عبد العال سلومة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
عبد العال سلومة مجرم الناصرية جلاد عبد الناصر الذي مات مجهولا


توطئة

من روائع عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه سأل رجاء بن حيوة رحمه الله تعالى عن حال رعيته مع العمال فقال: "رأيت الظالم مقهوراً، والمظلوم منصوراً، والفقير مبروراً"، فقال: "الحمد الله الذي وهبَ لي من العدل ما تطمئن إليه قلوب رعيتي".

ويقول ناصر بن سعيد السيف: فمهما طال ليلُ الظلمِ البهيم إلاّ وبعده يسطع نور العدل المبين، ومن تأمل نهاية الظالمين وما جرى عليهم من العذاب والهلاك – قديماً وحديثاً – يتعجب من هؤلاء الظلمة الطغاة الذين لا يهدأ لهم بال حتى يروا دماء الأبرياء من المؤمنين تنـزف على أيدي زبانيتهم المجرمين ((وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)) , ومع كل هذا الظلم والطغيان نجدهم قد أطلقوا لأنفسهم ولأعوانهم العنان , ووقعوا في مستنقعات الشهوات والشبهات , وتجاوزوا الحدود وانتهكوا المحرمات , وجاهروا بالمعاصي والمنكرات , وداهن علماء السوء في شرعنة أفعال هؤلاء الطواغيت وما فعلوا ذلك إظهاراً للحق وإنما جرياً وراء حطام هذه الدنيا الفانية ! أين هم من قول سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - عندما سأله رجل فقال : (إني أخيط ثياب السلطان . هل أنا من أعوان الظلمة ؟ فقال سفيان : بل أنت من الظلمة أنفسهم ، ولكن أعوان الظلمة من يبيع لك الإبرة والخيوط).

وهكذا الظغاه يصنعون المآسي الإنسانية بحجة حماية البشرية، وفي الحقيقة هم يعملون لحماية أنفسهم وذويهم وأنصارهم أو أسيادهم وظنوا أن الحياة ستدوم لهم على وتيرة واحدة، ونسوا أن الله سبحانه الذي حرم الظلم على نفسه وجعله محرما بين عباده، أقسم بعزته وجلاله لينصرن كل نفس ظلمت، وأنه لن يهمل الظالم مهما طال به الزمن.

وهكذا عاش عبد العال سلومة – الذي لا يكاد يعرفه إلا من قرأ كتب التعذيب في عهد عبد الناصر – ذليلا، وضيعا، كل حياته بين السجون يعذب في الناس قبل أم يخرج منها محمولا إلى القبور بعد انتقام الله منه على ما فعله بمرض السرطان.

لا نسطر هذه الأسطر من أجل تأريخ مسيرة الظالمين لكن لكي تعرف الأجيال القادمة هؤلاء الظالمين وأفعالهم ومصيرهم حتى لا تضيع وسط ركام الأحداث.

ذو الملامح الانجليزية

إن الشر مهما استعلى وطغى وبغى فلا بد له من نهاية مريرة، والطغاة قد تخدعهم قوتهم وسطوتهم المادية، فينسون قوة الله وجبروته، فيهلكهم الله عز وجل.

وعبد العال سلومة أحد الضباط قساة القلب، وكان يشبه الإنجليز في الملامح فضلا عن البرود الانجليزي، إلا أن المصادر عقمت أن تذكر سيرته قبل أن يصبح ضابطا في السجون، فلا يعرف عنه إلا أنه من محافظة بني سويف وتوفي أبويه في بداية مسيرته المهنية - ولذلك قضى معظم وقته مع المعتقلين – كما أنه لم يتزوج.

كل المصادر عرفته كضابط في مصلحة السجون حيث كان برتبة صاغ وقت المذبحة مما يدل أنه من مواليد عشرنيات القرن العشرين، وأنه كان رمزا لتعذيب المساجين إرضاء لأسياده، بل إن كثير من الضباط كانوا يهابونه لمكانته عند الرؤساء حيث كان كالمخبر الذي يبلغ عن زملاءه.

بداية السطر .. مذبحة

لم تذكر الكتب أيه معلومات عن عبد العال سلومة قبل المذبحة التي وقعت أحداثها في ليمان طره عام 1957م، حيث كان أحد إبطال هذه المذبحة الذين نكلوا بالمساجين وذويهم.

