حسن البنا وجمعية الشبان المسلمين
مقدمة
نشأت كثير من المؤسسات الدينية خلال القرن العشرين والتي كان لها إسهامتها في الأحداث السياسية، وإحداث تغيرات في الحياة الاجتماعية والثقافية في مصر، حيث كان على رأسها كثير من العظماء الين كانوا يعتبرون شامة في هذا العصر.
ومن هذه المؤسسات جمعية الشبان المسلمين التي رأسها في بداية نشأتها الدكتور عبدالحميد سعيد ثم خلفه الشيخ محب الدين الخطيب، إلا أنها ومنذ استولى العسكر على مصر قد سلموا رأستها لأعوانهم الذين حادوا عن منهجها وأهداقها، وكان اخرهم أحمد الفضالي أحد رجالات الحزب الوطني والذي شارك في قتل الشباب في ثورة 25 يناير، ثم أصبح أحد رجالات العسكر في عهد السيسي.
نشأة جمعية الشبان المسلمين
جمعية الشبان المسلمين جمعية اجتماعية تأسست بمدينة القاهرة عام 1346 هـ - 1927م تهدف إلي تنمية الشباب المسلم في مجالات الفكر والثقافة والرياضة عن طريق عمل الندوات والمعسكرات. تولى رأستها في البداية الدكتور عبدالحميد سعيد ثم خلفه الأستاذ محمد صالح حرب بعد وفاته عام 1940م.
لماذا تكونت الشبان المسلمين؟
صاحب دخول المستعمر البريطاني مصر عام 1882م انتشار موجات التبشير والتنصير، والحرب على المرأة المسلمة، واستغلال بعض الحركات الدينية (كالصوفية) في تخدير مشاعر المسلمين لصالح المستعمر الغربي، وهو ما جعل العديد من علماء ومصلحي مصر ينتفضون لصد هذه الحملات، حتى تكلل سعيهم بإنشاء جمعية الشبان المسلمين لتكون بمثابة نادي يتجمع فيه الشبان المسلم ويعرفوا من خلاله دينهم بعيدا عن النوداي التي انتشر المبشرين فيها يفتنون الشباب والشابات في دينهم.
لقد تأسست جمعية الشبان المسلمين، ردّاً على موجة الإلحاد الّتي كانت تهدد البلاد العربيّة والإسلاميّة عامّة، ومصر خاصّة، بعد انهيار السلطنة العثمانيّة، وشيوع الأفكار الّتي تنادي بالاقتداء بالغرب، واللحاق بركب الحضارة الغربيّة.
فكتب محب الدين الخطيب عن ذلك فقال:
- " كان أحمد تيمور باشا هو الوجه المصري الأوّل، الّذي شعر بالخطر الأعظم على مصر، والوطن العربيّ والعالم الإسلاميّ، وأشفق من أن يتمّ فيه - ولو بالتّدريج - ما تمّ في تركيا، وكان لا ينقطع عن زيارة المطبعة السّلفيّة يوميّاً إلّا لمرض أو سفر ... فانعقدت فيها اجتماعات، حضرها أحمد تيمور باشا وعبد الرحمن قراعة، ومحمد الخضر حسين، وعلي جلال الحسيني، ونحو عشرة آخرين من هذه الطّبقة، تذاكروا موجة الإلحاد القويّة الّتي طغت على العالم الإسلاميّ وهو على غير استعداد لدفعها، لأنّ أمره ليس في يده، وانتهت هذه الإجتماعات بتقرير تأليف جمعيّة لمقاومة الإلحاد، والتّعاون على ذلك.
- وحينئذٍ فكرّنا في تأسيس جمعية الشبان المسلمين ،.. وقد استعنّا على النّجاح في تأسيسها باثني عشر شابّاً (ومن هؤلاء الشّباب: محمود محمد شاكر، عبد المنعم خلاف، عبد السّلام هارون، محمود الخضيري، كمال اللبان، عبد الفتاح كرشاه، وغيرهم) فانتشروا في الكليّات والمدارس والوزارات والأندية، وفي كلّ مكان. وبعد أن صار للجمعيّة ثلاثمائة عضو يليقون بها، وتليق بهم. أُعلن للمرّة الأولى في الصّحف عن تأسيس الجمعيّة، عقب انتخاب مجلس إدارتها الأوّل، يوم غرّة جمادى الآخرة 1346/ 25 نوفمبر 1927م"
تأسست جمعية الشبان المسلمين في نوفمبر من عام 1927م، ردّاً على موجة الإلحاد الّتي كانت تهدد البلاد العربيّة والإسلاميّة عامّة، ومصر خاصّة، بعد انهيار السلطنة العثمانيّة، وشيوع الأفكار الّتي تنادي بالاقتداء بالغرب، واللحاق بركب الحضارة الغربيّة.
