لا أبكي كلّ من مات

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لا أبكي كلّ من مات


الاربعاء,28 يناير 2015

عبد العزيز كحيل

كفر الشيخ اون لاين | خاص

إذا مات واحد من عامة المسلمين ترحّمت عليه وأديت عليه صلاة الجنازة إن أمكنني ذلك ، فإذا مات من كان معروفا بالتقوى وحسن السيرة والأخلاق الرفيعة بالغت في الترحم عليه وأثنيت عليه بين الناس وتضرّعت إلى الله ان يتوفاني على ما توفاه عليه ، فإن كان الميّتُ من كبار علماء المسلمين والدعاة إلى الله ومن نذروا أنفسهم لخدمة الدين والأمة والإنسانية حوقلتُ واسترجعت وأحسست بألم شديد يهزني واستشعرتُ حجم الخسارة التي ألمّت بالمسلمين ودعوت الله أن يكثّر أمثاله لتدعيم صفّ الحق و الخير والعلم...لكني لا أبكي كلّ من مات ، فقد يكون ممّن أراح اللهُ منهم البلاد والعباد ، أجل ، أنا لا أمسك بمفاتيح الجنة والنار ولا أملك لنفسي ولا لغيري نفعا ولا ضرّا بين يدي الله تعالى ، واللهُ حسيبنا جميعا ، هو الذي يعلم السرائر ويطلع على النوايا والحقائق...لكن من الغباء أن أترك يقيني في من يعرف جميع الناس مفاسده ثم أبكي على جنازته وكأنه وليٌّ صالح أو واحد من الصديقين ، بينما ينطق الواقع بخذلانه للإسلام والمسلمين ووقوفه القويّ ضدّ حقوق الشعوب وحريتها واصطفافه مع الصهاينة منذ زمن بعيد ... فهل من المعقول أن أتباكى على الحجاج بن يوسف بزعم أنه كان مسلما ؟ لا يمكن أن أضرب صفحا عن استباحته الدماء وترويع المؤمنين وظلم الأبرياء ، لا ، لن أذكره إلا بما سطّره عليه التاريخ ، وأكون دائما ضدّ ما يمثّله من جبروت وطغيان ، أكون مع سعيد بن جبير وأقف في صفّه وأنخرط في موكبه ، أي مع العالم الشجاع والمصلح الرباني حامي حمى الأمة في وجه الاستبداد.

لا أنخدعُ بالألقاب ولا بالدعاوى العريضة ولا بتقريظ علماء السلطة وعملاء الشرطة ، فشهادة هؤلاء مردودة لأنهم من ناثري البخور بين يدي أولياء نعمتهم ، وواقعنا أصدق أنباء من شهاداتهم المزوّرة ، وقد ألفناهم ملكيّين أكثر من الملك ، دأبهم إرضاء الحاكم ولو بإغضاب الله تعالى ، وفتاويهم الشاذّة الظالمة الغريبة بين أيدينا تدينهم إلى يوم القيامة ، فكم سوّغوا للحكام التضييق على الشعوب والنيل من المعارضين بحجج تستند إلى الخطاب الاسلامي المبدَّل الذي لم يعد له علاقة بقرآن ولا بسنة رغم الجعجعة الكبيرة واحتكار الكلام باسم الدين ، وكم تباهوا بأنه أمر بتشييد مسجد في إفريقيا وتغاضوا عن بناء السجون لاستقبال الأبرياء الذين لا جريرة لهم سوى المطالبة السلمية بالحقوق والحريات ، وكم أشاعوا أنه حارب شرك القبور وأغفلوا انغماسه في شرك القصور ، لا أدري بأيّ منطق نطالب الضحايا بمباركة الجلادين وذرف الدموع على جثامينهم وإنشاء القصائد العصماء لإحصاء إنجازاتهم " الضخمة " التي لا نعرف منها سوى عبادة الكرسي أكثر من عبادة الله وسوى السير في موكب التنازل عن الكرامة لمستكبري العالم من أجل البقاء في الحكم من المهد إلى اللحد ... لن أبكي على مثل هؤلاء ولن أنخرط في جوقة النفاق ، وأنا أعلم أنّ مَن دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب ان يُعصى اللهُ تعالى في أرضه ...وأنا واحد ممّن يتمنّون تطهير الأرض من الطواغيت والمستبدّين وفي مقدمتهم من أمّموا الدين واستحوذوا عليه لتثبيت عروشهم بتحريف معانيه وإشاعة قراءة بديلة له كلها تسبيح بحمد الحاكم وإضفاء للشرعية الدينية على سياساته المخالفة للوحي والقيم والأخلاق لأنها سياسات دنيوية بحتة تقدّم مصلحة العرش على مصلحة الدين ولا تتردّد في الظلم ومساعدة الظالمين حتى في البلاد الأخرى من أجل " حماية " المنطقة من موجة الحرية وانعتاق الشعوب.

إنّ بكائي فقط على الأمة التي يبدَدون أموالُها لخدمة قضايا أعدائها ، وينتهكون حرماتها وقد نصّبوا أنفسهم حماة لها ثم لا يأذنون لها حتى بالتظلم بواسطة المسيرات والتظاهرات والاعتصامات السلمية لأن كل هذا " بدعة منكرة لم يفعلها السلف الصالح " ، وبكائي على العاملين للإسلام الذين صنّفوهم في خانة الارهابيّين والمجرمين وملؤوا بهم المعتقلات وتنادوا على مستوى العالم بإبادتهم لإفشال مشروعهم التحرري ، وبكائي على الأرامل واليتامى والمعوقين الذين تكاثر عددهم في ربوعنا بفعل من عادوا الحق جهارا ورفعوا لواء الباطل عنادا ، وما أغراهم بذلك إلا الثروات الطائلة التي عدُّوها ملكهم الخاص من جهة وحماية النظام الدولي لعروشهم من جهة أخرى.

فلن أبكي الحجاج بن يوسف أبدا ولن أرثيه ، ولا يوجد في الأنام من رثاه ، ولن أرثي يزيد بن معاوية ولا أبا العباس السفاح ولا باشاغا بوعلام ، كما لم يرْثِهم شاعر عربي أصيل، وإنما رثى الشعراءُ الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وأمثالهما من الأحرار المصطفِّين مع قضايا المسلمين العادلة ، الذين اختاروا القرآن حين اختار الآخرون السلطان ، وانا مع القرآن ، مرجعي الكبر ، ضدّ السلطان حين ينحرف ويطغى ويسيء بسلوكه غلى الاسلام والمسلمين ، وأبواقه تقول إنه يحسن صنعا.

عبد العزيز كحيل

المصدر