إلا أن الضابط رشاد المنيسي يذكره أثناء اعتقاله بسجن الواحات بأنه كان السبب في نقله إلى مصلحة السجون في بداية الثورة وقت أن كان رشاد المنيسي [أحد الضباط الكبار في وزارة الداخلية والذي تخرج في دفعة 1946م وكان مسئولا عن نشاط الدعوة في الكلية البوليس].

أصبح سلومة احد ضباط ليمان طرة والذي كان يعمل جاهد للتقرب من رؤساءه والتزلف لهم، فكان ينفذ ما يطلب منه وما لا يطلب منه، لكي ينال الحظوة والترقية وأيضا لحمايته من المساءلة.

في أحداث 1965م استيقظ المعتقلين على شائعة ملأت القلوب خوفاً، مفاداها هناك قائد جديد لمعتقل طرة، استخف المعتقلون الجدد - وكنت منهم- بالخبر، أما القدامى، فارتعبوا حين عرفوا أن القائد هو العقيد عبد العال سلومة.

هكذا وصف أحمد رائف شعور المعتقلين في سجن طرة في أحداث 1965م، حيث جسد بهذا الوصف مسيرة تاريخ عبد العال سلومة منذ التحق بمصلحة السجون بعد ثورة يوليو حتى أحداث 1965م.

كان سلومة يتلذذ بتعذيب المعتقلين ومما يذكره روكسي معكرون في كتاب أقسمت أن أروي المذبحة: اجتمعنا نحن السجناء في فناء العنبر .. وأجلسونا القرفصاء .. وجلست هذه المرة دون مجرد التفكير والاعتراض علي هذا الوضع .. وكانت إدارة السجن قد استدعت بقية الإخوان الذين كانوا في غرف تأديب ومنهم الدكتور حمدي .. ووقف الملازم أول عبد العال سلومة لنا جميعا :

أيها النزلاء ..

يسر إدارة الليمان أن تسعدكم بمشاهدة الإخوان المسلمين يقومون بألعاب بهلوانية للترفيه عنكم ! وحضرتني في تلك اللحظة صورة نيرون يقهقه وروما تحترق ..

وأعطى الضابط الخليع أوامره للأخوات المسلمين ليدوروا سريعا حول العنبر ، ومن ورائهم شرذمة من الزبانية تلهب ظهورهم بالسياط ..

وشرذمة أخرى تقذفهم بالكلس الحارق علي وجوههم .. إن وحشيه هولاكو كانت لتبدو معدومة إذا ما قورنت بوحشية القائمين علي سكان الجزيرة يستمدون أوامرهم من وزارة الداخلية فينفذوها بدقة وإخلاص..

ثم نودي على الإخوان مرة أخرى ليوزع عليهم الضابط الهمام أسماء جديدة .. ولكنها أسماء لنساء صورة من المهانة والتحقير لم تعرفها الإنسانية من قبل .

ولم يكتف سلومة بهذا القدر من التحقير بل سولت له نفسه أن يأمر أحدهم – أعرفه جيدا يدعى محيي الدين عطية وهو طالب في كلية الحقوق – أمره بأن يضاجع أخا له .. واقشعرت الأبدان – أبدان السجناء كل السجناء – وبكى محيي من فرط الألم واستنكر بشدة أمر الضابط الرفيع.

ارتبط اسم سلومة بمذبحة طرة، والتي جاءت بالفعل الأوامر بتصفية المعتقلين العزل داخل السجون وقت أن كان ضابطا في السجن.

فتلقى سلومة الأوامر بسعادة كأنه سيقضي على الصهاينة، لكن الحقيقة أن الأوامر جاءت للقضاء على الإسلاميين، يقول سلومة موجها كلامه للمعتقلين:

[جاتلنا أوامر عليا بتصفيتكم]، ولا يعرف أحد الدوافع التي حولت سلومة لها الشخص المتعطش للتعذيب، إلا كونه أراد أن يتملق الرؤساء.

