قضايا الساعة في حوار مع د. "القرضاوي"
[07/09/2003]
مقدمة
- مطاردة السلطة الفلسطينية لحركات المقاومة من المحرّمات
- المفاوضات لاتجدي مع العدو الصهيوني
- لا أمل في الأنظمة الحاكمة ويبقى دور الشعوب
- الحكومة التي تمنع شعبها من دعم الشعب الفلسطيني ترتكب كبيرة
- الاحتلال الأمريكي يجب أن يقاوَم حتى التحرير
- لا أحبِّذ مشاركة مجلس الحكم الانتقالي
- الأمريكيون لا يريدون المسلم المجاهد
- العلماء مقيَّدون وسلطتُهم محدودة
- لا نجاة للأمة إلاَّ بتثبيت الفكر الوسطي
فضيلة الشيخ "يوسف القرضاوي" أحد أبرز علماء المسلمين الذين كان لهم دور بارز في تجديد الفتوى وفقًا لمعطَيات العصر حتى وصفه البعض بأنه الشيخ العصري، الذي لا يُفرِط ولا يُفرّط، فضلاً عن ذلك فهو أبرز علماء المسلمين الذين كان لهم دور بارز مؤثر في دعم حركات المقاومة الفلسطينية ونصرة القضية الفلسطينية لا يخشى في اللهِ لومةَ لائم، وذلك بالرَّغم من الضغوط التي يتعرَّض لها من وقت لآخر لما في آرائه من تأثير في نفوس الشعوب الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها...
التقَينا بفضيلته للتعرُّف على آرائه في كثير من المستجِدَّات التي حلَّت بالأُمَّة الإسلامية فأكد لنا على ضرورة دعم الحكومات العربية والإسلامية للقضية الفلسطينية، واصفًا الحكومات التي تمنع وصول مساعدات شعوبها للفلسطينيين بأنها ارتكبت كبيرة من أكبر الكبائر قد تؤدي إلى الكفر، كما أشار فضيلته إلى أنَّ خارطة الطَّريق تهدف في الأساس إلى تفتيت البنية التحتية لحركات المقاومة الفلسطينية ونزع أسلحتها، فضلاً عن إشعال الحرب بين السلطة الفلسطينية وبين حركات المقاومة، واصفًا الامتثال بين الطرفين بأنه من المحرمات الكبيرة.
وعن حال الأمة الإسلامية وصفها فضيلة الدكتور "القرضاوي" بأنها مرحلة غثاء السيل، فلم تعد تدرك أهدافها، وليس لها قمة توضع في الاعتبار، وعن الموقف الشرعي من مجلس الحكم الانتقالي في العراق قال فضيلته إن هذه الأمور لا يمكن الحكم عليها، فتفاصيل ما يجري داخل العراق غير واضح، ومِن ثمَّ فأهل مكة أدرى بشعابها، ولكنه فضَّل رأيًا شخصيًا، حيث حبَّذ عدم المشاركة في هذا المجلس....
ولمزيد من التفاصيل حول هذه القضايا وغيرها من القضايا المتعلقة بأهم قضيتين "العراقية والفلسطينية" ننتقل إلى نص الحوار:
في البداية....
- يواجه الشعب الفلسطيني- وحركات المقاومة على وجه الخصوص- هذه الأيام حربًا ضروسًا مدعَّمةً من الأمريكيين... كيف ترون فضيلتكم أسلوب الدعم في الظروف الراهنة؟ وهل يمكننا أن نعوّل على اتفاقيات السلام للخروج من هذه الأزمة؟
- لا تزال قضية فلسطين هي قضية الأمة الإسلامية الأولى، ولا تزال حية وساخنة، ولا تزال الأمة في غفلة عن هذه القضية إلى حد كبير؛ حتى أصبح إخواننا الفلسطيينون هم الذين يخوضون المعركة وحدهم، فلم تعد القضية قضية صراع عربي- صهيوني، بل أصبحت صراعًا فلسطينيًا- صهيونيًا، حيث تراجع الموقف العربي الداعم للقضية الفلسطينية، فقد خاضت سبعة جيوش عربية الحرب عام 1948م ضدَّ العدو الصهيوني، رغم أن جامعة الدول العربية كان عمرها حينئذ ثلاث سنوات فقط، إلا أنهم- في هذ الأيام- قد تخلَّوا عن الفلسطينين وتركوهم وحدهم بعد أن أصبح العدو الصهيوني غولاً متوحشًا قد يبتلع كل شيء حوله، خاصَّةً بعد امتلاكه للترسانة النووية، وحصوله على الدعم المطلق وغير المحدد من الولايات المتحدة الأمريكية بالسلاح والمال وحق الفيتو الأمريكي، وذلك في الوقت الذي تُرِك فيه إخواننا الفلسطينيون وحدهم، ومن ثمَّ في ظل هذه الأجواء قد نعطي إخواننا في فلسطين بعض العذر في اللجوء إلى المفاوضات والمساومات، لكن كل شيء له حدود، فالإنسان يلجأ إلى هذا الطريق إذا وجد فيه أيَّ جدوى، لكننا جرَّبنا المفاوضات مع العدو الصهيوني منذ سنين طويلة ولم تُجد هذه المفاوضات شيئًا ولم يتقدم إخواننا إلى الأمام خطوة واحدة، والأمريكان يعرضون هذه الأيام ما يسمَّى بخارطة الطريق، ولا أدري أي طريق يقصدونه! هل هو الطريق لإقامة دولة فلسطينية؟!
- لكن أمريكا تشترط لتنفيذ هذه الخريطة تفكيك البنية التحتية لكل فصائل المقاومة وانتزاع أسلحتها فلا تبقى لها أيّ قوة، وهي تهدف بذلك إلى إشعال فتيل الحرب بين السلطة الفلسطينية وبين هذه الفصائل، وذلك بالرَّغم من أن السلطة الفلسطينية تستمد قوتها من حركات المقاومة فلولا جهود المقاومة لما جلست السلطة على طاولة المفاوضات مع الأمريكان والصهاينة، ولم يكن لديها أوراق تتفاوض بها، فالتضحيات الهائلة لحركات المقاومة هي التي دفعت الأمريكان والصهاينة للإسراع نحو المفاوضات؛ ولذلك على السلطة الفلسطينية أن تعيَ هذا الأمر جيدًا، وتدرك ما أدركه إخواننا في (حماس) و(الجهاد).
موقف السلطةُ
- شاهدنا مؤخرًا ملاحقة الشرطة الفلسطينية لعناصر من (حماس) وإطلاق النيران عليها... كيف ترون الموقف الشرعي للسلطة في هذا الوضع؟
- لا يجوز بأي حال من الأحوال أي يضرب الفلسطيني أخاه أو أن يقاتله ويطلق عليه الرصاص!!، فهذا الأمر محرم من المحرمات الكبيرة، خاصَّةً وأنه يتوافق مع الرغبات الأمريكية- الصُّهيونية، حيث يعملون على توجيه الفلسطينيين رصاصهم إلى صدور بعضهم البعض؛ ولهذا لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تسارع السلطة للاستجابة لهذه الطلبات المحرمة.
- فضيلتكم انتقدتم موقف العرب والمسلمين من دعم القضية الفلسطينية... كيف ترون أشكال الدعم المطلوب من الشعوب والحكومات؟
- الإسلام يفرض على الحكومات أن تمد الإخوة بما يحتاجون إليه من مال وسلاح وتأييد سياسي في المحافل الدولية، كما تفعل أمريكا في دعمها للعدو الصهيوني، لكن للأسف هذا الوهن والضعف العربي والإسلامي هو الذي شجع هؤلاء على المُضيّ في طريقهم، خاصَّةً وأنهم لم يجدوا أمة إسلامية صحيحة، بل وجدوا1300 مليون عربي ومسلم كغثاء السيل، أي أشياء غير متجانسة ليس لها هدف، وذلك خلافًا لما كانت عليه الأمة في الماضي حيث كانت أفضل حالاً، فقد اجتمعت أول قمة إسلامية من أجل حريق المسجد الأقصى، وهم الآن يريدون تدميره ولا توجد معارضة من الأنظمة التي هي غائبة عما يحدث للقدس.
- إضافةً إلى ذلك فإنَّ النظام العربي عجز عجزًا تامًا في القضية العراقية ويحاولون الآن ترميمه وإعطاءه (حقن مقوية)، إلا أنه رغم ذلك لا أمل في الأنظمة الحاكمة في الوقت الراهن؛ ولذلك يبقى دور الشعوب حيث يمكن أن يكون لها دور فاعل في الضغط على حكوماتهم فإذا صرخت بقوة وانفجرت فسوف يكون هناك جدوى، خاصةً وأن مصير أي مِرجَل إذا غَلى واشتعلت تحته النار -واستمر هذا الاشتعال دون أن يتنفس- فلا بد أن ينكسر وينفجر.
- إضافةً إلى ذلك على الشعوب أن تعمل لمساندة إخواننا بالمال؛ فمن جهَّز غازيًا فقد غزى في سبيل الله، والقرآن يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، ولا يمكن أن توجد مقاومة دون توفير المال، خاصةً في الوقت الراهن.
- صحيح أن الطرق غير مفتحة؛ لأن الأمريكان يسدون الطريق أمام أي مساعدة، فهم يريدون تجفيف المنابع عن إخواننا في فلسطين، ويريدون منع أي دعم مادي يأتي من أي مكان، ولكن لابد لنا من التحايل على ذلك بطريقة أو بأخرى لإيصال المال إليهم على الأقل لإطعام الجائع، وكسي العاري، وعلاج المريض، وكفالة اليتيم، وترميم المنازل المهدمة...، فهناك الكثير مما تحتاجه الناس هناك، إضافةً إلى ما سبق فالشعوب أيضًا يمكنها أن تقاطع البضائع الأمريكية والصهيونية والبريطانية والاسترالية، ولا ينبغي أن نستهين بهذه القضية فقد ثبت تأثيرها على اقتصادهم، وذلك فضلاً عن أثرها الإيجابي في تربية أطفالنا فنحن نربي أطفالنا على معانٍ ثمينة عندما يصل إليهم أن هذه البضائع الأمريكية وغيرها يجب ألا تُشترى؛ لأن ثمنها قد يتحوَّل إلى رصاصة تطلَق على صدور إخواننا في فلسطين، والآن أرى بالفعل كثيرًا من الأطفال يقولون لأبائهم لا يجوز لكم أن تشتروا هذه البضائع لأنها أمريكية أو بريطانية، وإلى جانب المقاطعة علينا أن ندعوَ لهم ونستحضر مآسيهم، فليس من الأُخوَّة أو الإسلام أن ينام الإنسان ملء جفنه، ويأكل ملء بطنه، ويضحك ملء سنه، وإخوانه لا يجدون القوت!!.
تضييق الحكومات
- يعاني العمل الخيري والإغاثي من تضييق رسمي من الحكومات، فما هو الرأي الشرعي تجاه هذه الحكومات؟
- الحكومات بذلك ترتكب كبيرة من الكبائر وموبقة من الموبقات فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومعنى لا يسلمه ألا يخذله ويتخلى عنه ويتركه يعاني المصائب وحده فهذا الأمر ليس من الإسلام، والحكومات إذا كانت عاجزة عن فعل شيء فلا ينبغي لها أن تمنع شعوبها، وإذا فعلت ذلك فهي بذلك ترتكب إثمًا فوق إثم سكوتها وقعودها، وهو إثم منع الخير، وهذا الأمر- والعياذ بالله- من الكبائر قد تؤدي إلى الكفر.
- وهل لدينا من أوراق يمكن استخدامها تجاه قيام الأمريكان بمحاربة (حماس) وتجميد أموالها؟
- ليس في أيدينا شيء، والحمد لله أن هذه الأموال ليست في الولايات المتحدة، ولكن الأمر الذي نستنكره ونتعجب له هو قيام السلطة الفلسطينية ذاتها بتجميد بعض هذه الأموال، حتى إن كثيرًا من وزراء السلطة أنفنسهم استنكروا هذا التصرف، خاصةً وأنَّ هذه الأموال تُستخدم في تسديد الثغرات من تخفيف قربة المقربين وتقديم العون المادي للفقراء والمشرَّدين... فكيف- إذا أجازت أمريكا لنفسها قتل الفلسطينيين بالبرد والمرض والفقر وقلة الغذاء- نُجيز نحن قتل أبنائنا؟!
- ما من شك أن لعلماء المسلمين دورًا فاعلاً في وعي الجماهير والشعوب، ولكن لاحظنا مؤخرًا غياب العلماء الأمة عن ساحة المواجهة، فما هي الأسباب؟
- لأنه لا يوجد للعلماء رابطة أو مؤسسة تتحدث باسمهم، حيث يوجد العلماء متناثرين ولهم آراؤهم المختلفة، إضافةً إلى أنهم في كثير من البلدان ليس لهم حق التعبير، فهم مقيدون وفي كثير من البلدان الإسلامية يتم نقل أو وقف- عن العمل- أي خطيب مسجد يخرج عن الحدود المرسومة له، فما عاد العلماء ممكَّنين من أن يقولوا كلمتهم كما يريدون، وشريطة أن تحاسب الإنسان على تقصيره أن توفر له الحرية وتضمن له الحماية.
ورغم ذلك لم يعد العلماء فقط هم المنوط بهم تحريك الناس، فهناك مسئولية على المثقفين والكُتَّاب والصحفيين والإعلاميين والأُدباء، فهؤلاء أكثر تأثيرًا من العلماء لما لديهم من أدوات أوسع انتشارًا.
احتلال العراق
- كيف ترون واجب المسلمين تجاه احتلال العراق على أيدي الغزاة الأمريكان؟
- كواجبهم نحو أي احتلال، فأي احتلال لأرض المسلمين ينبغي أن يقاوَم، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تُحتل أرض إسلامية ونرحب بهذا الاحتلال، وإنه لمن الغريب أن يروِّج البعض للاحتلال الأمريكي للعراق، وعلى أي شعب يحتله غازٍ أن يقاومه، وقد قال العلماء إذا دخل العدو بلدًا من بلاد المسلمين وجب على أهله جميعًا أن يقاوموه ويطروده، وإذا عجزوا ينتقل الوجوب إلى جيرانهم الأدنيين الذين يلونهم، فإن عجزوا فهكذا حتى يصبح واجبًا على الأمة كلها كما هو الحال الآن في القضيةالفلسطينة، وللمقاومة أشكال مختلفة.. فيمكن أن تكون عسكرية أو سياسية أو غير ذلك، أي المقاومة بكل ما هو متاح.
المجلس الاتنقالي
- مجلس الحكم الانتقالي في العراق ثار حوله كثير من الجدل كيف ترون الموقف الشرعي من هذا المجلس؟
- مثل هذه الأمور لا أستطيع أن أحكم فيها وأنا لا أعرف تفاصيل ما يجري في الأراضي العراقية، فأهل مكة أدرى بشعابها، وبعض إخواننا الإسلاميين شاركوا في هذا المجلس، فما الرأي الذي دفعهم إلى ذلك؟،
- لا بد أن لهم رؤية في هذا الأمر، وقد يعمل الناس بأحكام الضرورات في هذه الأحوال؛ بأن الضرورة تقتضي المشاركة، خاصة وأن فقه السياسة الشرعية من أوسع أبواب الفقه، حيث توجد مجالات للموازانات بين المصالح بعضها البعض، وبين المفاسسد بعضها وبعض، وبين المفاسد والمصالح إذا تعارضتا نأخذ بأي منها
ولذلك أنا لاأعرف وجهة نظر الذين شاركوا ووجهة نظر الذين رفضوا، ولكن أنا شخصيًا لا أحبِّذ المشاركة في هذا المجلس.
- وماذا عن دور الحكومات تجاه احتلال العراق؟
- إذا كانوا لم يفعلوا شيئًا في الاحتلال الصهيوني الفلسطيني، فكيف أطالبهم بفعل شيء تجاه العراق! فمما هو متفق عليه أن الحكومات لم تقم بواجبها تجاه الاحتلال الصهيوني المتجبر الظالم فهل نطالبهم بمواجهة الأمريكان.
مناهج التعليم
- ما من شك أن الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت الحرب على الإسلام، وتسعى في هذا الإطار إلى تغيير الهوية الإسلامية، وذلك من خلال التدخل السافر في مناهج التعليم في البلدان العربية والإسلامية فما تعقيبكم على ذلك؟
- لا يجوز أن تغير البلدان الإسلامية مناهجها وفقًا للرغبات الأمريكية، فالغزاة الأمريكان لهم إستراتيجيتهم ورؤيتهم الخاصة حيث يريدون تغيير هذه المناهج لفرز مسلم مستسلم للمطامع الأمريكية، ولا يريدون الشخصية التي تغار على دينها وحرماتها أو تزود عن أمتها، المسلم الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويجاهد في سبيل الله ولا يخاف لومة لائم.
- وللأسف بعض البلان العربية طبقت هذه السياسة التي عُرفت بسياسة تجفيف المنابع.. أي تجفيف الدين الإيجابي من التعليم والثقافة والإعلام، وهم يريدون تعميم هذا النموذج، ومن ثَم لا ينبغي أن نغيِّر مناهجنا بناء على ما يطلبه الآخرون، ولكن علينا أن نغير مناهجنا بأنفسنا خاصة وأنها أصبحت غير صالحة، وبحاجة إلى تقويم، فنحن في حاجة إلى إصلاح العقلية المسلمة في كثير من الأفكار المريضة التي تجلب الشر على المسلمين، فعلينا مواجهة الغلو والتطرف من ناحية، وكذلك مواجهة التسيب والانفلات من ناحية أخرى، فنحن نريد الفكر الوسطي، ولا نجاة للأمة إلا بتبني الفكر الوسطي، (أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ* وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن:8 ،9) أي التيسير في الفتوى والتبشير في الدعوة والتجديد في الدين والاجتهاد في الفكر والإيجابية في الحياة.
المصدر
- حوار: قضايا الساعة في حوار مع د. "القرضاوي" موقع اخوان اون لاين



