الإمام حسن البنا
تقديم
تقديم الأستاذ محمد مهدي عاكف
1429هـ - 2008م
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) البقرة – 143.
على امتداد العالم الإسلامي, وفي مواطن الأقليات خارج العالم الإسلامي, إذا نظر الباحث المنصف إلى ظواهر البعث والإحياء والنهضة والتجديد والإصلاح ومشروعاتها الحضارية فلن يجد خلافا بين الباحثين ولا بين حركات الصحوة الإسلامية المعاصرة على ريادة وإمامة الإمام الشهيد حسن البنا بالنسبة لهذه الظاهرة الكبرى التي تمثل أمل المسلمين في النهضة، ففي غمرة أحداث جسام هزت كيان الأمة المسلمة وزلزلت وجدان المسلمين تمثلت في إلغاء الخلافة الإسلامية التي مثلت حصن الأمة المنيع علي امتداد تاريخها. وكانـت كلمـة وا إسلاماه هي كلمة السر التي تنادي بها الأمة وتتداعي إليها عقولها وقلوبها - خاصتها وجماهيرها، كان هذا هو قانون التحدي على مر تاريخ الإسلام والمسلمين.. ولقد عاد ليعمل عندما عمت البلوى أثناء الحرب العالمية الأولى.. ففي أعقابها اجتمع صفوة علماء الإسلام ومفكريه بالقاهرة وأسسوا جمعية الشبان المسلمين، وسط هذه الأجواء كان حسن البنا (ابن العشرين عاماً) مع ثلاثة من رفاقه يبكون على الخلافة وضياعها، والحال الذي وصلت إليه الأمة المسلمة مع التفكير فيما يجب عمله لإنقاذ الأمة من هذا المنحدر الخطير الذي سقطت فيه، وعن هذه الحالة النفسية التي عاشها الفتى, حدثنا فقال:
(وليس يعلم إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها ونحلل العلل والأدواء، ونفكر في علاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلي حد البكاء! وكم كنا نعجب إذ نرى أنفسنا في مثل هذه المشغلة النفسانية العنيفة، والخليون هاجعون يتسكعون بين المقاهي ويترددون علي أندية الفساد والإتلاف).
ثم يمضي للإشارة إلى (القرار التاريخي) الذي اتخذه هو ورفاقه الثلاثة في (اللحظة التاريخية) فيقول: (ولقد ألهبت هذه الحوادث نفسي وأهاجت كوامن الشجن في قلبي ولفتت نظري إلي وجوب الجد والعمل وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه والتأسيس بعد التدريس) هكذا كانت 1347هـ - 1928م هي سنة اللحظة التاريخية التي مثلت (التطور النوعي) لإنجاز الشيخ حسن البنا في سياق تطور المشروع الإسلامي للنهضة الحضارية وتجديد دنيا المسلمين بتجديد دين الإسلام.. (اللحظة التاريخية) التي أدرك فيها الرجل (الملهم المبارك) أن تصاعد التحديات.. وثغرات الاختراق.. وعموم البلوى، إنما تتطلب الانتقال بالقضية من إطار الصفوة والنخبة - الذي كانت عليه منذ (العروة الوثقى) وحتى (الشبان المسلمين) – إلى الدائرة التي تشترك فيها (الأمة) مع (النخبة) وإلي المستوى الذي تسهم فيه (الجماهير) مع (الصفوة) في مواجهة التحديات.. فكان الإنجاز التاريخي لحسن البنا في سياق الإحياء الإسلامي هو الانتقال (بأسس المشروع الحضاري) و(مناهج التجديد لدين الأمة ودنياها) إلي (معالم) أشد وضوحا وأكثر تفصيلا، وأقرب إلي التنزيل علي الواقع الذي استجد، والمتغيرات التي حدثت في موازين التحديات..
تلك هي (اللحظة التاريخية) التي بزغ فيها فجر التجديد لحسن البنا وذلك هو (التطور النوعي) و(الإضافة الكيفية) لإنجازه في السياق التاريخي لحركة الإحياء الإسلامي الحديث وتلك هي بصمته المتميزة في ظاهرة الصحوة الإسلامية المعاصرة. كان الرجل واعيا بحقيقة سنة التدرج والمرحلية في هذا المشروع الإسلامي وانطلاقا من هذا الوعي تحدث إلى (المتعجلين) الذين يريدون (حرق المراحل) فقال:
(أيها الإخوان المسلمون وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم - اسمعوا مني كلمة داوية.. إن طريقكم هذا مرسومة خطواته، موضوعة حدوده ولست مخالفا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول.. أجل قد تكون طريقا طويلة ولكن ليس هناك غيرها.. إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الراتب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها، أو يقطف زهرة قبل أوانها، فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات، ومن صابر معي حتى تنمو البذرة، وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة، ويحين القطاف فأجره في ذلك علي الله ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين: إما النصر والسيادة وإما الشهادة والسعادة)
صبر الرجل وصبر معه كثيرون - وخلفه أئمة ومرشدون - حتى نمت البذرة ونبتت الشجرة وها هي ذي جماعته التي أسسها يفيئ إلي ظلها أبناء الصحوة الإسلامية في المشارق والمغارب، وأصبح المشروع الحضاري الذي وضع مع بقية المجددين معالمه هو أمل المسلمين في بقاع الأرض، ونحن لا نتغالى إذا قلنا إن الرجل ودعوته وجماعته قد مثلوا أبرز معالم التجديد في القرن الرابع عشر الهجري والعشرين الميلادي، والكتاب الذي بين أيدينا للأخ الكريم/ مصطفى محمد الطحان لا يكتفي بأن يعرض سيرة القائد والمربي كأحداث يومية ولكنه يسردها كأفكار سرت وأثرت تاريخا وحاضرا ويقدم الترابط القائم بين الأطر التي انطوى عليها فكر الرجل وبين التطبيق علي مستويات العمل المختلفة فهو يصنع بذلك قراءة جديرة بالاهتمام، الكل شغوف بمعرفة أسس هذه الدعوة وتلك الجماعة ومناط قوتها واتجاهاتها وآرائها في مختلف الشئون... جزى الله الأخ الكريم المؤلف مصطفى محمد الطحان خيرا علي هذه التجلية لمعالم دعوة الإمام الشهيد وجماعته، والله نسأل أن ينفع بهذا الجهد الرائع جميع المسلمين.
28 محرم 1429م
لماذا نكتب عن حسن البنا..؟
نحن اليوم نبحث عن رموز الأمة.. الذين يظهرون كلما اشتدت الحاجة إليهم، فيسدون الثغرة، ويلبون الحاجة، ويقومون بالواجب المطلوب لزمانهم ومكانهم في عملية الإحياء.
- قد يكون الرمز الذي نبحث عنه خليفة راشداً مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد يكون قائداً عسكرياً فذاً مثل أبي عبيدة بن الجراح أو خالد بن الوليد أو صلاح الدين الأيوبي، وقد يكون مربياً روحياً مثل عبد القادر الجيلاني أو حسن البنا.
- قد يكون الرمز معلماً.. أو عالماً.. في أمور الدنيا.. أو في أمور الدين.. قد يكون عربياً من مصر.. أو كردياً من العراق.. أو داغستانياً من القوقاز.. فهذه الأمة أنقذها الله من دعاوى الجاهلية.. فقال نبيها صلى الله عليه وسلم فيها: (ليس منا من دعا إلى عصبية).
- قد يكون الرمز شاباً.. وأكثر الرموز من الشباب.. فهم أقوى أجساداً.. وأقوم معرفة.. وأحد عقولاً.. وقد يكون كهلاً عجنته الأيام فصاغت منه واحداً من هؤلاء الذين قال المصطفى فيهم: (إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد للناس أمر دينهم)..
- نحن نبحث عن هؤلاء الرموز.. نعيش معهم.. ونجلي جوانب عظمتهم.. ونبحث عن الجانب الأهم في حياتهم.. هل لأننا مغرمون بالتاريخ..؟
كلا.. بل لأننا مغرمون بصناعة الحياة.. وصناعتها تحتاج إلى عالم ومتعلم، وتحتاج إلى قدوة كريمة وشاب يتطلع إلى هذه القدوة ينفعل بها، فتهديه إلى الطريق.
والأمة التي لا توقر رموزها.. بل الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم ربهم هدى.. إن لم يصادفوا مثل هذه الرموز.. يطول عليهم الطريق وتصعب عليهم المهمة.. وإذا كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد آخى بين المؤمنين.. فنحن نريد أن نؤاخي بين رموز الماضي ورموز اليوم.. لإعادة بناء الحياة..
لهذا السبب نحن نكتب اليوم عن حسن البنا.. كما نكتب عن غيره من الرموز.. صناع الحياة.
الشيخ محمد رشيد رضا الشيخ محمد عبده
- في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، وقعت بلاد المسلمين في أيدي الصليبيين. احتلوا أرضها.. وامتصوا دماءها وثرواتها.. وعبثوا بفكرها ودينها.. وأقاموا لهم رجالاً من بيننا.. يتحدثون بلغتنا ويتسمون بأسمائنا، ولكنهم سدنة لمعابدهم.. أقاموهم رموزاً لشبابنا.. وأسبغوا عليهم من صفات المجد والشهرة والعلم ما أزاغوا به عيونهم.. كنا بأمس الحاجة إلى رموز أخرى تمثلنا.. من أصحاب الإيمان العميق، والفكر الدقيق، والحس المرهف، والإرادة الصلبة.. يشعرون بما تعانيه أمتنا من أمراض، يشخصون داءها، ويصفون لها الدواء.
ومن هؤلاء حسن البنا الذي نحن بصدد الكتابة عنه.
- يقول محمد الغزالي عنه في مقدمة كتابه (دستور الوحدة الثقافية): حسن البنا الذي أصفه ويصفه معي كثيرون بأنه مجدد القرن الرابع عشر للهجرة، فقد وضع جملة مبادئ تجمع الشمل المتفرق، وتوضح الهدف الغائم، وتعود بالمسلمين إلى كتاب ربهم، وسنة نبيهم، وتتناول ما عراهم خلال الماضي من أسباب العوج والاسترخاء، بيد آسية، وعين لماحة فلا تدع سببا لضعف أو خمول.
كان مدمناً لقراءة القرآن يتلوه بصوت رخيم، وكان يحسن تفسيره كأنه الطبري أو القرطبي، وله قدرة ملحوظة على فهم أصعب المعاني ثم عرضها على الجماهير بأسلوب سهل قريب.
وهو لم يحمل عنوان التصوف، بل لقد أبعد عن طريقة كانت تنتهي إليها بيئته.. ومع ذلك فإن أسلوبه في التربية وتعهد الأتباع وإشعاع مشاعر الحب في الله، كان يذكر بالحارث المحاسبي وأبي حامد الغزالي.
وقد درس السنة المطهرة على والده الذي أعاد ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل، كما درس الفقه المذهبي باقتضاب، فأفاده ذلك بصراً سديداً بمنهج السلف والخلف. ووقف حسن البنا على منهج محمد عبده وتلميذه صاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا، ووقع بينه وبين الأخير حوار مهذب، ومع إعجابه بالقدرة العلمية للشيخ رشيد، وإفادته منها، فقد أبي التورط فيما تورط فيه(1).
ولعله كان أقدر الناس على رفع المستوى الفكري للجماهير، مع بعد عن أسباب الخلاف ومظاهر التعصب. ولقد أحاط حسن البنا بالتاريخ الإسلامي، وتتبع عوامل المد والجزر في مراحله المختلفة، وتعمق تعمقاً شديداً في حاضر العالم الإسلامي، ومؤامرات الاحتلال الأجنبي ضده.
ثم في صمت غريب أخذ الرجل الصالح ينتقل في مدن مصر وقراها، وأظنه دخل ثلاثة آلاف من القرى الأربعة آلاف التي تكون القطر كله.
وخلال عشرين سنة تقريباً صنع الجماهير التي صدّعت الاستعمار الثقافي والعسكري، ونفخت روح الحياة في الجسد الهامد..
هل عرفت لماذا نكتب عن حسن البنا..؟
لا نريدها اليوم كتابة للاستمتاع.. بل كتابة تشد العزائم.. وتقبض على ناصية الأمور.. وتعيد صناعة الحياة بأيدي طليعة المستقبل.
(1) يقصد تصديه بعنف للحملة على الأزهر وعلمائه المقلدين للمذاهب, وعلى الطرق الصوفية (الإخوان المسلمون- يوسف القرضاوي, ص-52).
صناعة الرموز
كان الإمام حسن البنا مشغولاً بصناعة الرموز.. وهي مهمة كبيرة وشاقة إلا من سهلها الله عليه.. فأنت تسمع من كثير من المربين كلمات تشجع الشباب على التميز.. ثم لا تجد ثمرة عملية لهذا التشجيع.. وإذا تساءلت عن السبب.. لوجدته في:
الإخلاص الذي يميز فريقياً من الدعاة.. في دعوتهم.. في دأبهم على الشباب وتربيتهم.. في حبهم لأبنائهم.. في الأخذ بأيديهم للتميز.
كان على رأس هؤلاء القائد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.. الذي نما الحب بينه وبين من يدعوه.. إلى درجة أن الرسول أصبح أحب إليه من نفسه وأهله والناس أجمعين.. ومن نتائج هذا الحب أصبح أبو بكر الصديق, وأصبح عمر الفاروق, وأصبح أبو عبيدة أمين الأمة, وأصبح خالد بن الوليد سيف الله المسلول.
ولقد سار الإمام البنا على هدى النبي صلى الله عليه وسلم فحرك الجسد الهامد فأشعل الشوق فيه.. وأخذ بأيدي الفتيان من أمثال حامد ربيع وتوفيق الشاوي وسيد سابق ومحمد الغزالي والبهي الخولي ويوسف القرضاوي وكامل الشريف وعمر التلمساني ومحمد فريد عبد الخالق, فأصبحوا دعاة عظماء: بكلمة أو بموقف عملي اتخذه معهم الإمام الشهيد.
كنت في عمان في الاحتفال الذي أقامه الإخوان المسلمون بمناسبة مرور مائة سنة على مولد الإمام حسن البنا.. تحدث في هذا الاحتفال الأستاذ كامل الشريف الذي كان مسؤولاً عن مجاهدي الإخوان في فلسطين.. يقول: عندما زارنا حسن البنا في فلسطين يتفقد أبناءه المجاهدين كتب لي رسالة يحدد موعد وصوله.. وفي فلسطين قال لي الإمام.. لو زرت فلسطين ولم أرك لاعتبرت رحلتي فاشلة.
ماذا صنعت كلمات إمام الأمة في شاب صغير هو كامل الشريف.. كيف سينمو الحب بين الجندي والقائد.. ثم كيف سيكون الرمز الكبير قائد الجهاد في فلسطين والقنال فيما بعد.
هناك فرق كبير بين كلمات هامدة لا قيمة لها يقولها بعض الدعاة للأبناء.. فلا تلامس قلوبهم ولا توقد شرارة الحب بينهم.
وبين قيادات ربانية مخلصة.. تعيش وقدة الحب والشوق مع إخوانهم الشباب.. الذين لا يحتاجون عندئذ إلا لكلمة واحدة أو موقف مع القائد ليتقدموا الصفوف!
البيئة التي نشأ فيها حسن البنا
المصلحون أبناء بيئتهم.. وظروفهم.. فليس مصلحاً من يأتي إلى أمة مهزومة مستعمرة.. فيتحدث عن التصوف والاعتكاف في المساجد للدعاء.. وليس مصلحاً من يعيش في بيئة فشا فيها الجهل وتمكن منها الفساد.. ثم ينشغل في تحسين التجارة والانشغال بالدنيا.. فالمصلح ابن بيئته.. وظروفه..
عندما اشتد اضطهاد قريش لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في مكة.. أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة.. وقال لهم: إن فيها ملكاً عادلاً لا يظلم عنده أحد.. ولقد عزّ على قريش أن ينجو هؤلاء من نقمتها، ويفلتوا من قبضتها.. فأرسلت اثنين من دهاتها هما عبد الله بن أبي ربيعة.. وعمرو بن العاص.. يسألان النجاشي أن يخرج من بلاده هؤلاء الذين جاءوا إليها لائذين مستجيرين.. ويسأل النجاشي المسلمين: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم.. واستغنيتم به عن ديننا..؟
فنهض إليه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.. وكان المتحدث باسم إخوانه المهاجرين فقال:
أيها الملك.. كنا قوماً أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان.. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء.. ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، فصدّقناه وآمنا به.. فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان، وإلى ما كنا عليه من الخبائث.. فلما قهرونا، وظلمونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك.