كانت البداية بسجن ليمان طره حيث جرد لهم القوات واعد الخطط واستورد السلاح وقامت القوات بغزو سجن طره واقتحمت العنابر على المعتقلين المعذبين وأطلقوا عليهم الرصاص وأجهزت عليهم بالعصي.

كان ليمان طره يضم 183 معتقلا كان معظمهم من الشباب صغار السن، كما تواجد به بعض الإخوان من الرعيل الأول أمثال الحاج أحمد البس ويعاونه حسن أيوب وحسن دوح وعبد الحميد خطاب وأحمد حامد قرقر وعبد الرازق أمان الدين وعبد الحليم حسين. كان من تكاليف الإخوان في الليمان الخروج يوميا للجبل لتكسير الحجارة ونقلها وكانت حصتهم ما بين 40- 80 متر مكعب، وكان يقوم على إدارة السجن مجموعة من أسوء الضباط أمثال عبد العال سلومة وعبد الله ماهر وعبد اللطيف رشدي وكان مدير السجن اللواء سيد والي.

افتُعلت مجموعة من الأحداث كانت بمثابة استفزازات للإخوان حتى يوجد المبرر لتنفيذ المذبحة قام سلومه بمعظم هذه الاستفزازات:

- أول هذه الاستفزازات كانت في يوم الأربعاء 22/5/1957م، مُنع الإخوان من صلاة الجماعة في فناء عنبرهم بصورة استفزازية، ثم مُنعت صلاة الجماعة في الأدوار الخاصة للإخوان، ثم مُنعت صلاة الجماعة داخل الزنازين بنفس الصورة.

- وفي يوم الخميس 23/5/1957م مُنع لعب الكرة الذي كان مرخصًا به بنفس الطريقة.

- وفي يوم الجمعة 24/5 ظلَّت الزنازين مغلقة على الإخوان حتى صلاة الجمعة.

- وفي يوم السبت 25/5 حدثت مشادة بين الضابط "عبد العال سلومة" وثلاثة من الإخوان دون داعٍ سوى الاستفزاز.

- وفي يوم الأحد 26/5 قال هذا الضابط نفسه مهددًا بتصريحات غريبة (فيه أوامر عالية بجر الإخوان لمعركة نخلص فيها على ثلاثين.. أربعين..)، وكرر هذه التصريحات بصورة مستفزة.

- وفي يوم الأربعاء 29/5: أثناء إحدى الزيارات لعدد من إخوان شبرا، أخرجت إحدى الأخوات "دجاجة" وأعطتها لأخيها الأخ: عبد الغفار السيد، فثارت ثائرة الضابط عبد الله ماهر وصرخ بصوت مستفز "ممنوع أخذ أي شيء من الزوار"، وأنهى الزيارة.. ووضع القيد الحديدي من الخلف في يد كل أخ من الذين كانوا في الزيارة، وأرسلهم إلى زنازين التأديب وأُرسل أهاليهم إلى قسم شرطة طرة، واتُهموا بإحداث شغب أثناء الزيارة.

- وفي يوم الخميس 30/5 مُنعت الزيارات الخاصة بالإخوان بدون مبرر.

- وفي يوم الجمعة 31/5 أغلقت الزنازين حتى الصلاة، وفي المساء أخرجوا الإخوان الموجودين في مستشفى الليمان، وأعادوهم إلى العنابر، ونبهوا على الجميع بضرورة الخروج للجبل في اليوم التالي.

في اليوم التالي 1 يونيو 1957م أخرجوا الإخوان ليسلسلوا كل 10 مع بعضهم البعض للخروج للجبل، على أساس أن يتم تصفيتهم هناك بحجة إثارة الشغب.

إلا أن ا لشهيد علي حمزة خطف المفتاح وفك إخوانه بسرعة وأفشل المخطط مما أجبر الإدارة على إدخال الإخوان إلى زنازينهم مرة أخرى، وبعدها بدأت المذبحة والتي راح ضحيتها ما يناهز الواحد وعشرون شهيدا ومثلهم جريحا.

تم حفظ الحادث من قبل النظام واطمئن عبد العال سلومة ورفاقه أن العقاب لن يطولهم فابتسموا ابتسامة الظالم المنتشي.

