كلمات في المفاهيم وكيفية غرسها
بقلم : كمال المصري
السؤال:
سلام الله عليك أستاذي كمال المصري،
أودُّ الاستفسار عن كيفيَّة غرس المفاهيم على اختلاف تنوُّعها في نفس المدعوّ.. وسائلها- عوائق- غرسها- كتب ومواقع تُعنى بذلك.
ودمتم طيِّبين.
الإجابة
أخي الكريم "أبو محمَّد"،
أهلاً بك، وشكراً على ثقتك.
موضوع كيفيَّة غرس المفاهيم موضوعٌ كبيرٌ ليس من السهل التعرُّض له هنا تفصيلا، لذلك سأتعرَّض إلى قواعده العامَّة التي ترسم الطريق وتحدِّد المسار دون الدخول في التفصيلات، وأظنُّ أنَّ رسم الطريق وتحديده أهمُّ كثيراً من الدخول في التفاصيل.
حديثي في ثلاثة اتَّجاهات:
الأوَّل: كلامٌ في المدعوّ.
الثاني: حول أساليب الغرس.
الثالث: المفاهيم الأساسيَّة.
الأوَّل: كلامٌ في المدعوّ:
لن أطيل الحديث في هذا حيث كنَّا تطرَّقنا له كثيرا، وهذه استشارةٌ فيها تفصيل ذلك:
قواعدُ في الدعوة إلى الله
لكن سأشير فقط إلى نقطةٍ هامَّةٍ تتعلَّق بضرورة مراعاة المستوى العمريِّ وخصائص كلٍّ منها، فالغرس في الصغير أسهل وأجدى من الكبير، وكثيرون من تحدَّثوا في تربية الصغار، لذلك سأتَّحدث في عجالةٍ عن تربية الكبار، ومنهج تربية الكبار في الإسلام مبنيٌّ على ثلاثة أمور:
1- الربط بالعقيدة: غرس حبِّ الله تعالى في نفس المدعوّ، واستشعار عظمته وخشيته في كلِّ الأحوال، والعبادات والتزام الطاعات كفيلٌ بإيجاد هذا الوازع وتأكيده وتثبيته.
2- الإقناع العقليّ: من أهمِّ الأسس في التعامل مع الكبار، الاعتماد على الإقناع العقليّ، فقد يتأثَّر الإنسان عاطفيًّا وقلبيًّا نتيجة سماعه أو مشاهدته لأمرٍ مؤثِّر، ولكنَّ استمرار هذا التأثُّر لا يُضمَن إلا بالإقناع العقليّ، والإقناع العقليُّ في الدعوة ذو شقَّين: الشقُّ الأوَّل: توضيح وإجلاء مبادئ الإسلام.
الشقُّ الثاني: تعرية الباطل.
فإظهار جمال وبهاء مبادئ الإسلام يزيِّن الأمر في العقول، وتعرية ظلمة وقبح الباطل يوجد شعوراً بالنور والرفض منه.. فينجح الداعي ويصل لما يريد.
الحبُّ والتعاطف مفيد، غير أنَّ الاقتناع يضمن الاستمرار بإذن الله تعالى.
3- تغيير البيئة: فغالباً ما يكون الوسط السيِّئ المحيط سبباً في الخراب، وحاجزاً ومانعاً من الصلاح حتى وإن اقتنع الشخص وأراد التغيير، وفي المقابل يكون الوسط الطيِّب محضن خيرٍ وهدايةٍ وتثبيتٍ بفضلٍ من الله تعالى وتيسير، وما الهجرتان اللتان أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بهما إلا من هذا القبيل، وفي حديث الرجل الذي قتل مائة نفسٍ وجاء يسأل أهل العلم هل له من توبة، كانت الإجابة: "انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإنَّ بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنَّها أرض سوء"رواه مسلم.
لذا غدا تغيير الوسط المحيط والبيئة المؤثِّرة دافعاً ضروريًّا على الداعي أن ينتبه له ويراعيه.
الثاني: حول أساليب الغرس:
من أهمِّ أساليب الغرس ثلاثة أساليب من المهمِّ تواجدها كلِّها، إذ هي ليست وسائل متضاربة، وإنَّما هي وسائل متعدِّدة:
1- التكرار.
2- التنويع.
3- الجمع بين التلقين والتدريب.
- التوعية: التثقيف "وخاصة الآراء المضادة".
1- التكرار:
يعتبر التكرار من أهمِّ وسائل غرس المفهوم، وعلماء الاتِّصال والإعلام يعتمدون على ذلك اعتماداً كبيرا، ونظرةٌ سريعةٌ إلى مختلف وسائل الإعلان والإعلام تؤكِّد ذلك.
ويختلف علماء الاتِّصال في نتيجة عمليَّة التكرار، ففيما اعتبرت نظريَّة الغرس الثقافيِّ التكرار أنَّه تكرار التعرُّض لرسالةٍ معيَّنةٍ ليؤدِّي إلى اقتناع المتلقِّي بها، اعتبرت نظريَّة التعلُّم أنَّ التكرار يؤدِّي إلى الفعل لا مجرَّد الاقتناع.
وأيًّا كانت نتيجة التكرار إلا أنَّه أسلوبٌ مهمٌّ وضروريٌّ في الغرس، كما أنَّه أسلوبٌ نبويّ، فعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه كان إذا تكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثاً حتى تُفهَم عنه، وإذا أتى قوماً فسلَّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثا.رواه البخاريّ، وفي روايةٍ صحيحةٍ للترمذيّ: "حتى تُعقَل منه".
قال العلماء في شرح الحديث: "قوله (إذا تكلَّم) مثل هذا التركيب يشعر بالاستمرار عند الأصوليِّين".. أي أنَّ هذا كان ديدنه صلى الله عليه وسلم.
2- التنويع:
في الرسالة وفي الوسيلة.
روى البخاريُّ ومسلم عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتخوَّلنا بالموعظة في الأيَّام كراهة السآمة علينا.
وقد شرح العلماء معنى الحديث بقولهم: "(يتخوَّلنا بالموعظة) يتعهَّدنا، مراعياً أوقات نشاطنا، ولا يفعل ذلك دائما".
فلا الموعظة هو النوع الوحيد للرسالة، ولا هي الوسيلة لتوصيلها.
ونظرةٌ في سيرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم تثبت أنَّ هذا كان منهجه صلى الله عليه وسلم، فتراه يعظ فلانا، ويمدح فلانا، ويوجِّه فلانا، ويداعب فلانا، كلُّ ذلك لتوصيل الرسالة التي يحملها، فينظر لكلِّ حال، وينوِّع حتى لا يملُّ الناس أو يصابوا بالضيق.
3- الجمع بين التلقين والتدريب:
المفاهيم منها ما يكون بالتلقين، ومنها ما يكون بالتدريب، ومنها ما يجمع الأمرين، لذلك عليك أن تلجأ للتلقين والتدريب معا، ولا تغلِّب جانباً على آخر، خاصَّةً جانب التلقين الذي يمارسه معظمنا بشكلٍ كبيرٍ ومكثَّف، فننشئ أجيالاً تعوَّدت على أن تسمع لا أن تفكِّر وتعمل، وهذه الأجيال ليست هي التي ستسمو بأمَّتها وتعليها، بل هي عبءٌ وهمٌّ وثقلٌ على الأمَّة.
على الداعي أن يغرس المفهوم في المدعوّ، ثمَّ يعوِّده على الفعل الذاتيِّ والتحرُّك الشخصيّ، لا انتظار من يوجِّهه ويلقِّنه ويحرِّكه.
وأبرز وأفضل أنواع التعويد الذاتيِّ هي القدوة، أن يرى المدعوُّ الداعي يتحرَّك أمامه ويفعل ويتصرَّف، لأنَّ الأفعال أعلى صوتاً من الكلمات كما يقول المثل الإنجليزيّ، ولنا شاهدٌ واضحٌ من سيرة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية بعد أن عقد الصلح مع مشركي مكَّة على الرغم من الصحابة، ثمَّ قال لهم: "قوموا فانحروا ثمَّ احلقوا"، قال راوي الحديث: "فوالله ما قام منهم رجلٌ حتَّى قال ذلك ثلاث مرات، فلمَّا لم يقم منهم أحدٌ دخل على أمِّ سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أمُّ سلمة: يا نبيَّ الله، أتحبُّ ذلك، اخرج لا تكلِّم أحداً منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلِّم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلمَّا رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا.."رواه البخاريّ.
ومن أهمِّ وسائل غرس الفعل الذاتيِّ في النفس التالي:
1- إشعار المدعوِّ دوماً بأنَّه شخصٌ ذا صفةٍ وهيئة.
2- الاعتراف باستقلاليَّة المدعوِّ الذاتيَّة.
3- حثُّ المدعوِّ على تنمية مهاراته الذاتية، وتشجيعه وتهنئته مع كلِّ محاولةٍ ذاتيَّةٍ منه.
4- فتح أبواب الحوار والنقاش واحترام اختلاف وجهات النظر، وعدم الاستهزاء بأيِّ رأيٍ مهما رآه الداعي سخيفا.
الثالث: المفاهيم الأساسيَّة:
سأذكر عناوين مفاهيم أساسيَّة يجب أن تكون في رأس جدول المفاهيم التي تُغرَس في المدعوّ:
1- مفاهيم إيمانيَّة:
- الإيمان بالله تعالى وحبُّه وخشيته.
- حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والتزام أوامره ونواهيه.
- الإيمان بالغيب وما فيه.
- اليقين بالقضاء والقدر، وأنَّه لا ينافي ضرورة البذل والعمل للوصول للجنَّة.
- الإخلاص.
- الورع.
- التقوى.
... إلخ.
2- مفاهيم سلوكيَّة:
- الرحمة.
- الأخوَّة.
- الجرأة.
- العفو.
- الإيثار.
- التعاون.
- الإيجابيَّة.
- الصدق.
- الأمانة.
- حفظ اللسان.
- الرجولة.
... إلخ.
بقي طلبك الأخير بترشيح مواقع وكتب في هذه الموضوعات: لِسَعَة هذا الأمر وكثرة تشعُّباته يصعب ترشيح كتبٍ محدَّدةٍ بعينها، غير أنِّي أكفيك مؤونة الأمر بالإشارة إلى ثلاثة روابط ذكرنا فيها مناهج وكتباً للقراءة، وهما:
- منهجٌ في الدعوة والثقافة
- قواعد في مسائل المرأة والاختلاط.. وكتب في تشكيل العقل
- كتبٌ في فقه الدعوة.. القراءة كنزٌ لا يفنى
هذا -أخي "أبو محمَّد"- ما ارتأيته من حديثٍ حول "غرس المفاهيم"، أسأل الله تعالى أن أكون أحسنت الإجابة، وإن كان لك من رأيٍ أو ملاحظةٍ أو توضيح، فلا تحرمني من ذلك يرحمني ويرحمك الله تعالى، وهذه الدعوة موجَّهةٌ لكلِّ مرتادي هذه الصفحة، وأتمنَّى ألا يبخلوا عليَّ بها... والله تعالى أعلم.
شكراً أخي "أبو محمَّد"، وأنتظر أن أسمع منك.
المصدر
- مقال:كلمات في المفاهيم وكيفية غرسهاموقع:الشبكة الدعوية