ماذا فعل جعفر بهذا البلاغ الرائع..؟
أخبر النجاشي ملك الحبشة بالظروف التي يعيشها المسلمون في مكة.. ووصف أحوالهم في الشرك.. وأحوالهم في الإيمان.. ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه رسول منهم، يعرفون نسبه وصدقه وأمانته وعفافه..
ونحن في هذه الدراسة إذا أردنا أن نتعرف على الإمام حسن البنا.. فلابد من دراسة الظروف التي أحاطت به.. والبيئة التي عاش فيها.. فالمصلح ابن بيئته.. متأثر بظروفه..
الظروف الدولية
أما الظروف الدولية التي فرضت على العالم الإسلامي في مطلع القرن العشرين الميلادي فنوجزها بما يلي:
- في عام 1897م عُقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا, برئاسة تيودور هرتزل.. واتخذ قراراً بالتفاوض مع السلطان عبد الحميد لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
- وفي عام 1898م عُقد المؤتمر الصهيوني الثاني في بازل بسويسرا واتخذ عدة قرارات منها: إسقاط السلطان عبد الحميد لأنه رفض إعطاء اليهود وطناً قومياً لهم في فلسطين، وإسقاط الخلافة الإسلامية.
- وفي عام 1905م عُقد في لندن مؤتمر كامبل.. حضرته جميع الدول الاستعمارية التي بدأت باحتلال بلاد المسلمين مثل: هولندا وإنكلترا وفرنسا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا. وأوصى المؤتمر: بتمكين الدول الاستعمارية من البلاد التي تحتلها واحتلال المزيد، وإسقاط الخلافة الإسلامية وإقامة نظام علماني غربي بديل عنها، وإقامة إسرائيل في فلسطين حتى تُشغل المنطقة، فلا تتمكن من إقامة دولة الخلافة مرة ثانية.
- وفي عام 1909م أسقط الثالوث المتآمر: الغرب واليهود والماسونية, السلطان عبد الحميد الذي كان كالطود الشامخ في الدفاع عن قضية فلسطين، وحققوا بذلك أول أهدافهم.
- وفي عام 1914م أدخلت الدولة العثمانية، التي تولى شؤونها بعد إسقاط السلطان عبد الحميد، حزب الاتحاد والترقي العلماني الغربي، الحرب العالمية الأولى، والتي انتهت بتفتيت الدولة العثمانية وإنهائها من عالم الوجود، وبذلك حققوا هدفهم الثاني.
خارطة تمثل تقسيم الدول الاستعمارية لمنطقة الشرق الأوسط
حسب اتفاقية سايكس بيكو
- وفي عام 1916م وقع وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا معاهدة سايكس – بيكو، اقتسما بموجبها ممتلكات الدولة العثمانية.
- وفي عام 1917م أعلنت بريطانيا وعد بلفور الذي أعطت بموجبه فلسطين لليهود لينشئوا على أرضها وعلى حساب شعبها دولة إسرائيل.
- وفي عام 1923م وقّع انقلابيو تركيا برئاسة مصطفى كمال أتاتورك مع دول الغرب معاهدة لوزان.. التي أسدلت الستار نهائياً على الإسلام في تركيا.. وحوّلت تركيا إلى بلد علماني غربي التوجه.. في مدارسه وتشريعاته ونظمه ولغته..
- وفي عام 1924م تم إلغاء الخلافة.
لقد انتبه المسلمون على هذه الأحداث الجسام، ليجدوا أنفسهم لأول مرة في تاريخهم بدون خلافة أو خليفة، وأنهم أصبحوا مزعاً تحتلها دول الغرب.
الشريف حسين في الحجاز أعلن نفسه خليفة، والملك فؤاد في مصر كان يرى نفسه أحق بالخلافة، والآغا خان في الهند كان يفكر بالطريقة ذاتها.
وهكذا تحولت خلافة المسلمين من نظام إسلامي يحكم دولة عظمى في العالم.. إلى دمية بيد الإنكليز يلعبون بها وبمن يرشحونه لشغل هذا المقام.
حركات التنصير والتبشير
- ومع هذه الأحداث السياسية الخطيرة, فقد تتابعت عمليات الغزو العسكري الصليبي لأقطار العالم الإسلامي منذ القرن الخامس عشر الميلادي.. ولكن شيئاً أشبه بالانهيار حدث في القرنين التاسع عشر والعشرين. فأصبحت بموجبه معظم أقطار الإسلام خاضعة للاحتلال العسكري الغربي.
- ومع هذا الاحتلال العسكري، وتجزئة البلاد إلى دويلات، نشطت حركات التنصير التي تصورت أن الوقت قد حان للنفاذ إلى قلب الإسلام، وتخليص البشرية من هذا الدين، ودمج الشعوب الإسلامية في المنظومة الحضارية الأوروبية.
ففي مصر (على سبيل المثال) كان للأقباط (وهم لا يتجاوزون 3% من سكان مصر) دور يتجاوز دور المسلمين تحت الإدارة الاستعمارية.
وفي السودان بدأت بريطانيا ما سمي بسياسة الجنوب منذ عام 1917م، فصدرت الأوامر إلى القوات الشمالية (الإسلامية في معظمها) بمغادرة الجنوب.. وفي عام 1922م أعلنت مناطق الجنوب محافظات يمنع دخولها إلا بإذن خاص.. وهكذا فعلوا في معظم أقطار المسلمين.
- وربطوا التعليم بالتبشير.. فألغوا الكتاتيب الإسلامية.. وفتحوا المدارس التي تدرس مناهجهم بلغاتهم.. وحاربوا اللغة العربية.. وأحيوا اللغات المحلية وكتبوها بأحرف لاتينية..
السلطان عبد الحميد مصطفى كمال أتاتورك
أما الفراغ الثقافي الذي نشأ بسبب إلغاء المدارس الإسلامية، فقد ملأوه بالأفكار العلمانية اللادينية، واصطنعوا لهم ركائز فكرية في بلاد المسلمين تستخف بالإسلام, وبعقائد الإسلام, وتدعو إلى الحضارة المتمثلة بالغرب وعلوم الغرب وفكر الغرب.
- أعادوا الأمة التي كرم الإسلام إنسانها.. أعادوها عنصرية قبلية.. تعتز كل قبيلة بكيانها.. وتحارب القبيلة الأخرى.
- أيقظوا المذهبية والطائفية والخلافات الدينية.
- غيروا القوانين الشرعية بالقوانين الأوروبية.
- عملوا على تحطيم الأسرة.. وتحرير المرأة.. وقصدوا بالتحرير السفور والإفساد..
- سيطروا على مقدرات المسلمين.. وعلى ثرواتهم.. وعلى اقتصادهم.. وأصبحت بلادنا مجرد أسواق لبضائعهم.
- وباختصار فقد مسخوا الشخصية الإسلامية في البلاد والعباد.
الظروف المحلية في مصر
أولاً- الأوضاع السياسية في مصر
وقعت مصر أسيرة في قبضة الاحتلال البريطاني، في أعقاب فشل الثورة العرابية عام 1882م، وانتشر الجنود الإنكليز في طول البلاد وعرضها يحمون مصالحهم، وصارت لهم الكلمة الأولى في البلاد، وأصبح السلطان المتوج على مصر ألعوبة في يد الإنكليز.
ولم يهدأ هذا الشعب، ولم تخمد فيه جذوة الثورة على المحتل الغاصب، ولم يعدم أن يجد رموزاً وطنية تنفخ فيه روح الحرية والكرامة، وتقوده إلى المطالبة بحقه في الحرية والاستقلال، ومن هذه الرموز الوطنية مصطفى كامل (توفي في فبراير 1908م) والزعيم محمد فريد (توفي في نوفمبر 1919م)،
وخلال الربع الأول من القرن العشرين، وقعت أحداث مهمة أثرت على المجتمع المصري، منها:
1- ثورة الشعب المصري عام 1919م
في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وانعقـاد مؤتمر الصلح في باريس، رأى الوطنيون برئاسة سعد زغلول باشا تشكيل وفد من الساسة المصريين لعرض قضية استقلال مصر على المؤتمر، فما كان من الإنكليز إلا أن أعلنوا رفضهم لسفر الوفد.. وفي يوم 6 آذار (مارس) 1919م ألقي القبض على سعد زغلول ورفاقه وتم نفيهم إلى جزيرة مالطا.
خريطة مصر
كان هذا الأمر بمثابة الشرارة التي أشعلت ثورة الشعب المصري، فهبت المظاهرات في مدن مصر وقراها، واشترك فيها جميع طوائف الشعب من علماء وطلاب ومدرسين وعمال وفلاحين وشباب وشيوخ ونساء، وتحولت شوارع مصر إلى بحر هائج من الغضب الشعبي، يطالب بالحرية والاستقلال التام. واقترنت الثورة بالمسجد، وخرجت المظاهرات من الأزهر وهو رمز الإسلام ومعهده يومذاك.
2- لجنة اللورد ملنر
ونتيجة لتنامي روح الغضب والمقاومة التي سيطرت على الشعب المصري، والتي تمثلت في مظاهراته الغاضبة، عملت الحكومة البريطانية على إجـهاض الثـورة فشـكلت لجنة برئاسة وزير المستعمرات ألفريد ملنر في 22 أيلول (سبتمبر) 1919م.
وكرد على هذه اللجنة اشتعلت الثورة ثانية وبأشد مما كانت.. وتدخلت القوات البريطانية فسقط عددٌ كبير من القتلى والجرحى.. وفي 7 كانون الأول (ديسمبر) 1919م ومع وصول اللجنة عمت المظاهرات وامتنع الطلاب عن الذهاب إلى معاهدهم وتجاوب التجار معهم، وقرر المحامون الإضراب، وفي إحدى المظاهرات اقتحمت فصيلة من الجيش البريطاني صحن الجامع الأزهر منتهكة حرمة المسجد، وأخذت تضرب وتروع من فيه.
وطوال مدة عامين من المفاوضات والمناورات والخدع البريطانية، أعلنت بريطانيا انتهاء الحماية البريطانية، واستقلال مصر، وهو ما يعرف بتصريح 28 شباط (فبراير) 1922م.
وقد نص التصريح على انتهاء الحماية البريطانية على مصر، وأن تكون دولة مستقلة ذات سيادة إلا من تحفظات أربعة(1) أعطت إنكلترا لنفسها حق توليها، وهي بذلك لم تغير كثيراً من حقيقة الاحتلال.
3- دستور عام 1923م
على أثر إعلان تصريح 28 شباط (فبراير) 1922م، خطت مصر بعض الخطوات نحو الاستقلال. فقد أعلن السلطان فؤاد نفسه ملكاً على مصر في 15 آذار (مارس) 1922م، وبعد صراع شديد بين القوى الشعبية وبين القصر، أصدر الملك فؤاد في 19 نيسان (أبريل) ما عرف بدستور عام 1923م. واستمر العمل بهذا الدستور حتى ألغته ثورة 23 تموز (يوليو) عام 1952م(2).
(1) هذه التحفظات تتعلق: بتأمين مواصلات الإمبراطورية في مصر، والدفاع عن مصر من كل اعتداء، وحماية المصالح الأجنبية والأقليات، ومسألة السودان.
(2) أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين- جمعة أمين 1: 46. النظام الدستوري المصري- د. مصطفى أبو زيد فهمي، ص- 52. تطور الحركة الوطنية في مصر (1918 – 1936م)- عبد العظيم رمضان، ص- 365. في أعقاب الثورة المصرية- عبد الرحمن الرافعي، ص- 43.
4- الصراع بين دعاة الخلافة والوطنيين المصريين
بعد إسقاط السلطان عبد الحميد على يد حزب الاتحاد والترقي عام 1909م، بدأ مسلسل الانهيار على يد مصطفى كمال، فأسقط الخلافة الإسلامية في أوائل آذار (مارس) 1924م.. وحوّل تركيا إلى دولة علمانية ألغت الشريعة الإسلامية وفرضت على البلاد القوانين والقيم الغربية وحاربت الإسلام في جميع مظاهره.
وعلى الرغم من تفكك العالم الإسلامي وضعفه، وخضوع معظم أقطاره للاحتلال الأجنبي، إلا أن سقوط الخلافة كان حدثاً مدوياً.. فلأول مرة منذ أربعة عشر قرناً يصبح العالم الإسلامي دون خليفة.
بعد أربعة أيام من إلغاء الخلافة، وقّع ستة عشر عالماً من علماء الأزهر بياناً قرروا فيه بطلان قرار مصطفى كمال بعزل الخليفة وإلغاء الخلافة، ودعوا للإسراع بعقد مؤتمر يقرر (ما يراه مناسباً في أمر الخلافة).
وفي الحجاز أقام الشريف حسين في 24 آذار (مارس) 1924م حفلاً تمت فيه مبايعته خليفة للمسلمين.
كما رشح البعض الملك فؤاد ملك مصر خليفة للمسلمين، وشكل الشيخ يوسف الدجوي رئيس جمعية نهضة الإسلام لجنة للخلافة، واستأذن الملك فؤاد بعقد مؤتمر الخلافة في القاهرة(1).
في هذه الفترة أصبحت مصر مركزاً لصراع فكري بين فريقين:
- فريق يدافع عن الخلافة الإسلامية وأهميتها في توحيد كلمة المسلمين.. وكان في مقدمة هؤلاء الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام في عهد السلطان عبد الحميد.. الذي اضطر إلى مغادرة بلاده بعد الانقلاب الكمالي.. واللجوء إلى مصر.
- وفريق استسلم للوطنية المحلية التي عزلت مصر عن دول العالم الإسلامي.. وانطلق قادة هذا التيار بتشجيع من الاحتلال الغاشم ينادون بالقومية المصرية.. شعارهم (الدين لله والوطن للجميع).
(1) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر- محمد محمد حسين، ص- 47.
الشيخ علي عبد الرازق الشيخ محمد الخضر حسين
ولقد ظهرت في هذه الفترة عدة كتب تحارب الفكرة الإسلامية، وفكرة الخلافة على وجه الخصوص، مثل كتاب (الإسلام وأصول الحكم) الذي ألفه الشيخ علي عبد الرازق عام 1925م والذي يدور حول فكرة هدم الخلافة كنظام إسلامي في الحكم.. فقد أنكر أن تكون الخلافة أو القضاء أو وظائف الحكم ومراكز الدولة جميعاً من الدين في شيء، ووصفها بأنها خطط دنيوية صرفة لا شأن للدين بها. والخلافة في رأي الكاتب لم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين. وباعتبار المؤلف من علماء الأزهر فقد قدم لمحكمة أمام هيئة كبار العلماء فأصدرت حكمها في 22 محرم 1322هـ الموافق 12 آب (أغسطس) 1925م الذي قضى: بإخراج الشيخ من زمرة العلماء وفصله من وظيفته في القضاء الشرعي(1).
(1) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر- محمد محمد حسين، ص- 75.
وفي عام 1926م أصدر عالمان جليلان من علماء الأزهر كتابين عظيمين، ردا فيهما على الشيخ علي عبد الرازق، وهما فضيلة الشيخ محمد نجيب المطيعي مفتي الديار المصرية الذي كتب (حقيقة الإسلام وأصول الحكم)، والعالم الثاني فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين الذي كتب (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم). كما أصدر الشيخ محمد رشيد رضا كتاباً بعنوان (الخلافة أو الإمامة العظمى)، وأصدر شيخ الإسلام مصطفى صبري كتاباً بعنوان (النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة).
وأخطر ما ظهر في هذه الفترة كتاب أثار عند ظهوره ضجة هائلة في الصحف وفي المجلس النيابي، وتناولت السلطات القضائية مؤلفه بالتحقيق والكتاب بالمصـادرة، وذلـك هو كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين، الذي ظهر عام1926م، والـذي اعتبر ما ورد فـي القرآن من مثل قصة إبراهيم وإسماعيل وغيرها مجرد أساطير، تم اختراعها لتدعيم وجهة نظر الإسلام في الخلاف الذي كان قائماً بينه وبين الوثنية(1).
(1) المرجع السابق، ص- 280.
الشيخ مصطفى صبري طه حسين
في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ الأمة الإسلامية.. ظهرت تحركات مختلفة، قام ببعضها حكام يطمعون بالخلافة، وزعامات إسلامية تقليدية تدعي أحقيتها بوراثة الخليفة، وأحزاب تدعو إلى القومية الليبرالية كما دعا لها مصطفى كمال في تركيا، وقام أيضاً الإمام حسن البنا مع ثلة من إخوانه بتأسيس حركة الإخوان المسلمين، كدعوة إسلامية جامعة, من أهدافها إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافاتها وجمع كلمتها، حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة(1).
يقول الإمام حسن البنا : لقد أتى على الإسلام والمسلمين حيـن مـن الدهـر توالت فيه الحوادث وتتابعت الكوارث، وعمل خصوم الإسلام على رواقه وإخفاء بهائه وتضليل أبنائه و تعطيل حدوده ، وإضعاف جنوده ، وتزييف تعاليمه وأحكامه، تارة بالنقص منها ، وأخرى بالزيادة فيها ، وثالثة بتأويلها على غير وجهها ، وساعدهم على ذلك ضياع سلطة الإسلام السياسية وتمزيق إمبراطوريته العالمية وتسريح جيوشه المحمدية ووقوع أممه في قبضة أهل الكفر مستذلين مستعمرين(2).
(1) رسالة التعاليم- الإمام حسن البنا (ركن العمل).
(2) رسالة إلى الشباب- الإمام حسن البنا.
ثانياً- الأوضاع الاجتماعية في مصر
1- نظام الطبقات.. تميز المجتمع المصري في بداية القرن العشرين بوجود طبقية صارخة:
فالطبقة العليا, التي تضم كبار الملاك والتي تمثل 0.5% من السكان تملك 35% من الأراضي الزراعية والمؤسسات المالية والاقتصادية والصناعية.
والطبقة الوسطى، التي تضم متوسطي التجار، وقطاع من المثقفين والعاملين بالحكومة.. وقد اهتم أبناء هذه الطبقة من الطلاب بالمسائل السياسية، فمعظمهم ينحدر من عائلات فقيرة.. تسعى لإنقاذ نفسها من براثن الجهل والفقر.
أما الطبقة الدنيا، وتمثل غالبية السكان.. فقد كانت أوضاعهم في غاية السوء.
2- حركات التبشير :
انتهزت دول الغرب الاستعمارية، بعد سيطرتها على البلاد الإسلامية، فقامت بحملات تبشيرية ضخمة، ظهر منها اسم القسيس البروتستانتي زويمر الذي كان رئيساً لإرسالية التبشير العربية في البحرين، والذي كان أول من دعا إلى عقد مؤتمر عالمي للمبشرين.. عقد المؤتمر الأول في القاهرة عام 1906 والثاني في بيت المقدس عام 1929.. وكان من أقوال هذا القس: ليس المهم أن يصبح المسلمون نصارى.. ولكن المهم أن يتشكك المسلمون بصلاحية دينهم(1).
وقد استند المبشرون في مصر على مساعدة الإنكليز لهم.. وسماح الملك والحكام بنشاطهم.
ولقد أبلى الإخوان المسلمون أحسن البلاء في مواجهة هذه الحركة.. والتزموا دائماً موقف المدافع لا المهاجم.. واعتمدوا في خطتهم على على أمرين: الأول إفهام الشعب ما يستهدف له التبشير, وثانيهما: الوسائل العملية من جنس وسائل المبشرين(2).
3- تحرير المرأة :
بدأت الدعوة إلى تحرير المرأة بما كتبه قاسم أمين في كتابه تحرير المرأة (الذي طبع عام 1899م)، والمرأة الجديدة (الذي طبع عام 1900م).. ولم يقف الأمر عند الحد الذي دعا إليه قاسم أمين، فقد خلعت المرأة لباسها إلا ما قلّ منه، وبدأت تظهر على شواطئ البحر بما لا يكاد يستر شيئاً.
وتتابعت هذه التطورات بسرعة مذهلة، وأعان على اندفاعها جوّ الفساد الذي تعيشه طبقة الحكام وكبار الملاك.. الذين يسيرهم المحتلون. وأخيراً أباحت الحكومة البغاء على المستوى الرسمي بقوة القانون.
(1) الغارة على العالم الإسلامي- أ.ل. شاتليه، ص- 28. (1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص-171.
4- التحلل الأخلاقي والعقائدي :
لقد اشتد في مصر تيار التحلل في النفوس والآراء والأفكار باسم التحرر العقلي، ثم في المسـالك والأخـلاق والأعمال باسـم التحرر الشخصي، وظهر المسرح والسينما والإذاعة، وانتقلت الفرق المسرحية من بلاد الشام لتستوطن مصر، واستغلت المرأة أبشع استغلال، فقد تزامنت الدعوة إلى حرية المرأة المصرية مع محاكاة المرأة الغربية في بلاد المسلمين من حيث العري والاختلاط، فكانت موجة إلحاد وإباحية قوية جارفة طاغية، لا يثبت أمامها شيء، تساعد عليها الحوادث والظروف(1).
(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 47. وعمر التلمساني شاهداً على العصر- إبراهيم قاعود، ص- 15.
ثالثاً- التيار الإسلامي في مصر
وإذا كانت دعوة الإخوان المسلمين نتيجة طبيعية للظروف الخاصة التي مرت بمصر (كدولة مركزية في العالم الإسلامي)، فقد كان الاستعمار البريطاني يجثم على صدرها، وكانت الأحزاب في واد والشعب في واد آخر، والقصر كان دائماً في صف المندوب السامي البريطاني.. وكان الاستعمار الفكري والثقافي يحاول انتزاع الإسلام الحي المتحرك من صدور المصريين.. وحجزه عاجزاً في ردهات المساجد لا غير.
فمن الإنصـاف أيضـاً أن نقـول: إن أبوة، وإمامة، وريادة حسن البنا لهذا الإحياء الإسلامي المعاصر إنما تمثل الحلقة المعاصرة في سلسلة الإحياء الإسلامي الحديث، إنها مرحلة متميزة في الكم والكيف ولكنها امتداد متطور لمرحلة النشأة والتبلور التي تمثلت في الجامعة الإسلامية التي ارتاد ميدانها، ورفع أعلامها جمال الدين الأفغاني والتي كان الإمام محمد عبده مهندس تجديدها الفكري، كما مثل الشيخ محمد رشيد رضا الامتداد الذي أسلم أمانتها إلى حسن البنا الذي انتقل بها إلى هذا الكيف المعاصر الذي تعيش فيه(1).
لقد نشأ الإمام الشهيد حسن البنا في وقت ضعف فيه التيار الإصلاحي، فدرس عوامل ضعفه، واستفاد من نواحي قوته، فأخذ أسلوب جمال الدين الأفغاني في العمل السياسي، وأسلوب محمد عبده في الاهتمام بالتربية.
لقد تسلم الإمام حسن البنا راية التجديد ممن سبقه من مصلحين ودعاة، وأضاف إلى معالم حركة الإصلاح ما ميز دعوة الإخوان عن بقية الدعوات، إلا أنها كانت اللبنة التي أكمل الله بها صرح الفكر، والعمل الإسلامي.
يقول المستشار طارق البشري: لقد أرسى الأفغاني فكرة الإسلام المجاهد، وأضاف محمد عبده فكرة التجديد في الفقه والتفسير، وتابع محمد رشيد رضا الربط بين التجديد والسلفية والتفاعل مع السياسات الوطنية، وأضاف حسن البنا شمولية الإسلام والترابط الوثيق بين العقيدة والشريعة والسياسة، وبين الفكر والتنظيم الحركي، ومزج بين فكريات فقه الأزهر، ووجدانيات الصوفية، ووطنيات الحزب الوطني (2).
ولا يختلف أحد في أن دعوة الإخوان المسلمين وحركتهم قد شغلتا الرأي العام في داخل العالم العربي والإسلامي وخارجه، لما نادت به من فهم سياسي وحركي للإسلام على أنه دين ودولة، وعقيدة وأنظمة حياة، وشريعة وحضارة، ولأن الإخوان حوّلوا الأقوال إلى أعمال، وأحيوا فريضة الجهاد بقتال الإنكليز في القنال وقتال اليهود في فلسطين،
(1) خمسون عاماً على استشهاد حسن البنا- محمد عمارة (المجتمع الكويتية 9/2/1999).
(2) الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر- طارق البشري، ص- 168. وكتاب حسن البنا رجل على موعد- أيمن حمودة.
ولأنهم قاموا بجهود عملية في مجال الإصلاح الاجتماعي بإنشاء المدارس والمستشفيات والشركات وما إلى ذلك، ونجحوا في تربية أجيال جديدة من المؤمنين بأهداف الدعوة في أكثر بلدان العالم الإسلامي(1).
لهذه الظروف الداخلية والخارجية التي واجهتها دول العالم الإسلامي :
- قامت حركات التحرير في معظم بلاد المسلمين.. لإخراج المحتل من ديار الإسلام..
- وقامت معها الحركات الإسلامية.. وكان من أهمها حركة الإخوان المسلمين التي أسسها الإمام حسن البنا في مصر عام 1928م.
(1) الإخوان المسلمون- محمد فريد عبد الخالق، ص- 1. حركة الإخوان المسلمين
دعوة إسلامية صميمة
لقد توافر في دعوة الإخوان من يومها الأول، التميز ووضوح الشخصية.
فهي دعوة إسلامية صميمة، من الإسلام تستمد، وعلى الإسلام تعتمد، وإلى الإسلام تهدف(1).. شعاراتها إسلامية (الله غايتنا، والرسول قدوتنا).. وهتافاتها إسلامية (الله أكبر ولله الحمد).
الناس يسألون: ما أنتم أيها الإخوان؟ إننا لم نفهمكم بعد.
فأفهمونا أنفسكم، وضعوا لأنفسكم عنواناً نعرفكم به.
ويجيب الإمام البنا: قولوا لهؤلاء المتسائلين: نحن دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة: طريقة صوفية.. وجمعية خيرية.. ومؤسسة اجتماعية.. وحزب سياسي نظيف .
وبعد هذا كله مازال الناس يسألون: لا زلتم غامضين، فأجيبوهم: لأنكم ليس في يدكم مفتاح النور الذي تبصروننا على ضوئه. (نحن الإسلام) أيها الناس. فمن فهمه على وجهه الصحيح، فقد عرفنا كما يعرف نفسه، فافهموا الإسلام أولاً وقولوا عنا بعد ذلك ما تريدون(2).
وفي مقام آخر يعرّف الإمام البنا حقيقة دعوته فيقول:
أيها الإخوان المسلمون.
بل أيها الناس أجمعون..
(1) الإخوان المسلمون 70 عاماً في الدعوة والتربية والجهاد- د. يوسف القرضاوي، ص- (24-25).
(2) من خطاب الإمام حسن البنا في اجتماع رؤساء المناطق في 8/9/1945.
شعار الإخوان
لسنا حزباً سياسياً، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا.. ولسنا جمعية خيرية إصلاحية، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا.. ولسنا فرقا رياضية، وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلنا.. ولكننا أيها الناس: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحدده موضع ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها, ذلك لأنه نظام رب العالمين، ومنهاج رسوله الأمين. نحن أيها الناس - ولا فخر- أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملة رايته من بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو لوائه كما نشروه، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة الله للعالمين (ولتعلمُنّ نبأه بَعْدَ حِيْنٍ)(1).
حركة إسلامية منظمة
لقد تميزت جماعة الإخوان المسلمين باسمها.. فهي حركة إسلامية.. والحركة قبل كل شيء عمل، وعمل دائب متواصل، ليست مجرد كلام يقال، أو خطب تلقى، أو كتب تؤلف، وإن كان هذا كله مطلوباً، ولكنه جزء من حركة، وليس هو الحركة، قال تعالى: ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)(2).
والحركة الإسلامية عمل شعبي.. يقوم أساساً على الانبعاث الذاتي، والاقتناع الشخصي، إيماناً واحتساباً، وابتغاء ما عند الله، لا ما عند الناس.
والحركة الإسلامية عمل جماعي منظـم، قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)(3).
ولابـد أن يكون العمـل الجمـاعي منظماً، والنظـام يقوم على قيادة مسؤولة، وقاعدة مترابطة، ومفاهيم واضحة، تحدد العلاقة بين القيادة والقاعدة، على أساس من الشورى الواجبة الملزمة، والطاعة المبصرة اللازمة.
(1) الإخوان المسلمون تحت راية القرآن- حسن البنا، ص- 197 (مجموعة الرسائل), ص-88.
(2) التوبة- 105.
(3) الصف- 4.
تجديد الإسلام
أما مهمة الحركة فهي تجديد الإسلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها).. وتجديد الدين يعني: تجديد الفهم له، وتجديد الإيمان به، وتجديد العمل بأحكامه وآدابه، وتجديد العمل له والدعوة إليه والجهاد في سبيـله. وإن الـذي قام بالدور الأكبر في تجديد الدين على رأس هذا القرن هو الحركة الإسلامية.. حركة الإخوان المسلمين(1).
- كان الموقف التجديدي للإمام البنا – إزاء الحضارات الأخرى– وسطا... يرفض الانغلاق والعزلة ويرفض التبعية والتقليد ويتخذ الموقف النقدي، الذي يميز ما بين المشترك الإنساني العام وما بين الخصوصيات العقدية والفلسفية والثقافية، فهو التفاعل الذي ينفتح على الدنيا من موقع الراشد المستقل، الذي لا يفقد هويته ولا يفرط في روحه الحضارية المتميزة عن الآخرين.
- وفي مواجهة التخلف الموروث، دعا الأستاذ البنا إلى التجديد، وحدد في صراحة ووضوح أن دعوته هي واحدة من (الدعوات التجديدية لحياة الأمم والشعوب).
- وطالب في النظرة النقدية للتراث والتاريخ بالتمييز بين الدين الثابت وبين الفكر المتغير والممارسات البشرية؛ وهو ما يعني التطبيق لمنهاج التجديد الإسلامي في العودة إلى المنابع الجوهرية والنقية المعصومة – الكتاب وصحيح السنة – أي البلاغ القرآني، والبيان النبوي لهذا البلاغ القرآني، فهو المقدس الملزم بينما الفكر الإسلامي، والتراث الحضاري، وتجارب التاريخ، هي كنوز نحييها ونحتضنها، ونستلهم منها، لكن دون تقديس ولا تعصب ولا إلزام.
(1) الإخوان المسلمون- د. يوسف القرضاوي، ص- 36.
وعن هذا المنهاج التجديدي يقول الأستاذ البنا: إن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، اللذان إن تمسكت بهما فلن تضل أبدا، وإن كثيرا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها والشعوب التي عاصرتها؛ ولهذا يجب أن تستقي النظم الإسلامية التي تحمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي معين السهولة الأولى، وأن نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأن نقف عند هذه الحدود الربانية النبوية حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا الله به، ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه، والإسلام دين البشرية جمعاء.
- إننا عندما نتأمل هذا المنهاج في التجديد الإسلامي، عند الأستاذ البنا، ونتأمل كلامه السابق، نتذكر صياغة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده لذات المنهاج، عندما قال: إنه قد دعا إلى تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى.
وبهذا المنهاج تتحول السلفية إلى تحرير وتجديد، لا إلى جمود وتقليد، كما فهمها آخرون! وهنا –أيضا– يتميز التجديد الإسلامي عن الحداثة – بمعناها الغربي– فضلا عن تميزه عن الجمود والتقليد.
فالجمود والتقليد قد حوّل التراث إلى مرجعية كادت أن تحجب المنابع الجوهرية والنقية للإسلام، حتى غدت حجابا بين العصر وبين البلاغ القرآني والبيان النبوي لهذا البلاغ القرآني.. وكادت المذهبية والمذاهب أن تحجب مقلديها عن منهاج النبوة.
ثم جاءت الحداثة – بمعناها الغربي – لتقيم قطيعة معرفية كبرى مع الموروث والتراث، والموروث الديني على وجه الخصوص، فأحدثت فراغا كاملا، فلا التراث أبقت، ولا هي رجعت إلى المنابع الأولى.
وانطلاقا من هذه النزعة التجديدية، وقف الإمام البنا هذا الموقف النقدي، وهو يقيم تاريخ الدول الإسلامية في تاريخنا الحضاري، فكان حديثه عن العوامل السبعة التي أدت إلى تحلل كيانها، ومن ثم حدوث الفراغ الذي أخذ يتمدد فيه النموذج الغربي للدولة القومية الحديثة.
أهم عوامل التحلل في كيان الدولة الإسلامية – تاريخيا – هي:
- الخلافات السياسية والعصبية وتنازع الرياسة والجاه.
- الخلافات الدينية والمذهبية.
- الانغماس في ألوان الترف والنعيم.
- انتقال السلطة والرياسة إلى غير العرب، من الفرس تارة، والديلم تارة أخرى، والمماليك والأتراك وغيرهم ممن لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح، ولم تشرق قلوبهم بأنوار القرآن لصعوبة إدراكهم لمعانيه.
- إهمال العلوم العملية والمعارف الكونية، وصرف الأوقات وتضييع الجهود في فلسفات نظرية عقيمة وعلوم خيالية سقيمة.
- غرور الحكام بسلطانهم، والانخداع بقوتهم، وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمم من غيرهم، حتى سبقتهم في الاستعداد والأهبة، وأخذتهم على غرة.
- الانخداع بدسائس المتملقين من خصومهم، والإعجاب بأعمالهم ومظاهر حياتهم، والاندفاع في تقليدهم فيما يضر ولا ينفع.
وبهذا النقد العبقري – على حد قول د. عمارة- قدّم الأستاذ البنا للصحوة الإسلامية ميزانا تزن به نظم الحكم الإسلامية في تاريخ الإسلام(1).
حركة أهدافها محددة
قال الإمام حسن البنا:
1- نريد أولاً: الرجل المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته، وفي عمله وتصرفه.
2- ونريد بعد ذلك: البيت المسلم، ونحن لهذا نعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل، ونعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب.
3- ونريد بعد ذلك: الشعب المسلم في ذلك كله أيضاً، ونحن لهذا نعمل على أن تصل دعوتنا إلى كل بيت، وأن يُسمع صوتنا في كل مكان، وأن تنتشر فكرتنا، وتتغلغل في القرى والنجوع والمدن والحواضر والأمصار.
4- ونريد بعد ذلك: الحكومة المسلمة، التي تقود هذا الشعب إلى المسجد، وتحمل به الناس على هدي الإسلام من بعد، كما حملتهم على ذلك بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر وعمر من قبل. وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام.
(1) دراسة عن التجديد عند الإمام حسن البنا, ألقاها الدكتور محمد عمارة بمناسبة مائة سنة على ميلاد الإمام البنا في عمان (الأردن).
5- ونريد بعد ذلك: أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي الذي مزقته السياسة الغربية، وأضاعت وحدته المطامع الأوروبية. ونحن لهذا لا نعترف بهذه التقسيمات السياسية، ولا نسلم بهذه الاتفاقات الدولية، التي تجعل الوطن الإسلامي دويـلات ضعيفـة ممزقة، ولا نسكت على هضم حرية هذه الشعوب واستبداد غيرها بها.
6- ونريد بعد ذلك: أن تعود راية الله خافقة عالية على تلك البقاع التي سعدت بالإسلام.. ودوّى فيها صوت المؤذن بالتكبير والتهليل(1).
أما الوسائل، فواضحة ومحددة كذلك وهي:
1- إشاعة الوعي العام في الأمة بالتقصير في تطبيق الإسلام.
2- الإشعار بوجوب العودة إلى الإسلام: دينياً بمقتضى عقد الإيمان، ودنيوياً بحكم العزة القومية والأصالة الذاتية.
3- شرح ما تجنيه الأمة من ثمار برجوعها إلى الإسلام الصحيح في حياتها مادياً ومعنوياً، ثقافياً وسياسياً، اجتماعياً واقتصادياً.
4- مخاطبة الحكام والمسؤولين في ذلك وإقامة الحجة عليهم، ووضع المقترحات العملية للإصلاح.
5- استخلاص العناصر الطيبة المستعدة للبذل، لتربيتهم تربية متكاملة للقيام بهذا الواجب عند اللزوم.
6- التدرج في الخطوات والمراحل، ابتداءً بالتعريف ثم التكوين وأخيراً بالتنفيذ.
(1) رسالة إلى الشباب- حسن البنا، ص- 178 (مجموعة الرسائل).
وختم الإمام البنا حديثه عن الوسائل فقال:
أيها الإخوان المسلمون:
ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة.
ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها، وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد(1).
(1) رسالة المؤتمر الخامس- حسن البنا, ص- 127 (مجموعة الرسائل).
القائد المؤسس
هو الإمام حسن البنا الذي أسس هذه الحركة عام 1928م.
يتحدث عنه د. ريتشارد ميتشل صاحب كتاب الإخوان المسلمين فيقول: وافق وصول البنا إلى القاهرة فترة الغليان السياسي والفكري الشديد الذي غيّر مصر العشرينات، فنظر إلى ذلك المشهد بعين القروي المتدين، واستخلص ما اعتبره مشاكل جدية، وهي:
- التنازع على حكم مصر بين حزبي الوفد والأحرار الدستوريين السياسيين، والجدل السياسي الصاخب وما نتج عنه من الفرقة التي أعقبت ثورة عام 1919م.
- والدعوة إلى الإلحاد والإباحية التي كانت تحيط بالعالم الإسلامي.
- ومهاجمة الأعراف المستقرة والمعتقدات التي ساندتها الثورة الكمالية بنبذها الخلافة والخط العربي، وهي مهاجمة تم انتظامها في حركة (التحرر الفكري والاجتماعي) لمصر - ثم التيارات غير الإسلامية بالجامعة المصرية التي أعيـد تنظيمها آنذاك، والتي بدا أنها تستمد إلهامها من الفكرة القائلة بأن الجامعة لا يمكن أن تكون جامعة علمانية ما لم تثر ضد الدين، وما لم تحارب الأعراف الاجتماعية المستمدة منه.
- يضاف إلى ذلك الندوات والجمعيات والحفلات والكتب والصحف والمجلات التي روجت الأفكار التي كان هدفها الوحيد هو إضعاف أثر الدين(1).
(1) الإخوان المسلمون- ريتشارد ميتشل, ص-(71-72).
وكان ردّ فعل هذه الصورة على حسن البنا ونظرائه في التفكير ما عبّر عنه الإمام حسن البنا
بقوله: ليس يعلم أحدٌ إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة، وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل والأدواء، ونفكر في العلاج وحسم الداء. ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حدّ البكاء(1).
- وما أن وصل حسن البنا إلى القاهرة حتى قام ببعض الاتصالات مع أتباع طريقته الحصافية.. ولكن سرعان ما تبين له أنها غير مجدية. وفي عامه الثاني التحق بمجموعة دينية أخرى هي جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية التي عنيت بإلقاء محاضرات في موضوعات إسلامية.. ولكن كان ذلك أيضاً غير كاف لمواجهة الفجوة التي بدت له تفصل بين المسلمين وبين العقيدة وتعاليمها.
- وهكذا انبعثت خطوته التالية من مخاوفه تلك، ومن اقتناعه المتزايد بأن المسجد وحده لا يكفي لنشر العقيدة بين الناس، وبالتالي قام بتنظيم مجموعة من طلبة الأزهر ودار العلوم الراغبين في التدرب على مهمة الوعظ والإرشاد.. وبعد مدة وجيزة دخل هؤلاء المساجد واعظين. وأهم من ذلك هو أن طريقتهم في الوعظ قد لاقت نجاحاً كبيراً فيما بعد إذ اتبعوا سبيل الاتصال المباشر بالناس في أماكن اجتماعاتهم العامة كالمقاهي والمجتمعات الشعبية الأخرى قاصدين بذلك تعزيز الفكرة الإسلامية ونشرها من جديد. ثم أرسلت فئة من هذه المجموعة بعد تدريبهم في القاهرة إلى القرى لا كدعاة إلى رسالة الإسلام فحسب ولكن لتسهيل نشر فكرة الإخوان المسلمين أيضاً حين تؤسس في المستقبل.
- واتصل الإمام البنا خلال هذه الفترة بصاحب المكتبة السلفية التي كان يديرها محب الدين الخطيب، وبرشيد رضا صاحب المنار.. وحمل مخاوفه إلى مشايخ الأزهر فأجابوه على لسان الشيخ الدجوي: حسب الإنسان أن يعمل لنفسه, وأن ينجو بها من هذا البلاء.. وأخيراً التقى بمجموعة من إخوانه في الإسماعيلية في مارس 1928م وأسسوا الإخوان المسلمين.. لقد قرر الإمام رغم جميع المرارات التي ذاقها والمثبطات التي واجهها أن يمر على الجسر الضيق الذي طالما مر عليه المجددون من أمة الإسلام.
(1) رسالة المؤتمر الخامس – الإمام حسن البنا.
يقول الإمام حسن البنا في مذكراته: (ثم كانت في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي حوادث عدة ألهبت نفسي، وأهاجت كوامن الشجن في قلبي، ولفتت نظري إلى وجوب الجد والعمل، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه، والتأسيس بعد التدريس. وأخذت أفاتح كثيراً من كبار القوم في وجوب النهوض والعمل وسلوك طريق الجد والتكوين، فكنت أجد التثبيط أحياناً، والتشجيع أحياناً، والتريث أحياناً، ولكني لم أجد ما أريد من الاهتمام بتنظيم الجهود العملية. وليت وجهي شطر الأصدقاء والإخوان ممن جمعني وإياهم عهد الطلب وصدق الود والشعور بالواجب، فوجدت استعداداً حسناً. وكان عهد وكان موثق أن يعمل كلٌ منا لهذه الغاية، حتى يتحول العزم العام في الأمة إلى وجهة إسلامية صالحة. وفي الإسماعيلية وضعت أول نواة تكوينية للفكرة، وظهرت أول هيئة متواضعة نعمل ونحمل لواءها ونعاهد الله على الجندية التامة في سبيلها تحت اسم ( الإخوان المسلمون) وكان ذلك في ذي القعدة سنة 1347هـ الموافق آذار ( مارس 1928م ) (1).
لقد كانت هذه الحركة على موعد مع القائد الفذ الرباني حسن البنا.. وكانت فكرة وأصبحت أعظم حركة تملأ الدنيا وتشغل الناس..
(1) قائد الدعوة- أنور الجندي، ص- 137.
سيرة الإمام المجدد حسن البنا 1906 – 1949م
الحديث عن حركة الإخوان المسلمين يقتضينا أن نتحدث عن الإمام حسن البنا.. الذي أسس هذه الحركة.. ونشر فكرها في مصر أولاً.. وفي المنطقة العربية والإسلامية بعد ذلك..
المولد والأسرة(1)
- ولد حسن البنا بمدينة المحمودية بمحافظة البحيرة (التي تبعد 150 كيلو متراً شمال غربي القاهرة) في 25 شعبان 1324هـ الموافق 14 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1906م، وهو ينتسب إلى أسرة ريفية متوسطة الحال، كانت تعمل بالزراعة في إحدى قرى الدلتا هي قرية شمشيرة (قرب مدينة رشيد الساحلية). كان أبوه الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا مأذوناً محلياً وإماماً ومدرساً بالمسجد وباحثاً، اشتغل بعلوم السنة، وله عدة مصنفات في الحديث الشريف أهمها (الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني)، وقد كان يعتبر نفسه من تلامذة الإمام محمد عبده. وكان إلى هذا يحترف تجليد الكتب وإصلاح الساعات، لذا لقب بالساعاتي.
وأمه أم سعد إبراهيم صقر، والدها تاجر مواشي بقرية شمشيرة.
أما إخوته فهم: عبد الرحمن الذي أسس جمعية الحضارة الإسلامية في القاهرة، وفاطمة (حرم الأستاذ عبد الحكيم عابدين) ومحمد وعبد الباسط وزينب والأستاذ أحمد جمال الدين وفوزية (حرم الأستاذ عبد الكريم منصور المحامي).
(1) من مقدمة مجموعة رسائل الإمام حسن البنا.
- نشأ حسن البنا في بيت علم وصلاح، وتلقى علومه الأولية في مدرسة الرشاد الدينية وكان معلمه بالمدرسة الشيخ محمد زهران من أوائل الذين أثروا تأثيراً عميقاً في تطور التلميذ الصغير بعد أثر والده، يتحدث عنه الإمام حسن البنا فيقول: (وكان للرجل أسلوب في التدريس والتربية مؤثـر منتـج، رغـم أنه لم يدرس علوم التربية ولم يتلق قواعد علم النفس، فكان يعتمد أكثر ما يعتمد على المشاركة الوجدانية بينه وبين تلامذته.. ولعلي أدركت خلال هذه الفترة أثر التجاوب الروحي والمشاركة العاطفية بين التلميذ والأستاذ). وفي هذه المدرسة المباركة مرت فترة من فترات العمر بين الثامنة والثانية عشرة(1).
أحمد عبد الرحمن البنا (في الوسط)
(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا, ص- 14.
ثم التحق حسن البنا بالمدرسة الإعدادية بالمحمودية، وبدأ اهتمامه في سن مبكرة بالعمل الإسلامي فأنشأ مع زملائه في الدراسة وبإشراف أحد معلميه الشيخ محمد أفندي عبد الخالق (جمعية الأخلاق الأدبية) ثم (جمعية منع المحرمات)، وتعرف على (الطريقة الحصافية)، مما أصّل في نفسه معاني الزهد والصفاء والتجرد. ومن وحي هذه الجمعيات تم تأسيس الجمعية الحصافية الخيرية، وأصبح البنا وهو في الثالثة عشرة من عمره أمينا لها، أما رئيسها فكان أحمد السكري. وكان لهذه الجمعية الجديدة هدفان: المجاهدة لحفظ الأخلاق الإسلامية، ومقاومة أعمال إرساليات التبشير المسيحية. وكانت هذه الجمعية نواة الإخوان المسلمين(1).
كان الإمام يقسم وقته بين الدرس نهاراً، وتعلم حرفة الساعات بعد الانصراف من المدرسة إلى العشاء، ويستذكر دروسه بعد ذلك إلى النوم، ويحفظ حصة من القرآن الكريم بعد صلاة الفجر حتى يذهب إلى المدرسة(2).
- وعلى الرغم من انضمام الإمام البنا وهو في هذه السن المبكرة إلى الصوفية وانشغاله بالأوراد والصلاة وزيارة الأولياء.. إلا أن ذلك لم يمنعه وهو تلميذ في الإعدادية، وفي سن الثالثة عشرة من المشاركة في الحركة الوطنية وقيادة زملائه في المظاهرات والإضرابات التي كانت تنظم في المدرسة.
يقول الإمام البنا: ولا زلت أذكر يوم دخل علينا أستاذنا الشيخ محمد خلف نوح .
(1) الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية- اسحق موسى الحسيني، ص- 47.
(2) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 15.
والدموع تترقرق في عينيه فسألناه الخبر فقال: مات محمد فريد بك، وأخذ يحدثنا عن سيرته وكفاحه في سبيل الوطن. وأوحت لي هذه الذكرى ببعض أبيات من الشعر جاء فيها:
أفريد نم بالأمن والإيمـان
- أفريد لا تجزع على الأوطان
ولا زلت أذكر حديث الناس حول لجنة ملنر وإجماع الأمة على مقاطعتها, وكيف دفع هذا الشعور الفياض الإمام البنا أن يقول:
يـا ملنر ارجـع ثـم سـل
- وفـداً ببـاريس أقـام
وارجع لقـومـك قـل لهـم
- لا تخدعـوهم يـا لئام(1)
وبعد أن انتقل البنا إلى مدرسة المعلمين بدمنهور استمر في المشاركة في فعاليات العمل الوطني ضد الإنكليز وأعوانهم.. فقد كان يعتقد أن الخدمة الوطنية جهاد مفروض لابد من القيام به(2).
- وانتقل حسن البنا إلى دار المعلمين بدمنهور عام 1920م، وكان أمام عقبتين: عقبة السن فهو ما يزال في منتصف الرابعة عشرة وأقل سن القبول أربع عشرة سنة كاملة، وعقبة إتمام حفظ القرآن الكريم إذ أن ذلك هو شرط القبول، ولقد كان ناظر المدرسة وهو الأستاذ بشير الدسوقي موسى كريماً متلطفاً، فقد تجاوز عن شرط السن وقبل منه التعهد بحفظ ربع القرآن الباقي.
وكان للإمام في هذه الفترة نظام لا يكاد يتبدل.. فقد نظم وقته بحيث يقضي الأسبوع المدرسي في دمنهور، ويعود ظهر الخميس إلى المحمودية، ثم يعود صباح السبت إلى المدرسة.
(1) مذكرات الدعوة والداعية، ص- 33.
(2) ظروف النشأة وشخصية الإمام المؤسس- جمعة أمين ، ص- 179.