لم ينته الأمر إلا بنقل سلومة إلى سجن آخر بعد انتشار خبر الحادثة واضطرت الحكومة للتحقيق بما جرى وحمّلت عبد العال سلومة المسؤولية الرئيسية عنه، وهذا ما ادعاه فؤاد علام حينما قال لموقع رصيف 22: إن سلومة ضابطاً كفوءاً وينفّذ الأوامر، مضيفاً أن التحقيق في حادثة ليمان طره الذي تسببت في تعطيل ترقيته ظلمه لأن قتل معتقل لم يكن ممكناً بدون موافقة قيادات عليا. ويتابع أن أصابع الاتهام في تلك الحادثة كانت تشير إلى وكيل وزارة الداخلية في ذلك الوقت صلاح الدسوقي، لكن تم استخدام سلومة ككبش فداء.

ويضيف محمود السعدني في كتابه "الطريق إلى زمش": إن حادثة ليمان طره أثرت عليه بسبب تجميد رتبته عند رتبة رائد وكان المفترض في ذلك الوقت أن يصبح عقيداً، ولذلك أخرج كل همه في المعتقلين و"كان من المفترض أن نحمل 50 كيلو من الرمال الناتجة عن تفتيت الصخور في الجبل يومياً لكن مع سلومة كان يصل الأمر إلى 150 كيلو وكان يلعننا طوال الوقت حتى سقط أكثر من 10 رجال وفارقوا الحياة نتيجة الإجهاد الشديد".

ويوضح فؤاد علام لرصيف 22: أن عبد العال سلومة عانى من اكتئاب شديد بعد حادثة ليمان طره وما نتج عنها من تأخر في ترقيته، ولذلك لم يكن من المستبعد أن ينعكس ذلك على تعامله مع المعتقلين، وإن كان السبب الأهم وراء طباعه، برأيه، هو حياة سلومة بدون زوجة أو أسرة.

بعد المذبحة نقل من تبقى من الإخوان إلى سجن القناطر ونقل معهم عبد العال سلومة ليبدأ فصل جديد من سهام حقده على الإخوان..

الحاج أحمد البس: سلسلوا الإخوان عصر اليوم الرابع في سلاسل، كل عشرين في سلسلة وأجلسوهم على الأرض، وبقينا على هذه الحال حتى العشاء، ثم خرجوا بنا من باب الليمان الذي أضيئت الأنوار أمامه كالشمس تمامًا، كما أحيط الميدان أمام الليمان بالجنود المسلحين ... وأدخل الإخوان السيارات الواقفة وسط الجنود بطريقة مفزعة.

سلومة وفتنة التأييد

بعدما أجهز عبد العال سلومة ورفاقه على العزل من المعتقلين في ليمان طره، تم نقل من تبقى منهم إلى سجن القناطر ونقل معهم عبد العال سلومة، ليجهز على البقية الباقية بخطة أخرى، لاحت أمامه وعمل على دعمها.

كانت الفكرة منزلق لكثر ممن لم يكن به طاقة لتحمل التعذيب وقسوة السجون، فكانت البداية في العدوان الثلاثي حينما كتب البعض رسالة تأييد لعبد الناصر ضد هذا العدوان – خاصة من الضباط المعتقلين والذين طالبوا بالخروج للاشتراك في الحرب.

تلقف سلومة هذا التأييد وبدأ ينسج الحيل ليحتال به على المعتقلين ليكتبوا تأييد لعبد الناصر فإذا فعلوا نقلهم لمرحلة تأكيد الولاء فيأمرهم بالتجسس على زملائهم – مع أمانيهم بالخروج – وظل يستقطب البعض قبل أن يعزل المؤيدين عن الرافضين.

وأخذ يضغط بشدة على أسر الإخوان في داخل السجن وخارجه، تارة بالوعود المعسولة، وتارة أخرى بالتهديد، والاعتداء، والتوجيع، والاعتقال، والتعذيب، وهكذا عاشت الأسر في رعب، وخوف، وأفهمهم أنه لا إنقاذ لكم من هذه الحالة إلا بالرجوع إلى أبنائكم في السجون، وإلزامهم بضرورة تأييد الرئيس.

