مأساة الاجئين

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث


مأساة الاجئين


بقلم/ حسن البناالمرشد العام للإخوان المسلمين

مأساة الاجئين

مأسـاة اللاجئين في مواجهة صفقات الاستسلام ومحاولات إغلاق القضية هذه صفحات من تاريخ الإخوان في فلسطين


من معضلات قضية فلسطين الكبرى "مشكلة اللاجئين"، التي بدأت فصولها المأساوية منذ أكثر من نصف قرن بفعل العدوان الصهيوني الهمجي على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرواحهم، ولا تزال فصول هذه المأساة مستمرة حتى الآن، ولا أحد يعرف متى ستنتهي، ولا يبدو من الأفكار المتداولة بين المتفاوضين الفلسطينيين والصهاينة أن ثمة نهاية قريبة لهذه المأساة، بل لا يبدو في الأفق البعيد أنها ستنتهي في يوم ما، مادام المفاوض الفلسطيني من هذا النوع الذي نراه يساهم ـ عن وعي أو بلا وعي ـ في الترويج لمقولة "إن الحقائق التي خلقت على الأرض منذ سنة 1948 م جعلت تنفيذ حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة غير عملي" على حد ما ورد في وثيقة أبو مازن ـ بيلين التي نشرتها الصحف مؤخراً.


في بداية مأساة اللاجئين قبل نصف قرن كان عددهم يقترب من المليون لاجئ، أما الآن فالإحصاءات الرسمية الصادرة عن المنظمات الدولية المعنية بشؤونهم تشير إلى أن عددهم قد بلغ خمسة ملايين لاجئ فلسطيني مشردين في شتى بقاع الأرض، وأغلبهم يعيش في مخيمات مكتظة بهم، وتفتقر إلى الحد الأدنى من المرافق الأساسية اللازمة للحياة الآدمية، ويعانون من ويلات الفقر والجهل والمرض والبطالة، فوق معاناتهم الروحية والنفسية من جراء فراق "الوطن"، والحنين الدائم له، والتطلع الذي لا تبدو له نهاية من أجل العودة إليه.


"حق العودة" إلى أرض الوطن ضمنته قرارات الشرعية الدولية لجميع اللاجئين الذين تضطرهم ظروف الحرب أو الاحتلال إلى الهجرة منه، أو النزوح إلى سواه، ومن هؤلاء اللاجئون الفلسطينيون الذين صدرت بشأنهم القرارات المشتهرة 194 و242 و338، وكلها تؤكد حقهم في العودة إلى ديارهم وبيوتهم وأراضيهم والتعويض عما لحقهم من أضرار تعويضاً عادلاً.


ولكن أليس من الوهم التعلق بأهداب مثل هذه الشرعية الدولية، وبخاصة أن الكيان الصهيوني ضرب بها عرض الحائط، وتسعى أمريكا وهي القوة المهيمنة على القرار الدولي إلى تجاوزها، وإرساء أساس جديد لحل المشكلة يكون ثمرة للمفاوضات بين الفلسطينيين ـ الذين لا حول لهم ولا قوة ـ والصهاينة الذين يحظون بتأييد لا حدود له من الولايات المتحدة والدول الغربية بصفة عامة؟ وهل من المنطق أن تقف "الشرعية الدولية" إلى جانب الفلسطينيين أصحاب الحق والأرض، وهي التي وقفت إلى جانب العدو الصهيوني الذي اغتصب حقوقهم وأرضهم وشرَّدهم خارج ديارهم، وأسبغت على هذا العدو رداء شرعيتها الزائف، عندما اعترفت بكيانهم كدولة في أرض فلسطين؟


لقد تعقدت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بفعل عوامل كثيرة محلية وإقليمية وعربية ودولية، وبعد مرور نصف قرن على بدايتها، أصبحت أكثر تعقيداً بسبب الزيادة الطبيعية في أعداد اللاجئين وأجيالهم التي ولدت في الشتات، وأصبحت حياتهم ـ في جانب كبير منها ـ مرهونة بحالة العلاقات السياسية العربية تتحسن مع تحسنها وتســوء مع حدوث أدنى توتر فيها.


ولسنا بصدد البحث في تاريخ هذه المشكلة، ولا تتبع التطورات التي لحقت بها حتى آلت إلى ما هي عليه الآن، ولكننا فقط نود أن نلفت الانتباه إلى "البعد الغائب" في هذه القضية، وهو المتمثل في غياب أي جهد أهلي أو شعبي منظم تقوم به هيئات أو جمعيات أو منظمات غير حكومية عربية أو إسلامية على نحو فاعل، بحيث لا يُـترك هؤلاء اللاجئـون رهن ما تقرره "الأنروا" ـ منظمة غوث وتشغيل اللاجئين ـ المرهونة هي نفسها بالسياسات الدولية التي تقررها القوى المهيمنة عالمياً والمساندة للعدو الصهيوني.