كان صاحب الفكرة هو الشيخ محب الدين الخطيب الذي كان يزور جمعية الشبان المسيحيين بمصر فأعجب بالفكرة وقال لماذا لا يكون للشباب المسلم جمعية، ولذا سعى لتشكيلها. وبالفعل انعقدت الجمعيّة العموميّة، يوم الجمعة منتصف شهر جمادى الثّانية (من عام 1346هـ) الموافق 10 ديسمبر 1927م وجرى انتخاب مجلس الإدارة، واختير الدكتور عبدالحميد سعيد رئيسا لها، والأستاذ الشّيخ عبد العزيز جاويش وكيل رئيس، وأحمد تيمور باشا أميناً للصندوق، ومحب الدين الخطيب كاتماً للسرّ العام.
وأصدرت الجمعيّة مجلّة خاصّة بها، كانت تهتمّ بأمور المسلمين في كلّ البلاد الإسلاميّة، وتنبّه إلى ما يجري من وراء الظّهور من أعمال التّغريبيين والمبشّرين، وتحاول أن تستحثّ النّفوس والهمم على خدمة الدّين، والعودة إلى مصادره الأولى، والأخذ بها لإصلاح ما فسد من الأخلاق الّتي هي عماد الأمم وتقدّمها. وصدر العدد الأوّل منها في جمادى الأوّل سنة 1348 الموافق أكتوبر سنة 1929م.
الإمام البنا وجمعية الشبان المسلمين
منذ أن كان الإمام حسن البنا طالبا في كلية دار العلوم وهو يسعى لمعرفة العلماء والتعاون معهم من أجل نشر المفاهيم الصحيحة للدين الإسلامي، والتصدي لموجات التغريب، وقد لازم العلماء مثل الشيخ يوسف الدجوي وغيره، وأخذ يلح عليهم بالتصدي لحملات التنصير والالجاد التي انتشرت في مصر، حتى تشكلت لجنة بالفعل لاصدار صحيفة إسلامية كانت صحيفة الفتح.
وحينما تخرج البنا واستلم عمله في مدينة الإسلامية، استمر جهود العلماء حتى كونوا جمعية الشبان المسلمين والتي سارع البنا بدعمها وأرسل طلب عضوية لها من الإسماعيلية.
حيث يقول في مذكراته:
- وكم كنت سعيدا فرحا أشد الفرح حينما قرأت في الجرائد صباح يوم من الأيام نبأ الاجتماع الأول لتكوين جمعية الشبان المسلمين - وفقها الله - واختيار المرحوم عبد الحميد بك سعيد رئيساً لها على أثر مجهودات هؤلاء الإخوة من الشباب المؤمن، وأذكر أنني كتبت تواً إلى عبد الحميد بك سعيد معلنا اشتراكي بالجمعية، وواظبت على دفع الاشتراك
- وتابعت خطواتها، وما طرأ عليها من تطورات وحوادث بكل اهتمام، وألقيت أول محاضرة هامة لي في القاهرة في ناديها بشارع مجلس النواب، وأظنها كانت بعنوان "بين حضارتين" وقد كنت، ولا زلت أكن لرجالها المؤسسين والعاملين فيها كل تقدير لجهودهم الإسلامية القيمة، ولا زلت أذكر منهم الدكتور يحيى الدرديرى، والأستاذ محمود علي فضلي، والأستاذ محمد الغمراوي، والسيد محب الدين الخطيب وغيرهم.
بل حينما سعى الدكتور حافظ وهبة (مستشار الملك عبدالعزيز آل سعود) لجلب مدرسين من مصر للعمل في السعودية، اتصل بجمعية الشبان المسلمين والتي رشحت الأستاذ حسن البنا لهذه المهمة. وبعدما كون الإمام البنا جماعة الإخوان المسلمين ظل على علاقته بجمعية الشبان المسلمين وأعضائها وزعمائها، وكان يعتبر هو والإخوان أن الجمعيتين يكملان بعضهما في العمل للإسلام.
وكان الإمام الشهيد حريصًا في كل وقتٍ على الاتفاق مع الشبان المسلمين في كثيرٍ من الأعمال والآراء، وأوضح ذلك في رسالة المؤتمر الخامس فقال:
- "كثيرًا ما يرد على أذهان الناس هذا السؤال: ما الفرق بين جماعة الإخوان وجماعة الشبان؟ ولماذا لا تكونان هيئة واحدة تعملان على منهاج واحد؟. وأحب قبل الجواب على هذا السؤال أن أؤكد للذين يسرهم وحدة الجهود وتعاون العاملين أن الإخوان والشبان، وبخاصةٍ هنا في القاهرة، لا يشعرون بأنهم في ميدان منافسة، ولكن في ميدان تعاون قوي وثيق، وأن كثيرًا من القضايا الإسلامية العامة يظهر فيها الإخوان والشبان شيئًا واحدًا وجماعة واحدة؛
- إذ إن الغاية العامة مشتركة، وهي العمل لما فيه إعزاز الإسلام وإسعاد المسلمين، وإنما تقع فروق يسيرة في أسلوب الدعوة وفي خطة القائمين بها وتوجيه جهودهم في كلتا الجماعتين، وإن الوقت الذي ستظهر فيه الجماعات الإسلامية كلها جبهةً موحدةً غير بعيد على ما أعتقد، والزمن كفيل بتحقيق ذلك إن شاء الله.
- كما اتفقت الجمعيتان على العمل معًا لمساعدة شعب فلسطين في محنته مع الصهاينة والمحتل البريطاني؛ فاشترك الإمام الشهيد بصفته رئيس الهيئة المركزية للإخوان المسلمين لمساعدة فلسطين، واشترك مع الشبان المسلمين في تكوين هيئة عليا من الشبان والإخوان لمساعدة فلسطين، وقد ورد ذلك في جريدة الإخوان المسلمين.
- وفي ذكرى الهجرة سنة 1348 أقامت جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة حفلاً جامعاً كان من خطبائه كثير من الفضلاء منهم الأستاذ حسن البنا. ظل حسن البنا (رغم مشاغله) لا ينقطع عن جمعية الشبان المسلمين سواء زائرا أو محاضرا أو ضيفا حتى كانت نهاية حياته على اعتاب جمعية الشبان المسلمين.
بداية ونهاية
كان جمعية الشبان المسلمين تعتبر بداية العمل المؤسسي للأستاذ حسن البنا حيث انتسب لها قبل تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، وهي أيضا التي شهدت أخر دقائق من حياة حسن البنا. فحينما حل الحاكم العسكري النقراشي باشا جماعة الإخوان المسلمين، كانت جمعية الشبان المسلمين وجهة الإمام البنا دائما، حتى أنهم خصصوا غرفة له بمكتب خاص.
كما استنكر اللواء صالح حرب (رئيس جمعية الشبان المسلمين) قرار حل الإخوان المسلمين، وكتب يقول:
- لم يجازف الإنجليز بحل الوفد المصري رغم اتهام بعض أعضائه باغتيال السردار السير لي ستاك باشا حاكم السودان والحكم عليهم بالإعدام ورغم حوادث الاغتيال المتعددة التي نسبها الإنجليز للوفد المصري واعتُقل بسببها مكرم عبيد والدكتور أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي وإبراهيم عبد الهادي وغيرهم، على الرغم من ذلك كله.. فقد بقى الوفد المصري ولم يُحَلّ ولكن السعديين المصريين حلوا جمعية الإخوان.
ولم تُنشَر كلمات صالح حرب إلا في 19 من نوفمبر عام 1949م في جريدة (الكتلة) بعد استقالة إبراهيم عبد الهادي وتولي حسين سري باشا رئاسة الوزراء. وفي يوم 12 فبراير 1949م وصله هاتف لاجراء مقابلة مندوب رئيس الوزراء من أجل إيجاد حل لقرار حل جامعة الإخوان المسلمين، فصحب الأستاذ البنا صهره عبدالحكيم منصور المحامي واتجهوا لدار الشبان المسلمين والتي صلى فيها الإمام البنا العشاء بالناس إماما، وحينما تأخر مندوب رئيس الوزراء
استأذن الإمام البنا وصهره من الأستاذ محمد الليثي سكرتير جمعية الشبان المسلمين، وحينما خرجوا وجدوا أن أنوار شارع الملكة نازلي قد أطفأت، وحركة المرور قد تغييرت، إلا من تاكسي واحد وما أن ركبوه حتى انهمرت عليهما الرصاصات من كل اتجاه، والتي سجلت أخر لحظات الإمام حسن البنا أمام أبواب جمعية الشبان المسلمين.
المصادر
- محب الدين الخطيب: "ذكريات شاهد عيان" ، مجلة الفتح، العدد 861 (ذو القعدة 1367هـ)، صـ265.
- رغداء زيدان: جمعية الشبان المسلمين وجمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين، إخوان ويكي
- حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2002م.
- محسن محمد: من قتل حسن البنا، طـ1 دار الشروق، القاهرة، 1987م.