ثقتنا المطلقة في أن المستقبل لهذا الدين: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 9).

لقد صمَد الإسلام في حياته المديدة لما هو أعنف وأقسى من هذه الضربات الوحشية، التي توجَّه اليوم إلى طلائع الصحوة الإسلامية في كل مكان.

أيها المسلمون.. قد يتأخر النصر لأسباب كثيرة، ولكنه آتٍ بإذن الله في نهاية المطاف، مهما رصد الباطلُ وأهلُه من قوى الحديد والنار، ونحن لا نقول ذلك رجمًا بالغيب، ولا من باب الأحلام الوردية لتسكين الآلام وتضميد الجراح، كلا.. ولكن الله- عز وجل- وعدَنا بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 36)، ومن البشائر النبوية ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن تميم الداري- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول:"لَيبلغن هذا الأمرُ ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيتَ مدَرٍ ولا وبَرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بعزِّ عزيزٍ أو بِذُل ذليل، عزًّا يُعزُّ الله به الإسلام، وذُلاً يُذل الله به الكفر".

أيها المسلمون.. إن المستقبل- بل كل المستقبل- للإسلام إن شاء الله، فلتكن كلَّك للإسلام.. مالَك ووقتَك وجهدَك وقلبَك ووجدانَك، ولن يتحقق النصرُ للمسلمين إلا بإيمانٍ عميقٍ وأُخوَّةٍ صادقةٍ وعملٍ متواصلٍ وجهادٍ في سبيل إعلاء كلمة الله.. ﴿واللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).

وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم، والحمد لله رب العالمين.