ظل يعمل على ذلك وبعض الإخوان يعملون على التصدي لمخططه، واخذوا يصححون مسار الشباب مرة أخرى ويوضحوا لهم معالم الطريق الصحيح، فكان ذلك مدعاة للتضييق عليه ومن ثبتوا ضد هذه الفتنة حيث تجرعوا في سبيل ذلك الويلات سواء من إدارة السجن وعلى رأسها عبد العال سلومة الذي لم ييأس حتى نقل إلى سجن الواحات.

استمر على سياسة دعم فتنة التأييد لعبد الناصر وهو في الواحات حيث يصور عبد الحليم خفاجي المشهد بقوله: طال الانتظار ، ولم يفرج عن أحد ، ولم يكن الأمر يكن مفاجئًا لنا .. ولم يفاجئنا كذلك قرار ترحيل المؤيدين التسعة عشر ، الذين ختمت بترحيلهم قصة التأييد حتى آخر يوم من السنوات العشر بالنسبة للمحكوم عليهم بعشر سنوات ، أو حتى اليوم للذين مازالوا بالسجون منذ خمسة عشر عامًا من المحكوم عليهم بمدد طويلة . ولم تفتر همة الضابط سلومة في التيئيس ، مستغلاً بترحيل المؤيدين بحكم علمه ببواطن الأمور ، حيث دأب علي تأكيد نية تأييدنا في هذا المكان .. وأنه سيعود إلينا مأمورًا للسجن بعد خمس سنوات أو يزيد ، ليجدنا وقد أصبحنا هياكل عظيمة .. ولم تفتر أيضًا في تتبع خطاباتنا ، بحيث لا تتسرب إلينا إلا الأنباء السيئة عن الأهل لتفتيت عزيمتنا ، وعمل بالتعاون مع رجال الأمن في المحافظات علي ذلك ، وأوهموا أهلنا أن مدهم لنا بالأخبار السيئة والخطابات هي لصالحنا ، لكي تتحرك مشاعرنا ، وتخفف من صلابة موقفنا . وكثير من الأهل ظلوا علي وعيهم بطبيعة الحرب النفسية ، والبعض وقع فريسة هذه الخديعة الماكرة ، ولم نقف من جانبنا عاجزين أمام هذه الأساليب ، إذ كانت لنا صلاتنا الجانبية بالأهل بعيدًا عن الطرق الرسمية ، من خلالها كنا نزودهم دائما بالفهم الصحيح ، ونزودهم بالثقة الدائمة في قدرة الله ووعده للمؤمنين.

في قلب الواحات

يقع سجن الواحات في صحراء الواحات والتي تبعد عن العمران، وقد خصص هذا السجن لمعتقلي الإخوان والشيوعيين خاصة في عصر عبد الناصر. وبعدما قام سلومة بمذبحة طرة وعمل على إثارة فتنة التأييد وسط الإخوان بسجن القناطر – والتي أتت بعض ثمارها – نقل إلى سجن الواحات، حيث لم يسلم منه الإخوان والشيوعيين.

يصف محمود السعدني في كتابه "الطريق إلى زمش" وضعه كمعتقل بأن أولى محطات اعتقاله كانت في سجن القلعة عام 1959م، ويروي أنه بعد قضاء ستة أشهر هنالك، انتقل مع مجموعة إلى معتقل الواحات، ولم يكن قد ذاق العذاب بعد حتى كان أول أيامه في المعتقل الجديد: فوجئ بنداء في منتصف الليل كانت نتيجته خلع الملابس وجلوس المعتقلين "في وضع الكلب" ومؤخراتهم متوجهة نحو الضابط عبد العال سلومة الذي جلس على كرسي يضحك ويضرب بعض المؤخرات بالعصا.

ويكمل السعدني أن مَن تعرّضوا لتلك الإهانة كانوا أساتذة جامعات ومهندسين وعمال، ومنهم مفكرون وفنانون وصحافيون، لكن لم يكن كل ذلك يشفع لهم بل إنه حين سأل عبد العال سلومة فنان الكاريكاتير "زهدي" ما عملك وأجابه الأخير رسام كاريكاتير، ما كان من الضابط إلا الرد: "شاعر يعني؟".

ويؤكد عبد الحليم خفاجي في كتابه عندما غابت الشمس: في هذا الجو الغريب لم تكن الكتابة بالأمر الهين ، ولا عواقبها بالوخيمة فحسب ، في نظام لا يحترم الإنسان إلا بالشعارات ، وفي ظل قائد معتقل شرير – هو عبد العال سلومه – عريق في إحصاء حركات وسكنات بل وأنفاس المعتقلين.

وحينما أراد مأمور السجن القيام بتجريدة ضد الإخوان كان سلومة على رأس المغزيين لمشاعر المأمور ضدهم، فيقول خفاجي: أتي التفتيش الاستفزازي ، الذي زادت حدته عن كل ما سبق بإعدام مدخراتنا من مشتريات المقصف.. وخرجنا إلي مواقع العمل، وتركنا مهمة تنظيف العنبر علي عاتق إخواننا المرضي. ويضيف: وأردفت سياسة التشديد بنقل الضابط الحاقد سلومة إلي عنبرنا ، ليتولي التضييق علينا بوسائله الخاصة ، فشهرته في مذبحة طره معروفة لدي الحكومة والإخوان علي السواء ، تلك الشهرة التي قربته من رجال المباحث العامة ، بحيث أصبحوا ينتدبونه للمهمات الصعبة .. وهذا أيضًا ما جعل له نفوذًا كل ضباط السجن ممن هم أكبر منه رتبة ، حتى تلك القوة العمياء قائدة السجن .. وما أسوأ اليوم الذي تسير فيه القوة العمياء بيد الحقد الأصفر .. فكان نصارع نهارنا في القوة العمياء منذ أن نستقبل الصباح بالتفتيش الهمجي لعنبرنا قبل الخروج للعمل .. ثم تبدأ مرحلة الصراع مع الحقد الأصفر فور عودتنا من الجبل ؛ حيث كان يلذ لسلومة أن يعيد تسكيننا كل فترة ، بدعوى تقسيم المعارضين إلي معتدلين ومتشددين ؛ ليضرب بعضنا ببعض ، فضلاً عن تجريد الزنازين المستمر من كل شيء فيها ، حتى ملابسنا الداخلية كان لا يسمح بوجودها معنا وتستبقي بالمخازن .. فضلاً عن خبرته في تأليب الحراس علينا ، حتى كدنا نختنق من سياسته الثعبانية ، مع الاعتذار للثعبان فهو لاشك أرحم منه طبعًا .. كانت تمر علينا أيام عصبية ، نترحم فيها علي أيام السجن الحربي التي كانت كان يصب فيها العذاب علينا صبًا مباشرًا .. لأنه – وإن كان مؤذيًا لأجسادنا – إلا أنه كان أهون علي نفوسنا من تلك الآلام النفسية المستمرة .. ولولا اعتصامنا الدائم بحبل الله لذهبت منا العقول.

إلى طرة قائدا

عاد عبد العال سلومة لطرة مرة أخرى غير أنه عاد قائدا له واستمر على منهجهم ضد المعتقل من مختلف الأطياف خاصة الإسلاميين – لكون الشيوعيين خرجوا في صفة بين موسكو ومصر- إلا أن الحال لم يدم به طويلا حيث وقعت النكسة والتي كانت كضربة شديدة على رأسه، لكن ظل عبدا لأسياده حتى مات عبد الناصر.

يقول أحمد عادل كمال في النقط فوق الحروف: كانت عند المعتقلين فرحة مشوبة بالتوجس والحذر. أما قائد المعتقل عبد العال سلومة, فقد حدث له اكتئاب واغتم فأغلق بابه على نفسه. وذهب أثر المفاجأة, فاكتسى المعتقل بالبهجة والفرح.

ويقول محمد الصروي: جاء عبد العال سلومة مشرفاً على سجن مزرعة طره.. لكن هيهات، فلقد جاءنا حطاماً بعد أن كان وحشاً كاسراً.. ابتلاه الله بمرض السرطان في الأمعاء وهو شاب.. وكل مدة كان يسافر إلى لندن للعلاج.. ولم تعد له أي قدرة على الإيذاء.. ولكن كما يقول المثل " يموت الزمّار .. وصباعه بيلعب " فكان بين الحين والحين يحاول عمل أي مضايقات ولكن دون جدوى.

كان من الواضح أن حقد سلومة لم ينصب على الإسلاميين فحسب فقد كتب محمد عبده العباسي عن قصة اعتقال النحات محمد هجرس يقول: فى أعقاب نكسة يونيو /حزيران من عام 1967 قامت قوات الأمن بالقبض على كثير من اليساريين المصريين ومن الجماعات المعارضة ومن مختلف فئات المجتمع المصري من المثقفين والكتاب والعلماء والفنانين ..

من هؤلاء الفنانين فنان يدعى محمد حسين هجرس وهو رجل يعمل على نحت التماثيل وبينما هو فى معتقله فى طرة بعد أن تم تصنيفه كمعتقل من أصحاب النشاط المعادى ، ولم يجد الرجل بدا سوى الاستسلام لقضاء الله سبحانه وانتظار رحمته بالإفراج عنه من هذه المحنة القاسية وخاصة أن طرة زمان ليس مثل المعروف الآن ببورتو طرة حيث يقضى رجالات نظام فاسد بأكمله فترات حبسهم الإحتياطى ..

أشفق رجالات معتقل طرة على السجناء بتهمة أنهم من أصحاب النشاط المعادى وجلبوا لهم جهاز تلفاز ولم ينسوا تحديد مواعيد للمشاهدة حسب رغبة الطاغية حاكم السجن العقيد عبد العال سلومة ..

رضى الجميع بحكم سلومة فهذا عطاء من لدنه وفير ومن باب ممارسة الهوايات فى ساعات الخروج من الزنزانات القاسية والفكاك من الأصفاد ، وانحاز اليساريون للقراءة فهى السبيل الأوحد أمامهم لممارسة الحياة والتعلق بأهداب الأمل ..

وجلس الفنان محمد هجرس وحيداً يتأمل تلك المنطقة القاسية النائية عن كل الدنيا وروح الفنان تتواثب بداخله حالمة بشئ ما ، هل هو الطوق إلى الحرية أم الحلم بمستقبل أفضل ، وبين هذا وذاك رأى بعض السجناء فى قضايا جنائية يحملون جذع شجرة فى طريقهم لإلقائها فى أتون النار الموقدة التى تصنع الخبز قوتهم اليومي فى المخبز المخصص ..

انتفض الفنان وصرخ صرخة مدوية :

ـ لا ...

وانقض على الفريسة ( جذع الشجرة ) وقال بعلو صوته :

ـ هذا مشروعي ..

انبهر السجناء من فعلته وضربوا كفاً بكف ، ما هذا الذى يرونه ؟

ودارت محاولات شتى مع إدارة السجن ليحصل هجرس على أزميل وهو من الأدوات الخاصة للنحات ، وبدأ العمل وهو يتصبب عرقاً ويبذل كل ما فى وسعه من أجل تنفيذ مشروعه وتطويع هذا الخشب الصلد الذى انصاع ليدي الفنان وارتفع العمل الفني ليصبح كما أطلق عليه صاحبه تمثال " سيزيف 70 " نسبة للميثولوجيا الإغريقية والرقم نسبة للعام 1970 وكان يمثل شخصاً يحمل صخرة توحي لمن يراها بقدرة الصمود والتحدي والعزيمة والإصرار ، وبلغ طول العمل الفنى قرابة المترين..

وبعد الانتهاء منه وإنجازه تقدم صاحب التمثال بطلب لوزير الثقافة الفنان المحترم بدر الدين أبو غازى ـ والد وزير الثقافة فيما بعد د. عماد الدين أبو غازى ـ من أجل الموافقة عن الإفراج عن التمثال وخروجه من المعتقل ..

حمل الوزير الطلب وذهب لوزير الداخلية شعراوي جمعة ووافق الرجل على الفور وأمر سلومة بتنفيذ أمر الإفراج بصفته قائد المعتقل ، ولكن سلومة راح يراوغ وتفتق ذهنه عن ضرورة تشكيل لجنة يناط لها الحكم فيما إذا كان التمثال له مغزى سياسي أو معنى يقصد به الدعوة لقلب نظام الحكم أو ازدرائه..

شكلت اللجنة التي قدمت تقاريرها من ثلاثة مهندسين رأى الأول أن التمثال يشبه الزعيم الروسى لينين ورأى الثانى أن التمثال يشبه ستالين أما الثالث ويا للعجب لم ير فى التمثال إلا ما يوحى بإمرة حامل ..

انفجر صاحب التمثال وهو يرى أمامه ما يشبه محاكم التفتيش فى القرون الوسطى ودافع بشراسة عن تمثاله ، وتحدى سلومة بقوله : ـ أنا لا أعترف بلجنتك تلك .. لدى وزير فنان..

وعادت زوجة هجرس للوزير الفنان الحقيقي بدر الدين أبو غازى تخبره بما حدث وذهب الرجل للمسئول الأول عن معتقل طرة وزير الداخلية شعروى جمعة الذى عنف سلومة وأمره بسرعة الإفراج عن التمثال ..

لم يستسلم سلومة كالعادة وراح يختلق الحجج والذرائع وألقى فى وجه الجميع بمفاجأة من العيار الثقيل :

ـ جذع الشجرة فى الأصل ملك للحكومة ، ومن هنا تؤول ملكية التمثال للحكومة ..

صرخ هجرس من جديد فالجذع الذى يتحدث عنه سلومة ذا الوجه الأحمر لو لم تمتد له يد هجرس لأصبح رماداًُ تذروه الرياح ، وأعلن محمد حسين هجرس استعداده لشراء الجذع حسب أسعار سوق الأخشاب وقتها ، ولكن الأفعى لا زالت تفح فحيحها فقال سلومة بعد أن تفتق ذهنه عن أمر مدهش :

ـ من الممكن أن يصبح هذا هو الحل ، ولكن الجذع كان قبل ذلك أثقل من بعد النحت ..

وحار الجميع لتلك الحجج التى يسوقها سلومة وانتهى الأمر بخروج التمثال الذى حمله ابن الفنان على عربة من عربات الكارو ، وخرج التمثال من حبسه بينما ظل صاحبه يعانى خلف الأسوار وتم عرض التمثال فى المعرض القومي للفنون التشكيلية وقوبل بحفاوة بالغة وصار من مقتنيات الدولة وهو الآن من معروضات متحف الفن الحديث يقف شامخاً بينما توارى الطغاة وصار مجرد ذكرهم يصيب المرء بالتقزز من أفعالهم السقيمة ..

ويروى صلاح عيسى رئيس تحرير جريدة القاهرة هذه القصة فى العدد 200 من جريدته التى تصدر عن وزارة الثقافة أن علامات الخزى بانت على ملامح سلومة ذا الأنف الأحمر فما كان منه إلا أن أحضر ورقة وقلماً وبطريقة بيروقراطية وفجة وراح يملى على هجرس ليكتب :

( أقر أنا الموقع على هذا أدناه المعتقل محمد حسين هجرس وصنعتي نحات تماثيل أن التمثال الذي صنعته من خشب الشجرة عهدة معتقل طرة والمسدد ثمنه لخزينة المعتقل بتاريخ 12/12/1970م لا يرمز لأي شئ ولا يتضمن أي مساس بسياسة الحكومة أو ازدراء لها أو لإحدى هيئاتها وليس له معنى على الإطلاق ).

ووقع محمد هجرس باسمه بذيل الإقرار وبعدها أمسك سلومة بالقلم وخط على الورقة (بمناظرة التمثال المذكور وجدناه مصنوعاً من الخشب بطول متر ونصف المتر وعنوانه سيزيف 70 وتأكدنا أنه لا يرمز لأى شئ ولا معنى له على الإطلاق ونسمح بخروج التمثال وتسليمه إلى زوجة المعتقل المذكور ).

هلاك طاغية

ظل عبد العال سلومة يتنقل من سجن لسجن، حتى أصيب بمرض السرطان، والذي أعجزه إلا أنه ظل متمسكا بتعذيب المعتقلين حتى مات عبد الناصر، ويذكر الصروي أنه مات بعدها بعامين بمرض السرطان.

لكن فؤاد علام ذكر أن عبد العال سلومة وصل إلى منصب نائب رئيس مصلحة السجون في عهد وزير الداخلية الأسبق زكي بدر وتوفي عام 1987 إثر إصابته بالسرطان.