هذا البعد الغائب تنبه إليه الإخوان المسلمون منذ الأيام الأولى لظهور مشكلة لاجئي فلسطين ومن قبل أن يعلن الصهاينة قيام دولتهم في فلسطين التي اغتصبوها من أهلها بمساندة بريطانيا وعلى مرأى ومسمع من العالم كله.


لقد تكشف للإخوان خلال ثورة فلسطين الكبرى (1936 م ـ 1939 م) وخلال سنوات الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945 م) أن الهجرة المتواصلة لليهود إلى أرض فلسطين هي المقدمة الأولى لتهجير الفلسطينيين من فلسطين إلى خارجها، ولذلك حذَّر الإخوان في حينه من خطورة الهجرة اليهودية، ومما ارتبط بها من تسرب أراضي فلسطين قطعة قطعة إلى أيديهم، وفي المؤتمر الإسلامي الأول الذي انعقد سنة 1937 م، قدَّمالإخوان المسلمون تصورهم لمواجهة هذه المشكلة فاقترحوا إنشاء صندوق عالمي إسلامي أو شركة لشراء أرض فلسطين المستغنى عنها من أصحابها حتى لا تقع في أيدي اليهود، كما طالبوا بإيقاف الهجرة اليهودية القانونية ـ التي كانت تبيحها سلطات الاحتلال الإنجليزي ـ إيقافاً تاماً، وأخذ اليهود المهربين بأقصى الشدة حتى تظل الغالبية في فلسطين عربية.


ولكن ما نادى به الإخوان لم يلق آذاناً صاغية، وسارت الأمور من سيئ إلى أسوأ، وزادت معدلات الهجرة اليهودية وبخاصة بعد أن دخلت أمريكا على الخط مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وما إن حلت سنة 1947 م، وتفاقمت الأعمال الإجرامية للعصابات الصهيونية واليهودية التي وفدت إلى فلسطين حتى ظهر الوجه الآخر للهجرة اليهودية وهو هجرة الفلسطينيين إلى البلدان العربية المحيطة بفلسطين ومنها مصر، هرباً من العدوان وأعمال البطش والإرهاب الصهيوني، ثم زاد لجوء الفلسطينيين بكثافة عقب نشوب حرب 1948 م على النحو المعروف.


والوثيقة التي نعيد نشرها اليوم، تحتوي على رؤية الإخوان المسلمين لتلك القضية في الأيام الأولى من ظهورها، وتسجل المشهد الأول الذي كان عليه لاجئو فلسطين، وموقف الحكومة المصرية ممن وفد منهم إلى الأراضي المصرية، والاقتراحات العملية التي قدَّمها الإخوان المسلمون للإسهام في مواجهة هذه المشكلة وتداعياتها المختلفة. صحيح أن ما قدَّمه الإخوان في تلك الوثيقة قد تجاوزته الأحداث ـ في معظمه ـ ولكن بقي منه مبدأ أساسي لايزال صالحاً للتعاطي مع مشكلة اللاجئين وهو مبدأ اشتراك الهيئات الشعبية والجماعات الأهلية في مواجهة هذه المشكلة، وإقرار مبدأ التعاون بين الجهود الحكومية والجهود الشعبية في هذا المجال، إلى أن يعود جميع اللاجئين إلى وطنهم العزيز "فلسطين"، بعد تحريرها من العدو الصهيوني الغاصب، وبالوثيقة أفكار واقتراحات أخرى جديرة بالنظر والتأمل، والاستفادة منها، مع أخذ متغيرات الواقع الراهن في الاعتبار، وبخاصة فيما يتعلق بالجوانب الاجتماعية، والإنسانية، والجهادية.


الوثيقة المرفقة عبارة عن خطاب وجهه الشيخ حسن البنا باسم الإخوان المسلمين إلى جلال فهيم باشا وزير الشؤون الاجتماعية بمصر آنذاك:


خطاب المرشد العام إلى وزير الشؤون

حضرة صاحب المعالي وزير الشؤون الاجتماعية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(وبعد) فقد كان من نتائج العدوان الصهيوني الغادر على الإخوة الأعزاء من عرب فلسطين أن هاجر آلاف منهم إلى الأوطان العربية المجاورة ومنها مصر. ولقد أعلنت الحكومة المصرية استجابة لعواطف الشعب المصري الكريم، وتقديراً لمشاعره النبيلة نحو أعزائه من أبناء القطر الشقيق، أنها على استعداد لتوفير كل وسائل الراحة لهؤلاء المهاجرين، وألَّفت لهذا الغرض لجنة عليا برئاسة معاليكم، وحصرت في يدها الأمر وأوصت بأن تكون المساعدات الشعبية كلها عن طريقها.


وأول ما نلاحظه أن الحكومة قد أغفلت تمام الإغفال في عضوية اللجنة كل الهيئات والجماعات الشعبية التي كان لها نصيب موفور في العمل لقضية فلسطين كهيئة وادي النيل العليا، والإخوان المسلمين، والشبان المسلمين وغيرها. وكان من المناسب أن تدعى للمشاركة في القيام بهذا الواجب المحتوم في هذا الظرف الذي يتطلب كل القوى ويستلزم بذل كل مجهود.


كما نلاحظ أن الإجراءات التي اتخذت إلى الآن لم تكفل الراحة لهؤلاء المهاجرين الأعزاء حتى في أضيق حدودها ولم توفر لهم كثيراً من ألزم ضروريات الحياة من مأوى صالح وغذاء كاف وأثاث نظيف مناسب، مما كان مثار ألم صارخ من الكثير منهم.


ونذكر على سبيل المثال أن أكثر من ألف مهاجر جاؤوا إلى القنطرة فأفردت لهم الحكومة معسكر الجنود البولنديين، وهو يبعد عن العمران نحو خمس كيلومترات، وليس صالحاً للإقامة ويصعب نقل مواد الغذاء الضرورية إليهم، فضلاً عن وقوعه بجوار معسكر القوات البريطانية تماماً.


ولهذا أبى الكثير من المهاجرين النزول فيه واعتصموا بسيارات الأتوبيس التي نقلتهم إلى مصر كما أن التفكير في نقلهم إلى مكان الكورنتينه بالقنطرة قد أزعج الكثير منهم أشد الإزعاج.


وقياماً بالواجب المفروض علينا نحو هؤلاء المهاجرين الأعزاء، نعرض على معاليكم استعداد المركز العامللإخوان المسلمين بكل شُعبه وفروعه وهيئاته وتشكيلاته، للمساعدة التامة في إغاثتهم والعمل على راحتهم. ويضع بين يدي معاليكم هذه المقترحات:


أولاً : حصر الأسر القادرة على إعانة نفسها بما معها أو بما تستطيع الحصول عليه من مالها وتوفير المساكن المناسبة لهم والإفراج عنهم ليعيشوا أحراراً حتى تزول هذه الغمة.


ثانياً: حصر الأطفال والفتيات والعجائز الذين لا عائل لهن وتوزيع هذه المجموعة على الأسر الصالحة المأمونة لتقوم بكل ما يلزمها، والمركز العام للإخوان المسلمين مستعد لأن يتسلم أي عدد تريده اللجنة من هؤلاء على أن يوزعهم على أسر الإخوان لتقوم بالواجب لهم من مأوى وغذاء وكساء، وتربية وتعليم، حتى يأذن الله بالنصر. وعلى أن يوافي اللجنة بتقارير مستوفاة عن حالتهم كلما أرادت ذلك.


ثالثاً: التفكير في مأوى صالح للسكنى المريحة كثكنات قصر النيل مثلاً للأسر التي لا تستطيع أن تعيش على نفقة نفسها على أن يكون لكل أسرة مسكنها الخاص ضمن المعسكر العام، وعلى أن يمنع الاختلاط بين الرجال والنساء في الطعام وما إليه.


رابعاً: حصر الشبان الأصحاء القادرين على العمل، وتدريبهم تدريباً عسكرياً وتسليحهم تسليحاً وافياً وإرسالهم إلى الجبهـة للقتال في سبيل عروبة فلسطين المقدسة.


خامساً: الاشتراك مع الهلال الأحمر ومع الهيئة العربية العليا ومع اللجان الفرعية الفلسطينية عن طريق هذه الهيئة للتفكير في إعداد مهاجر صالحة داخل حدود فلسطين ينقل إليها المهاجرون المنتظر قدومهم إلى مصر، وينقل إليها من يستطيع العودة من المهاجرين الحاليين.


سادساً: المساهمة في نقل العاجزين عن الهجرة من الشيوخ والأطفال والنساء والولدان والفقراء الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً وهم عرضة للقتل والتعذيب والفناء بأيدي الصهيونيين في المواضع الشديدة الخطر كيافا ونحوها ـ وذلك بالاتفاق مع شركات البواخر المصرية على ذلك، ودفع قيمة النقل كاملة أو مخفضة إليها من الاكتتابات الشعبية أو الرسمية إنقاذاً لحياتهم من الإعدام المحقق.


هذه يا صاحب المعالي بعض المقترحات نضعها بين يديكم ونحن على أتم استعداد للمساهمة في معاونة اللجنة وإغاثة هؤلاء المهاجرين الأعزاء بكل ما ترون من وسائل.=>

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته