هل كان الإخوان يوما ما دولة داخل الدولة؟
شبهات وردود
رغم ما يوجهه عالمنا العربي والإسلامي من خذلان حكامه وانبطاحهم أمام الحكومات الغربية والصهيونية من أجل فقط الاحتفاظ بعروشهم أكبر فترة ممكنة في السلطة حتى لو أبادوا شعوبا أو خربوا بلادا فهو عندهم أهون من أن يتزحزحوا من فوق كراسيهم.
ولذا يواجهون كل من يعارضهم ويعارض أفعالهم بكل قوة بل وبكل قسوة لا فرق عندهم إن شوهوا صورة ذلك أو قتلوا ذلك أو حبسوا ذاك.
وهذا هو واقعنا المرير الذي يحياه العالم الإسلامي خاصة والعالم الإنساني عامة، وما يحدث لأهل غزة من قبل حكومة صهيونية فاشية خير دليل على خذلان الحكومات العربية والإسلامية للشعب الفلسطيني وفضيته بل إن بعض الحكومات العربية تساند وتشجع الحكومة الصهونية على قتل الفلسطينيين وتهجيرهم وانهاء القضية الفلسطينية.
وفي الوقت التي تتخاذل فيه هذه الحكومات تسعى أيضا لتشويه كل من يعارض خذلانها وسياستها فتسمح لكل ناعق لديها بتشوية صورة المقاومة، أو الحركات الإسلامية، أو المعارضة المدنية، أو حتى بعض العسكريين الذين يعارضونهم.
وتحظى جماعة الإخوان المسلمين بشتى فروعها في العالم بنصيب الأسد من حملات التشوية والاضطهاد ومحاولة القضاء عليها وإخفات صوتها.
فتارة يتهمونها بالإرهاب ... وتارة أخرى بالعمالة... وغيرها وغيرها.
الإخوان وقيام إسرائيل
ومن ضمن هذه الشبهات التي نعق بها البعض محاولة اتهام الإخوان أنهم كانوا سببا في قيام دولة صهيونية على أرض فلسطينية ومن هؤلاء الذين نعقوا بهذا الأمر رشيد الخيون، الكاتب والمفكر العراقي (المتخصص في شؤون التراث الإسلامي) الي زعم (أن مسؤولية وجود إسرائيل ليس محسوباً على القادة والسياسيين العرب فقط، بل أيضا بسبب الإسلام السياسي والذي يمثله الإخوان المسلمون).
الغريب أن المصادر التاريخية اليهودية، حسب كتاب «يهود مصر في القرن العشرين - كيف عاشوا ولماذا خرجوا» للدكتور محمد أبو الغار، أنه من مجموع نحو 75 ألف يهودي كانوا يعيشون في مصر في الثلاثينات والأربعينات هاجر 20 ألفاً بعد عام 1948 ثم من 40 - 50 ألفاً بعد حرب السويس في 1956، وكانت قرارات التأميم في عامي 1961 و1962 هي الضربة التي أخرجت آلافاً عدة أخرى، وبعد حرب 1967 غادر من تبقى.
ومن هنا، يجزم الدكتور أبو الغار أن قيام دولة إسرائيل لم يكن السبب الرئيسي في خروج اليهود من مصر، حيث لم يغادر سوى 20 في المائة فقط منهم البلاد في الفترة من 1946 حتى 1956.
كان هذا نتاجُ تغيّرٍ في السياسة لصالح الهجرة الجماعية التي تركّز على اليهود من الدول العربية والإسلامية (خطة المليون). تجهّزَت الحكومة الإسرائيلية لاستيعاب 600,000 مهاجر على مدار أربع سنواتٍ، ما ضاعف عدد السكان اليهود الموجودين، والذي لاقى ردودَ فعلٍ مُتباينةٍ في الكنيست، فقد كانت هناك معارضة من داخل الوكالة اليهودية والحكومة للترويج لحركة هجرة واسعة النطاق بين اليهود الذين لم تتعرّض حياتهم للخطر.
بل يذكر أحمد محمد غنيم وأحمد أبو كف في كتابه (اليهود والحركة الصهوينية في مصر 897- 1947): أن الحرك الصهيونية كانت وراء النزوح الجماعي لليهود بسبب أعمال العنف التي مارستها في البلاد العربية لتدفع اليهود للهجرة إلى فلسطين والذين لم يكن لديهم الرغبة في النزوح فجاءت موجات العنف لتقذف الرعب في قلوبهم وتدفعهم للهجرة.
هل الإخوان المسلمون دولة داخل الدولة؟
حاول البعض أن يشيطن الإخوان باتهامهم أنهم يشكلون دولة داخل الدولة التي يتواجدون فيها، وهذه اتهامات محض افتراء لا أساس بها وثبت أنهم أكثر وطنية ممن يتشدقون بهذه الاتهامات.
ففي حوار مع الإمام البنا لصحيفة نداء الوطن، حيث تحدث المجلة عن هذا اللقاء بقولها:
ما إن بلغنا عودة الأستاذ حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين من رحلته الشاقة الطويلة فى سائر أنحاء الصعيد حتى أرسلنا مندوبنا ومصورنا إلى المركز العام للإخوان بالحلمية الجديدة، حيث فاجأنا فضيلته وهو جالس فى غرفته بالدور الأول يستقبل وفود الزوار والمهنئين بسلامة الوصول، وكان يرتدى ثيابًا عربية جميلة فبادر مصورنا إلى تسجيل صورته بها فى الحال، وبذلك انفردت نداء الوطن بنشر أول صورة للمرشد العام فى هذه الثياب.
هنأنا فضيلته بسلامة الوصول، ثم دار بيننا حديث متقطع تخللته التحايا المتبادلة بين الأستاذ البنا وبين زائريه من حين لآخر، حتى لقد كان الأستاذ السكرى يجيب بالنيابة عن جماعة الإخوان على بعض الأسئلة عند انهماك المرشد العام مع الوفود.
سألنا فضيلته: اليوم وقد عدتم فضيلتكم من رحلتكم إلى الصعيد ماذا لمستم من شعور الأهالي، وهل ترون هذا الشعور مبشرًا بالخير؟
فأجاب فضيلته مخاطبًا جميع الزوار فى نفس الوقت: نعم لقد كان شعور الإقبال طيبًا يبشر بالخير، وقد بدت الأمة أينما سرنا مسلمة عن إيمان خالص، وبعد أن كانت الدعوة الإسلامية تقابل بفتور -بل وتعد تأخرًا فى نظر البعض- أصبحت الجماهير تتلقفها بحماسة بالغة بعد أن تخلصت من مركب النقص، ولم تعد تنساق كالعمياء فى ركاب الغربيين.
وهنا سألت فضيلته فى شبه همس:
أو لم يحدث حوادث مماثلة لذلك الذى وقع فى بور سعيد؟
لا. وكان شعور الجميع طيبًا فى كل مكان.
ولماذا انفردت بور سعيد بهذا الحادث؟
هو سوء تصرف من بعض رجال الإدارة فى المدينة.
وهنا أفاض الأستاذ فى ذكر بعض التفصيلات التى ليست للنشر بطبيعة الحال.
نريد أن نعرف شيئًا عن أسباب النزاع الحالي بين الوفد والإخوان؟
سل الوفد عن هذا! لماذا تسألنا نحن؟!
لقد قال الوفد فى صحفه الكثير ونريد أن نسمع من فضيلتكم شيئًا، نريد أن نعرف ما إذا كان هذا النزاع بفعل دسائس بعض العناصر الدخيلة أم لأسباب أخرى؟
أتريد الجواب؟
لو سمح وقتكم بهذا.
وهنا تدخل الأستاذ السكرى بناء على إشارة خفيفة من المرشد العام وتكلم بالنيابة عن الإخوان فقال:
نحن لا ندرى سببًا لاختلاف الوفد معنا، فالإخوان بطبيعتهم قوم مسالمون لا يسيئون إلى أحد ولا يعتدون على إنسان. ولكم نادوا -وما برحوا ينادون- بأن نجاح الأمة لن يكون إلا بالتكتل والاتحاد، فلا يعقل أن يعملوا من جانبهم على إثارة خلاف أو فرقة، وهذا الخلاف الذى تسأل عنه بدا من الجانب الآخر، وقد وقع بكل أسف فى وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى تناسى الأحقاد، ولا يغيب عن الذهن أن العدو يعمل جاهدًا للتفرقة بين عنصرى الأمة جميعًا، وكل من يساعده على ذلك يضحى بمصلحة الوطن.
ثم انتقلنا إلى حديث المستوصفات والمتاجر والمصانع ومختلف المؤسسات التى أنشأها الإخوان فقلت متسائلاً:
هل أفهم من هذا أن الإخوان ينظمون أنفسهم كجماعة مستقلة تستطيع أن تعيش كدولة داخل الدولة، وتنمو باطراد حتى تحيط بأطراف البلاد!
وهنا قال الأستاذ البنا: قلنا أكثر من مرة: إن الإسلام فى تشريعه ونظامه يتناول كافة نواحي المجتمع سواء الاقتصادية منها أم الاجتماعية أم السياسية. والإخوان حينما يقومون بدراساتهم المنوعة فى كل من هذه النواحي لا يدرسون لمجرد الدراسة العلمية، وإنما ليطبقوها فى محيطهم، وليكون نشاطهم دليلاً عمليًّا على سمو رسالتهم، وعلى كفاية النظام الإسلامي لحاجات الدولة الحديثة. ونرجو أن ينجح الإخوان عن قريب فى تطبيق كافة النواحي حتى يتم بناء مصر الإسلامية القوية الجديدة على أساس أفضل المبادئ وأعدل الأوضاع.
وما موقف الجماعة من بقية الأحزاب الأخرى؟
قامت الجمعية لنشر روح الإسلام وتعاليمه بعد أن بعدت الشقة بيننا وبين العهد الأول للإسلام، وبعدما بلبلت الحضارة الغربية أفكار الناس، فكان طبيعيًّا أن تجد الجمعية إقبالاً من جميع الناس على اختلاف مذاهبهم السياسية، ولما كانت السياسة عندنا وسيلة لا غاية كان من الطبيعي أن ينضوى تحت لواء الجمعية أعضاء من جميع الأحزاب يعيشون معا داخل جدران الجمعية فى وئام وسلام، ويعملون فى الخارج، كل بوسيلته لنشر مبادئها وهى مبادئ الإسلام.
المصدر:
نداء الوطن، العدد 4، 5 رمضان 1365 – 2/8/ 1946، صـ7.