من حسن البنا إلى الإخوان الجامعيين
موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمين (إخوان ويكي)

سألني محرر صحيفة الإخوان المسلمين الفاضل عما أريد أن أوجهه إلى الجامعة والجامعيين في هذه الآونة الدقيقة من تاريخ الوطن العزيز.
ومن أولى من الجامعيين بأن يوجه إليهم القول فى هذه اللحظات، وقد اكتملت فيهم وسائل العمل والأمل معًا فهم شباب،والشباب شعلة الحماسة، وهم مثقفون، والثقافة مصباح السائر فى طريق الكفاح، وهم مؤمنون، والإيمان عدة المجاهدين، وهم بعد ذلك كله أطهار متجردون من الأنانية والأثرة القاتلة، فإلى أبنائنا وإخواننا وشبابنا العالى فى الجامعات نوجه القول.
يا شباب:
عليكم أن تذكروا دائمًا أن هذه اللحظات لحظات حاسمة فى تاريخ وطنكم وبلادكم سيتقرر فيها مصير هذه الشعوب المجيدة إلى مدى بعيد لا يعلمه إلا الله، وإذا أفلتت الفرصة ولم تنتهز كانت غصة وحسرة تورث الندم حيث لا ينفع الندم، فلنضع دائمًا نصب أعيننا هذا المعنى، ولنتصور أن الدول المنتصرة قد نصبت من نفسها قضاة يحكمون فى مصائر الأمم والشعوب، وضنوا على هذه الشعوب والأمم حتى بأن تقول كلمتها أمام المحكمة التى لم يوكلها أحد ولن يرضى أحد حكمها ما لم يكن منصفًا عادلاً، وهى مؤتمر الصلح الذى يشيرون إليه، وعليكم أن تذكروا كذلك أن الحقوق فى التاريخ كله تأخذ ولا تعطى، وإن حريات الأمم واستقلال الشعوب لن يكون أبدًا صدقة من شعب على شعب وإنما هو جوهرة غالية عزيزة تطلب بالجهاد الطويل والعمل المتواصل, وها قد رأيت أن الأمم المنتصرة نسيت وعودها السابقة إبان المحنة، وتنكرت لمواثيقها التى أعلنتها فى الناس، واستخدمت فى هذا الإعلان كل وسائل الإذاعة، وأغفلت تمامًا هذه المبادئ السامية التى بشرت بها.
أكدت أنها ستتخذها قاعدة وأساسًا للعالم الجديد والنظام الجديد، وأسهبت فى مشروع الأخوة العالمية والكرامة الإنسانية واحترام الحقوق وسيادة العدالة والإنصاف وكفالة الحريات الأربع وغير الأربع إلى آخر الألفاظ التى ما لبثت أن تبخرت حين وضعت الحرب أوزارها، فعلينا إذن أن نعتمد على أنفسنا وعلى جهودنا وحدنا والله معنا وهو حسبنا ونعم الوكيل ونعم المولى ونعم النصير.
وعليكم أن تذكروا كذلك أنه لا يمكن أن يصبر شعب كريم مهما اعتاد الصبر والاحتمال على ما نحن عليه من فساد فى أوضاع، وضنك فى الحياة، وحرمان من الحقوق الطبيعية، واستئثار من غيرنا بخيرات بلادنا وثمرات كدنا وجهودنا.
وإذا كان الأمر كذلك فعليكم أن تحددوا أهدافكم وهى واضحة بينة حقة عادلة لا تحتمل جدلاً ولا مساومة. أهدافكم يا شباب، أن تتحرر بلادكم من هذا النير الأجنبى، وأن تستقل فى إدارة شئونها، وأن تتوحد كذلك وتعترف لها الدول بهذه الوحدة الطبيعية، ولنا عدة وحدات كل منها سبيل إلى الأخرى، فوحدة وادى النيل أول ما نلتفت إليه نحن المصريين وما لم ننجح فى تدعيم هذه الوحدة فنحن عن تدعيم سواها أعجز والجامعة العربية فى وضعها الصحيح الذى يجعلها جامعة حقيقية تضم كل عربى على وجه الأرض فى المشرق والمغرب، وتستطيع أن تقول كلمتها فيحترم هذه الكلمة العرب وغير العرب, هذه الجامعة العربية من واجبنا أن نعمل على تقويتها وتدعيمها، ومن حقنا أن يعترف الناس بها وأن يقدروها قدرها، وأن يؤمنوا بأنها حين تقوى وتعتز ستكون من أقوى دعائم السلام العالمى وبخاصة فى هذا الشرق كله، والجامعة الإسلامية أمل من آمالنا نرجو أن يتحقق قريبًا إن شاء الله، وإن أولئك الذين يرهبون الجامعة الإسلامية ويخشونها من غير المسلمين لواهمون، فيوم تحقق هذه الجامعة سيكون تحقيقها أفعل ضمان فى المحافظة على السلم وأوضح ضوء يلقى على المبادئ الإنسانية العليا التى ظلت مطمورة حينًا من الدهر فى زوايا النفوس المادية التى أظلمت بالطامع وقست بالشهوات، وسيكون تحقيقها إيذانًا بالعدالة مع الصديق والعدو على السواء، فالإسلام لا يعرف إلا الوفاء والعدالة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾[المائدة: 8].
تلك أهدافكم يا رجال الغد وعدة الوطن وأمل المستقبل حدودها، ثم جاهدوا فى سبيلها بالعلم والعمل والكفاح والأمل ولا تيأسوا من روح الله، فاليأس قرين الكفر ولا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس.
﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾[البقرة: 143].
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرونَ﴾[القصص: 5-6].
توجيهات
أيها الإخوان الأعزة .. يا شباب العرب والإسلام، أمور ثلاثة يجب أن تؤمنوا بها أعمق الإيمان:
- آمنوا بالرسالة العليا التى اختار الله لها أجدادكم وآبائكم من قبل, واختاركم لها اليوم... رسالة المثل الإنسانية العليا التى تقررت نظريًا فى القرآن الكريم, وعمليًا فى سيرة النبى صلى الله عليه وسلم، وتعلموا هذه المثل جيدًا, وطبقوها فى حياتكم اليومية والعملية أفرادًا وجماعات.
- وآمنوا بالأرض المجيدة العزيزة التى اختارها الله مواطن لكم, وجعلها مشرق شموس الرسالات, ومطلع أنوار الفلسفات, ومستقر الحضارات والمدنيات، فباركها بذلك وبارك ما حولها، فاعتزوا بأوطانكم, وادرسوا أمجادها, واعملوا على أن تعيش سعيدة بالحرية, ممتعة بالاستقلال.
- وآمنوا بأنفسكم ومقدرتكم, بتأييد الله، ومعونته لكم على تحقيق هذه الغايات, والوصول إلى هذه الأهداف. والله معكم ولن يتركم أعمالكم.
واشعروا شعورًا قويًا بأن هذه الخواطر تتجاوب فى نفوس سبعين مليونا من إخوانكم يؤمنون بما تؤمنون به, ويعملون لما تعملون له ولن يغلب هذا العدد من قلة.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾[يوسف: 21]
والله أكبر ولله الحمد
المراجع
1- مجلة الإخوان المسلمون، العدد (93)، السنة الرابعة، 8 ربيع الثانى 1365ه- 12 مارس 1946م، ص(2).
2- مجلة الإخوان المسلمون، العدد (85)، السنة الرابعة، 8 صفر 1365ه- 12 يناير 1946م، ص(3).