الإمام حسن البنا
وفي المحمودية كان يقضي فترة النهار في الدكان صانعاً، وفترة الليل مع الإخوان الحصافية ذاكراً..
وأدى الإمام امتحان كفاءة التعليم فكان الأول في المدرسة والخامس في القطر(1).
- وفي عام 1923م انتقل إلى القاهرة حيث انتسب إلى دار العلوم. وهناك تفتحت أمام حسن البنا آفاق جديدة واسعة، فبالإضافة إلى مجالس إخوان الطريقة الحصافية الصوفية، كان يرتاد المكتبة السلفية ويلتقي بمجموعة من العلماء الفضلاء على رأسهم العالم الفاضل محب الـدين الخطيـب، ومجالـس العلماء الأزهريين وعلى رأسهم الشيخ رشيد رضا الذي كانت له جولات موفقة في رد الكيد عن الإسلام، كما أصبح معجباً بفريد وجدي وأحمد تيمور باشا، والأستاذ الأكبر محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق، والأستاذ محمد أحمد الغمراوي، إذ رأى في هؤلاء أنصاراً للقضية الإسلامية.
(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 46.
كان حسن البنا يحض الجميع على ضرورة العمل للإسلام بشتى الوسائل لصد التيار العلماني الذي امتلك ناصية الساحة السياسية بعد إسقاط مصطفى كمال للخلافة، ومواجهة الإلحاد والإباحية في مصر الذي تجلى بالدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، ورسم أبي الهول على طوابع البريد وأوراق العملة اقتداء بالكماليين الذين وضعوا رسم الذئب الأغبر الذي يمثل التراث الوثني للأتراك على طوابع البريد، ووصل الأمر إلى حدّ طرح إعادة النظر بقانون الأحوال الشخصية، والمطالبة بإلغاء الوقـف، وإلغاء منصب المفتي في البرلمان..
ولقد عبر حسن البنا عن مشاعره تجاه هذه الأحداث فقال: (فاعتزمت أمراً إيجابياً وقلت في نفسي: لماذا لا أحمّل هؤلاء القادة من المسلمين هذه التبعة وأدعوهم في قوة إلى أن يتكاتفوا على صدّ هذا التيار؟ فإن استجابوا فذاك، وإلا كان لنا شأن آخر. وصح العزم على هذا وبدأت التنفيذ) (1).
(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 32.
ولقد أدت هذه المبادرة إلى ظهور مجلة الفتح الإسلامية التي صدر العدد الأول منها في 10 حزيران (يوليو) 1926م، ثم تأسيس جمعية الشبان المسلمين في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1927م، التي قام على تأسيسها شخصيات من بقايا الحزب الوطني وأتباع الشيخ محمد عبده من أمثال الدكتور عبد الحميد سعيد والدكتور يحيى الدرديري والشيخ محب الدين الخطيب، وبعد تعيين الإمام البنا
مدرسـاً في الإسماعيلية أصبح مراسلاً لمجلتها الفتح التي أصدرها آنذاك محب الدين الخطيب مدير المكتبة السلفية وأحد مؤسسي جمعية الشبان المسلمين(1).
الدعوة في المقاهي
إن ما رآه حسن البنا في القاهرة من مظاهر التحلل والفساد، جعلته يفكر في أن المساجد وحدها لا تكفي في إيصال التعاليم الإسلامية إلى الناس.. وهنا تبدو عقلية البنا المبتكرة! إن الجمهور الذي لا يغشي المساجد، أشد حاجة إلى الوعظ من جمهور المساجد، فهو منقطع الصلة بالدين، بعيد عن سماع الموعظة، فلماذا لا تنتقل الموعظة إليه؟!
وكان أن اقترح على جماعة من زملائه بدار العلوم، وبعض أصدقائه الأزهريين، أن يخرجوا للدعوة في المقاهي والمجتمعات العامة! وكان
(1) الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية- اسحق موسى الحسيني، ص- 23.
أن نجحت التجربة نجاحاً عظيماً شجعتهم على الاستمرار فيها. وانشعبت منهم شعبة تتولى نشر الدعوة الإسلامية في الريف والمدن أثناء الإجازة الصيفية. وأفادوا من هذه التجربة كسب الثقة النفسية، وحسن الأحدوثة في الأوساط الشعبية(1).
حركة الإخوان المسلمين
يبدو أن فكرة الإخوان قد تبلورت في رأس حسن البنا، وهو مازال طالباً بدار العلوم. فقد كتب موضوعاً إنشائياً كان عنوانه: ما هي آمالك في الحياة بعد أن تتخرج؟ فقال: إن أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان:
خاص: وهو إسعاد أسرتي وقرابتي ما استطعت..
وعام: وهو أن أكون مرشدا معلماً، إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار، ومعظم العام، قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم، ومنابع سعادتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة(2).
فلما تخرج من دار العلوم عام 1927م، وكان ترتيبه الأول، عيّن مدرساً بمدينة الإسماعيلية على قناة السويس ، وعندما جاء أصدقاؤه ليودعهم ويودعوه.. قال له محمود أفندي الشرنوبي.. وهو رجل صالح: إن الرجل الصالح يترك أثراً صالحاً في كل مكان ينزل فيه.. وأخذت هذه الكلمات مكانها من نفس المسافر.
(1) روح وريحان- أحمد أنس الحجاجي ، ص- 97. الإخوان المسلمون والمجتمع المصري- محمد شوقي زكي ، ص- 15. الإمام الشهيد حسن البنا- د. جابر قميحة ، ص- 29.
(2) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 60.
مدينة الإسماعيلية
وبدأ نهجاً مدروساً في الدعوة، فكان يتصل بالناس في المقاهي، ثم ينتقل بهم إلى المسجد باذلاً جهده في تجاوز الخلافات التي كانت تسود المجتمع الإسلامي آنذاك. واستطاع أن يرسي دعائم دعوة إسلامية متميزة، حيث تعاهد مع ستة نفر من إخوانه على تشكيل أول نواة لجماعة الإخوان المسلمين، ومما قاله هؤلاء الستة للأستاذ البنا: (لقد سمعنا ووعينا، وتأثرنا ولا ندري ما الطريق العملية إلى عزة الإسلام وخير المسلمين. لقد سئمنا هذه الحياة: حياة الذلّ والقيود. وها أنت ترى أن العرب والمسلمين في هذا البلد لا حظ لهم من منزلة أو كرامة، ونحن لا نملك إلا هذه الدماء (تجري حارة بالعزة في عروقنا)، وهذه الأرواح (تسري مشرقة بالإيمان والكرامة مع أنفاسنا) وهذه الدراهم القليلة (من قوت أبنائنا)، وكل الذي نريده الآن أن نقدم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يدي الله. وإن جماعة تعاهد الله مخلصة على أن تحيا لدينه، وتموت في سبيله، لا تبغي بذلك إلا وجهه، لجديرة أن تنتصر وإن قل عددها وضعفت عدته) (1).
وكان ذلك في شهر ذي القعدة 1347هـ الموافق آذار (مارس) 1928م، وأولئك هم الإخوة (حافظ عبد الحميد ، أحمد الحصري ، فؤاد إبراهيم ، عبد الرحمن حسب الله ، إسماعيل عز ، زكي المغربي )(2)، وكلهم من الذين أثرت فيه دروس الأستاذ ومحاضراته, وقال قائلهم: بمَ نسمي أنفسنا؟ وهل نكون جمعية أو نادياً، أو طريقة أو نقابة حتى نأخذ الشكل الرسمي؟ فقلت: دعونا من الشكليات، وليكن أول اجتماعنا وأساسه: الفكرة والمعنويات والعمليات، نحن إخوة في خدمة الإسلام، فنحن إذن (الإخوان المسلمون). وجاءت بغتة.. وذهبت مثلاً.. وولدت أول تشكيلة للإخوان المسلمين من هؤلاء الستة, حول هذه الفكرة, على هذه الصورة, وبهذه التسمية(3).
ولبث الإمام البنا يعمـل لدعوته صامتاً بغير ضوضاء ولا ضجيج، وكسب من وراء ذلك لنفسه ولدعـوته الكثير، فسـارت دعوته في طريقهـا تكسـب كـل يوم مزيداً من الأنصـار والجنـود. فلم يترك قـرية ولا بلـدة إلا زارها وبات بها واجتمع بالنـاس فيهـا. وكـانت أسفاره فـي عطلته الأسبوعية، وفي عطلتـه السنـوية في الصيف، ففي الأولى يزور البلاد القريبة، وفي الأخرى البلاد البعيدة.. وأثمـرت أسفاره بعد سنتين شعبة في كل من أبو صوير وبورسعيد والبلاح.
(1) الإخوان المسلمون- د. ريتشارد ميتشل، ص- 77.
(2) لماذا اغتيل الإمام حسن البنا- عبد المتعال الجبري ، ص- 37.
(3) مذكرات الدعوة والداعية, ص-66. كبرى الحركات الإسلامية- د. محمد السيد الوكيل , ص-38.
وبعد ثلاث سنوات، شعبة أخرى في السويس ، وبعد أربع سنوات نحواً من عشرة فروع، ومعهداً في الإسماعيلية لتربية البنات وإعدادهن ليكن أخوات مسلمات. لقد عني الإمام البنا بالمرأة عناية كبيرة، ولعل تلك التجربة هي أول محاولة جادة في الوطن العربي للنهوض بالمرأة وتنميتها فكرياً وتأهيلها اجتماعياً وسياسياً.
وبعد نحو خمس سنوات من تأسيس الدعوة في الإسماعيلية، نقل الأستاذ البنا سنة 1933 إلى القاهرة.
لقد تشكلت النواة الأولى للجماعة في الإسماعيلية من أفراد قلائل محدودي القدرات، وانطلقت تعمل في مجال الحياة اليومية وتعالج قضايا الناس ومشكلات حياتهم الواقعية. في الإسماعيلية حيث نشأت الجماعة كان الناس يتعرضون لتحكم شركة قناة السويس بهم.. فكان طبيعياً أن يبدأ البنا بإعادة ثقة المسلم بنفسه وبتعلم حقوقه وواجباته وبغرس معاني العزة والكرامة في الفرد حتى لا يهاب الأجنبي المستعمر المستبد. ومن أجل هذا كانت الشعبة تتألف من مسجد ومن مدرسة لتعليم الناس.. فلا سبيل لنجاح الدعوة الإسلامية والناس على ما كانوا عليه من الجهل.
في مذكراته كتب الإمام (وحي الإسماعيلية) فقال: كان للإسماعيلية وحي عجيب، فهذا المعسكر الإنكليزي في غربها ببأسه وسلطانه، يبعث في نفس كل وطني غيور الأسى والأسف.. وهذه المنازل الفخمة المنتشرة في حي الإفرنج بأكمله، ويسكنها موظفو الشركة الأجانب، وتقابلها مساكن العمال العرب في ضآلتها وصغر شأنها، والشوارع كلها بها لوحات لا تكتب إلا بلغة هذا الاحتلال الجاثم على صدرها، حتى شارع المسجد كان مكتوباً بلغتهم(1).
(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 75.
فتن واجهتها الدعوة في الإسماعيلية
يذكر الإمام البنا في مـذكراته بعض الفتن التي واجهتها الـدعوة وهي في مهدها في الإسماعيلية.. وكيف تم التغلب عليها.. نذكرها للعبرة :
1- فما كاد يظهر إعجاب الناس والتفافهم حول الدعوة وتقديرهم للعاملين لها، حتى أخذت عقارب الحسد والضغينة تدب في نفوس ذوي الأغراض، وراحوا يصورون الدعوة والداعين للناس بصور شتى: فهم تارة يدعون إلى مذهب خامس، وهم أحياناً شباب طائش، وهم مختلسون يأكلون أموال الناس بالباطل!!
وسمعت هذا اللغط فلم أعبأ به ولم أحاول الرد عليه، وأنا لا أعلم قاعدة أفادتني كثيراً في سير الدعوة العملي مثل: أن الإشاعة والأكاذيب لا يُقضى عليها بالرد عليها، ولكن يُقضى عليها بعمل إيجابي نافع يستلفت الأنظار ويستنطق الألسنة(1).
2- ومع استمرار نجاحنا في الإسماعيلية، اشتدت علينا الدسائس والفتن. فلم يجدوا سلاحاً إلا بالدس والوشايات والعرائـض المجهولة فكتبوا بها إلى السلطـات المحلية بالإسماعيلية من البوليس والنيابة وغيرها. ولما لم يجدهم ذلك نفعاً كتبوا عريضة إلى رئيس الحكومة رأساً ضمنوها أموراً غريبة منها أن هذا المدرس شيوعي، وأنه وفدي يعمل ضد النظام.. إلى آخر هذه الاتهامات الباطلة.. وجاء التحقيق.. ورأيت كيف ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)(2).
(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 95.
(2) الحج-38.
3- ومن الدروس التي تعلمتها.. أن الداعية ينبغي أن يحذر من صنفين من الناس حذراً شديداً ولا يلحقهما بالدعوة أبداً: الملحد الذي لا عقيدة له، وإن تظاهر بالصلاح، والصالح الذي لا يحترم النظام، ولا يقدر معنى الطاعة، فإن هذا ينفع منفرداً، وينتج في العمل وحده، ولكنه يفسد نفوس الجماعة: يغريها بصلاحه، ويفرقها بخلافه(1).
4- رغب الإخوان أن أقيم لهم من بينهم من ينهض بأعباء الدعوة في حال انتقالي من الإسماعيلية. ورشحت لهم الأخ الشيخ علي الجداوي ، وهو من أفضل الإخوان خلقاً وديناً، فوافقوا عليه بالإجماع. وكان من بين الإخوان مدرس يريد هذا المنصب لنفسه، ويرى أنه الأحق به من هذا الذي اختاره الإخوان.. فبدأ باتصالات جانبية وانضم إليه ثلاثة آخرون وبدأوا يشيعون الفتنة في صفوف الإخوان.
وأردت أن أقضي على الفتنة، وأن أحافظ على هؤلاء الإخوة في نفس الوقت، فدعوت إلى اجتماع لجميع الإخوان وطرحت الموضوع عليهم مرة ثانية.. وذكر كل فريق رأيه.. وكانت نتيجة التصويت أربعة مقابل خمسمائة أخ لصالح الشيخ علي الجداوي . ولكن النفوس إذا تمكن منها الهوى في ناحية فإنه يعميها عن الخير.. ومن هنا بدأ هؤلاء الأربعة يشيعون عن الدعوة والجماعة السوء في ثوب النصيحة. وانتهى بهم الأمر إلى تقديم بلاغ إلى السلطات يتهمون فيه رئيس الإخوان حسن أفندي بأنه يبعثر الأموال ويتصرف بما لا يحق له.
(1) مذكرات الدعوة والداعية (المرجع السابق)، ص- 108.
يقول الإمام: وفكرت أن أدعو مجلس الإدارة لتقرير فصلهم من الجماعة، ولكنهم بادروا فقدموا استقالاتهم. ولم يتوقف كيد هؤلاء عند هذا الحد بل لجأوا إلى طبع النشرات ونشر الإشاعات يقولون فيها: إن البنا ينتهك مبدأ الشورى، وإن حرية الرأي مفقودة في هذه الجماعة(1).
حسن البنا في القاهرة
وفي جمادى الآخرة 1351هـ الموافق تشرين الأول (أكتوبر) عام 1933 م انتقل الإمام حسن البنا إلى القاهرة. وبانتقاله انتقل إليها المركز العام للإخوان المسلمين.
وبعد عام واحد من إقامته بالقاهرة، انتشرت فكرة الإخوان فيما يزيد عن خمسين بلداً من بلدان القطر المصري، وقامت في كل بلد من هذه البلدان تقريباً بمشروع نافع، أو بمؤسسة مفيدة، ففي الإسماعيلية أسست مسجد الإخوان، وناديهم، ومعهد حراء لتعليم البنين، ومدرسة أمهات المؤمنين لتعليم البنات، وفي شبراخيت أسست مسجداً، ونادياً، ومعهداً للبنين، وداراً للصناعة يتعلم فيها طلبة المعهد الذين لا يستطيعون إتمام التعليم، وفي المحمودية قامت بمثل ذلك فأنشأت منسجاً للنسيج والسجاد، إلى جوار معهد تحفيظ القرآن. وقل مثل ذلك في كل شعبة من شعب الإخوان المنتشرة من إدفو إلى الإسكندرية(2).
وفي القاهرة اندمجت جمعية الحضارة الإسلامية التي كان يرأسها شقيق الإمام الأستاذ عبد الرحمن البنا بجميع أعضائها مع الإخوان. كان الإمام يقوم برحلات متتابعة إلى الأقاليم يصحب فيها إخوانه الجدد يربيهم على خلق الدعوة وفقهها، ويؤهلهم للقيام بأعبائها، فإذا كان يوم الخميس من كل أسبوع أعدّ حقيبته واستقل القطار كما يستقله أي فرد عادي من أفراد الشعب فخالط المسافرين وتحدث إليهم وعرف آلامهم وما يطلبون هم وإخوانهم في بلادهم.
(1) مذكرات الدعوة والداعية (المرجع السابق)، ص- 139.
(2) الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية- اسحق موسى الحسيني، ص- 37. الإخوان المسلمون والمجتمع المصري- محمد شوقي زكي ، ص- 22.
الإمام حسن البنا مع أول مجلس إدارة لجماعة الإخوان المسلمين
ولقد استفاد حسن البنا من هذه الجولات ثروة أمدته بفيض من المعاني النفسانية المتوارية في الناس والتي يحتاج إليها المصلح لتشخيص أدواء النفوس والوقوف على ما ينتابها(1).
وكان يتابع عمله هذا بدأب وتفان حتى غطت جماعة الإخوان المسلمين القطر المصري كله.
- في هذه الفترة أصدر الإمام البنا (مجلة الإخوان المسلمون) الأسبوعية عام 1933 م والتي كان يرأس تحريرها الأستاذ طنطاوي جوهري ومديرها السيد محب الدين الخطيب واستمرت أربع سنوات، ثم مجلة النذير وهي سياسية أسبوعية, صدر العدد الأول منها في 29 ربيع الأول 1357هـ. وقد خرجت مع بعض من خرجوا من الجماعة في عام 1939م، ثم (مجلة المنار) في عام 1939م(2), وفي عام 1942م أصدرت الجماعة مجلتها الأسبوعية (الإخوان المسلمون)، وفي 5 أيار (مايو) 1946م صدرت جريدة الإخوان المسلمون اليومية التي واصلت صدورها حتى حلت الجماعة عام 1948م، وفي عام 1947م أصدر الإمام حسن البنا مجلة شهرية للدراسات الإسلامية باسم (الشهاب).
الأساس الفكري والمنهجي العملي للدعوة والجماعة :
أصدر الإمام البنا نحو خمس عشرة رسالة، وهي سلسلة تتابع صدورها، متواكبة مع تطورات الجماعة، وحركة الدعوة، وتفاعل الإخوان مع الأحداث والرأي العام، شارحاً فيها أهداف الجماعة ووسائلها، وقد كانت ولا تزال الأساس الفكري والمنهج العملي للدعوة والجماعة.
(1) روح وريحان- أحمد أنس الحجاجي ، ص- 179.
(2) كان الشيخ رشيد رضا يصدر المنار، صوت الحركة الإصلاحية السلفية، وبعد وفاته تولى الأستاذ البنا إصدارها.
(3) الإخوان المسلمون- محمد فريد عبد الخالق، ص- 5.
الإمام البنا والشيخ طنطاوي جوهري :
ما كادت دعوة الإخوان المسلمين تنشأ عام 1928م في الإسماعيلية إلا وأخذت في الانتشار وسط الناس, لاعتدالها في الفكر، ووسطيتها في المنهج، وأخذِها بشمول الإسلام، ثم انتقلت في أكتوبر 1932م إلى القاهرة بانتقال الأستاذ البنا، والتي وجدت قلوبًا ذكيةً طاهرةً، تلقفتها بكل حب؛ فأخذت في الانتشار بين مختلف طبقات المجتمع حتى بين العلماء، ومن بينهم الشيخ طنطاوي جوهري، الذي سمع عن الشيخ حسن البنا، فذهب إليه وسأله: إلام تدعو؟! قال: أدعو إلى القرآن، فقال: دع هذا اللفظ الكريم من حديثنا, فإن هذا اللفظ مظلوم ظلمًا بيِّنًا، فما من فرقة قامت في الدولة الإسلامية مهما كانت زائفةً عن الإسلام إلا وادَّعت أنها تدعو إلى القرآن، فأجبني بتفاصيل ما تدعو إليه في كل ناحية من نواحي الحياة، قال فشرح لي تفاصيل دعوته فوجدتها في حدود كتاب الله..
وبعد اقتناع الشيخ طنطاوي جوهري بالدعوة قال له الشيخ البنا: يا سيدي الأستاذ.. إنك أستاذنا وأستاذ الجميع، وأنت حكيم الإسلام، وأراك أحق بمنصب الإرشاد لهذه الدعوة مني، وهذه يدي أبايعك.. فقال الشيخ: لا يا أخي.. أنت صاحب الدعوة، وأنت أقدر عليها، وأنت أجدر بها، وأنا أبايعك على ذلك، ومدَّ يده فبايعه، ولم ينكث- رحمه الله- بيعته إلى أن لقي ربه.
وفي ذات يوم قال له بعض العلماء: كيف تقبل وأنت العالم الجليل أن تكون تابعًا لمدرس أقل شأنًا منك؟ فردَّ عليه بقوله: لو تعلمون عن هذا الشخص ما أعلم ما ملكتم إلا أن تبايعوه على نصرة الإسلام، ثم قال: إن حسن البنا في نظري مزاج عجيب من التقوى والدهاء السياسي، إنه قلب عليّ وعقل معاوية، وإنه أضفى على دعوة اليقظة عنصر الجندية، ورد إلى الحركة الوطنية عنصر الإسلامية، وبذلك يعد هذا الجيل الإسلامي الحاضر النسخة الإسلامية الثانية الكاملة المعالم بعد الجيل الإسلامي الأول في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
اختير الشيخ طنطاوي ليكون ممثلاً عن إخوان القاهرة في مجلس شورى الإخوان، والذي عُقد في الفترة من يوم السبت 11 من ذي الحجة 1353هـ الموافق 16 من مارس 1935م حتى يوم الإثنين 13 من ذي الحجة 1353هـ الموافق 18 من مارس 1935م، وتولى رئاسة تحرير صحيفة (الإخوان المسلمين)، والتي صدر العدد الأول منها في 22 من صفر 1352هـ الموافق 15 من يونيو 1933 م، وكان أول مقال فيها للشيخ بعنوان: إلى القراء الكرام.
وخُصِّص له في المركز العام درسٌ في تفسير القرآن الكريم ، كان يفسر القرآن بالعلوم الحديثة، وهو لون لم يكن مألوفًا في ذلك الوقت، وكان الرجل بارعًا في التفسير وفي الإقناع؛ حيث كان على قدم راسخة في التفسير وفي العلوم الكونية معًا.
وكان أكثر الآثار الواضحة للشيخ طنطاوي داخل الدعوة أنه كان أول من احتضن أول مجموعة من طلبة الجامعة وأرشدهم إلى طريق دعوة الإخوان المسلمين, ففي عام 1933 م- وأثناء زيارة الإمام البنا للوجه البحري- قامت مجموعة من طلاب المدارس العليا بزيارة الشيخ طنطاوي جوهري، وكانت تتألف من خمسة طلاب ينتمون إلى الكليات الجامعية المختلفة، وكانوا قد نجحوا في تأليف رابطة أسموها شباب الإسلام، وكانوا قد ذهبوا إلى الشيخ حامد سعفان والذي حلل لهم الوضع، ثم قال لهم: سأختصر لكم الطريق وأنصح لكم بالاتصال بالإخوان المسلمين، تلك الجماعة الناشئة الحية، التي لمست من مجلتها روح الإسلام في حرارته الأولى، واستروحت من أسلوبها نفحات الإخلاص والصدق والجهاد، ويكفي أن يعمل في ظل هذه الجماعة شخصية أجلُّها وأحترمها فوق علماء العصر، وهو الشيخ طنطاوي جوهري رئيس تحرير مجلة الإخوان، وهو عالم عظيم عرض الإسلام في كتبه وآرائه..
فذهبوا له فاستبشر بهم خيرًا، وقال: إذًا فقد بدأ عصر جديد، ولاحت نهضة جديدة، وطلع فجر منشود، ثم قال: لا تستصغروا أنفسكم يا أبنائي؛ فإنكم قوة لو استقامت لأقامت الدولة وأقعدتها، وإنكم شعلة لو أُضرمت لأحرقت وأنارت، وما دمتم قد عرفتم الإسلام ووُفِّقتم إلى الدعوة إليه والعمل له فقد عرفتم الطريق، وآن لمصر أن تتطور، وآن للشعب أن ينهض، وإن الإخوان حركة جديدة تستلهم روح الإسلام وتترسَّم مناهجه في تربية الأمة وخلق الرجال على نمط الدعوة الإسلامية الأولى.
ثم قال: إن أهم ما يميز البنا عن غيره أن كل من عرفهم من الزعماء أحد رجلين: إما سياسي حظه من الإسلام قليل أو زعيم ديني حظه من السياسة يسير؛ ولهذا لم تنجح الحركات الإصلاحية في مصر، أما الإمام البنا فهو يجمع بين الأمْرَين؛ فهو فقيه ممتاز وسياسي بارع.
ولم ينتظر الشيخ طنطاوي جوهري حضور الإمام البنا؛ فبعث إليه بخطاب زفَّ إليه تلك البشرى وسماها فتح مبين وكانت بحق فتحًا مبينًا على الدعوة، وأخذ يستحثُّ الإمام البنا أن يعود سريعًا إلى القاهرة، والتقى بهم الإمام البنا في القاهرة وبايعوه على العمل للإسلام، وكان من أولهم وأسبقهم على البيعة إخوة ستة، هم:
1- محمد عبد الحميد أحمد - كلية الآداب.
2- إبراهيم أبو النجار الجزار - كلية الطب.
3- أحمد مصطفى - التجارة العليا.
4- محمد جمال الفندي - كلية العلوم.
5- محمد رشاد الهواري - كلية الحقوق.
6- محمد صبري - الزراعة العليا.
وظل الشيخ طنطاوي شامةً في تاريخ الدعوة، يعمل لها دون كلل أو ملل، وبالرغم من تقدم سنه غير أن هذا لم يمنعه من العمل للإسلام وخدمته بأي طريقة.
زواج الإمام البنا
تزوج الإمام البنا في سنة 1932م أثناء إقامته بالإسماعيلية عندما كان لا يزال يعمل مدرساً بإحدى مدارسها. وكانت زوجته من أسرة الصولي، وهي أسرة من متوسطي تجار الإسماعيلية، وأنجب منها ستة، خمساً من البنات هن: ثناء ووفاء ورجاء وهالة واستشهاد، وولداً واحداً هو: أحمد سيف الإسلام. لقد سار الإمام في تدبير شؤون أسرته ومعاشها، مثلما سار والده، من حيث الاقتصاد في الإنفاق، والبعد عن كل مظاهر التبذير والترف.
الإمام البنا وأسرته
التزم الإمام البنا بأدبيات الإسلام في بيته سلوكًا ومنهجًا، فكان ابنًا بارًا، وزوجًا مخلصًا محبًّا لزوجته، ووالدًا حانيًا عطوفًا على إخوته وأبنائه، مهذبًا في سلوكه، مربيًا نصوحًا واصلاً لرحمه ورحم زوجته.
وكان للمرأة في بيت الإمام المؤسس الاحترام، والتقدير، والرعاية، فالمرأة تمثل له الأم والأخت والزوجة والإبنة والخادمة، التزم معهن جميعًا بأدب الإسلام وقيمه وفضائله، واهتم بأسرته اهتمامًا بالغًا، فجعلها من القلب والوجدان قرة عينه، وحمل مسئولياتها بشرف ورجولة فقد شارك أسرته كل همومها، وتحمل النصيب الأوفى من مسئولياتها، وخفف عن والده عبء تربية أشقائه، والإنفاق عليهم، كان في سلوكه مع أسرته ينطلق من دوافع رب الأسرة وليس مجرد فرد فيها.
علاقته بأمه
كان الإمام البنا وثيق الصلة بأسرته بارًا بوالديه ومحبًّا لهما يتأدب معهما بأدب الإسلام، فهو عطوف, مقر معترف بصنيعهما لا يناديهما إلا بما يوقرهما، ويدل على هيبته وإجلاله لهما، ففي خطاباته إليهما نراه يردد عبارات سيدي الوالد، سيدتي الوالدة، ومن خطاباته التي تدل على مدى حبه لأمه في خطاب يقول فيه عن أمه: (والله إني لأقضي الساعات الطوال في ألم لتألم والدتي، وفي تفكير كيف أرضيها وكيف أسعدها، وكيف أجعلها هانئة مغتبطة، فهل يوفقني الله إلى هذه الأمنية؟ خطر لي أن أزوركم كل شهر مرة لا لشيء إلا لأراكم وأشرف بتقبيل يديكم ويدي والدتي، وأحظى بدعوة صالحة من دعواتكم، وعسى أن يكون هذا مرضيًا لوالدتي بعض الرضا).
فالإمام البنا الذي تأدب بأدب الإسلام، ونشأْ في ظل منهجه يدرك تمام الإدراك نعمة بر الوالدين، والإحسان إليهما، ويدرك أيضًا أن الأم لها ثلاثة أرباع البر عن الأب، ولذا فهو معني بإرضائها وتقبيل يديها، والتفكير في كيفية إرضائها وإسعادها، ويجعل من ذلك أمنية له فيتساءل: هل يوفقني الله إلى هذه الأمنية؟
الإمام البنا مع زوجته
اقترن الإمام البنا بفتاة اختارتها له والدته، أهم مؤهلاتها حسن دينها؛ حيث سمعتها والدته وهي تصلي وتقرأ القرآن بصوت خاشع، فرحب الإمام البنا بهذا الاختيار، واقترن بها، ويقول عن ذلك: كأنما أراد الله أن يخفف عن نفسي وقع هذه الفتن، فأتاح لي فرصة الزواج، وتم الأمر في سهولة ويسر وبساطة غريبة، خطوبة في غرة رمضان تقريبًا، فعقد في المسجد ليلة السابع والعشرين منه، فزفاف في العاشر من ذي القعدة بعده وقضي الأمر والحمد لله.
وهكذا نرى أن الإمام البنا كان زواجه نموذجًا للزواج الذي يفضله الإسلام، ليكون مثلاً ونموذجًا يقتدى؛ حيث سارع في الزواج طلبًا للعفة والإحصان، والزواج في سهولة ويسر وبساطة، فلا تعقيدات ولا شروط مسبقة، أو مؤجلة، والفتاة ذات دين، والعقد تم في المسجد، والزفاف بعد مدة قصيرة من العقد، لا تتجاوز الشهر، وهكذا بدأ الإمام المؤسس تأسيس أركان أسرته وأولى لبناتها، فقد كان للأسرة اهتمام كبير في مشروعه باعتبارها الركيزةَ الأساسيةَ التي إن صلحت صلح المجتمع, ورسخ بنيانه وصمد في مواجهة ما يتعرض له من تحديات، وفي القلب من الأسرة الأم التي هي بمثابة الشجرة الطيبة، التي تمد بقيم الحب والحنان، والثمرات الصالحة.
وكان حرص الإمام البنا على اختيار الزوجة الصالحة المتدينة هو أول تطبيق عملي لما يؤمن به، فهي كما يقول: نصف الشعب، بل هي النصف الذي يؤثر في حياته..
كان الإمام المؤسس (رحمه الله) إنسانًا ناجحًا في حياته الأسرية والعملية، وقد كان يقول: إذا وجد الرجل المؤمن وجدت معه عوامل النجاح، ولذا فقد كان لإيمانه القوي بالله، والتزامه بمنهجه وسلوكه مخلصًا لدعوته، عاكفًا على تأسيس مشروعه لنهضة الأمة، كما كان أيضًا إنسانًا ناجحًا في بيته وأسرته واصلاً لأرحامه وأصهاره أيضًا.
الإمام البنا مع أرحامه وأصهاره
يقول أحمد سيف الإسلام عن والده الإمام البنا: "حرص (رضي الله عنه) أن يعرف أقارب زوجته فردًا فردًا، وكل ما يرتبط بها بصلة رحم، وأحصاهم عدًا وزارهم ووصلهم جميعًا.
ومن هنا ندرك كيف يمكن للعلاقات الإنسانية أن تتوطد ووشائج الأرحام أن تتلاحم، وصلات الأبناء بالأرحام كيف تؤسس من خلال علاقات زوجية ناجحة، وممارسة عملية من الآباء مع الأرحام أمام أبنائهم.
تميز الإمام البنا بسمات جعلته زوجًا ناجحًا محبوبًا في أهله، ومن ذلك أنه كان مع زوجته هادئ الطبع، واسع الصدر، هينًا لينًا، لم يرتفع له صوت على أحد في البيت، لأي سبب من الأسباب، يعاون زوجته في بعض أعباء البيت رغم انشغاله بأعباء الدعوة، كان دقيقًا في تصرفاته، منظمًا لشئونه، نافعًا لبيته، حرص على أن يكتب مذكرةً صغيرةً بكل احتياجات البيت الوقتية، حتى يحضرها بنفسه، أو يكلف من يحضرها، على علم بكل شيء يخص المنزل حتى موعد تخزين الأشياء كالسمن والبصل والثوم.
بمثل هذا الخلق الرفيع مع زوجته، كان رحمه الله نموذجًا للزوج الصالح الناجح، يتمثل الإسلام في قيمه ومبادئه، ويلتزم بسلوك رسوله الكريم مع أهل بيته، وكان عليه الصلاة والسلام هاشًا باشًا وفي مهنة أهله.
الإمام المؤسس مع أبنائه
إن أهم ما يميز الإمام البنا في علاقته بأبنائه هو الالتزام التربوي العملي، وفي قدرته على بناء الشخصية السوية، التي تؤسس على الإيمان بالله ومراقبته، والاحترام، وتحري الصدق والأمانة، والحب واللين، فقد كانت هذه القيم جانب أصيل في منهجه التربوي الذي التزمه في داخل أسرته وخارجها.
تحكي سناء البنا عن والدها فتقول:
(كنا لا نحس فيه الغلظة، يغمرنا بالمودة والرحمة والعطف، ينادينا بأحب الأسماء إلينا، يدخل البيت يطمئن على غطاء كل الأبناء، يتناول عَشَاءه المعد له سلفًا على المائدة دون إيقاظ الوالدة، أو أحد من أهل البيت).
ومن هنا ندرك كيف كان يملك القدرة الفائقة في التأثير على سلوك الأبناء نتيجة لهذا الخلق الطيب معهم كمعلم وقدوة، ووالد حنون، فالتوجيه بالحب والالتزام والقدوة من أهم سمات المربي الصالح.
يقول عنه ابنه أحمد سيف الإسلام: أنه كان عطوفًا إلى أقصى درجة، يراعي مشاعر الطفولة في أبنائه بشكل كبير، وكان لديه القدرة على جعلنا نطيعه دون حاجة إلى أمره.
ومع التزامه التربية الصحيحة مع أولاده، فقد عني أيضًا بتعليم إخوته وأبنائه، يستوي في ذلك ابنه سيف مع إخوته البنات، وفي خطاب وجهه إلى والده دليل واضح على اهتمامه بتعليم أخته فاطمة فيقول: أما فاطمة فأنا أوصيها كلما سنحت الفرصة الوصايا التهذيبية، وسأشرع معها في القراءة والكتابة بحول الله وقوته.
ولا يخفى علينا مكانة بناته العلمية اليوم، فقد اهتم بتعليمهن، وحصلت ثلاث منهن على الدكتوراة في الطب، وفي التجارة، وفي الاقتصاد المنزلي، وذلك لأنهن نشأن في بيت علم ودين، فكلما كان والدهم (رحمه الله) يؤمن بأهمية دور المرأة الصالحة المتعلمة في أسرتها ومجتمعها آمن بأهمية التفوق العلمي ودوره في حياة المرأة والمجتمع.
تعليم الخادمة
كما اهتم الإمام البنا بتعليم الخادمة؛ حيث كلف ابنته الكبرى وفاء بأن تعلم الخادمة القراءة والكتابة والصلاة.
وقدم (رحمه الله) أروع المثل في تحقيق المساواة التي نادى بها الإسلام، ليس مع الأبناء والأولاد فحسب، ولكن أيضًا مع الخادم في بيته، فقد كان لها من الحقوق والتكريم، كما كان لأبنائه وأفراد أسرته، فكان يوصي أبنائه بإحسان معاملتها، وقد حدث أن عاقب ابنته سناء ذات مرة لأنها عاملتها معاملةً غير لائقة، وكان للخادم في بيته سرير مستقل، ودرج للملابس مستقل في دولاب الأولاد، وتأكل مما يأكلون وتشرب مما يشربون وتلبس مما يلبسون.
هذه جوانب مضيئة عن المرأة في أدبيات الإمام البنا من خلال فكره ومنهجه وأسلوبه العملي، الذي غير كثيرًا من واقع المرأة؛ حيث تؤتي دعوته ثمارها في جيل الصحوة الإسلامية اليوم، فنرى مظاهرها في الشارع، وفي كثير من مؤسسات المجتمع، ولدى العديد من المفكرين وقادة الرأي، وحمل العديد منهم فكرته الإسلامية، وبرامجه التربوية؛ حيث تحولت إلى مشروع حضاري للأمة، فرحم الله إمامنا المؤسس الذي حاول أن يؤسس صرحًا ضخمًا على كتاب الله وسنة رسوله الكريم، وهو بناء الأفراد والمؤسسات التي تستضيء بنور الإسلام، وتسير على هديه ومنهجه.
وصدق الله العظيم إذ يقول: (مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً). (1)
(1) الأحزاب-23.
في بيت الإمام
يتحدث الأستاذ عمر التلمساني عن لقائه الأول مع الإمام حسن البنا في منزله فيقول: ودخلت الحوش قائلاً: هل فضيلة المرشد العام موجود؟ وكانت بساطة المنزل وحالته أقل من عادية. وردّ الإمام وفتح باباً لحجرة على يمين الداخل من المنزل، وكانت معتمة لا تكاد ترى ما فيها. وفتح نافذة تطل على الحارة التي يقع فيها المنزل. فتشت محتويات الحجرة، ليس على الأرض بساط ولا حصير، عدة كراسي من القش، وشيء يطلق عليه تجاوزاً اسم مكتب لا يزيد ثمنه بسعر تلك الأيام عن ريالين(1).
في هذا البيت المتواضع الشديد التواضع كان يعيش المرشد العام للإخوان المسلمين.
(1) الملهم الموهوب حسن البنا أستاذ الجيل- عمر التلمساني.
استشهاد الإمام
كتب الله له الشهادة التي كان يدعو الله دائماً أن يجعله أهلاً لها في 14 ربيع الثاني 1368هـ الموافق 12 شباط (فبراير) 1949م.
ولقد كتب الأستاذ جمال البنا شقيق الإمام عن هذه المأساة وتأثيرها على أسرتهم فقال(1): أصاب مقتل الإمام حسن البنا الأسرة بضربة لم تفـق منها. صحيح أن الإمام الشهيد (رحمه الله) لم يكن يؤثر أشقاءه بشيء ولكنه كان للأسرة ذخرها، وفخرها وأملها، وكانت تربطه بكل فرد من أفراد الأسرة وشيجة تضرب في أعمق أعماق النفس، وصلة وثيقة من الطفولة حتى الرجولة، فضلاً عن الصور الدراماتيكية والملابسات الإرهابية التي وقع بها هذا الخطب الجلل، من أجل ذلك فإن الشيخ الوالد لم يعد أبداً إلى ما كان عليه قبله، أما الوالدة (رحمها الله) فقد كان مصابها، يجل عن الوصف.
هذا حسن البنا, فلماذا قتلوه؟
وتحدث عن الإمام الشهيد حسن البنا.. المرشد العام الإمام حسن الهضيبي فقال:
عرفته أول ما عرفته من غرس يده، كنت أدخل المدن والقرى فأجد إعلانات عن (الإخوان المسلمين) دعوة الحق والقوة والحرية، فخلت أنها إحدى الجمعيات التي تعنى بتحفيظ القرآن والإحسان إلى الفقراء ودفن الموتى والحث على العبادات من صوم وصلاة، وأن هذه قصاراها من معرفة الحق والقوة والحرية، فلم أحفل بها.
(1) جريدة الشرق الأوسط 15/7/2001م.
فكثير هم الذين يقرأون القرآن دون أن يفقهوه ودون أن يعملوا به، وأكثر منهم الذين يصلون ويصومون ويحجون دون أن يكون لذلك أثر في نفوسهم، والإحسان إلى الفقراء كثيراً ما يوضع في غير موضعه، ولم أحاول كما هي العادة أن أعرف شيئاً عن الإخوان المسلمين.
ثم التقيت يوماً بفتية من الريف أقبلوا عليّ – على غير عادة الأحداث مع من هم أكبر منهم سناً ومركزاً – يحدثونني، فوجدت عجباً.. فتية من الريف لا يكاد الواحد يتجاوز في معارفه القراءة والكتابة يحسنون جلوسهم مع من هم أكبر منهم في أدب لا تكلف فيه، ولا يحسون بأن أحداً أعلى من أحد، ويتكلمون في المسألة المصرية كأحسن ما يتكلم فيها شاب متعلم مثقف، ويتكلمون في المسائل الدينية كلام الفاهم المتحرر من رق التقليد، ويبسطون الكلام في ذلك إلى مسائل مما يحسبه الناس من صرف المسائل الدنيوية، ويعرفون من تاريخ الرسولصلى الله عليه وسلم ما لا يعرفه طلاب الجامعات، فعجبت لشأنهم وسألتهم أين تعلمتم كل ذلك؟ فأخبروني أنهم من الإخوان المسلمين، وأن دعوتهم تشكل كل شيء، وتعنى بالتربية والأخلاق والسياسة، والفقر والغنى، والاقتصاد وإصلاح الأسرة، وغير ذلك من الشؤون صغيرها وجليلها.
من ذلك الوقت تتبعت حركة الإخوان المسلمين وصرت أقرأ مطبوعاتهم واتصل بهم دون أن أعرف الداعية إلى ذلك، ولكني عرفته من غرس يده، قبل أن أعرف شخصيته.
كان يوم خرجت أنا وبعض زملائي لمشية العصر على حافة النيل فوجدنا جمعاً من الجوالة سألناهم عن شأنهم فعلمنا أن حسن البنا سيلقى خطبة في حفل الليلة فوافينا الحفل وسمعنا حسن البنا.
لقد تعلقت أبصارنا، ولم نجد لأنفسنا فكاكاً من ذلك، وخِلْتُ والله أن هالة من نور أو مغناطيساً بوجهه الكريم تزيد الانجذاب إليه، خطب ساعة وأربعين دقيقة، وكان شعورنا فيها شعور الخوف من أن يفرغ من كلامه، وتنقضي هذه المتعة التي أمتعنا بها ذلك الوقت.
كان كلامه يخرج من القلب إلى القلب، شأن المتكلم إذا أخلص النية لله، وما أذكر أني سمعت خطيباً قبله إلا تمنيت على الله أن ينهي خطابه في أقرب وقت، كان كالجدول الرقراق الهادئ ينساب فيه الماء، لا علو ولا انخفاض يخاطب الشعور فيلهبه، والقلب فيملؤه إيماناً، والعقل فيسكب فيه من المعلومات ألواناً.
انقضى وقت طويل دون أن ألتقي به، ولما أذن الله بذلك التقينا، فإذا تواضع جم، وأدب لا تكلف فيه، وعلم غزير، وذكاء فريد، وعقل واسع ملم بالشؤون جليلها وحقيرها، وآمال عراض، كل ذلك يحفه روح ديني عاقل لا تعصب ولا استهتار، (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)(1)، إنه كان ملهماً، وأقسم أني التقيت به وعاشرته فما سمعت منه كلمة فيها مغمز في عرض أحد أو دينه، حتى من أولئك الذين تناولوه بالإيذاء والتجريح في ذمته ودينه، وكان في ذلك ملتزماً حدّ ما أمره الله.
هذا هو حسن البنا الذي قتلوه، لقد قتلوا أخطر داعية ظهر على وجه الأرض منذ قرون، والآن فإن الغرس الذي عرفت فيه حسن البنا قد نما وترعرع، وصارت دعوته إلى كتاب الله مستقرة في القلوب، وصار تلاميذه يعلمون الناس ما علم ويلهمونهم ما ألهم وزاد عددهم على البأساء والضراء، حتى أصبحوا أقوى جلداً مما كانوا، وأعرف بشؤون الحياة، وأصبر على المظالم، وأعلم بأن أعداء دعوتهم أكثر من أنصـارهم، فأعدوا أنفسهم لكفاح طويل في سبيلها.
(1) البقرة- 143.
ولقد صار الإخوان المسلمون اسماً لا يعبر عن منظمة في مصر وإنما يعتبر عنواناً لنهضة الإسلام وبعثه وحيويته في جميع البلاد الإسلامية من المحيط إلى المحيط، فاسم الإخوان في إندونيسيا والباكستان وكل البلاد العربية، وصارت دعوتهم رعباً للمستعمرين وأنصار المستعمرين والمنافقين والظالمين، لأن الباطل يفزع من الحق أينما كان وحيثما وجد.
آخر لقاء مع الإمام الشهيد
كانت الساعة الحادية عشرة مساءً ودق الجرس وفتحت الباب، ودخل حسن البنا.. دخل يحمل إليّ آخر أنباء مفاوضاته مع الحكومة، ولا أعلم لماذا كنت منقبضاً.. لماذا كنت ضيق الصدر.. لماذا تجمعت فوق طرف لساني كلمة (القتل).
كنت أحسّ أن هذا الرجل سيُقتل.. ستغتاله يد أثيمة.. فإن الحكومة – أي حكومة – لا يمكن أن تعجز عن قتل رجل أعزل إلا من الإيمان.
وأراد أن ينصرف.. وصافحته.. وإذا بي أعانقه وأقبله.. ولا أكاد أمسك دموعي أو أخفيها.. وابتسم (رحمه الله) وقال: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)(1).
وابتلعه الظلام.. وفي اليوم التالي ابتلعه الظلم.. فقد اغتالت الحكومة المصرية في 12 فبراير 1949م مواطناً مصرياً اسمه (حسن البنا).. وتعهّدت هذه الحكومة لا بإخفاء معالم الجريمة فحسب.. ولكن بمكافأة القاتل(2)!!!
(1) التوبة- 51.
(2) حسن الهضيبي: حياته وآثاره- عبد الحليم الكناني.
هذا حسن البنا فلماذا قتلوه؟
قالوا: إنهم قتلوه لأنه شكل عصابة إرهابية كانت تعمل على قلب نظام الحكم، وإشاعة الفساد في البلاد. والحقيقة أنهم قتلوه لأنه أصبح الرقم الصعب في العالم الإسلامي الذي لم يكن بإمكانهم إعادة تشكيل المنطقة وتقسيمها بما يناسب مصالحهم.. ما لم يتخلصوا منه(1).
أستاذ الجيل
وتحدث عن استشهاد الإمام حسن البنا.. المرشد العام عمر التلمساني, تحت عنوان أستاذ الجيل فقال:
رغبنا في العمل لدعوة الله بصورة لم يألفها المسلمون بعد عهد الخلفاء الراشدين. لم يكن الإخوان المسلمون مع حسن البنا يتسابقون في القيام بالواجبات, لأنها أكثر من الأوقات, كما قال رضي الله عنه, ولكنهم كانوا يتسابقون في القيام بأكثر مما يعهد به إليهم, حباً في العمل لأنه لله, وكسباً لمرضاة مرشدهم, لأن رضاءه يقربهم إلى من الله, لأنه ما كان يكلف أحداً إلا بما هو لله خالصاً. كان الأخ يرسل من المرشد ليزور أخاً في بلد ما, فما كان الأخ ليكتفي بهذا الواجب فقط ولكنه كان يقوم بأكثر من زيارة في ذلك البلد, هذا إذا لم يعقد أكثر من اجتماع في مساجد ذلك البلد. يبلغ فيها دعوة الله. كل ذلك ليعود بحصيلة يحبها المرشد وكان هذا يسعد فضيلته. وكان كل واحد منا حريصاً على إدخال السرور إلى قلب المرشد ما استطاع إلى ذلك سبيلاً, كان يرسل الأخ لتحصيل اشتراكات منطقة ما,
(1) حسن الهضيبي، مجلة الدعوة (فبراير 2000م).
فكان الأخ يوسع دائرة عمله هذا حتى يعود بأكثر مما أرسل من أجله مهما كلفه ذلك من جهد ووقت. وكان البعض يتحمل نفقات هذه الزيارات والأعمال دون أن يكلف الجماعة قرشاً واحداً. كان يقدم لأحدنا مثلاً شيئاً يعلم أنه يحبه فيرسل هذا الأخ ما أهداه إليه مرشده إيثاراً فيرسلها هذا بدوره إلى ثالث حتى تعود إلى من أهداها أول مرة. وقد حث شيء مثل هذا أكثر من مرة داخل السجون والمعتقلات وبنفس العاطفة. وهكذا تنتقل الحسينة من يد إلى يد حتى تعود إلى من أهديت إليه أول الأمر. هكذا منا. وكان هذا من أسرار قوتنا وتقدمنا ولن نعود إلى ما كنا إليه من قوة ومكانة إلا إذا عدنا إلى ما كنا عليه من عاطفة وإيثار لا يودعهما الله إلا قلوباً عاملة مخلصة مصطفاة مجتباة ذلك الفضل من الله. لقد كانت العواطف الصادقة المتبادلة بين الإخوان المسلمين مثار الدهشة والغرابة عند الناس. إذا مرض أخ عاده أخوه لأنها سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم المطبقة من الإخوان في دقة وعناية. إذا مات أخ كان تشييع جنازته مظهراً من أكبر مظاهر الوفاء. وكذلك إذا عقد قران تزاحم الإخوان في تهنئة أخيهم والقيام بكل ما تقتضيه مثل هذه المناسبات.
علمنا حسن البنا حقيقة القيام بالواجب وصورته في إتقان بالغ. فأصبح الأخ المسلم في محيطه علماً على أداء الواجب في أكمل صورته. وكان في عمله المحور الذي يلتف حوله كل العاملين في ذلك الموقع حتى ولو لم يكونوا من الإخوان المسلمين. كانوا يثقون في أمانته, في صدقه, في حكمته, في كفاءته, في عدم إفشاء أسرارهم, في تغطية تقصيراتهم, في الدفاع عن أخطائهم, والتسامي فوق سقطاتهم حتى رؤساء الأجهزة التي يعمل فيها أخ كانوا ينزلونه من أنفسهم منزلة الاحترام والتقدير والإكبار, لما عرف عن تلامذة حسن البنا من أنهم يستحقون ذلك وأكثر. وقد صرح أحد كبار رجال الأعمال في حفل طلابي بالإسكندرية أن السبب في ثبات مؤسساته ونجاحها يعود الفضل فيه بعد الله إلى الإخوان المسلمين لأنهم كانوا كثرة موظفيه في مؤسساته وقد نشر ذلك في الصحف اليومية في حينه.
ذهبت في سنة 1971 مع قريب لزيارة رئيس إدارة النيابات لأن البوليس من أذناب عبد الناصر, قد وضعني في عداد المشبوهين وأعطاني إنذار اشتباه لأنني في نظرهم من الأشرار وأعطاني دفتراً ليوقع فيه العساكر في جوف الليل عندما يقلقونهم من نومهم ليتمموا عليهم. هكذا عاملني رجال المباحث من أذناب عبد الناصر وما كنت متضرراً من الوضع, ولكن قريبي حملني حملاً على الذهاب معه إلى صديقه رئيس إدارة النيابات مبلغاً إياه أن هذا إجراء غير قانوني بفتوى مجلس الدولة. واستجاب رئيس إدارة النيابات وألغى الإنذار الذي إن كان يحمل في ظاهره محنة, إلا أنه يحمل في واقعه منحة ورحمة حمتني من الاستجابة إلى عشرات الدعوات من الأقارب والصحاب عقب خروجي من السجن. ليس هذا هو المهم إنما الذي عناني لذكر هذه الواقعة أننا أثناء وجودنا في مكتب رئيس النيابات دخل أحد أعضاء النيابة الذين يعملون معه وطلب في انفعال أن يغير له الساعي الذي يجلس على باب مكتبه فلما سأله عن السبب أخبره أن هذا الساعي لا يرضى أن يحضر له سجائره وجرائده وما إليها من خصوصياته بحجة أنه يتناول مرتبه من الحكومة للقيام بالأعمال المصلحية لا الخدمات الخاصة. وكان رئيس إدارة النيابات حصيفاً فقال لوكيل النيابة: لك ما طلبت فوراً. فإني في حاجة إلى مثل هذا الرجل الذي يعرف واجبه ويعتد بكرامته رغم صغر وظيفته. وحرصت على معرفة السر فتوجهت إلى ذلك الساعي لأحييه فإذا به من جماعة الإخوان المسلمين. فسالته عن سبب تصرفه السليم. فأخبرني أن حسن البنا طلب منه أن يحترم رؤسائه وأن يحترم نفسه أمام رؤسائه بأداء واجبه نحوهم في أدب ولياقة وحصافة فيعطيه ما لهم على الوجه الأكمل ويترفع عن القيام بالأعمال التي لا تليق بالأخ المسلم الكريم. هكذا علم حسن البنا الإخوان المسلمين وقومهم ورباهم وهذبهم. يتأدبون مع الصغير والكبير, ويحترمون الصغير والكبير, لا يحنون الجباه أمام الكبير, ولا يتعالون على من دونهم. إن هذا لون من الأخلاق لو تعامل به المسلمون لتغير الكثير مما هم عليه اليوم. إن حسن البنا لم يبتدع هذا الأسلوب ولكنه جاء به من دين الله وأقامهم عليه. وحببه إليهم, وقربه من نفوسهم حتى أصبح خلقاً من أخلاقهم أعانهم على الكثير مما لاقوه في سبيل الدعوة إلى الله صابرين محتسبين.
إن حسن البنا أستاذ الجيل بغير منازع, أستاذه في كل شيء, لما تمت مؤامرة الصليبية مع مصطفى كمال وألغيت الخلافة الإسلامية, وتشتت شمل المسلمين, كل بلد إسلامي بقومية معينة, وملك أجير باع دينه بدنياه, ورئيس سمه ما شئت, وأطلق عليه من الأوصاف غير اللائق ما أردت, لما انحدرت إلينا العلمانية عقب إلغاء الخلافة, ولما خلعت نساء مصر حجاب الحياء وسرن في الطرقات غير محتشمات بفضل الزعيم المحترف سعد زغلول الذي تربى في صالون الأميرة نازلي وهو الصالون الذي كان يتخرج فيه وزراء ذلك الزمان, لما انتشرت مظاهر مخالفة تعاليم الإسلام بشكل ينذر بالخطر, لما أحس كل غيور على دينه بداهية العلمانية تزحف على مصر بفضل بعض العلمانيين غير المسلمين من سوريا والعراق ولبنان, متسربلين بسراويل القومية والنعرة الوطنية الكاذبة. لما استشرى هذا الوباء وسكت كل من في الأزهر, ووقفوا يتفرجون على هذا الشر المستطير, وكأن الأمر لا يعنيهم وحسبهم الفرجيات المبرقشة كذيل الطاووس يخبون في ألوانها الزاهية. ليلة القدر إلى دار المندوب السامي يحيونها هناك. لما دهم مصر كل هذا البلاء المريع, قام الفتى العملاق المتخرج في دار العلوم دراسة وربيب كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام فقهاً وفهماً, وواقعاً وعملاً, وتطبيقاً وتنفيذاً, قام حسن البنا المرشد الأسبق للإخوان المسلمين رضي الله عنه قام يهيب بالمسلمين أن أفيقوا, فسيل الإلحاد يتحدر صوبكم من كل جانب, أجمعوا أمركم, واتبعوا نبيكم, وتمسكوا بدينكم, فلا منجاة لنا إلا ذاك. وكان الرجل صادقاً وكان عزمه خارقاً وكانت حركته مخلصة خالصة تقبلها الشباب بقبول طيب مشجع, وبارك الله في الشباب دائماً وابداً. وأصبحت الله أكبر ولله الحمد, يقولها الإخوان عاملين, ويقولها غيرهم مقلدين, تدوي في كل مكان, فزلزلت استعماراً, وهزت عروشاً, وأيقظت أذهاناً وأحيت آمالاً, وحركت همما, وفتحت طريق العمل الواضح السليم, وتغير حال مصر. فبعد أن كانت المساجد لا يرتادها إلا العجزة والكهول وأرباب المعاشات غدت عامرة بالشباب الناضج الزاهي حتى ضاقت بروادها. فكانوا يصلون على الجرائد في الطرقات حول المساجد. من قدم هذا الإشراق الكريم؟ إنه حسن البنا. أليست هذه أستاذية لم يحظ بها سواه في القرن الرابع عشر الهجري. أجل إنها أستاذية حقاً. لا نقولها تشيعاً ولا تعصباً ولكنها الواقع الذي عاش فيه المصريون منذ أن قام فيهم حسن البنا, منذراً, ومحذراً.
داعية فوق المساومات
إنه أستاذ الجيل بلا نزاع لأن العمال بدأوا يشعرون بوجودهم وحقوقهم لما نبههم إليها في توجيهاته وندواته. بدأ الفلاحون يعرفون أن لهم وجوداً وحقوقاً. عندما كان يزورهم في قراهم وحقولهم وبدأ الطلاب يعرفون واجبهم الصحيح وطريقهم الحق. لا ذلك التهريج الذي أشاعه بينهم دعاة الإضراب النفعيين. بدأوا يعرفون أن عليهم حقوقاً يجب أن تؤدى على أرض هذا الوطن المسلم. وأن لهم حقوقاً يجب أن يستمتعوا بها, ليست التصفيق والهتافات والمظاهرات, ولكن أولها تغيير برامج التعليم الاستعماري العلماني التافهة التي لم تقدم للوطن شباباً ينفعه ويدافع عنه ويحميه. وشعر الاستعمار بخطورة هذا الداعية النبيل, فأحب أولاً أن يحتويه فطلبت السفارة البريطانية أن يلقي محاضرة عن الديمقراطية في المذياع في مقابل خمسة آلاف جنيه. وأنت لا تستطيع اليوم أن تدرك معنى خمسة آلاف من الجنيهات في ذلك الوقت. فقال لهم الرجل على الرحب والسعة, وبلا مقابل, حسب فهمي وتصوري لهذا الذي تسمونه ديمقراطية. قالوا: لا, ولكن حسب فهم بريطانيا وحلفائها فقط ولو خالف ذلك كل معروف مألوف. قال: إليكم عني إذاً فقد ضللتم الطريق, وأخطأتم التقدير. ولما عجز الاستعمار عن احتواء الرجل, وإيقاف المد الإسلامي الذي أرسله حسن البنا من سم الخياط الفكري في ذلك الحين, أغروا به القصر الملكي في عهد فاروق, فاغتالووه عياناً بياناً في أكثر شوارع القاهرة حركة, بعد أن أعدت الدولة بأسرها عدتها لهذا الاغتيال. دولة باسرها تتآمر ضد رجل أعزل من مواطنيها! يا لها من دولة تافهة حقيرة! ويا له من ملك صغير ويا له من رئيس وزارة تافه حقير! ويا له من رجل! أي رجل! تلقى في جسده الضئيل الواهي سبع رصاصات سوياً فنزل من السيارة ينزف دماً غزيراً كريماً, ويطلب الإسعاف من تلفون جمعية الشبان المسلمين, فتنقله إلى القصر العيني, وهناك صدرت أوامر فاروق إلى أطباء القصر العيني بعدم إسعافه, وترك أولئك الأطباء الشجعان رسل الإنسانية, تركوا دم الشهيد ينزف أمام أعينهم قطرة قطرة, ومع كل قطرة لعنة رأس فاروق وأطبائه الجبناء الذين خانوا أمانتهم الإنسانية من أجل دراهم معدودة يتقاضونها كل شهر لم ينقذوا جريحاً كان في الإمكان أن ينجوا لو كان في القصر العيني أطباء رجال. ولكنها إرادة الله التي أبت إلا أن يحقق لحسن البنا أعز أمانيه التي تمناها. ودعا الشباب لطلبها (والموت في سبيل الله أسمى أمانينا) أليست هذه أستاذية الجيل بأكمله! هل تجنينا على الحقيقة ووصفنا أستاذنا بما هو ليس له أهل.
إنه أستاذ الجيل بلا شك, فقد كان كل عالم مشغولاً براتبه ودرجته وترقيته, ثم راحته وإجازته السنوية كل هذا ما كان يعني حسن البنا في شيء, لم يلق إليه بالاً, لم يهتم به لحظة, لم ينشغل به هنيهة. كانت كل ماديات الحياة عنده في المرتبة الأخيرة, وما كان يعنيه إلا الدعوة إلى الله, والعمل المتواصل لنشرها, فإذا ما أهل الصيف وبدأت الإجازة السنوية, شد رحاله إلى الصعيد, بدءاً من أسوان إلى كل أحضان الجبال بما فيها من عقارب وفئران وكفور ونجوع, على قدميه عشرات الأميال مرة, على حمار أعجف مرة, على معدية مترنحة مفككة مرة, لا يحول بينه وبين تبليغ الدعوة ونشرها بين الناس جميعاً حائل أو مانع. يكفيه أقل الطعام كماً وكيفاً, كان قليل الرغبة في الطعام, فإذا ما دعي إلى مائدة دسمة شهية, أسرع إلى الجلوس بجواره الدباغون من شباب الإخوان, أمثال فلان وفلان, ورحم الله منهم من مات, وأطال عمر الباقين في حسن العمل, ذلك لأن الداعي كان يكدس لحم الضأن والدجاج أمام فضيلته, فتتسرب هذه الكميات الهائلة من بين يديه يميناً وشمالاً على الذين يحفون به من الجانبين. أما هو فيكفيه من الطعام ما يقيم صلبه. ويظل في هذه الرحلة المرهقة حتى تنتهي شهور الإجازة, فيعود إلى القاهرة, ليبدأ رحلة الشتاء في أرجاء الوجه البحري أيام الجمع والإجازات الرسمية. وأذكر أنني والإخوان صلينا معه الفجر على رصيف محطة طنطا, والمطر يتساقط رذاذاً خفيفاً واهناً, وكنا بذلك جد سعداء. ومن طرائف هذه الزيارة أن الإخوان جميعاً ومعهم الحبيب الغالي حسن البنا باتوا على الحصير في جامع أنشأه المرحوم عبد الحميد باشا الدماطي, وكان الإمام يعلم أني لا أستطيع النوم على حصير, ثم جاء عبد الناصر, فأنامنا على الأسفلت, كان يعلم ضعف احتمالي لقسوة الحصير, فطلب من الدماطي باشا أن يهيأ لي ولشيخين من شباب الإخوان كانا ما يزالان في دور الطلب فراشاً وثيراً. ونفذ الرجل رغبة فضيلته , ودلفنا ثلاثتنا, أنا والشيخان الشابان, إلى حجرة نوم فاخرة مؤثثة تأثيثاً ما كان لي ولا للشيخين به عهد من قبل, فقد كنا ثلاثتنا دون متوسط من الناحية المالية, وما أن تركنا صاحب الدار لننام, حتى تنهد أحد الشيخين محوقلاً. قلت: ماذا بك؟ قال: هذه الأموال التي أنفقت في تأثيث هذه الحجرة, أما كان من الأولى أن تنفق في سبيل الدعوة إلى الله؟ قلت: هون عليك يا رجل. ها أنت قد حضرت أنت ومن معك من القاهرة, لتقول كلمة في دعوة الله, فأراد الله أن يكرمك, فنمت في حجرة وعلى فراش ما كنت تحلم به أنت ولا أنا ولا ثالثنا بالنوم في مثل فراشها الوثير, ألا يثاب صاحبها أن آوانا إليها في هذا الجو البارد؟ فسكت الشيخ وما أظنه سكت راضياً. وتمر الأيام والسنون ويتولى هذا الشيخ منصباً كبيراً, وألم به مرض فذهبت أعوده, ودخلت إلى حجرة نومه حيث يرقد, وكانت فاخرة الأثاث, فما تمالكت نفسي أن حوقلت, والشيخ ذكي أريب, أدرك على الفور من هذه الحوقلة التي عادت بنا إلى الوراء عشرات السنين, فقال على الفور: يا استاذ عمر اسكت, قلت: حاضر. أما الشيخ الآخر فقد وصل إلى عمادة إحدى كليات الأزهر الشريف, أطال الله حياتهما ومتعهما بالصحة والعافية وغفر الله لي ولهما. وهكذا الناس ينكرون على الناس ما هم فيه باسم الدين, فإذا وصل بهم الحال إلى ما أنكروه بالأمس, استطابوه اليوم, وأخلدوا إليه ورضوه, ولله في خلقه شؤون.
إنه أستاذ الجيل بلا ريب. ربى شباب جيله تربية إسلامية سامية سالكاً أسلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة والتربية, يبلغ رسول الله دعوته إلى الناس جميعاً, وهذا هو الواجب الأول للرسول صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالل