في شروط العملية التفاوضية
بقلم : معتصم حمادة
أين هي المرجعية السياسية للوفد الفلسطيني إلى اللقاء الدولي في أنابوليس وإلى اللقاءات التحضيرية مع الجانب الإسرائيلي، وما هو الأساس القانوني لهذه المباحثات، وما هي الضمانات ألا تتورط الحالة الفلسطينية في مأزق جديد كمأزق أوسلو، علماً أن الوفد الفلسطيني المفاوض الآن هو نفسه الذي قادنا إلى أوسلو في مفاوضات سابقة؟
مازالت أسهم اللقاء الدولي المزمع عقده في أنابوليس، في ميرلاند، غير مستقرة.
إذ ما إن ترتفع قليلاً، حتى تعاود الهبوط بأسرع مما صعدت به.
وامتد حبل التشاؤم، أو عدم التفاؤل (لا فرق) ليطال أطرافاً عربية رئيسية في المنطقة، كما هو حال مصر، على سبيل المثال، التي دعت، على لسان وزير خارجيتها أحمد أبو الغيط، إلى تأجيل موعد اللقاء، من موقع حرص القاهرة على توفير مقومات نجاحه.
كما أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، وهي تؤكد على ضرورة أن يكون اللقاء ذا نتائج جدية وجوهرية، فإنها تبدو كالمتخوف حقيقة من أن لا يحقق اللقاء هذه النتائج.
لذلك يأتي تأكيدها اللفظي، المتفاءل ظاهراً، ليشير إلى تشاؤم مسيطر على مزاج رايس، لكنها تحاول أن تخفيه بابتساماتها المفتعلة أمام عدسات المصورين، وبإصرارها اللفظي على إحراز النجاح المطلوب.
فرايس، التي تبدي حرصاً على نجاح اللقاء، وعلى ضرورة أن يخرج بنتائج جدية وجوهرية، تلاحظ، في سياق حرصها المزعوم هذا، أن الجانب الفلسطيني هو الذي يطالب برفع سقف اللقاء، بحيث يكون له جدول أعمال، ونتائج ملموسة، ويكون فاتحة لعملية تفاوضية تتناول قضايا الحل الدائم، ويكون لها في الوقت نفسه سقف زمني، حتى لا تتحول المفاوضات إلى هدف قائم بذاته.
كما أن رايس تلاحظ، بلا شك، أن الجانب الإسرائيلي، هو الذي لا ينفك يحذر من خطورة التعويل على نتائج باهرة قد يخرج بها اللقاء، ولا ينفك يحرص على تقديم النصائح بتخفيض التوقعات من هذا اللقاء.
وهو، وإن كان لا يمانع أن يعود إلى طاولة المفاوضات، إلا أنه يرفض أن يضع للمفاوضات سقفاً زمنياً، وبحيث لا تخرج عن المفاوضات أية نتائج ملموسة، ولسان حاله يقول: «إذا كان الفلسطينيون يريدون مفاوضات، فلنعطهم إذن ما يتلهون به، دون أن نعطيهم شيئاً آخر».
ومع ذلك، ومع هذا كله، فإن رايس، كما يبدو من تحركاتها، وتصريحاتها لا تمارس الضغط على الجانب الإسرائيلي. فقد عودتنا واشنطن ألا تضغط على حليفتها إسرائيل، وأن تراعي هذا الحليف إلى أبعد الحدود.
وأن يكون الضغط على الجانب الفلسطيني لقناعة أميركية راسخة أن هذا الجانب هو الأضعف، وهو الأكثر استجابة للضغط، كما أنه ليس بحليف، حتى ولو حاول أن يقدم نفسه على هذا الشكل المزعوم.
فحليف الولايات المتحدة ليس هو من يقرر موقعه التحالفي، بل إن واشنطن هي من تختار حلفاءها.
لذلك يبقى الخوف المشروع قائماً من أن يكون الهدف من جولات رايس هذه هو الضغط على الجانب الفلسطيني تحت ذريعة ممجوجة، حفظناها من كثرة ما رددتها واشنطن هي «العمل على تقريب وجهات نظر الطرفين».
علماً أنها في واقع الحال تحاول أن تغير وجهة النظر الفلسطينية لتقترب هي وحدها من وجهة النظر الإسرائيلية.
وهذه الأخيرة لا تكتفي بأنها لا تحاول الاقتراب ولو قليلاً من وجهة نظر الفلسطينيين، بل هي أيضاً تزداد تعنتاً وتصلباً كلما لاحظت تنازلات الفلسطينيين.
في هذا السياق، وعلى سبيل المثال، يلاحظ أنه، وفي خضم التحضير للقاء أنابوليس، لا تتردد إسرائيل في مصادرة مساحات من الأرض الفلسطينية في جوار مدينة القدس، ورهانها في ذلك أن الجانب الفلسطيني لن يقوم بأية ردة فعل سلبية.
ولعل الرهان الإسرائيلي ـ للأسف ـ كان صائباً، فلم نسمع أن الوفد الفلسطيني إلى المباحثات التحضيرية للقاء الدولي، قد أوقف المباحثات ـ ولو لوقت قصير ـ كوقف رمزي ـ كحد أدنى ـ احتجاجاً على المصادرات الإسرائيلية.
علماً أن الموقف الفلسطيني، يفترض أن يكون برأينا أنه «لا مفاوضات ولا مباحثات قبل وقف الاستيطان ووقف مصادرة الأرض». وهو الموقف نفسه الذي اتخذه الراحل الكبير حيدر عبد الشافي في واشنطن حين كان يدير الوفد الفلسطيني إلى المفاوضات مع الإسرائيليين.
فقد رهن استمرار المفاوضات بوقف الاستيطان ومصادرة الأرض. فالأرض هي الموضوع التفاوضي، وإذا ما تمت مصادرتها، فعلى ماذا ستتم المفاوضات إذن، وما هو جدوى المفاوضات؟
إلا إذ أردنا أن نتواطأ مع الجانب الإسرائيلي بحيث نكون شركاء في «مفاوضات لأجل المفاوضات»!.
على صعيد آخر، يلاحظ أن الحالة الفلسطينية تعيش بشكل عام وضعاً مرتبكاً، وبلبلة سياسية لا حدود لها.
والمواقف السياسية إزاء هذا الحدث المهم والخطير، تذكرنا ببرج بابل، حيث يتحدث كل فرد لغة خاصة به.
نفترض أن الدخول في أية عملية تفاوضية مع الجانب الإسرائيلي، يتطلب توفير شروط نجاح هذه العملية بجوانبها السياسية والفنية.
وأن تكون هذه العملية ملكاً للهيئات الرسمية المسؤولة، والمعنية باتخاذ القرار السياسي، وليست ملكاً لأفراد، يتصرفون كما يشاؤون، ويتخذون بشأنها القرارات دون العودة إلى جهة مسؤولة تكون مرجعية عليا، تصنع للمفاوضات أهدافها، وأسسها، وآلياتها، وتكتيكاتها.
وتقرر متى تستمر هذه المفاوضات، ومتى تتوقف، ومتى تتباطأ، ومتى يتم تسريعها ومتى تجري عرقلتها.
ولكل خطوة من هذه الخطوات هدف مرجو منها، والمسألة لا تخضع لمزاج أفراد، بل لمصالح وطنية عليا.
لذلك نفترض أن تكون هناك مرجعية وطنية عليا، معنية بإدارة العملية التفاوضية دون أن تدخلها مباشرة، وبحيث ينضبط الوفد المفاوض، أياً كان أفراده ومستواهم، لقراراتها بدقة وبوضوح.
وأن تكاشف هذه المرجعية الحالة السياسية الفلسطينية بتلاوينها المختلفة بالوقائع والتطورات، وأن تتشاور معها، وتتوافق على الخطوات اللاحقة.
هذا يضمن وحدة الموقف الفلسطيني، ويوفر الاطمئنان للجميع أن القرار السياسي في أيد مسؤولة.
نسوق هذا الكلام وكلنا يدرك أن الفريق الفلسطيني الذي يدير المباحثات التحضيرية للقاء أنابوليس، هو نفسه الذي قاد المفاوضات، سابقاً إلى أوسلو، وغيرها من الاتفاقات والبروتوكولات، والتي مازالت الحالة الفلسطينية تعاني وطأتها وأعباءها الثقيلة وقيودها المحكمة حتى الآن.
كما نفترض أن لكل عملية تفاوضية أساسها السياسي، بحيث لا تتكرر مأساة أوسلو فتكون مرجعية المفاوضات هي المفاوضات نفسها.
ونعتقد جازمين أن قرارات الشرعية الدولية هي المرجعية السياسية والأساس السياسي الصالح للعملية التفاوضية.
فهناك القرار 242 الذي أكد عدم جواز الاستيلاء على ارض الغير بالقوة والذي قرر الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من حزيران (يونيو) 67. وهناك القرار 1397 الذي أكد حق الفلسطينيين في دولة مستقلة.
وهناك قرارات أخرى عديدة. وكذلك هناك مبادرة السلام العربية (مع ضمان حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948).
وهناك العديد من القرارات الأخرى ذات الصلة (3236ـ 194 وغيرهما). وهي قرارات تشكل موضع إجماع وطني، ويعترف بها المجتمع الدولي، وملزمة في مضمونها لإسرائيل.
والتمسك بها، إلى جانب التمسك بالوثائق الوطنية المتوافق عليها (كوثيقة الوفاق الوطني في 27/6/2006) ووثيقة إعلان الاستقلال (15/11/1988) يشكل أساساً سياسياً للعملية التفاوضية، لا يترك المجال لأية إنحيازات أو انحرافات قد تقود إلى تنازلات تغرق الحالة الفلسطينية في سلسلة من الالتزامات والتعقيدات المرهقة على غرار اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس.
كذلك نفترض أن لكل عملية تفاوضية هدفها المرسوم مسبقاً.
وبالتالي هدف أية عملية تفاوضية مع الجانب الإسرائيلي هو انسحابه من الأرض المحتلة بحدود الرابع من حزيران (يونيو)، وقيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية وضمان حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948 .
ونفترض كذلك أن الاتفاق على هدف المفاوضات يجب أن يسبق عملية الدخول في التفاصيل التفاوضية، ويجب أن يكون هو الموضوع التفاوضي الرئيسي والأول.
إن توفر مثل هذه الشروط كلها هو الذي يضمن ـ إلى حد كبير ـ سلامة العملية التفاوضية وهو الذي يوفر أجواء فلسطينية متحدة خلف المفاوض الفلسطيني.
لذلك، إذا كان المفاوض الفلسطيني حريصاً ـ من وجهة نظره ـ على خوض عملية التحضير للقاء أنابوليس، فإن الواجب الوطني يملي عليه أن يفتح الملف التفاوضي مع باقي الأطراف الوطنية الفلسطينية، ليتم التوافق على شروط المشاركة في أية عملية تفاوضية وآلياتها.
هذا ما يحصن الحالة الفلسطينية ضد الضغوط الأميركية، وضد الضغوط الإسرائيلية. ويزيدها تحصيناً عندما تكون المفاوضات واحدة من الوسائل الكفاحية، وتكون المقاومة وسيلة أخرى، ويكون الكفاح الشعبي بكل أشكاله وسيلة ثالثة. وهكذا تتكامل ميادين النضال ومجالاته.
هذه الرؤية ليست ابتداعاً منا، بل جاءت عناوينها واتجاهاتها في وثيقة الوفاق الوطني (27/6/2006) التي يجب أن تشكل على الدوام معياراً ومقياساً للمواقف السياسية للسلطة الفلسطينية، وباقي أطراف الحالة الوطنية.
ووحدة الموقف الفلسطيني، استناداً إلى وثيقة الوفاق الوطني هي الضمانة الكبرى لمسيرة النضال الوطني.
المصدر
- مقال:في شروط العملية التفاوضيةالمركز الفلسطينى للتوثيق والمعلومات
